إسلام ويب

سورة التوبة - الآية [23]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يأمر المولى سبحانه الذين صدقوا به وبرسوله ألا يتخذوا الكافرين أولياء يحبونهم وينصرونهم، ولو كانوا من أقرب الناس إليهم، وذلك لأنهم اختاروا الكفر على الإيمان، وليعلموا أن من أحب كافراً وتولاه وأحب ما هو عليه من الباطل فهو ظالم لنفسه خارج عن الإسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ومع النداء الخمسين في الآية الثالثة والعشرين من سورة التوبة؛ قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [التوبة:23].

    هذه الآية المباركة تقرر أصلاً ثابتاً في شريعة الإسلام؛ وهو أصل الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين، بمعنى: أنه يجب على المؤمن أن يوالي إخوانه المؤمنين؛ فيعطف عليهم ويدعو لهم ويحبهم ويتذلل لهم، وفي المقابل يجب عليه أن يبغض أعداء الله من الكافرين ويبرأ إلى الله تعالى منهم، ولا يشعر نحوهم بمحبة ولا عطف؛ لأنهم حادُّوا الله ورسوله.

    ومعنى هذه الآية قد تكرر في آيات أخرى، كقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:144]، وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1]، وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [المائدة:51]، وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ [المائدة:57]، إلى غير ذلك من الآيات.

    سبب نزول الآية

    وسبب نزول هذه الآية المباركة ما رواه ابن جرير عن مجاهد رحمه الله أنه قال: لما نزل قول الله عز وجل: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:19]، قال مجاهد : أُمر المؤمنون بالهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فقال العباس بن عبد المطلب : أنا أسقي الحاج. وقال طلحة أخو بني عبد الدار: أنا صاحب الكعبة فلا أهاجر، فأنزل الله عز وجل: لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ [التوبة:23]، إلى قوله سبحانه: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24].

    وروى الكلبي عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بالهجرة إلى المدينة بعض الناس تعلق به أهله وولده، يقولون له: ننشدك الله! ألا تضيعنا، فيرق لهم فيقيم عليهم ويدع الهجرة، فأنزل الله هذه الآية.

    وقد مضى معنى مثل هذا الكلام في قول ربنا سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ[التغابن:14].

    معاني مفردات الآية

    قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ[التوبة:23]، ليس المقصود به الحصر في الآباء والإخوان، وإنما ذكر الله الآباء والإخوان؛ لأنهم أقرب الأقربين، فإذا انتفت الموالاة بين المؤمن وبين الكافر ولو كان أباً أو أخاً فمن باب أولى أن تنتفي عمن هو أبعد؛ فإن افتراق الأديان يوجب افتراق الأبدان.

    قال أهل العلم: أخوة الدين أبقى من اخوة النسب، بدليل أن أخوة النسب لا تنفع إذا اختلف الدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يرث مسلم كافراً ولا كافر مسلماً )، يعني: لو أن إنساناً توفي أخوه وهو كافر فإنه لا يرث من مال أخيه شيئاً، والسبب اختلاف الدين.

    وقوله: لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ [التوبة:23]، (الأولياء): جمع ولي وهو من تتولاه بالمحبة والنصرة ويتولاك بمثل ذلك.

    وقوله: إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ [التوبة:23]، أي: اختاروه وأحبوه حباً تمكن من قلوبهم.

    قال الله عز وجل: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [التوبة:23]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي: هو مشرك مثلهم؛ لأن من رضي بالشرك فهو مشرك.

    المعنى الإجمالي للآية

    هذه الآية أيها الإخوان! يخاطبنا فيها ربنا بوصف الإيمان: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله! لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسراركم، وتطلعونهم على عوراتكم، وتنقلون إليهم أخباركم، وتؤثرون المكث بين أظهرهم على الهجرة إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتنصرونهم في القتال، وتظاهرونهم؛ لأن هؤلاء اختاروا الكفر بالله على التصديق به والاقرار بتوحيده، ومن خالف هذا الحكم الشرعي فآثر أن يتخذ هؤلاء أولياء فإنه قد ظلم نفسه ظلماً مبيناً؛ بوضع الشيء في غير موضعه.

    وهذه الآية فهمها حق الفهم أئمة الإسلام الأولون كـأبي بكر الصديق و عمر بن الخطاب و أبي عبيدة بن الجراح وغيرهم رضوان الله عليهم.

    فـأبو بكر قال له ولده عبد الرحمن بعدما أسلم: يا أبت! لقد رأيتك يوم بدر ولو شئت لقتلتك، فقال له أبوه: لكنني لو رأيتك لقتلتك.

    و عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر.

    و أبو عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر كذلك.

    وفي هؤلاء أنزل الله عز وجل قوله: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22].

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ...)

    أيها الإخوة! يستفاد من هذه الآية:

    تحذير الله عز وجل عباده المؤمنين من موالاة من استحبوا الكفر على الإيمان في ظاهر أمرهم أو باطنه، وذلك إذا اطلعوا عليهم وبدت أمارات الكفر والمحادة لله ورسوله في أقوالهم أو أفعالهم.

    وهذه الآية باقية محكمة إلى يوم القيامة لم يطرأ عليها نسخ، وهي التي قطعت الموالاة بين المؤمنين والكفار ولو كانوا آباءً أو إخواناً، وقد وصف الله عز وجل متوليهم بالظلم، فدل ذلك على أن تولي من كان كافراً من أعظم الذنوب وأشدها.

    أيها الإخوان! بعض الناس قد يعد هذا الكلام كلاماً نظرياً، لكن تعرفون أن هذه الآية قد فعلت فعلها في أعداء الله، ونسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.