إسلام ويب

تفسير آية - الطور [47]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن مما لا بد من اعتقاده لدى المسلم أحوال ما بعد الموت من عذاب القبر ونعيمه، وقد ورد ذلك في النصوص المتكاثرة تصريحاً وتلميحاً، ولذلك ينبغي البحث عن الأسباب المنجية من عذاب القبر كالاستعاذة منه، والجهاد والمرابطة في سبيل الله، والصلاة والصيام والزكاة وغيرها.

    1.   

    المعنى الإجمالي لقوله تعالى: (وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار، أما بعد:

    فيقول الله عز وجل في الآية السابعة والأربعين من سورة الطور: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الطور:47].

    الآية في سياق الحديث عن كفار قريش تخبر أن لهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي عذاباً قبل عذاب يوم القيامة، وذلك بما يصيبهم في الدنيا من الأسقام والأوجاع والبلايا، وذهاب الأموال والأولاد، وحصول الجوع والجهد، وعذاب القبر، ولكن أكثرهم غافلون لا يعلمون ما يصيرون إليه من عذاب الله وما أعده لهم في الدنيا والآخرة، ولا يفهمون المراد منهم.

    1.   

    عذاب القبر

    عذاب القبر ونعيمه مسألة عقدية

    عذاب القبر ونعيمه مسألة عقدية لا بد من ذكر مباحث حولها؛ ليسلم للمؤمن معتقده.

    قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي رحمه الله في عقيدته: وأن الناس يفتنون في قبورهم. أي: نؤمن بأن الناس يفتنون في قبورهم.

    وقال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد له به في هذه الدار، فيجب أن يفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم من غير غلو ولا تقصير.

    النصوص الدالة على عذاب القبر

    إن عذاب القبر ثابت بالقرآن:

    في الآية الثالثة والتسعين من سورة الأنعام، والآية الأولى بعد المائة من سورة التوبة، والآية الخامسة والأربعين من سورة غافر، والسابعة والعشرين من سورة إبراهيم، والحادية والعشرين من سورة السجدة، والآيات الثالثة والثمانين إلى السادسة والتسعين من سورة الواقعة، والسابعة والعشرين من سورة الفجر.

    وقد وردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان أهلا ً لذلك، ومن هذه الأحاديث ما روته أمنا عائشة رضي الله عنها: ( أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، قالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة الرسول صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، فقال: نعم، عذاب القبر حق، قالت عائشة رضي الله عنها: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى إلا تعوذ من عذاب القبر ).

    وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم ).

    وروى مسلم عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: ( بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ).

    وفي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما غربت الشمس، فسمع صوتاً فقال: يهود تعذب في قبورها ).

    وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه لكبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس ).

    وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال ).

    وروى ابن حبان عن أم مبشر قالت: ( دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: تعوذوا بالله من عذاب القبر، فقلت: يا رسول الله! وللقبر عذاب؟ قال: إنهم ليعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم ).

    قال ابن القيم رحمه الله: ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت، أي: إذا أصابها المغص إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين، كالإسماعيلية والنصيرية والقرامطة من بني عبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام، قال: فإذا سمعت الخيل عذاب القبر أحدث لها ذلك فزعاً وحرارةً تذهب بالمغل.

    وفي الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع خفق نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل -محمد-، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، قال: فيقول: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة )، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فيراهما جميعاً ).

    قال قتادة : وذكر لنا: أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، يملأ عليه خضراً إلى يوم يبعثون، ثم رجع إلى حديث أنس قال: ( فأما الكافر والمنافق فيقولان له: ماذا كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقولان: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطارق من حديد بين أذنيه، فيصيح صيحة فيسمعها من عليها غير الثقلين ).

    أسباب عذاب القبر

    والسؤال: ما هي أسباب عذاب القبر؟

    أسباب عذاب القبر كثيرة، منها:

    أولاً: عدم الاستتار من البول.

    ثانياً: النميمة.

    ثالثاً: الغلول. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: ( كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم -أي: على متاعه المحمول على الدابة- رجل يقال له: كركرة فمات؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو في النار، فذهبوا ينظرون، فوجدوا عباءة قد غلها )رواه البخاري .

    رابعاً: الكذب.

    خامساً: هجر القرآن.

    سادساً: الزنا.

    سابعاً: الربا. ثبت هذا كله في حديث البخاري الذي رواه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه في قصة رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء المعذبين في منامه.

    ثامناً: الغيبة، روى أبو داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لما عرج بي مررت بأقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ).

    تاسعاً: وبالجملة فإن الناس يعذبون على جهلهم بالله وإضاعتهم لأمره وارتكابهم لمعاصيه، فمن مات منهم ولم يتب كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه، فمستقل ومستكثر، نعوذ بالله من عذاب القبر.

    المنجيات من عذاب القبر

    عرفنا أسباب عذاب القبر، فما هي المنجيات من فتنة القبر وعذابه؟

    هي كثيرة:

    الأول: الاستعاذة بالله من فتنة القبر وعذابه.

    الثاني: الشهادة في سبيل الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه ) رواه الترمذي و ابن ماجه من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه.

    وعند النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أن رجلاً قال: يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال عليه الصلاة والسلام: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنه ).

    الثالث: الرباط في سبيل الله، عن فضالة بن عبيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله؛ فإنه ينمى له عمله يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر ) رواه الترمذي و أبو داود .

    الرابع: الذي يموت يوم الجمعة، ففي مسند أحمد وسنن الترمذي : عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من مسلم يموت يوم الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر ).

    الخامس: الذي يموت بداء البطن، روى النسائي و الترمذي من حديث عبد الله بن يسار : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره ).

    السادس: قراءة سورة الملك كل ليلة، روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( ضرب رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال: هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر ).

    السابع: الصلاة والصيام والزكاة وفعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان، ثبت في مسند أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الميت إذا وضع في قبره وإنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان: ما قبلي مدخل ).

    نعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، اللهم أجرنا من عذاب القبر برحمتك، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.