إسلام ويب

واحة القرآن - سورة التكاثرللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يبين الله عز وجل في سورة التكاثر أن المال والأولاد يذم المتكاثر منها عندما يتفاخر بها وتلهيه عن ذكر ربه، وعن الآخرة، وأن زيارة القبور تذكر الآخرة، وأن الخلق جميعاً سيعلمون علم اليقين أن التكاثر المذموم من الأولاد والأموال لن ينفعهم عند الله شيئاً، وأن جميع الخلائق سيمرون على جهنم؛ فناج ومخدوش ومكدوس فيها، وهذا هو حق اليقين، وأنهم سيسألون عن كل نعيم نالوه في الدنيا

    1.   

    معنى التكاثر في قوله تعالى: (ألهاكم التكاثر)

    الشيخ محمد الخضيري: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    فنبقى اليوم مع سورة عظيمة، نحفظها ونسمعها من أئمتنا، ونحفظها صغارنا، وفيها معان نحتاج إليها؛ لأنها تذكرنا بالرحيل، وتعيننا على التزود لذلك اليوم الثقيل، إنها سورة التكاثر.

    هذه السورة العظيمة التي افتتحها الله عز وجل بقوله: أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2]، دعونا نقف معها بعض الوقفات، ونشير إلى بعض معانيها بعض الإشارات، ومعي أخي الدكتور عبد الحي يوسف ، فنقول: ابدأ بما يفتح الله به عليك.

    الشيخ عبد الحي يوسف: هذه السورة المباركة جاءت لمعالجة مرض من أمراض الجاهلية التي عاصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتضح هذا لو ضممنا إليها سورة الكوثر، فإن العاص بن وائل السهمي ، أو الوليد بن المغيرة المخزومي على اختلاف الأقوال، أو عمرو بن هشام أبو جهل ، أو النضر بن الحارث ، لما قال: إن محمداً أبتر، قال هذه الكلمة في بيئة تتفاخر بكثرة الأولاد، وكثرة الأموال، وكثرة الأمصار والعشيرة، فجاءت هذه السورة لمداواة هذه النفوس التي تفتخر بما لا يد لها فيه، وإنما هو عطية من الله عز وجل.

    يقول الله عز وجل: أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ [التكاثر:1] أي: اشتغلتم بالتكاثر بالأموال والأولاد.

    1.   

    دلالة التعبير في قوله سبحانه: (حتى زرتم المقابر) على اللبث القصير في القبور

    الشيخ محمد الخضيري: وفي قوله: حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ [التكاثر:2]، ذكر العلماء ملحظاً جميلاً في هذا المعنى وهو أن قوله: (زرتم) يدل على أن المكث في القبر مثل المكث في الزيارة، فهو مكث قليل بالنسبة لما وراءه من أمور من الآخرة.

    الشيخ عبد الحي يوسف: ولذلك العبارة التي تتناقل بأن فلاناً شيع إلى مثواه الأخير ليست صحيحة؛ لأنه ليس مثوىً أخيراً، وإنما هو برزخ بين الدنيا والآخرة، أما المثوى الأخير فكما أخبر عنه نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام بقوله: ( يؤتى بالموت يوم القيامة على هيئة كبش، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة! خلود ولا موت، ويا أهل النار! خلود ولا موت )، فهذا هو المثوى الأخير، هذا هو الخلود الأبدي السرمدي كما قال ربنا عن أهل النار، والعياذ بالله: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [فاطر:36]، وفي آية أخرى قال: لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [البقرة:162].

    وأما أهل الجنة فقال عنهم: لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48]، فهذا هو المثوى الأخير لهم.

    1.   

    معاني (كلا) في القرآن الكريم

    الشيخ عبد الحي يوسف: قال الله عز وجل بعدها: كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر:3-4]، ماذا أنت قائل؟

    الشيخ محمد الخضيري: (كلا)، هذه عبارة ترد في القرآن كثيراً، وهي في الجزء المكي دون الجزء المدني، فلم ترد في سورة مدنية كما ذكر ذلك علماء القرآن، وهي تأتي بمعنيين:

    أما المعنى الأول: فالمراد به الردع والزجر، يعني: لا تفعلوا، وكفوا عما أنتم فيه، ويؤتى بها ويراد بها ردع الإنسان عما يفعله، وزجره عما هو قائم به.

    المعنى الثاني: تأتي بمعنى حقاً، فإذا جاء قبلها ما ينكر أو يذم فإن معناها ردع وزجر، وإذا لم يأت قبلها ما ينكر أو يذم فإن معناها حقاً، قال سبحانه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلاَّ [العلق:1-6]. هنا (كلا) يقول العلماء: إنها بمعنى حقاً؛ لأنه لم يرد قبلها ما يدل على الذم، وأما إذا ورد قبلها ما ينكر، ويردع عنه ويزجر، فإنها تكون بمعنى الردع والزجر، ولذلك معناها في هذه السورة: الردع والزجر عن التكاثر واللهو به.

    الشيخ عبد الحي يوسف: يقول سبحانه: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20]، وذكر الأموال والأولاد لا للحصر، وإنما لأن هذا أغلب ما يتكاثر به، ولذلك ربنا جل جلاله لما امتن على ذلك الكافر الفاجر قال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً [المدثر:11-14]، فبدلاً من أن يتخذ هذه النعمة سلماً لشكر المنعم جل جلاله، والإذعان له، والرضا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، جعلها سبيلاً للعناد، والصد عن سبيل الله، ولذلك ربنا جل جلاله جعل هذه الحياة الدنيا لعباً ولهواً، وزجر في هاتين الآيتين عن هذا التكاثر بقوله: كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر:3]، يعني: إذا دخلتم قبوركم، ولقيتم ربكم، وواجهتم أعمالكم، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى [الأنعام:94]، يعني: هذا الذي يأتي إلى القبر لن يأتي ومعه أولاده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى واحد: يتبعه أهله، وماله، وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله ).

    (سوف تعلمون)، إذا دخلتم قبوركم وإذا فارقت أرواحكم أجسادكم، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر:4]، هناك العلم الثاني، إذا جيء بجهنم ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً [الفرقان:12-13]، وهنالك يقول: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29]، فيقال: لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة:3].

    1.   

    المراد بعلم اليقين

    الشيخ عبد الحي يوسف: ثم قال: كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر:5] هذه الآية يفهم كثير من الناس أنها متصلة بالتي بعدها، فيقول: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ [التكاثر:5-6]، وهي جملة تامة أي: لو تعلمون علم اليقين لما تكاثرتم وتلهيتم بهذه الأموال والبنين.

    وجواب الشرط محذوف، ويدل عليه ويفسره ما قبله.

    الشيخ محمد الخضيري: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر:5]، نص هنا على علم اليقين؛ لأن العلم ثلاثة أنواع: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.

    وعلم اليقين: هو أول هذه المراتب، أن تعلم الشيء وتقطع به، وتؤمن به إيماناً جازماً.

    وأما عين اليقين: فهو أن تراه بعد أن كنت تعلمه، وأما حق اليقين فهو أن تكون فيه بعد أن تجاوزت رؤيته، فيقول: لو كنتم تعلمون ما أنتم مقبلون عليه، وما ستبعثون إليه علم اليقين لما تلهيتم بما تلهيتم به، ولما انشغلتم عما خلقتم له، ولما تكاثرتم بالأموال والأولاد والزوجات.

    الشيخ عبد الحي يوسف: ولذلك في الحديث القدسي أن الله عز وجل قال: ( يا عبادي! إني ما خلقتكم لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستأنس بكم من وحشة، ولا لأستعين بكم على أمر قد عجزت عنه، ولكني خلقتكم لتذكروني كثيراً، وتعبدوني طويلاً، وتسبحوني بكرةً وأصيلاً )، فهذا الذي تكاثر بالأموال والأولاد فوت الغاية التي من أجلها خلق، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    1.   

    المقصود من النهي عن التكاثر في الأموال والأولاد

    الشيخ عبد الحي يوسف: لكن يبقى أبا عبد الله ! أن ننبه بأن كثرة الأموال والأولاد ليست مذمومةً في ذاتها، وإنما المذموم التكاثر، والتفاخر، والتلهي بها عن الغاية التي من أجلها خلق الإنسان، وإلا فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل العشرة المبشرون بالجنة كان منهم من أصحاب الأموال عبد الرحمن بن عوف الذي حفر الذهب من تركته بالفئوس، حتى مجلت فيه الأيدي، وأصابت كل زوجة من زوجاته الأربع ثمانين ألف دينار، و عثمان بن عفان الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم )، و أبو بكر الصديق رضي الله عنه، و طلحة بن عبيد الله ، و الزبير بن العوام ، كل هؤلاء كانوا من أصحاب اليسار، وفي الحديث: ( ونعم المال الصالح للعبد الصالح ).

    وكذلك الأولاد، لو أن الإنسان استكثر منهم فقد فعل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا يتفاخر بهم على غيره، مثلما قال الجاهلي الأول: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً [الكهف:34]، وإنما ليعمروا الأرض بطاعة الله عز وجل، ويكونوا في ميزان حسناته.

    قوله: لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ [التكاثر:6]، هذا قسم، أي: والله لترون الجحيم.

    قال بعد ذلك: ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر:7] أي: إذا دخلتموها.

    وهذا قسم ثان، أي: لترون الجحيم رؤيةً حقيقية.

    1.   

    معنى النعيم في قوله تعالى: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم)

    الشيخ عبد الحي يوسف: ثم ختم بقوله: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ [التكاثر:8].

    الشيخ محمد الخضيري: الله أكبر، (النعيم) فسر بالماء البارد، وفسر بالظل الوارف، وفسر بالصحة والعافية، وفسر بالسلامة من العاهات، ولذلك صح: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى بستان أبي الهيثم بن التيهان ، ومعه أبو بكر ، و عمر ، فأكلوا عثكولاً من التمر، وشربوا من الماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: والله لتسألن يوم القيامة عن هذا. قالوا: يا رسول الله! عن هذا؟ قال: نعم، جئنا جياعاً، ورجعنا شباعاً ).

    ونختم بأبيات حسان التي قالها لما قال أبو الهيثم : ( مرحباً برسول الله وصاحبيه، والله ما على وجه الأرض اليوم أحد أكرم أضيافاً مني )، قال حسان :

    فلم أر كالإسلام عزاً لأمة ولا مثل أضياف الأراشي معشرا

    نبي وصديق وفاروق أمة وخير بني حواء فرعاً وعنصرا

    فوافوا لميقات وقدر قضية وكان قضاء الله قدراً مقدرا

    ففدى وحيا ثم أدنى قراهم فلم يقرهم إلا سميناً متمراً

    رضي الله عنه وأرضاه، وبارك الله في أسماعكم، وأبصاركم، وأوقاتكم، ونفعنا بما نقول ونسمع، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

    1.   

    المراد بزيارة المشركين للمقابر

    الشيخ عبد الحي يوسف: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:2]، قال بعض أهل التفسير: من أجل إحصاء الموتى، وذلك لما قال بعضهم لبعض: نحن أكثر موتى منكم مثلما قال الجاهلي الأول لأخيه: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً [الكهف:34]، وهكذا أهل الجاهلية دائماً يتفاخرون، فبين ربنا جل جلاله أن هذا من النقص لا من الكمال، وبعضهم قال في حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:2]: المعنى أن هذا اللهو مستمر معكم حتى تفارق أرواحكم أجسادكم، وحتى تردوا القبور.

    الشيخ محمد الخضيري: في قوله: أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ [التكاثر:1]، يقصر بعض الناس المعنى على ما يتبادر إليه الذهن، وهو التكاثر في الأموال والأولاد ونحو ذلك، ولكن الحقيقة أن هذا المعنى شامل لكل ما يتكاثر الناس به، مما يلهيهم عن معادهم، فإذا تكاثر الناس بشيء ألهاهم عن معادهم، فإنه داخل في الذم المذكور في هذه الآية، حتى ذكر ابن القيم مثالاً عجيباً في هذا الباب، قال: وبعض الناس يفاخر أقرانه ومعاصريه بكثرة الكتب، وبكثرة الشهادات والإجازات، وبكثرة الشيوخ، مع أن هذه الأشياء في أصلها ممدوحة.

    الشيخ عبد الحي يوسف: ولكنها وسائل.

    الشيخ محمد الخضيري: أي نعم، يمدح الإنسان على أن يكون عنده كتب كثيرة، أو يقرأ على شيوخ كثيرين، لكن إذا تلهى بها عن العمل، واستعملها في غير ما وضعت له صار مذموماً من هذا الوجه، فمن تكاثر بكثرة الزيارات أو الأصدقاء، أو السفرات، أو الشهادات، أو الكتب، أو الإجازات، أو غيرها، وتلهى بذلك عن العمل فهو مذموم.