إسلام ويب

تفسير آية - التوبة [79-80]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أهل الإيمان ينفقون في طاعة الله أموالهم، فمنهم المقل ومنهم المكثر، لكن المنافقين يستهزءون بهم جميعاً، أما المكثر فيقولون عنه: إنه يريد الرياء والسمعة، وأما المقل فيقولون عنه: إن الله غني عن صدقته، فاستحقوا بذلك مقت الله واستهزائه بهم جزاء ما استهزءوا بعباده المؤمنين.

    1.   

    المعنى الإجمالي لقوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات...) إلى قوله: (...والله لا يهدي القوم الفاسقين)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار، أما بعد:

    ففي الآيتين التاسعة والسبعين والثمانين من سورة التوبة يقول ربنا جل جلاله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ[التوبة:79-80].

    قرأ يعقوب رحمه الله: (يُلمزون)، بضم الميم على أنه مضارع: لمز، يُلمز، من باب نصر، يُنصر، وقرأ الباقون بكسر الميم على أنه مضارع: لمز، يلمِز، من باب ضرب، يضرِب.

    1.   

    سبب نزول قوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ...) إلى قوله: (...والله لا يهدي القوم الفاسقين)

    وسبب نزول الآية: ما رواه ابن جرير عن يحيى بن أبي كثير قال: ( جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! مالي ثمانية آلاف جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعبد الرحمن : بارك الله فيما أعطيت وفيما أمسكت. وجاء رجل آخر، فقال: يا رسول الله! بت الليلة أجر الماء على صاعين فأما أحدهما فتركت لعيالي وأما الآخر فجئتك به، اجعله في سبيل الله. فقال صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت. فقال ناس من المنافقين: والله ما أعطى عبد الرحمن إلا رياءً وسمعة، ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع فلان، فأنزل الله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ[التوبة:79]، يعني: عبد الرحمن بن عوف .

    وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ[التوبة:79]، يعني: صاحب الصاع، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[التوبة:79].)

    وروى الإمام أحمد رحمه الله: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبقيع فقال: من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة - يقول الراوي- فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلاً أشد منه سواداً، ولا أصغر منه، ولا أذم ببعير ساقه، لم أر بالبقيع ناقةً أحسن منها، فقال: يا رسول الله، أصدقة؟ قال: نعم، قال: دونك هذه الناقة، قال: فلمزه رجل، فقال: هذا يتصدق بهذه، فوالله لناقته خير منه، قال: فسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كذبت، بل هو خير منك ومنها، ثلاث مرات، ثم قال: ويل لأصحاب المئين من الإبل، ثلاثاً، قالوا: إلا من يا رسول الله؟ قال: إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا ).

    وأخرج مسلم عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: ( أمرنا بالصدقة، فكنا نحامل على ظهورنا، فتصدق أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بشيء أكبر منه، فقال المنافقون: إن الله غني عن صدقة هؤلاء، وما فعل هذا الآخر إلا رياءً، فنزلت الآية).

    من طبيعة المنافقين غمز المؤمنين الطيبين ولمزهم والطعن فيهم والتقول عليهم، فإذا رأوا مؤمناً قد أتى عملاً صالحاً اساءوا به الظن واتهموه بالرياء وحب الظهور، كما نسمع من منافقي زماننا إذا رأوا من يلازم الصلاة في المسجد أو من ظهر سمت الإسلام على وجهه فأطلق لحيته أو قصر ثيابه، أو إذا رأوا فتاة طيبة تحجبت والتزمت الستر الذي أوجبه الله عليها، فإنهم سرعان ما يتهمون هؤلاء في عملهم، ولا يسلم من أذاهم من عمل قليلاً أو من عمل كثيراً، يسخرون من الذي يتطوعون بالصدقة ولا يرضون إلا بالبذل والنفقة، فكان جزاء هؤلاء المنافقين أن تحل عليهم نقمة الله وعذابه.

    ثم أخبر ربنا جل جلاله أن هؤلاء الكفار لا ينفعهم استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم؛ لأن نفوسهم منحرفة وقد جبلوا على الكفر ومردوا على النفاق.

    1.   

    الأحكام المستفادة من قوله تعالى: (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات...) إلى قوله: (...والله لا يهدي القوم الفاسقين)

    وفي الآيتين فوائد:

    الفائدة الأولى: في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لـعبد الرحمن رضي الله عنه بقوله: ( بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت ).

    قال الزمخشري رحمه الله: فبارك الله له حتى صولحت تماضر امرأته عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً، يعني: أن عبد الرحمن رضي الله عنه لما مات كان له أربع زوجات فكان لهن ثمن التركة، وكان ربع الثمن ثمانين ألفاً.

    الفائدة الثانية: أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يشتق لله تعالى اسم من صفة يوهم ظاهرها نقصاً، فلا يقال في حقه سبحانه: ساخر أخذاً من قوله: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ[التوبة:79]، ولا يقال: ماكر، أخذاً من قوله: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ[الأنفال:30]، ولا يقال: كائد، أخذاً من قوله: يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً [الطارق:15-16]، ولا: مستهزئ، أخذاً من قوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ[البقرة:15]، ولا: مخادع، أخذاً من قوله: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ[النساء:142]، بل هو من باب تسمية العقوبة باسم الذنب، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم :

    ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين.

    وكانت العرب إذا وضعوا لفظاً بإزاء لفظ جواباً له وجزاءً ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفاً له في معناه؛ ليزدوج الكلام، فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما.

    الفائدة الثالثة: في قوله تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً[التوبة:80]، قال الزهري رحمه الله: السبعون هنا جمع السبعة المستعملة للكثرة، لا السبعة التي فوق الستة.

    الفائدة الرابعة: قال الرازي رحمه الله: وذلك التعبير -يعني: قول المنافقين: إن الله غني عن صدقة هذا- يحتمل وجوهاً:

    الأول: أنه - أي: المتصدق - لفقره محتاج إليه، فكيف يتصدق به، إلا أن هذا من موجبات الفضيلة، يعني: الرازي رحمه الله يقول: بأن هؤلاء المنافقين لو أنصفوا لعلموا أن هذا الرجل فاضل، كما قال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[الحشر:9].

    الثاني: أي أثر لهذا القليل، فالمنافقون كأنهم يقولون: هذا الرجل يتصدق بصاع، فما قيمة هذا الصاع؟!

    قال الرازي: وهذا أيضاً جهل؛ لأن هذا الرجل بذل كل ما يقدر عليه، فهو أعظم موقعاً عند الله ممن لم يعمل شيئاً؛ لأنه قطع قلبه عما كان في يده من الدنيا، واكتفى بالتوكل على المولى.

    الثالث: جاء الفقير بهذا القليل ليضم نفسه إلى الأكابر من الناس، هذا ظن المنافقين، وهذا أيضاً جهل؛ لأن سعي المرء في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين خير له من أن يسعى في أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة.

    ويستفاد من الآية الكريمة أيضاً:

    أولاً: حرمة لمز المؤمن والسخرية منه.

    ثانياً: غيرة الله على أوليائه، حيث سخر ممن سخر بالمؤمنين.

    ثالثاً: من مات على الكفر لا يجوز الاستغفار له، وليس الاستغفار بنافعه.

    رابعاً: في قوله تعالى: إِلاَّ جُهْدَهُمْ[التوبة:79]: ثناء على قوة البدن والعمل، وأنها تقوم مقام المال، وهذا أصل عظيم في اعتبار أصول الثروة العامة، والتنويه بشأن العاملين، وليسمع هذا الكلام أقوام جعلوا الدين كسلاً وبطالة، وظنوا أن ولاية الله تقتضي ترك العمل والانزواء عن الناس، والله عز وجل جعل أنبياءه ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أهل كد وعمل، (ما من نبي إلا ورعى الغنم)، (وكان نبي الله داود يأكل من عمل يده)، فقد كان حداداً كما قال ربنا: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10]، وكان زكريا عليه السلام نجاراً، وهكذا أنبياء الله ورسله -وهم خاصة القوم وأعلاهم شأناً- كانوا يعملون بأيديهم، فلنقتد بهم.

    نسأل الله عز وجل أن يرزقنا العمل بما نعلم، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.