إسلام ويب

تفسير آية - الأعراف [146]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من أذم صفات الإنسان صفة التكبر على الحق؛ ولذلك توعد الله من تكبر عليه ولم يتبع أمره وأمر رسله بصرفه عن الآيات الدالة عليه؛ فلا يزيده الله إلا عتواً وبعداً عن سبيل الهداية، وتمادياً في طريق الغواية؛ فينبغي للمسلم أن يتجنب أسبابه، لينجو بنفسه في الدنيا والآخرة.

    1.   

    المعنى الإجمالي لقوله تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى المهاجرين والأنصار، أما بعد:

    ففي الآية السادسة والأربعين بعد المائة من سورة الأعراف يقول ربنا جل جلاله: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [الأعراف:146].

    قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: (الرشد) بفتح الراء والشين، وقرأ الباقون بضم الراء وسكون الشين، وهما لغتان في المصدر، نحو: البخل والبَخل، والرُشد والرَشد خلاف الغي.

    وردت هذه الآية في سياق الحديث عن فرعون وأمثاله من المتكبرين الذين عتوا عن أمر ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد.

    فيخبر ربنا تبارك وتعالى أنه يجزيهم على كبرهم بصرفهم عن أدلة عظمته وحجب قلوبهم عن فهم آياته وتدبر معانيها.

    وبين صفات هؤلاء الخاسرين أنهم لا تغني عنهم الآيات والنذر وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا[الأعراف:146]، وأنهم بعيدون عن أسباب الهداية والرشاد، مسارعون في اتخاذ سبل الغواية والضلال، ومرد هذا كله إلى التكذيب والغفلة التي تمادوا فيها، فكان الجزاء من جنس العمل: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ[الصف:5]، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً[البقرة:10].

    1.   

    لطائف في قوله تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق...)

    جزاء المتكبرين في القرآن الكريم

    وفي الآية لطائف:

    اللطيفة الأولى: بين سبحانه في هذه الآية أن جزاء المتكبرين صرفهم عن الهدى، وبين في آيات أخرى أنواعاً من الجزاء الذي يحيق بمن تكبر على الله ورسله، من ذلك:

    أولاً: الطبع على القلب: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر:35].

    ثانياً: البغض من الله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ [النحل:23].

    ثالثاً: الخيبة والخسران: وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم:15].

    رابعاً: الذل والصغار في النار: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    ذكر بعض المتكبرين في القرآن الكريم

    اللطيفة الثانية: أن القرآن الكريم ذكر بعض المتكبرين ممن ساءت عاقبتهم وغضب الله عليهم ولعنهم:

    منهم إبليس: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ[البقرة:34].

    ومنهم فرعون وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ[القصص:39].

    ومنهم قارون الذي قال: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي[القصص:78].

    ومنهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي ، قال تعالى في شأنهما: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا[مريم:77-78].

    قال الحسن البصري رحمه الله: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى حد إذا وصل إليه مات قلبه.

    وقال بعض السلف: لا ينال العلم حيي ولا مستكبر.

    وقال آخر: من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في الجهل أبداً.

    1.   

    الأحكام المستفادة من قوله تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق...)

    في الآية الكريمة فوائد:

    الأولى: أن حصول الإيمان في قلب العبد إنما يكون بمشيئة الله وحده.

    الثانية: أن فهم آيات الله وحسن النظر فيها نعمة من الله على العبد، كما أن عدم فهمها وتدبرها عقوبة من الله للعبد.

    الثالثة: أن الكبر من أقوى عوامل الصرف عن آيات الله، قال سفيان بن عيينة رحمه الله: أنزع عنهم فهم القرآن وأصرفهم عن آياتي.

    الرابعة: أن التكذيب بآيات الله والغفلة عنها هما سبب كل ضلال وشر وظلم وفساد.

    1.   

    أقسام الكبر من حيث المتكبر عليه

    الكبر على ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: التكبر على الله، وذلك أفحش أنواع الكبر، ومثله حال النمرود الذي قال: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ[البقرة:258]، وحال فرعون الذي قال: أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي[القصص:38]، وكذلك كفار قريش، كما قال تعالى: لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ[النساء:172]، وقال سبحانه عن كفار قريش كذلك: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً [الفرقان:60].

    القسم الثاني: التكبر على الرسل، من حيث ترفع النفس عن الانقياد لبشر مثل سائر الناس، قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدْ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً [الفرقان:21]، وقال حاكياً مقالة الكفار: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون:47].

    القسم الثالث: التكبر على العباد، وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره.

    1.   

    الأسباب الحاملة للإنسان على الكبر

    وللكبر أسباب نعوذ بالله من ذلك الخلق.

    قال الغزالي رحمه الله: جماع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي، فالدين هو: العلم، والعمل، والدنيوي: النسب، والجمال، والقوة، والمال، وكثرة الأنصار.

    فهذه سبعة أسباب: فالإنسان يتكبر: إما لعلمه، أو لعمله، أو لنسبه، أو لجماله، أو لقوته، أو لماله، أو لكثرة أتباعه وأنصاره.

    فهذه سبعة: السبب الأول: العلم، حين ينظر العالم إلى الناس نظره إلى البهائم، ويستجهلهم، ويتوقع أن يبدءوه بالسلام، يبره الناس ولا يبرهم، يزورونه ولا يزورهم، ويعودونه ولا يعودهم، ويستخدم من خالطه منهم ويستسخره في حوائجه، بل يرى نفسه عند الله أفضل منهم وأعلى.

    السبب الثاني: العمل، في سنن أبي داود ومستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (في قصة عابد بني إسرائيل الذي كان ساجداً، فوطئ أحد الناس على رقبته، فقال له العابد: ارفع، فوالله لا يغفر الله لك، فأوحى الله إليه: أيها المتألي! بل أنت لا يغفر الله لك).

    السبب الثالث: الحسب والنسب؛ لأن الذي له نسب شريف قد يستحقر من ليس له ذلك النسب، فيأنف لمخالطة الناس ومجالستهم، ويظهر على لسانه ذم الناس وعيبهم ( ولما قال أبو ذر لـبلال رضي الله عنهما: يا ابن السوداء! قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية ).

    السبب الرابع: الجمال، وذلك في النساء كثير، ويدعو ذلك إلى التنقص والثلب والغيبة ( ولما قالت عائشة عن صفية رضي الله عنهما: إنها قصيرة، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ).

    السبب الخامس: المال، وذلك يجري بين الملوك في خزائنهم، وبين التجار في بضائعهم، فيستحقر الغني الفقير، يقول له: من أنت؟! ما معك؟! أثاث بيتي يساوي جميع ما عندك، وأنا أنفق في اليوم ما تنفقه في سنة، كما حكى القرآن عن ذلك المسكين الذي قال لصاحبه وهو يحاوره: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً [الكهف:34].

    السبب السادس: القوة وشدة البطش، كما قال فرعون لعنه الله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52].

    السبب السابع: التكبر بالأتباع والأنصار والتلامذة والغلمان والعشيرة والأقارب والبنين، كما حكى ربنا عن ذلك المسكين وهو الوليد بن المغيرة المخزومي ، قال الله عز وجل: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا [المدثر:11-14]، قال أهل التفسير في قوله تعالى: (وَبَنِينَ شُهُوداً): كان له عشرة من الولد يشهدون معه المجالس.

    فلنتب إلى الله عز وجل من الكبر، ولنردد الدعاء المأثور: ( اللهم إنا نعوذ بك من الكفر والفقر، ونعوذ بك من عذاب القبر )، وكذلك: ( اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت ).

    والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الكبر وأثره في نفس المتكبر وموقف السلف منه

    الكبر خلق باطن في النفس، يرى معه صاحبه أنه فوق الناس، فيفرح ويركن، ولا بد من بيان بعض الحقائق عن هذا المرض النفسي الخطير، الذي إن دام دمر.

    قال أهل العلم: الكبر، ينقسم إلى باطن وظاهر:

    أما الباطن فهو: خلق في النفس.

    وأما الظاهر: فأعمال تصدر عن الجوارح في طريقة المشية، واللباس والهيئة والكلام.

    كان سلفنا رحمهم الله ينكرون على من رأوه متكبراً، ومن ذلك: أن محمد بن واسع رحمه الله -وكان من عباد الله الصالحين- رأى ولده يختال -يمشي مشية الكبر والغطرسة- فدعاه، وقال له: يا بني! أتدري من أنت؟ أما أمك فاشتريتها بمائتي درهم، وأما أبوك فلا أكثر الله في المسلمين مثله.

    وكذلك مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله رأى المهلب وهو يتبختر في جبة من خز، فقال له: يا عبد الله! هذه مشية يبغضها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال له المهلب: أما تعرفني؟ قال: بلى، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين هذا وذاك تحمل في جوفك العذرة، فمضى المهلب وترك مشيته تلك.

    وكذلك الحسن البصري رحمه الله قال لشاب عليه بزة حسنة -يعني: كان يلبس ملابس جميلة معجباً بنفسه- قال له الحسن : يا ابن آدم! معجب بشبابك، محب لشمائلك، كأن القبر قد وارى بدنك، وكأنك قد لاقيت عملك، ويحك! داو قلبك، فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم.