إسلام ويب

تدبر القرآنللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن التدبر عبادة عظيمة غفل عنها الكثير، ومن هنا فقد كان الصحابة رضوان الله يحرصون على تدبر القرآن أكثر من حرصهم على سرعة القراءة، والنبي صلى الله عليه وسلم من جانبه كان يحرص على أن يعلم أصحابه معاني القرآن؛ لأجل أن يتدبروه ويعملوا به

    1.   

    التعبد لله بتدبر القرآن

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فأسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المقبولين.

    من العبادات العظيمة التي ينبغي أن نلتفت إليها: تدبر القرآن، ولا يكن همنا أن نقرأ القرآن وننتهي منه، والآن للأسف في التراويح وفي التهجد نختار المسجد الذي يسرع إمامه في الصلاة، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام بالليل كما قال حذيفة : ( يقرأ مترسلاً، لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا استعاذ، ولا بآية فيها تسبيح إلا سبح )، فإذا قرأ مثلاً: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74]، كان يقف ويقول: سبحان ربي العظيم، وإذا قرأ: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً[الإسراء:111]، كان يقف ويقول: الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، وإذا قرأ: وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً [الإسراء:111]، كان يقف ويقول: الله أكبر، وهكذا إذا مر بآية فيها ذكر لجهنم، كقول الله عز وجل: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف:74]، كان يقف ويقول: يا رب! سلم، سلم.

    وإذا مر بآية: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [يس:55]، كان يقف ويقول: اللهم إني أسألك من فضلك، هكذا ينتفع بالقرآن، ويعتقد يقيناً أن الله يخاطبه، وهكذا ينبغي أن نكون، إذا قرأنا القرآن، لا نقرؤه على أنه قد خوطب به قوم آخرون، وإنما المخاطب به أنا وأنت وهو وهي، نحن مخاطبون جميعاً؛ ولذلك ربنا جل جلاله قال: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29]، وعاب ربنا جل جلاله على أقوام فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82]، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، وقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام الطبراني ، قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يأتي على الناس زمان يشربون فيه القرآن كشربهم اللبن ).

    قال الحافظ المناوي رحمه الله في فيض القدير: المراد أنهم يسلقونه بألسنتهم دون تدبر لمعانيه، ودون وقوف عند حكمه.

    فالواحد منهم: يقرأ إلى أن يبلغ نهاية السورة، لكنه لو سئل عن معانيها، أو سئل عن أمثالها، أو سئل عن أحكامها، أو سئل عن حكمها، فإنه لا يحير جواباً.

    هذا الصنف مذموم، ولو رجعنا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى سيرة أصحابه رضي الله عنهم لوجدنا أنهم كانوا منتفعين بهذا القرآن، مثال ذلك: لما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:1-3]، كان يكثر صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة في ركوعه وسجوده أن يقول: ( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي )، كان يكثر عليه الصلاة والسلام من هذا تنفيذاً لأمر الله عز وجل: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ.

    1.   

    صور من التدبر لآيات الله

    التذكير بمعاني الآيات عند وجود سببها

    من تدبر النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن: التذكير بمعاني الآيات عند وجود سببها: ( لما خرج عليه الصلاة والسلام يوماً جائعاً وخرج معه أبو بكر و عمر كلهم جياع، فقال عمر : يا رسول الله! إن في بستان أبي الهيثم بن التيهان تمراً طيباً، فلو ذهبنا فأكلنا منه، فذهب الرسول صلى الله عليه وسلم فاستقبلتهم زوجة أبي الهيثم ، فقالت: مرحباً برسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، فقال لها: أين أبو الهيثم ؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء )، فقامت المرأة كما هي عادة المرأة الكريمة الطيبة التي تشرف زوجها ولا تشينه، لم تنتظر مجيء زوجها، ( وإنما جاءت بعثكول من التمر، ثم أتت بماء والرسول صلى الله عليه وسلم وصاحباه أكلوا من ذلك التمر حتى انتهوا من العثكول كله )، وقد كانوا جائعين، والتمر من خصائصه أنه يصلح قوتاً ويصلح فاكهة، فيمكن للإنسان إذا كان جائعاً أن يأكل تمراً فقط، ويكتفي به عن غيره.

    ويمكن أيضاً للإنسان أن يتفكه بالتمر، بعد الخبز واللحم، فالنبي عليه الصلاة والسلام: (أمسك بالعثكول وقال: والله لتسألن يوم القيامة عن هذا، فقال عمر : عن هذا يا رسول الله؟ قال: نعم، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ [التكاثر:8])، ماء بارد وظل وارف وتمر جيد، هذا كله نعيم، فانظر الآن كم نغرق في نعيم ربنا جل جلاله، ولا نتذكر هذه الآية.

    الاستدلال بالآيات على أسماء الله وصفاته

    أيضاً من صور تدبر الصحابة رضوان الله عليهم للقرآن: الاستدلال بالآيات على أسماء الله وصفاته، فمثلاً:

    السيدة عائشة كانت تقرأ: ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ[المجادلة:1]، فكانت تقول: سبحان من وسع سمعه الأصوات! سبحان من وسع سمعه الأصوات! جاءت خولة بنت حكيم تشكو زوجها أوس بن الصامت وإني لفي كسر البيت )، أي: في جانبه، ( ويخفى علي بعض كلامها )، يعني أن عادة المرأة إذا جاءت امرأة تتكلم مع زوجها أنها تكون متشوفة من أجل أن تعرف ما الخبر، وما الذي جاء بها؟ فالمرأة جاءت تقول: ( يا رسول الله! أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا رق عظمي وكبرت سني ظاهر مني؛ إلى الله أشكوه )، والسيدة عائشة تسمع بعض الكلام ويخفى عليها البعض، فلما أنزل الله عز وجل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ جل جلاله، قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، فالسيدة عائشة كانت تقول: سبحان من وسع سمعه الأصوات!

    تدبر الأمثال الواردة في القرآن

    أيضاً من تدبر القرآن: تدبر الأمثال.

    سأل سيدنا عمر الصحابة فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ[البقرة:266]، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآية ضرب الله فيها مثلاً للإنسان قد اتخذ جنة من نخيل وأعناب، وهو أحوج ما يكون إليها عند كبر سنه، وهكذا الإنسان أحوج ما يكون إلى عمله يوم القيامة، هذا مثل ضربه الله، فالواحد منا لو أنه خرج من وظيفته مثلاً وتركها أحوج ما يكون إلى شيء يستعين به في كبره.

    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله فيقول: ( اللهم اجعل أوسع رزقي عند كبر سني وانقطاع عمري )؛ لأن الإنسان عند كبر السن لا يستطيع أن يمارس ما كان يمارسه شاباً.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء، فالإنسان يحتاج إلى أن يكون عنده بستان، أو أن يكون عنده شيء من مال قد ادخره يستعين به عند الكبر، كذلك ابن آدم يكون يوم القيامة أحوج ما يكون إلى عمله.

    أسأل الله أن يتقبل منا أجمعين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.