إسلام ويب

تفسير آية - الجن [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كانت الشياطين تسترق السمع من السماء وفجأة وجدوا أن على السماء حراسة شديدة وأن الشهب ترميهم إذا اقتربوا من السماء، فعرفوا أن شيئاً عظيماً وقع في الأرض فانتشروا في أقطار الأرض يبحثون عن الحدث العظيم، فمر بعضهم برسول الله وهو يصلي بأصحابه ويقرأ القرآن فاستمعوا له وآمنوا وعرفوا أن هذا هو الحدث العظيم، وأنزل الله على رسوله سورة الجن، والجن مخلوقون من نار، يأكلون ويشربون ويتناسلون وقد وهبهم الله قدرات كبيرة، وفيهم جوانب ضعف عديدة.

    1.   

    سبب نزول سورة الجن

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار، أما بعد:

    فيقول الله عز وجل في الآية الأولى من سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً [الجن:1].

    سبب نزول هذه السورة المباركة في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة، وهو بنخلة وهم عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا! إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً [الجن:1-2]، فأنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً [الجن:1]).

    1.   

    مباحث في عالم الجن

    وسأذكر بعض المباحث حول عالم الجن والشياطين؛ ليكون المسلم في عقيدته على يقين ولا يتبع الخرافات والأساطير.

    اختلاف الجن عن غيرهم وبيان مادة خلقهم

    المبحث الأول: الجن عالم مستقل يختلف عن عالم الإنس وعالم الملائكة، وسموا: جناً؛ لاجتنانهم واستتارهم عن العيون، قال تعالى: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ[الأعراف:27].

    المبحث الثاني: الجن خلقوا من النار، قال الله عز وجل: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ [الرحمن:15]، قال ابن عباس أي: من خالصه وأحسنه.

    وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم ).

    ثبوت خلق الجن قبل الإنس وامتلاكهم العقول والأسماع والأبصار وبيان مراتبهم

    ثبوت وجود الجن وقبح صورهم وكون الشيطان منهم

    المبحث السادس: الدليل على وجود الجن: النصوص القرآنية والحديثية، وكذلك المشاهدة والرؤية، حيث رآهم بعض الناس وسمعوهم، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعض الأحياء يرون الجن كالحمار والكلب ( إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير فتعوذوا بالله فإنهن يرون ما لا ترون ).

    المبحث السابع: الشيطان واحد من الجن، وقد سماه الله إبليس، والبلس في لغة العرب: من لا خير عنده.

    وأبلس: يئس وتحير، قال تعالى: إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ[الكهف:50]، ولم يكن من الملائكة طرفة عين، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى.

    المبحث الثامن: الشيطان قبيح الصورة، قال تعالى: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات:64-65]، وله قرنان، في صحيح مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان ).

    ثبوت الأكل والشرب والتناكح والتناسل والموت في حق الجن

    المبحث التاسع: الجن يأكلون ويشربون، وقد ( نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العظم والروث، وقال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن! فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم: أن لا يمروا بعظم إلا وجدوا عليه طعماً )، والشيطان يأكل بشماله.

    المبحث العاشر: الجن يتناكحون ويتناسلون، قال الله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ[الكهف:50].

    المبحث الحادي عشر: الجن يموتون، قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26]، وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ[القصص:88]، وقال صلى الله عليه وسلم: ( أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون )، لكن إبليس اللعين سيبقى حياً إلى أن تقوم الساعة.

    سكنى الجن في الفلوات وأماكن النجاسات

    المبحث الثاني عشر: الجن يسكنون هذه الأرض التي نعيش فوقها، ويكثر تجمعهم في الخرائب والفلوات، ومواضع النجاسات والحمامات، والحشوش والمقابر، وكذلك الأماكن التي يستطيعون الفساد فيها، كالأسواق والبيوت التي لا يذكر فيها الله.

    قدرات الجن التي وهبهم الله إياها

    المبحث الثالث عشر: أعطى الله الجن قدرات لم يعطها للبشر:

    ومن ذلك: سرعة الحركة والانتقال قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ[النمل:39].

    ومن ذلك: سبقهم للإنسان في مجالات الفضاء وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً [الجن:8].

    ومن ذلك: علمهم بالإعمار والتصنيع يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ[سبأ:13].

    وكذلك قدرتهم على التشكل، فقد يكون الجني في صورة إنسان أو جمل أو حمار، أو بقرة أو كلب، أو قطة أو حية.

    وهو كذلك ( يجري من ابن آدم مجرى الدم )، كما في حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها.

    جوانب الضعف في عالم الجن

    المبحث الرابع عشر: في الجن جوانب ضعف، قال تعالى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76]:

    ومن جوانب ضعفهم: أنهم لا سلطان لهم على عباد الله الصالحين، قال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً [الإسراء:65].

    وخوف الشيطان من بعض عباد الله وهربه منهم دليل ضعفه، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن المؤمن لينصي شيطانه كما ينصي أحدكم بعيره في السفر ) رواه أحمد ، قال ابن كثير : المعنى: يأخذ بناصيته فيغلبه ويقهره، كما يفعل بالبعير إذا شرد ثم غلبه.

    ومن أدلة ضعف الجن: تسخيرهم لنبي الله سليمان: وَمِنْ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ[سبأ:12].

    ومن أدلة ضعفهم: عجزهم عن الإتيان بالمعجزات: قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88].

    وهم لا يتمثلون برسول الله صلى الله عليه وسلم في الرؤيا ( من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ).

    ولا يستطيعون تجاوز حدود معينة في أجواء الفضاء لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن:33].

    ولا يستطيعون فتح باب أغلق وذكر اسم الله عليه ( غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، وأغلقوا الباب، وأطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يحل سقاءً ولا يفتح باباً ولا يكشف إناءً ).

    تكليف الجن بالعبادة وانقسامهم إلى مؤمن وكافر وإضلالهم لبني آدم

    المبحث الخامس عشر: الجن مكلفون إجماعاً، وكافرهم في النار إجماعاً، ومطيعهم في الجنة على الصحيح.

    المبحث السادس عشر: من الجن مسلمون وكافرون، والمسلمون فيهم صالحون وفيهم دون ذلك.

    المبحث السابع عشر: من أهداف الشيطان: إيقاع العباد في الشرك والكفر، والذنوب والمعاصي والبدع، وصدهم عن سبيل الله، وإفساد الطاعات عليهم، وإيذاؤهم بدنياً ونفسياً.

    اللهم إنا نعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.