إسلام ويب

تفسير آية - الأحزاب [56]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أمر الله عباده المؤمنين بالصلاة والسلام على رسول الله الأمين، إجلالاً له وتعظيماً، وأما بالنسبة لوقتها فهي مشروعة في كل حين، لكنها تستحب في مواطن وأوقات كيوم الجمعة وليلتها وافتتاح الخطبة والدعاء وغيرها، وأما أفضل صيغة للصلاة على رسول الله الصلاة فهي الإبراهيمية.

    1.   

    المعنى الإجمالي لقوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى المهاجرين والأنصار.

    أما بعد:

    فيقول الله عز وجل في الآية السادسة والخمسين من سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    المعنى الإجمالي في هذه الآية المباركة:

    يخبر ربنا جل جلاله أنه سبحانه يثني على نبيه صلى الله عليه وسلم، وكذلك ملائكته المقربون يثنون على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعون له، ثم يأمرنا معشر المسلمين أن نصلي ونسلم على نبيه صلى الله عليه وسلم تحية له وتعظيماً وإجلالاً وتوقيراً.

    1.   

    أحكام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    معنى الصلاة من الله والملائكة والمؤمنين

    وصلاة الله تعالى رحمة منه وبركة، وصلاة الملائكة دعاء، وصلاة المؤمنين دعاء وتعظيم ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].

    قال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله: الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم أفضل العبادات؛ لأن الله تعالى تولاها هو وملائكته، ثم أمر بها المؤمنين، وسائر العبادات ليس كذلك.

    وقد روى الترمذي في سننه عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم: أنهم قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار.

    قال الألوسي رحمه الله: عبر عن النبي صلى الله عليه وسلم دون اسمه على خلاف الغالب في حكايته تعالى عن أنبيائه؛ إشعاراً بما اختص به من مزيد الفخامة والكرامة وعلو القدر. انتهى كلامه رحمه الله.

    ومعناه: أن الله عز وجل إذا تحدث عن الأنبياء ذكرهم بأسمائهم، أما محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل قد ذكره بوصفه وهو النبوة.

    حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    وقد اتفق أهل العلم رحمهم الله على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة في العمر مرة، ثم اختلفوا فيما سوى ذلك، فقال قوم: واجبة عند ذكره، وقال قوم: واجبة في كل مجلس.

    قال القرطبي رحمه الله: والذي يقتضيه الاحتياط: الصلاة عند كل ذكر؛ لما ورد من الأخبار في ذلك.

    وقد اختلفوا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في تشهد الصلاة المفروضة: أهي واجبة أم لا؟

    والجمهور: على أنها سنة مؤكدة غير واجبة.

    1.   

    الأحكام المستفادة من قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي ...)

    وفي الآية أحكام:

    منزلة رسول الله عليه الصلاة والسلام وحكم الصلاة والسلام على غيره

    الحكم الأول: الآية تضمنت شرف النبي صلى الله عليه وسلم وعظيم منزلته عند الله تعالى.

    الحكم الثاني: وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

    الحكم الثالث: هذه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم شعار يختص به دون غيره؛ فلا يجوز أن نصلي على غيره من أمته، وبهذا قال جمهور العلماء مع اختلافهم: هل هو محرم أو مكروه كراهةً شديدةً، أو مكروه كراهة تنزيه؟ وكذا لفظ السلام عليه، صلوات ربي وسلامه عليه.

    حكم الترضي على الصحابة والقول عند ذكر بعضهم: كرم الله وجهه

    الحكم الرابع: جرت عادة جمهور الأمة والسواد الأعظم من سلفها وخلفها على الترضي على الصحابة، والترحم على من بعدهم، والدعاء لهم بمغفرة الله وعفوه، وشعار المبتدعين: تخصيص علي رضي الله عنه بالسلام دون سائر الصحابة الكرام، أو تخصيصه بقولهم: كرم الله وجهه.

    قال ابن كثير رحمه الله: وهذا وإن كان المعنى صحيحاً، لكن ينبغي أن يسوى بين الصحابة في ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه، رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    مباحث في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    أذكر هاهنا جملة مباحث في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:

    أحاديث في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    المبحث الأول: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الطاعات، وأعظم القربات التي تنال بها أرفع الدرجات، وقد ورد في فضلها أحاديث صحيحة ثابتة، منها: ما رواه الترمذي عن ابن مسعود : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة ).

    وما رواه الترمذي عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس! اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه. قال أبي : قلت: يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك. قلت: فالنصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك. قلت: فالثلثين؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك. قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تكفى همك، ويغفر لك ذنبك ).

    كثير من الناس يسأل عن معنى هذا الحديث؟

    ومعناه: أن أبياً رضي الله عنه قد اعتاد التهجد بالليل ساعتين أو ثلاثاً مثلاً؛ فيسأل النبي صلى الله عليه وسلم: أجعل لك من هذه الساعات ربعها في الصلاة والسلام عليك؟ فقال له: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك نصفها، أجعل لك الثلثين، إلى أن قال: أجعلها كلها في الصلاة والسلام عليك، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بتفريج الهم ومغفرة الذنب.

    وقد روى الإمام أحمد عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي؛ فليقل عبد من ذلك أو ليكثر ).

    وروى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة، ثم خر ساجداً، فأطال السجود، ثم رفع رأسه فقال: إن جبريل أتاني فبشرني: أن الله عز وجل يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله عز وجل شكراً ).

    وروى أحمد رحمه الله عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: ( أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً طيب النفس، يرى في وجهه البشر، قالوا: يا رسول الله! أصبحت اليوم طيب النفس، يرى في وجهك البشر. قال: أجل، أتاني آت من ربي عز وجل، فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ورد عليه مثلها ).

    وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً ).

    وروى الإمام أحمد عن الحسين بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( البخيل من ذكرت عنده ثم لم يصل علي ).

    وروى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل علي ).

    وروى من حديث أبي هريرة : ( ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم ترة يوم القيامة -أي: حسرة- فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ).

    مواطن تستحب فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    المبحث الثاني: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مستحبة في كل وقت، ويتأكد استحبابها في مواطن:

    منها: عند افتتاح الدعاء وختمه، وعند افتتاح الخطبة بعد حمد الله والثناء عليه، ويوم الجمعة وليلتها، وبعد النداء للصلاة، وعند دخول المسجد والخروج منه، وفي التشهد، وفي صلاة الجنازة، وفي صلاة العيد، وعند زيارة قبره الشريف، وإذا لبى وفرغ من تلبيته.

    كيفية الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

    المبحث الثالث: يستحب للمسلم أن يقتصر في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على ما ورد في الآثار الثابتة عنه من كيفية معلومة، ولا ينبغي له أن يحدث صلوات من عنده؛ لئلا يستدرك على الشرع باستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

    أما كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم؛ فمروية عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، ومن ذلك:

    ما رواه الشيخان عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: ( قال رجل: يا رسول الله! أما السلام عليك فقد علمناه، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ).

    وما رواه الشيخان عن أبي حميد الساعدي : ( أنهم قالوا: يا رسول الله! كيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ).

    وما رواه الجماعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: ( قلنا: يا رسول الله! هذا السلام عليك قد علمناه فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ).

    اجتناب الإشارة إلى الصلاة على رسول الله بـ(ص) أو (صلعم)

    المبحث الرابع: استحب العلماء الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم كلما كتب اسمه. وقال بعضهم: بل يكتفى باللفظ.

    قال الخطيب البغدادي : رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كثيراً ما يكتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصلاة عليه كتابةً، قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظاً.

    اجتناب ما يشار به عند الصلاة على رسول الله بـ(ص) أو (صلعم)

    المبحث الخامس: على المسلم أن يجتنب ما درج عليه المتأخرون من الإشارة عند الكتابة برمز: (ص)، أو (صلعم)، عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، بل يكتبها كاملة أو يتلفظ بها دون كتابة، وقد نبه على ذلك السخاوي رحمه الله في شرح ألفية الحديث.

    اللهم صل على سيدنا محمد في الأولين، وصل على سيدنا محمد في الآخرين، وصل على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.