إسلام ويب

من سورة النحل [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه يمتن على عباده بنعمه العظيمة التي وهبهم إياها، ومع ذلك جحد بها المشركون، وساووا بين الله سبحانه القادر على كل شيء والمنعم عليهم بأصناف النعم بالأصنام التي هي في غاية العجز والضعف والذلة، ومن جهلهم وجحودهم بنعم الله عليهم بغضهم للبنات ودفنهن أحياء وغيظهم وحنقهم إذا رزقوا بهن، ونسبتهن إلى الله سبحانه وتعالى

    1.   

    جعل المشركين لشركائهم نصيباً مما آتاهم الله

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    في سورة النحل في الآية السادسة والخمسين وما بعدها يقول الله عز وجل: وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:56-60].

    هذه الآيات جاءت عقيب آيات امتن الله فيها على عباده بكثير من نعمه، ففي صدر السورة تكلم ربنا جل جلاله عن خلق الإنسان، فقال: خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [النحل:4]، ثم تكلم عن خلق الحيوان، وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [النحل:5-9].

    ثم حدثنا ربنا جل جلاله عن عالم الكواكب وعالم البحار إلى أن قال سبحانه: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ * وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ[النحل:70-71]، ثم قال: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ[النحل:72]، ثم قال سبحانه: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [النحل:53-55].

    فهؤلاء المشركون الذين هم نجس كفروا بأنعم الله كلها، يقول الله عز وجل: وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ[النحل:56]، وهذه الآية تفسرها آية الأنعام: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا[الأنعام:136]، ولو أن الريح أو الطير حملت شيئاً من مال الله وجعلته في نصيب الشركاء، قالوا: الله غني، وإذا حملت شيئاً من نصيب الشركاء فجعلته فيما جعلوه لله قاموا بأخذه ورده، فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ[الأنعام:136]، أي إلى نصيبه، وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام:136]، وهذا شبيه بمن يريدون في زماننا أن يشطروا الحياة شطرين، وأن يجعلوها قسمين: قسم لله عز وجل يتمثل في الصلوات، وصيام رمضان، وحج البيت الحرام، وقسم للشركاء يتمثل في السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام والتوجيه والتعليم وغير ذلك، فيقولون: هذه ليس لله فيها دخل، وليس لله فيها نصيب، فالله عز وجل في تصورهم إنما هو في المسجد، أو في شهر رمضان، أو في الحج أما تفاصيل الحياة اليومية كالمعاملات المالية والأوضاع الأسرية والأخلاق السلوكية، فهذه كلها ليس لله فيها نصيب.

    فيقول سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ [النحل:56]، أقسم الله جل جلاله بذاته الشريفة، فقال (تالله لتسألن) أيها المفترون! يوم القيامة (عما كنتم تفترون).

    1.   

    بغض المشركين للبنات وزعمهم أنهن بنات الله

    وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل:57]، فهؤلاء المشركون الأخابث كانوا يكرهون البنات ويحبون البنين؛ وكان إذا تزوج أحدهم يهنئونه، بقول: بالرفاء والبنين، وهذه تهنئة أهل الجاهلية، والآن بعض الناس وللأسف جهلاً منه يكتب تهنئة في الجريدة بأن فلاناً تزوج فلانة، ويهنئهم بقوله: بالرفاء والبنين، ونحن المسلمين ليس عندنا التهنئة بالرفاء والبنين، وإنما عندنا بالرفاء والبنين والبنات، فكله من الله عز وجل، لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49-50].

    فهؤلاء البنات اللائي يكرهونهن ينسبونهن إلى الله، فيقولون: الملائكة بنات الله، جاء بهن من سروات الجن، بالسين، أي: من طائفة عليا في الجن، كما قال سبحانه: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً[الصافات:158]، أي: أن هؤلاء الكذابين جعلوا لله عز وجل نسباً مع الجن، وهذا النسب نتج منه الملائكة الذين هم بنات الله، وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمْ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمْ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ [النحل:62]، وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل:57].

    ثم يخبر الله عن حال من أحوال أهل الجاهلية فقال: وَإِذَا بُشِّرَ[النحل:58]، وهنا ربنا جل جلاله أتى بلفظة البشارة، ولم يقل: وإذا أعلم، وإذا أخبر، بل قال: وَإِذَا بُشِّرَ[النحل:58]؛ دلالة على قلة عقولهم؛ لأن هذه بشارة ينبغي أن يفرحوا بها ويسروا، وينبغي أن يحمدوا الله عز وجل عليها ويشكروه، وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه كئيباً عليه الغبرة والقترة، والضيق والانزعاج، وعبر الله جل جلاله عن هذه المعاني كلها بالسواد، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ[النحل:58-59] أي: يتخفى منهم، مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ[النحل:59] أي: هذا عنده أمر سيء قبيح، أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ[النحل:59] أي: على مضض وذل، أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ[النحل:59] أي: يخفيه ويدفنه، أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل:59]، حين قابلوا نعمة الله عز وجل العظيمة بالجحود والنكران، وكما كان يقول قائلهم - عياذاً بالله -:

    إني وإن سيق إلي المهر عبد وألفان وذود عشر

    أحب أصهاري إلي القبر

    يعني: يتمنى لبناته الموت، ولا يتمنى لهن الزواج ولا الراحة ويحسب أن في ذلك راحة نفسه، قال الله عز وجل لهؤلاء المشركين: لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ[النحل:60] أي: لهم الصفات السيئة الوضيعة الحقيرة، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى[النحل:60] فهو جل جلاله موصوف بالكمال، منزه عن النقص، منزه عن الصاحبة، منزه عن الولد، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:3-4]، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:60].

    1.   

    بيان الله سبحانه كرمه مع خلقه وتشبيهه الأصنام بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء

    في الآية الثالثة والسبعين، يقول الله عز وجل: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ [النحل:73]، أي: ويعبدون من دون الله الأصنام التي لا تملك لهم رزقاً، فلا تنزل لهم رزقاً من السماء ولا تخرجه لهم من الأرض، مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ * فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:73-74].

    ثم يقول الله عز وجل: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ[النحل:75]، الله جل جلاله يضرب مثلاً للأصنام ومثلاً لذاته جل جلاله، فيضرب مثلاً للأصنام بعبد مملوك، ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً[النحل:75]، فهو تحت سطوة سيده، وفي ملك مولاه، لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ[النحل:75]، لأن ماله لسيده.

    ثم يضرب مثلاً: وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً[النحل:75]، فالله جل جلاله يده سحاء الليل والنهار، لا يغيضها عطاء، ينفق جل جلاله وخزائنه ملأى، وقد وصف نفسه بأنه الكريم، ووصف نفسه بأنه الجواد سبحانه وتعالى، وقال: ( لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر )، فلو أن إبرة غمست في البحر، فإنها لا تنقص منه شيئاً.

    والله جل جلاله لو أعطى كل من يريد كل ما يريد، لن ينقص ذلك من ملكه شيئاً.

    هَلْ يَسْتَوُونَ[النحل:75]، أي: لا يستوون، ثم قال الله عز وجل: الْحَمْدُ لِلَّهِ[النحل:75]، وفيه دلالة على أن النعم كلها منه، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل:75]. أسأل الله أن يفقهنا في ديننا.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.