إسلام ويب

من سورة التوبةللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة التوبة هي آخر سور القرآن نزولاً، ومن خصائصها أنها أكثر السور أسماء، وهي السورة الوحيدة التي لم تفتتح بالبسملة، وهي السورة التي فضحت المنافقين وكشفت مؤامراتهم. وقد شبه الله فيها قلب المؤمن بالبناء الشديد الأركان، وقلب المنافق بالبناء على شفا جرف يوشك على السقوط

    1.   

    خصائص سورة التوبة

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    سورة التوبة هي آخر سور القرآن نزولاً باتفاق أهل التفسير، ولها خصائص:

    منها: أنها أكثر سور القرآن أسماء، فتسمى: سورة براءة، وتسمى سورة التوبة، وتسمى سورة العذاب؛ لأن فيها قول الله عز وجل: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة:14]، وتسمى كذلك البحوث والحافرة والمنقرة والمنكلة والمدمدمة والمقشقشة، إلى غير ذلك من الأسماء الكثيرة.

    ومنها: أنها السورة الوحيدة التي لم تفتتح بالبسملة، فليس في صدرها بسم الله الرحمن الرحيم؛ قالوا: لأن البسملة أمان وهذه السورة قد نزلت برفع الأمان عن المشركين، فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [التوبة:2].

    1.   

    اتخاذ المنافقين مسجداً للإضرار بالمسلمين وتفريقهم

    هذه السورة المباركة قد اشتملت على مثل واحد، ففي الآية السابعة بعد المائة يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:107-108].

    ثم يقول سبحانه: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109].

    هذه الآيات نزلت في شأن جماعة من المنافقين كان على رأسهم رجل يقال له: أبو عامر الراهب.

    وهذا الرجل في الجاهلية كان من أشراف الخزرج وقد ترهب وله عبادة، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق واجتمع عليه الأوس والخزرج والمهاجرون والأنصار شرق هذا الرجل بريقه كما شرق أخوه في الكفر عبد الله ابن سلول .

    وهذا يدلنا على خطورة الحرص على الجاه، كما مر معنا في خبر أمية بن أبي الصلت الذي يرى بعض المفسرين أن الله شبهه في تلك الآية بالكلب: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ[الأعراف:176]، فالذي حمله على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الحرص على الجاه.

    كذلك هذا الرجل الفاسق الذي يقال له: أبو عامر الراهب تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الإسلام، فأظهر الإسلام نفاقاً لكنه لم يلبث أن لحق بالمشركين في مكة، وجاء يوم أحد وحفر حفراً سقط النبي صلى الله عليه وسلم في إحداها فجحشت ركبتاه.

    ثم جاء مع الأحزاب فلما هزمهم الله وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ[الأحزاب:25]، رجع وأقام بمكة كافراً، فلما فتحت مكة فر إلى الطائف، فلما فتحت الطائف بعد هزيمة ثقيف فر الرجل إلى بلاد الروم يستنصر بـ هرقل، وكتب إلى إخوانه المنافقين في المدينة أن يبنوا مسجداً مجاوراً لمسجد قباء من أجل أن يعقدوا فيه اجتماعاتهم ويكون خالصاً لهم يكيدون فيه للإسلام والمسلمين.

    فقام رجال من المنافقين فيهم معتب بن قشير وفيهم نبتل بن الحارث وغيرهم فبنوا مسجداً ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج إلى تبوك، فقالوا له: (يا رسول الله! إنا قد ابتنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، فصل لنا فيه وادع لنا بالبركة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنا على جناح سفر فإذا رجعت أصلي لكم فيه إن شاء الله ).

    ثم خرج عليه الصلاة والسلام إلى تبوك، وكان من أمر الله ما كان في تلك الغزوة من ظهور النفاق على أصوله.

    ثم بعد ذلك في طريق العودة وبينه وبين المدينة ساعة من نهار، في مكان يقال له: ذي أوان، نزلت عليه هذه الآيات يبين الله عز وجل فيها أن ذلك المسجد لم يبن لوجه الله، وإنما هو مسجد ضرار، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً[التوبة:107]، من أجل الضر، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ[التوبة:107]، كما أن بني عمرو بن عوف قد بنوا مسجد قباء، فهؤلاء بنوا هذا المسجد إلى جواره من أجل أن القوم القريبين منهم وهم بنو عمرو بن عوف يصلون فيه، فيفرقوا المؤمنين، وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ[التوبة:107]، وهو أبو عامر الفاسق، وَإِرْصَاداً[التوبة:107]، أي تهيئة، لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ[التوبة:107]، وهذه عادة المنافقين، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[المجادلة:16]، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى[التوبة:107]، قد اتخذنا هذا المسجد لذي العلة والحاجة والليلة الشاتية والليلة المطيرة، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة:107].

    لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً[التوبة:108]، هذا المسجد لا تصلي فيه أبداً.

    فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك انتخب رجلاً يقال له: مالك بن الدخشم ورجلاً يقال له: معن بن عدي ورجلاً ثالثاً يقال له: وحشي ، فقال لهم: (انطلقوا إلى ذلك المسجد الذي أسس على غير تقوى من الله ورضوان فاهدموه وحرقوه).

    فانطلق مالك رضي الله عنه وأخذ عيداناً من نار وكان للقوم فيه اجتماع، فقذف بتلك النار على عرش ذلك المسجد وكان من الجريد، فلما بدأ الحريق يدب فيه ولى القوم مدبرين ولم يعقبوا، وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً[الأحزاب:25]، قال الله عز وجل: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ[التوبة:108]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هو مسجدكم هذا )، يعني: المسجد النبوي.

    وفي حديث آخر: بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( هو مسجد قباء )، وكلاهما حديث صحيح ولا تعارض، فالمسجد النبوي أسس على تقوى من الله ورضوان، ومسجد قباء أسس على تقوى من الله ورضوان.

    لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ[التوبة:108]، قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: وفي هذا دفع لشبهة ربما يدندن حولها المنافقون، فيقولون: دعونا محمداً إلى الصلاة فأبى؛ لأن المنافقين دائماً يطلقون الشائعات والأباطيل، فقطع الله عليهم الطريق وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يقوم في مسجد أحق بأن يقام فيه، لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ[التوبة:108].

    ثم أثنى الله على عماره فقال: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا[التوبة:108]، وقد سألهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ( يا معشر الأنصار! قد أثنى الله عليكم، فماذا تصنعون؟ قالوا: يا رسول الله! كان الرجل منا إذا ضرب الخلاء للغائط أتبع الحجارة الماء )، يعني يجمع بين الحجارة والماء، فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108].

    1.   

    تشبيه قلب المؤمن بالبناء القوي وقلب المنافق بالبناء على شفا جرف هار

    ثم يقول الله عز وجل -وهذا هو محل المثل-: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ[التوبة:109], شفا البئر: حافته وطرفه، والجرف هو المكان الذي يكون في جانب الوادي وتكون أرضه ضعيفة، فإذا أصابه السيل انهار وتهدم، فالله عز وجل يشبه قلب المؤمن بذلك البنيان الذي أسس على التقوى من أول يوم، فكل عمل يعمله يزيد ذلك البنيان متانة وقوة وصلابة وشدة.

    ويشبه قلب المنافق الذي هو كالشاة العائرة بين غنمين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يشبهه الله عز وجل بالبنيان الذي أسس على الجرف، فبمجرد ما يأتي عليه السيل سرعان ما ينهار ويتهدم، أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[التوبة:109].

    أسأل الله أن يفتح مغاليق القلوب.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.