إسلام ويب

واحة القرآن - سورة الفلق [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السحر والحسد داءان قاتلان، ومرضان خطيران، قد يوصلان صاحبهما إلى الكفر بالله، والسحر من السبع الموبقات، ومن أعمال الشياطين والكفرة، ولا يفلح صاحبه. والحسد أول ذنب عصي الله به، ولا يكون إلا من نفس مريضة، غير راضية بقضاء الله وقدره

    1.   

    وقفات حول السحر وخطره

    الشيخ محمد الخضيري: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    فقد تحدثنا في حلقة ماضية عن سورة الفلق، وقد انتهت الحلقة ولم نكمل ما يسره الله سبحانه وتعالى من معانيها المهمة.

    واليوم نتم الحديث عنها، لكن بعد أن ألخص لكم ما ذكرناه في الحلقة الماضية.

    قلنا: إن هذه السورة سورة عظيمة، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، وأنه ما تعوذ المتعوذون بمثلها، وذكرنا أيضاً أن هذه السورة تقرأ في مواطن كثيرة، فهي تقرأ عند النوم مع سورتي الإخلاص والناس، وتقرأ أيضاً في أدبار الصلوات، وتقرأ أيضاً في الصباح والمساء؛ وذلك لعظم المعنى الذي تضمنته وحاجة الناس إليه.

    ثم ذكرنا بعد ذلك معنى الاستعاذة وأنه الالتجاء، وبينا أن الفلق معناه الصبح، أو كل شيء ينفلق من شيء آخر، فالصبح ينفلق من الليل، والحبة تنفلق من السنبلة ونحو ذلك.

    مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:2] وهذا عام لكل الشرور، وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:3]، أي: ومن شر الليل إذا دخل؛ لأن الليل مظنة انتشار الشرور، وإصابة الناس فيه.

    الشيخ محمد الخضيري: ثم وقفنا عند قوله جل وعلا: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق:4]، وقد بين فضيلة الشيخ أن النفاثات المقصود بها السواحر، أو الأنفس السواحر إذا نفثن في عقد السحر لأجل إصابة المسحور، وتحدثنا في ختام الحلقة عن تحريم السحر وضرره، ولعلنا في هذا اليوم ننطلق من هذه القضية.

    معنى السحر

    الشيخ عبد الحي يوسف: نعم، جزاك الله خيراً أبا عبد الله !

    يعني: بقي أن نقول: بأن كلمة السحر في اللغة، هذه المادة مادة السين والحاء والراء تدل على كل ما خفي ولطف، ومنه يقال للوقت الذي قبيل الفجر: سحر، ويقال كذلك للعضو الذي يختفي بين جنبات الصدور السحر، كما قالت أمنا عائشة : ( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه بين سحري ونحري )، فالسحر الرئة؛ لأنها خفية، ومنه أيضاً انتفخ والله سحره، قالها أبو جهل في ذم عتبة بن ربيعة يوم بدر، والسحر كما قال أهل التفسير يصعب أن يوضع له حد جامع مانع لتعدد أنواعه وكثرة طرقه وأساليبه، نعوذ بالله منه ومن فاعليه.

    وقد قيل: بأنه عبارة عن رقى وعزائم يجمع بعضها إلى بعض، وتعالج، فيحصل تأثيرها بإذن الله عز وجل.

    حكم السحر وعظم إثم فاعله

    الشيخ عبد الحي يوسف: والسحر محرم بغير شك، وهو من صنيع أهل الكفر، وقد حكم ربنا جل جلاله بنفي الفلاح عن الساحر فقال: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]، وبين ربنا جل جلاله أنه قرين الكفر وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102]، وبين ربنا جل جلاله أنه من صنيع قوم فرعون ومن كان مثلهم، وهذه التهمة لشناعتها وقبحها حتى عند أهل الكفر اتهموا بها الأنبياء والمرسلين، قال سبحانه: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات:52-53].

    والسحر من كبائر الذنوب بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكما ذكرت أبا عبد الله ! أنه ينبغي على من بسط الله يده، ومكنه من الناس أن يقيم حكم الله عز وجل في هؤلاء الساعين بالفساد في الأرض، المفرقين بين الأحبة، الملتمسين للبرآء العيب، المخالفين لشرع محمد صلى الله عليه وسلم.

    حد الساحر وأدلته

    الشيخ عبد الحي يوسف: وفي حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه بأن ( حد الساحر ضربة أو ضربه بالسيف )، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال كما ذكروا، فإن من رواته إسماعيل بن مسلم المكي وقد ضعف، إلا أن هناك حديثاً صحيحاً عند البخاري بأن عمر رضي الله عنه كتب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتل في يوم ثلاث سواحر، يعني: قتلوا في يوم واحد ثلاث نساء كن يمارسن السحر.

    وكذلك ثبت أن حفصة رضي الله عنها قتلت جاريةً لها كانت قد دبرتها فسحرتها، وهذا في عهد عثمان عليه من الله الرضوان، وهذا كان مستقراً عند الصحابة رضي الله عنهم، ولا يستغرب هذا إذا علمنا بأن الساحر يحدث من الفساد ما الله به عليم، فقد يسبب أمراضاً من الداء الفتاك العضال الذي لا يدرى ما هو، وقد يسبب نوعاً من الشرود الذهني، والتوهان وغير ذلك. وقد ذكر أهل العلم في قتل الساحر أدلةً عامة كقول الله عز وجل: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المائدة:33].

    وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث )، قالوا: والسحر داخل في قوله: ( كفر بعد إيمان ) لأن الساحر لا يتأتى له أن يمارس السحر على الوجه الأكمل إلا إذا كفر والعياذ بالله.

    أنواع السحر وكيفية علاجه

    الشيخ عبد الحي يوسف: وبعض الناس قالوا: بأن السحر ليس إلا تخييلاً، استدلالاً بقول الله عز وجل: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه:66].

    والصحيح أنه نوعان: نوع هو تخييل، ومنه ما نسميه بأفعال الهواة أو ما يسمى الآن بالسيرك، وهناك سحر حقيقي رأينا آثاره عند بعض الناس، نسأل الله العافية.

    بقي أن أختم هذا المبحث بأن أذكر بأن علاج السحر نوعان: علاج دفع، وعلاج رفع.

    أما علاج الدفع: فهو أن تدفعه قبل أن ينزل بك، وذلك عن طريق تقوى الله، والإكثار من التوبة والاستغفار، والمحافظة على الطهارة الشرعية، فإن الوضوء سلاح لنا معشر المؤمنين، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها، والمحافظة على الأذكار، وقراءة آية الكرسي في أول النهار وآخره وقراءة هذه السور المباركة مع سورة الناس.

    معرفة الساحر والتفريق بينه وبين الراقي

    الشيخ محمد الخضيري: هناك مسألة مهمة يا شيخ! وهي: كيف نفرق بين الساحر، والراقي، وخصوصاً في هذا الزمان الذي اختلط فيه كثير من السحرة، وتلبسوا لبوس الرقاة الشرعيين، فنجده يقرأ القرآن، ونجده يضع مثلاً مصحفاً، أو يقول: من يأتي إلي يفتح المصحف، أو يقرأ سورة كذا، فيلتبس الأمر على الناس، ونحن نريد أن نضع بعض العلامات التي تبين وتكشف من هو الساحر، حتى لا يلتبس بالراقي الذي يرقي بالرقية الشرعية.

    فمن الأشياء مثلاً -ولعلك تعينني على هذا الأمر- إذا سألك هذا الساحر سؤالاً غير مفهوم فاعلم أن وراء القضية ساحر، كذلك إذا سألك عن اسم أمك؟ أو أمرك بأمر لا يعقل أن يكون له صلة بالعلاج، كأن يقول لك: اذبح تيساً أسود أو ديكاً أحمر، أو اصعد درج البيت بطريقة مخالفة، أو ادخل بيتك من ظهرك.

    الشيخ عبد الحي يوسف: أو قال: خذ قدراً من المال فادفنه في مكان كذا وكذا.

    الشيخ محمد الخضيري: فكل هذه علامات تدل على هؤلاء السحرة، فإذا رأيته يسألك مثل هذه الأسئلة، ويطلب مثل هذه الطلبات فاعلم أنك أمام ساحر، ولكنه يلبس عليك ويخدعك بصورة راق، فاحذروا منه.

    الشيخ عبد الحي يوسف: أضيف إلى ما ذكرته أبا عبد الله ! قول ربنا جل جلاله: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ [الفتح:29]، فالساحر على وجهه ظلمة وبؤس، والعياذ بالله، وغالباً في ثيابه رثاثة، وفي مكانه قذر.

    الشيخ محمد الخضيري: فهو يلابس النجاسات، ولو دخلت بيته لوجدت فيه من الروائح المؤذية، والخرق البالية، ولو فتشت في أثاثه لوجدت -والعياذ بالله وأكرمكم الله أيها السامعون- تجد حفائظ النساء فيها دماء الحيض قد كتب به كلام الله عز وجل، وسراويل النساء يكتب بها كلام الله عز وجل، وتجدون المصاحف قد وضعت في المراحيض عندهم؛ لأن الشياطين لا يمكن أن يمكنوهم من سحرهم حتى يتقربوا لهم بالكفر بالله جل وعلا، والخروج والمروق من ملة الإسلام.

    حكم إتيان السحرة

    الشيخ محمد الخضيري: وإتيان السحرة في الإسلام عظيم جداً، فالكهان والعرافون، والسحرة، والدجالون، وكل من يدعون علم الغيب ويأتون بهذه الخوارق التي يلبسون بها على عقول الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: ( من أتى عرافاً، أو كاهناً فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يوماً ) هذا إذا جئت وسألته، سواء صدقته أو لم تصدقه، أما إن سألته وصدقته فقد وقعت في أمر عظيم قال صلى الله عليه وسلم: ( من أتى عرافاً أو كاهناً فسأله فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ).

    1.   

    عدم دلالة المجيء بالخارق على الصلاح

    1.   

    وقفة مع قوله تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد)

    معنى الحسد وملازمته لكل نفس

    الشيخ عبد الحي يوسف: ولئلا يمضي بنا الوقت ننتقل إلى الشر الرابع والعياذ بالله: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:5]. فما هو الحسد؟

    الشيخ محمد الخضيري: أولاً نقول: إن الحسد موجود في كل نفس، يقولون: ما خلا جسد من حسد.

    الشيخ عبد الحي يوسف: ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث لا يسلم منهن أحد: الحسد، والظن، والطيرة. قالوا: فما المخرج يا رسول الله؟ قال: إذا حسدت فلا تبغي، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض ).

    الفرق بين الحسد والغبطة

    الشيخ محمد الخضيري: والحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير، وما منا من أحد يرى نعمةً عند إنسان إلا ويتمنى، لكن منا من يتمنى أن يكون له مثل تلك النعمة، وهذا أمر لا غبار عليه، ومشروع ولا شيء فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته بالحق ) على اختلاف الروايات الواردة في معاني هذا الحديث.

    وهذه هي الغبطة، وسميت في الشرع حسداً؛ لأنها من باب التمني.

    الثاني: تمني زوال النعمة عن ذلك الشخص، وانتقالها للإنسان، أو زوالها، فهذا يسمى حسداً، ولا شك أنه من الظلم والبغي العظيم الذي لا يرضاه الله عز وجل، ولا يحبه من أحد، ويستعاذ بالله من شر صاحبه إذا وقع فيه.

    ذم الحاسد ومبارزته لربه

    الشيخ عبد الحي يوسف: أعوذ بالله. ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وعبرة لا تنقطع، وقد قيل: بارز الحاسد ربه من وجوه، أولها: أنه كره نعمته جل جلاله على غيره، ومن ناحية أنه ضاد الله في قدره، ومن ناحية أنه لم يرض قسمة الله عز وجل.

    الشيخ محمد الخضيري: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ [الزخرف:32].

    الشيخ عبد الحي يوسف: وهذه هي الآفة التي أوقعت بعضهم في الكفر: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ [البقرة:109].

    فقد قيل: بأن الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء من إبليس، وأول ذنب في الأرض، حين قتل أحد ابني آدم أخاه حسداً من عند نفسه حين قال له: (لأقتلنك)، كيف يتقبل قربانك، ولا يتقبل قرباني؟! ولذلك حذر النبي عليه الصلاة والسلام منه فقال: ( إياكم والحسد؛ فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ).

    فضل سلامة الصدر وعلاج الحسد

    الشيخ عبد الحي يوسف: ونختم بالحديث العظيم الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: ( يطلع الآن رجل من أهل الجنة، فخرج رجل قد حمل نعليه في عصاه تنطف لحيته من أثر الوضوء، وفي المرة الثانية والثالثة، فلما جاءه عبد الله بن عمرو بن العاص قال له: ما عملك؟ بعدما بات عنده ثلاثاً، قال له: ليس إلا ما رأيت، غير أني لا أبيت وفي قلبي غش ولا حسد لمسلم، فقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: تلك التي أعجزتنا ).

    وهذه الخصلة تحتاج إلى مجاهدة، وتحتاج إلى مصابرة ومدافعة للشيطان، ولنعلم أن خزائن الله ملأى، وأن فضله عميم، وفي الحديث: ( لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوا الله عز وجل فأعطى كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عنده، إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر )، فبدلاً من أن أحسد أخي على ما أتاه الله من فضله أسأل الله الذي أعطاه أن يعطيني.

    الشيخ محمد الخضيري: هنا فقط دواء للحسد، فمتى وقع الحسد في قلبك على أحد ممن حولك رأيته في نعمة، فبادر بالدعاء لذلك الأخ ليبارك الله فيه، فيطفئ الله الكيد في نفسك، ويرد الشيطان عنك، وهذه مجربة، فإذا رأيت مثلاً عند أخيك أولاداً صالحين وليس عندك، تقول: اللهم بارك له فيهم، فينطفئ الحسد كأنه الماء البارد على الجمر، سبحان الله!

    الشيخ عبد الحي يوسف: الله أكبر، نسأل الله أن يقينا شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، وألا يجعلنا ممن يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.