إسلام ويب

تأملات في سور القرآن - جزء تباركللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سور جزء تبارك من السور المكية، التي عالجت القضايات المتعلقة بالعقيدة، كالشرك، والتكذيب بالبعث، وقضايا المجتمع الجاهلي كانحطاط الأخلاق، كما نبهت كثيراً على قضية التعامل مع المال، وحذرت من البخل فيه وإمساكه، وحثت على إنفاقه في وجه الخير المختلفة.

    1.   

    معالجة جزء تبارك لأحوال أهل مكة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    هذا الجزء من القرآن الكريم، الجزء التاسع والعشرون سوره الإحدى عشرة كلها مكية، على عكس الجزء الذي سبقه فسوره كلها مدنية.

    وفي هذا الجزء معالجة لأحوال أهل مكة الذين كانوا يعددون الآلهة ويجحدون النبوة ويكذبون بالبعث والنشور، ويمارسون الشرك بالله عز وجل على شتى صوره، مع ما هم عليه من انحطاط في الأخلاق، وكبر قد سكن في نفوسهم، جاءت سور هذا الجزء منبهة على هذه الطباع، وعلى تلك المخالفات، ومنذرة لهم بشؤم المصير، وأن الناس ينقسمون يوم القيامة إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.

    1.   

    التنبيه على قضية المال والتحذير من البخل

    تكرار التطرق إلى قضية التعامل مع المال في جزء تبارك ودلالته

    القضية التي تتكرر في هذا الجزء المبارك بالإضافة إلى الحديث عن البعث والنشور، قضية المال؛ ولذلك نجد في سورة القلم، يذكر الله عز وجل خبر أصحاب الجنة: إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ [القلم:17-18]، هؤلاء الذين ورثوا عن أبيهم جنة، وكان أبوهم إذا حان وقت الحصاد فإنه يقسم ذلك المحصول إلى ثلاثة أثلاث: ثلث له ولأهل بيته، وثلث للفقراء والمساكين، والثلث الثالث يرده فيها، فلما مات أبوهم اجتمع الإخوة وقرروا أن أباهم كان مخطئاً، وأنه كان مسرفاً على نفسه، ولم يكن يعرف كيف يصرف المال في وجهه، فتقاسموا فيما بينهم أن يجذوا تلك الجنة، وأن يحصدوا ما فيها قبيل الفجر، وقبل أن يستيقظ المساكين، وحلفوا أن لا يدخلنها اليوم عليهم مسكين، وما دروا بأن الله عز وجل هو المالك وهو الفعال لما يريد، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ [القلم:19-20]، أي: كالليل المظلم، أو كالليل البهيم.

    ولذلك عندما جاءوا إلى المكان ورأوه: قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [القلم:26-27]، قال أهل التفسير: كانت تلك الجنة في صنعاء، في بلاد اليمن فأرسل الله إليها ملكاً فاقتلعها، أي: أخذها بما فيها من نخيل وثمار، وأوجدها في المكان الذي يسمى الطائف اليوم، قالوا: وسميت الطائف أخذاً من هذه الآية: فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ [القلم:19].

    هاهنا يبين الله عز وجل عاقبة البخل وأنها عاقبة وخيمة، وأن البخيل يفسد على نفسه، بينما المنفق المتصدق يخلف الله عز وجل عليه ببركة ماله وبركة ولده وتيسير أمره، وأنه يعقبه بعد العسر يسراً، إلى غير ذلك من الفوائد.

    ثم نأتي إلى سورة الحاقة، فنجد أيضاً قضية المال، هؤلاء الذين في جهنم والعياذ بالله، يقول الله عز وجل عن أحدهم: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:30-32]، ويذكر جرائمه: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33]، كان كافراً، وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الحاقة:34]، هذه هي جريمته الثانية، كان ممسكاً، مقتراً، شحيحاً، لا يطعم مسكيناً ولا يفتح باب خير أبداً، وهناك في سورة القلم أيضاً قال: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [القلم:12]، ثم تأتي بعدها سورة المعارج، حيث يذكر الله عز وجل ما طبع عليه الإنسان فيقول: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [المعارج:19-21]، ثم يستثني من ذلك طائفة المؤمنين الموحدين، ويذكر من صفاتهم: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [المعارج:24-25].

    ويأتي معنا في سورة المدثر قوله: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:42-44]، وقبلها في سورة المزمل: وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً[المزمل:20]، يأمرنا ربنا جل جلاله بأن نتصدق وأن ننفق مما آتانا.

    ثم تأتي بعد ذلك سورة الإنسان وفيها قول ربنا جل جلاله في وصف الأبرار: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً [الإنسان:8-9].

    ولذلك لا بد للمسلم من أن ينظر إلى المال نظرة معتدلة، فلا نتبع تلك الفلسفة التي سادت حيناً من الدهر في طوائف من المسلمين بأن المال شر محض، وخير للإنسان أن يعيش فقيراً معدماً؛ من أجل أن يخف حسابه؛ لأننا نجد في المؤمنين السابقين الأولين، الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة أغنياء موسرين، كــأبي بكر الصديق و عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف و طلحة بن عبيد الله و الزبير بن العوام ، هؤلاء جميعاً كانوا من أهل اليسار والغنى، ومع ذلك مسكنهم في جنة عرضها السموات والأرض بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقل مثل ذلك في أبي طلحة الأنصاري و أبي الدحداح و سعد بن معاذ و سعد بن عبادة ، وغيرهم ممن كانوا من أهل المال.

    وبالمقابل تجد بعض الناس المال معبوده من دون الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش )، هذا الإنسان الذي يرى المال غايته وهمه؛ من أجله يوالي ومن أجله يعادي، ومن أجله يحب ومن أجله يبغض، من أجله يعطي ومن أجله يمنع، هذا صنف مذموم مقبوح، فالمسلم يجمع هذا المال من حله، ويعتقد أن المال باب إلى الجنة، وأن المال وسيلة إلى الطاعة، ولولا المال ما بنيت المساجد، ولولا المال ما كان حج ولا عمرة، ولولا المال ما كان غزو ولا جهاد، ولولا المال ما كانت طباعة المصاحف ولا طباعة الكتب النافعة، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة التي أوجزها ربنا جل جلاله في كلمة واحدة، وهي كلمة (قيام) وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً[النساء:5]، أي: بها قيام حياتكم، وبغير المال لا تقوم حياة، فالمسلم ينظر إلى المال هذه النظرة ويستعمله في عبادة ربه.

    أصناف الناس وحالهم مع المال

    وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أصناف الناس وأحوالهم مع المال حين قال: ( ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال من صدقة، وما ظلم عبد مظلمة فعفا إلا زاده الله بها عزاً، وما فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، وإنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلماً )، أي: عنده مال وعنده دين، ( فهو يقضي في ماله بعلمه، يصل رحمه ويتقي ربه ويعلم لله فيه حقاً، فهو بأشرف المنازل )، أي: في أعلى عليين، ( والثاني: رجل آتاه الله علماً، ولم يؤته مالاً )، يعني: عنده دين لكنه مسكين، ما عنده مال، ( فيقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان )، ذاك الغني الطيب، قال صلى الله عليه وسلم: ( فهما في الأجر سواء )؛ لأن الأعمال بالنيات، وهذا نوى نية حسنة، ( والثالث :رجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً )، يعني: إنسان جهول، ما عنده دين، لكن عنده مال كثير، ( فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي ربه ولا يصل رحمه )، همه الشهوات، والملذات، والصد عن سبيل الله، ( يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرماً، فهو بأخبث المنازل )، ( والرابع: رجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً )، هذا لا عنده مال ولا عنده دين، والعياذ بالله، لا دنيا، ولا آخرة! ( فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان )، فهو ينظر إلى شارب الخمر، السكير، العربيد، المسرف على نفسه، فيتلمظ شوقاً، يقول: لو كان عندي مال لعملت مثل عمله، لكنني في فقر، قال النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا: ( فهما في الوزر سواء )، كما قال القائل:

    ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل

    بعض الناس تلقاه كافراً، وفي نفس الوقت هو مفلس، فلا دنيا ولا آخرة! خسر الدنيا والآخرة؛ ولذلك بعض الصالحين لما رأى بعض العمال، ممن يحملون الأثقال ويغنون ببعض الكلام الفاحش القبيح، بكى الرجل الصالح، فقيل له: ما يبكيك؟! قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أشقى الناس من خسر الدنيا والآخرة )، يعني هو في الدنيا حمال، وعينه طالعة وعرقه نازل، وفيه ما فيه، وفي الوقت نفسه لا يجري على لسانه ذكر الله، ولا يسجد لله مرة. وبالمقابل تجد إنساناً آخر في عيشة ناعمة، وفي حال طيبة، ماله كثير وفي حال حسنة وفي سعة وفي رحمة، وفي الوقت نفسه لا يفتر لسانه عن ذكر الله.

    نسأل الله أن يجعلنا منهم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.