إسلام ويب

سورة النور - الآية [21]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من فضل الله ورحمته أن حذر عباده المؤمنين من أن يتبعوا خطوات الشيطان ونزغاته، وذلك لأنه يأمر بكل فعل وقول قبيح، وخطوات الشيطان لها صور عديدة، يعملها الشيطان لإغواء بني آدم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين. أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ومع النداء السابع والخمسين في الآية الحادية والعشرين من سورة النور؛ قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21].

    القراءات الواردة في الآية

    قوله تعالى: لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ[النور:21]. قرأها نافع و أبو عمرو و شعبة و حمزة بإسكان الطاء: ( لا تتبعوا خطْوات الشيطان)، وقرأ الباقون بضم الطاء، وهما لغتان: (خطُوات) و(خطْوات).

    سبب نزول الآية

    وسبب نزول هذه الآية ما قاله الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: أخرج البخاري و مسلم وأهل السنن وغيرهم حديث عائشة الطويل في سبب نزول هذه الآية بألفاظ متعددة، وطرق مختلفة، حاصله: أن سبب النزول هو ما وقع من أهل الإفك الذين تقدم ذكرهم في شأن عائشة رضي الله عنها.

    وحادثة الإفك معروفة، وقد كانت في غزوة المريسيع من السنة الخامسة من الهجرة النبوية المباركة، وأنزل الله عز وجل في براءة أمنا آيات تتلى إلى يوم القيامة، ولذلك كانت عائشة رضي الله عنها تفخر على أمهات المؤمنين فتقول: ( فضلت بعشر: لم ينكح رسول الله صلى الله عليه وسلم بكراً غيري، ولا امرأة أبواها مهاجران غيري، ونزل الملك بصورتي في كفه في سرقة من حرير، وكان الوحي ينزل عليه وأنا معه في فراش واحد، وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد، ونزلت براءتي من السماء، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي ليلتي وكان رأسه بين سحري ونحري ..)، وأكرم بها من مناقب رضي الله عنها.

    معاني مفردات الآية

    يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21]، (الخطوات) جمع خطوة، وهي اسم لنقل الماشي رجله من مكان إلى آخر.

    قال ابن عطية رحمه الله: فكأن المعنى: لا تمشوا في سبله وطرقه من الأفعال الخبيثة.

    وقوله: لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21]، أي: طرائقه ومسالكه وما يأمر به.

    وقوله: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النور:21]، هذه جملة شرطية.

    فقوله: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ [النور:21] أي: الشيطان، يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النور:21] (يأمر بالفحشاء) أي: بكل فعل وقول قبيح، (ويأمر بالمنكر) أي: ما تنكره الشريعة وينكره أهل الخير.

    يقول الله عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [النور:21]، أي: لولا فضل الله عليكم بأن هداكم إلى الخير، (ورحمته) بتوفيقكم للتوبة الماحية التي تزيل أثر الذنب.

    مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النور:21]، أي: لولا فضل الله عليكم ورحمته ما تطهر منكم أحد من ذنبه، ولا وفق منكم أحد إلى التوبة، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما كان أحد منكم زاكياً؛ لأن فتنة الشيطان عظيمة لا يكاد يسلم منها أحد، وهو الذي أقسم أمام ربه: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83].

    وقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النور:21]، أي: يزكي من يشاء من خلقه بفضله، ويضل من يشاء بعدله.

    وقوله: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21] أي: سميع لمن يشيع الفاحشة ويروجها في مجتمع المؤمنين، ويقذف الغافلات المؤمنات المحسنات الطيبات، عليم بما في نفسه من محبة إشاعة الفاحشة في مجتمع المؤمنين، عليم بمن كان في نفسه كراهة للفاحشة وبعد عنها فيجازي كلاً بما يستحق.

    المعنى الإجمالي للآية

    والمعنى الإجمالي لهذه الآية:

    أن الله عز وجل يقول لكم: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله! لا تسلكوا سبل الشيطان وطرقه، ولا تقتفوا آثاره بإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا وإذاعتها فيهم، وروايتكم ذلك عمن جاء به، فإن الشيطان يأمر بالفحشاء.

    فالله عز وجل يعظ المؤمنين الطيبين من أمثال: حسان بن ثابت ، و حمنة بنت جحش ، و مسطح بن أثاثة رضوان الله عليهم، هؤلاء الذين تكلموا بحسن نية وبمسارعة في شأن أمنا عائشة رضي الله عنها، والله تبارك وتعالى يقول لهم: هذا الذي فعلتموه إنما هو من اتباع خطوات الشيطان، وهي موعظة للمؤمنين جميعاً.

    قال أهل العلم: كل شر وفساد إنما هو من تزيين الشيطان، فالشيطان يحرص على أن يوقع المؤمن في الشرك بالله عز وجل وهو الذنب الذي لا يغفر، فإن عجز حرص على إيقاع العبد في البدعة؛ بأن يشرع في الدين مالم يأذن به الله، ويخترع من عنده طريقة يتعبد بها لله عز وجل، وهو يعلم بأن البدعة أخطر من المعصية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى قد احتجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته )، ثم إن عجز عن إيقاع الإنسان في البدعة فإنه يوقعه في الكبائر الموبقات المهلكات، فإن عجز انتقل به إلى الصغائر التي يستحقرها الإنسان ويستصغرها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إياكم ومحقرات الذنوب! فإنهن يجتمعن على العبد حتى يهلكنه )، فإذا عجز عن الصغائر فإنه يشغل الإنسان بالعمل المباح عن العمل الواجب، أي: يشغله بالعمل المباح عما أوجب الله عليه من فرائضه وحدود دينه، فإن عجز عن ذلك شغله بالعمل المفضول عن العمل الفاضل، وهذه كلها من خطوات الشيطان.

    1.   

    نماذج وصور من تلبيسات الشيطان

    أيها الإخوة الكرام! وهنا نذكر بعض الصور من تلبيسات الشيطان

    منها: أن رجلاً سأل ابن مسعود فقال له: إني حرمت على نفسي أن آكل طعاماً، وسمى الطعام الذي حرمه. فقال ابن مسعود : هذا من نزغات الشيطان، كفِّر عن يمينك وكل.

    ومنها: أن رجلاً سأل الشعبي رحمه الله أنه نذر لله أن يذبح ولده. فقال له: هذه من نزغات الشيطان، وأمره أن يذبح كبشاً.

    وروى ابن أبي حاتم عن أبي رافع قال: غضبت علي امرأتي، أي: حصل بينه وبين زوجته خلاف كالذي يحصل بين سائر الناس، فقالت امرأته وهي غضبى: هي يوماً يهودية ويوماً نصرانية إن لم تطلقني. يعني والعياذ بالله! تحلف على نفسها بملة غير ملة الإسلام، تقول: أنا سأصير يهودية، وأصير نصرانية إن لم تطلقني، فأتى أبو رافع عبد الله بن عمر فقال له ابن عمر : إنما هذه من نزغات الشيطان، وأفتاه بأن يستبقي امرأته.

    أيها الإخوة الكرام! ومن نزغات الشيطان ومن خطواته: التحريش بين المؤمنين، وإثارة العداوة والبغضاء بينهم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الشيطان قد أيس أن يعبد في أرضكم؛ ولكن رضي بما دون ذلك بالتحريش بينكم ).

    ولما رأى عليه الصلاة والسلام رجلين يستبَّان، وأحدهما قد احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، قال عليه الصلاة والسلام: ( إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )، فقول هذه الكلمة يذهب عنه ما يجد.

    ومن نزغات الشيطان أنه يدخل بين الرجل وامرأته، ولا يزال بينهما حتى يقول الرجل لامرأته: أنت طالق، فحينها يسر الشيطان، كما أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام: ( بأن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأحبهم إليه وأقربهم منه أعظمهم فتنة) يعني: الشيطان الذي يحدث فتنة فإن إبليس يقربه ويرقيه ويرفعه عنده، قال: (يأتيه شيطان فيقول له: ما زلت بفلان حتى فعل كذا، فيقول له إبليس: ما صنعت شيئاً، سيتوب. ويأتيه آخر فيقول: ما زلت بفلان حتى صنع كذا، فيقول له إبليس: ما فعلت شيئاً سيتوب، حتى يأتيه شيطان فيقول له: ما زلت بفلان بينه وبين امرأته حتى قال لها: أنت طالق، فيحتضنه إبليس ويقول له: أنت الفتى! أنت الفتى! ).

    ولذلك -أيها الإخوان- لا بد للرجل أن يكون عاقلاً، فإذا حدث خلاف استعاذ بالله من الشيطان، وغادر المكان، فإما أن يذهب إلى المسجد، أو يذهب إلى السوق، أو يذهب إلى المكتب، أو يذهب إلى أصحابه.. إلى أن تذهب نزغة الشيطان ويزول الغضب عنه وعن زوجه ثم بعد ذلك يصلح الله بينهما، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا أدلكم على ما هو أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا سول الله! قال: إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر؛ ولكن تحلق الدين ).

    أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.