إسلام ويب

سورة المنافقون - الآية [9]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حذر الله عباده المؤمنين من الانشغال بالأموال والأولاد عن ذكر الله تعالى، وخص الأموال والأولاد بالذكر لأنهما أعظم ما يميل إليه الإنسان، ثم بين الله العاقبة الوخيمة لمن فعل ذلك بأنه قد خسر ما عند الله من الفوز والفلاح والرحمة، وخسر نفسه وأهله وماله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلني وإياكم من المقبولين.

    ومع النداء السادس والثمانين في الآية التاسعة من سورة المنافقون قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9].

    مناسبة هذه الآية لما قبلها

    هذه الآية المباركة جاءت في خواتيم هذه السورة التي ذكر فيها ربنا جل جلاله بعضاً من شناعات المنافقين ومن ذلك قولهم: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون:7].

    يقول البقاعي رحمه الله: لما كان هذا الذي حكاه الله سبحانه عن المنافقين بحيث يعجب غاية العجب من تصور قائل له فضلاً عن أن يتفوه به، فكيف أن يعتقده؟! نبه جل جلاله على أن العلة الموجبة له طمس البصيرة، وأن العلة في طمس البصيرة الإقبال بجميع القلب على الدنيا رجوعاً على إيضاح ما تقدم في نتيجة الجمعة من الإذن في طلب الرزق والتحذير من مثل فعل حاطب رضي الله عنه وفعل من انصرف عن خطبة تلك الجمعة لتلك العير، وكان هذا التنبيه على وجه حاسم لمادة شرهم في كلامهم، فإن كلمة الشح -كما قيل- مطاعة، ولو بأن تؤثر أثراً ما، ولو بأن تقتر نوع تقتير في وقت ما، فقال منادياً لمن يحتاج إلى ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المنافقون:9]

    ففي هذه الآية انتقال من كشف أحوال المنافقين المسوق للحذر منهم والتحذير من صفاتهم إلى الإقبال على خطاب المؤمنين بنهيهم عما شأنه أن يشغل عن التذكر لما أمر الله ونهى.

    ثم الأمر بالإنفاق في سبل الخير، في سبيل الله ومصالح المسلمين وجماعتهم، وإسعاف آحادهم؛ لئلا يستهويهم قول المنافقين: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [المنافقون:7]، والمبادرة إلى ذلك قبل إتيان الموت الذي لا يدرى وقت حلوله حين تمنى أن يكون قد تأخر أجله ليزيد من العمل الصالح فلا ينفعه التمني، وهو تمهيد لقوله جل جلاله بعده: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ [المنافقون:10]، فالمناسبة لهذا الانتقال هو حكاية مقال المنافقين، ولذلك قدم ذكر الأموال على ذكر الأولاد؛ لأنها أهم بحسب السير.

    العلة في ذكر الالتهاء بالأموال والأولاد عن ذكر الله

    يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ [المنافقون:9] أي: لا تشغلكم كما شغلت المنافقين.

    لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ [المنافقون:9] المراد بالأموال والأولاد الدنيا، لا تلهكم دنياكم لكنه عبر بهما عن الدنيا لكونهما أرغب الأشياء منها، قال تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46]؛ لأن الأموال مما يكثر إقبال الناس على إنمائها والتفكير في اكتسابها بحيث تكون أوقات الشغل بها أكثر من أوقات الشغل بالأولاد؛ ولأنها كما تشغل عن ذكر الله بصرف الوقت في كسبها ونمائها تشغل عن ذكره أيضاً بالتذكير لكنزها بحيث ينسى ذكر ما دعا الله إليه من إنفاقها.

    قال الله عز وجل: لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ [المنافقون:9] أي: سروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنهم، وتسوية ما يصلحهم من معايشهم في حياتكم وبعد مماتكم.

    المقصود بذكر الله الذي حذر من الالتهاء عنه

    لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [المنافقون:9] ذكر الله يشمل الذكر باللسان: كالصلاة، وتلاوة القرآن، ويشمل التذكر بالعقل: كالتدبر في صفات الله، واستحضار امتثاله، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه.

    قال ابن الجوزي رحمه الله في زاد المسير: وفي المراد بذكر الله تعالى أربعة أقوال:

    أحدها: طاعة الله في الجهاد، قاله أبو صالح عن ابن عباس.

    ثانيها: الصلاة المكتوبة، قاله عطاء و مقاتل .

    ثالثها: الفرائض من الصلاة وغيرها، قاله الضحاك .

    رابعها: أنه على إطلاقه، قال الزجاج : حضهم بهذا على إدامة الذكر. انتهى كلامه رحمه الله.

    خطر الالتهاء عن ذكر الله تعالى

    يقول الله عز وجل: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [المنافقون:9] الإشارة إلى اللهو عن ذكر الله بسبب الأموال والأولاد، أي: ومن يلهى عن ذكر الله. أي: يترك ذكر الله الذي أوجبه مثل الصلاة في الوقت، ويترك تذكر أوامر الله عز وجل ونواهيه، أي: بأن يلهى بأمواله وأولاده ويشتغل بالفاني ويعرض عن الباقي، ويقبل على العاجل وينسى الآجل.

    قال سبحانه: فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9] قصر ربنا جل جلاله صفة الخسران على الذين يفعلون ما نهوا عنه من الالتهاء بالأموال والأولاد والغفلة عن ذكر الله، وسماهم ربنا خاسرين؛ لأنهم باعوا الجليل الباقي بالحقير الفاني.

    أيها الإخوة الكرام! ينادينا ربنا جل جلاله بقوله: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله لا توجب لكم أموالكم ولا أولادكم اللهو عن ذكر الله، ولا يشغلكم الاهتمام بتدبير أمورهم والاعتناء بمصالحهم والتمتع بهم عن الاشتغال بذكر الله من الصلاة وسائر العبادات المذكرة للمعبود الحق جل شأنه، ومن يلهه ماله وأولاده عن ذكر الله فأولئك هم المغبونون حظوظهم من كرامة الله ورحمته تبارك وتعالى.

    فأمر ربنا جل جلاله عباده المؤمنين بكثرة ذكره ونهاهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، وأخبرهم بأن من التهى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره فإنه من الخاسرين، الذي يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

    وقد أثنى جل جلاله على آخرين بقوله: رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:37-38].

    يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: والأولاد ملهاة ومشغلة إذا لم يستيقظ القلب، ويدرك غاية وجوده، ويشعر أن له هدفاً أعلى يليق بالمخلوق الذي نفخ الله فيه من روحه فأودع روحه الشوق إلى تحقيق بعض صفاته الإلهية في حدود طاقته البشرية، وقد منحه الأموال والأولاد ليقوم بالخلافة في الأرض لا لتلهيه عن ذكر الله والاتصال بالمصدر الذي تلقى منه ما هو به إنسان.

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ...)

    وفي الآية الكريمة فوائد:

    منها: وجوب ذكر الله تعالى وعدم نسيان حقه جل جلاله بأداء ما افترض واجتناب ما نهى.

    ومنها: الحذر من أن يشغل الإنسان بماله وولده عن ذكر الله تعالى.

    ومنها: أن الاشتغال بالأموال والأولاد الذي لا يلهي عن ذكر الله ليس بمذموم وهذا هو مفهوم الخطاب.

    وفي قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9] دليل على قول علماء أصول الفقه: النهي اقتضاء كف عن فعل.

    ومنها: أن من اشتغل بماله وولده عن ذكر الله تعالى فهو خاسر شقي، ومفهوم الآية: أن من شغله ما يهمه من أمر دينه الذي أمره سبحانه به، ونهاه عن إضاعته وتوعده عليه كفاه سبحانه أمر دنياه الذي ضمنه له، ونهاه أن يجعله أكبر همه وتوعده على ذلك، فما ذكره إلا من وجده في جميع أموره ديناً ودنيا، وتوجه إليه في جميع نوائبه، وأقبل عليه بكل همومه، وبذل نفسه له بذل من يعلم أنه مملوك مربوب، فقد أمر ربه على نفسه واتخذه وكيلاً فاستراح من المخاوف ولم يمل إلى شيء من المطامع فصار حراً.

    اللهم اجعلنا لك ذاكرين، لك شاكرين، لك مخبتين، لك مطواعين، إليك أواهين منيبين، اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، وسدد ألسنتنا، واهد قلوبنا، واسلل سخائم صدورنا.

    والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.