إسلام ويب

تأملات في سور القرآن - مريمللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المواضيع التي اشتملت عليها سورة مريم كثيرة، ومن تلك المواضيع: الرد على المشركين في إنكارهم اسم الله الرحمن، وصفته (الرحمة)، ومنها كذلك مغفرة الذنوب لمن تاب إليه وأناب، وقصة زكريا عليه السلام وارتزاقه الولد بصفة خارقة للعادة بعد يأسه منه، ثم انتقلت إلى ذكر شيء من أهوال الآخرة كصفة الورود على جهنم يوم القيامة.

    1.   

    بين يدي سورة مريم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    سورة مريم سورة مكية، وآياتها ثمان وتسعون آية، ويغلب عليها ذكر القصص، والرد على المشركين الذين أنكروا البعث والنشور، في قول ربنا جل جلاله: وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً [مريم:66-67].

    هذه السورة المباركة تكرر فيها اسم الرحمن ست عشرة مرة، وتكررت كلمة الرحمة أربع مرات؛ ولذلك في أول آية: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [مريم:2]، والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين أنكروا هذا الاسم العظيم وهذه الصفة الجليلة، كما قال ربنا جل جلاله في سورة الفرقان: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا[الفرقان:60]، كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نعرف إلا رحمن اليمامة، ويعنون برحمن اليمامة مسيلمة بن حبيب الكذاب عليه لعنة الله.

    1.   

    بيان بلاغة القرآن في اختلاف التعبير في سورة مريم وغيرها

    الجمع بين قوله تعالى في سور مريم: (وعمل صالحاً) وقوله في سورة الفرقان: (وعمل عملاً صالحاً)

    هذه السورة المباركة فيها مواضيع يجدر التنبيه عليها، يقول الله عز وجل: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً[مريم:59-60]، وفي سورة الفرقان قال الله عز وجل: إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً[الفرقان:70]، هنا قال: (وعمل صالحاً) وهناك قال: (وعمل عملاً صالحاً).

    قال المفسرون: هنا لما أوجز في ذكر المعاصي، أوجز في التوبة، فهنا لم يذكر المعاصي تفصيلاً وإنما قال: أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ[مريم:59]؛ لذلك قال: وَعَمِلَ صَالِحاً[مريم:60]، وهناك فصل في المعاصي: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ[الفرقان:68]، إلى أن قال سبحانه: إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً[الفرقان:70]، فلما أوجز هنا في سورة مريم في المعصية أوجز في التوبة، ولما أطال هناك في سورة الفرقان في ذكر المعاصي أطال في التوبة وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82].

    الجمع بين قوله تعالى في سورة مريم: (فويل للذين كفروا من مشهد ...) وقوله في سورة الزخرف: (فويل للذين كفروا ...)

    هاهنا في هذه السورة: فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [مريم:37]، وهناك في الزخرف: فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [الزخرف:65]، هاهنا ذكر الكفر، وهناك ذكر الظلم، قالوا: قدم الكفر؛ لأن الكفر أشنع من الظلم، وهو أظلم الظلم، كما قال الله عز وجل: وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ [البقرة:254].

    الجمع بين قوله تعالى عن يحيى: (وسلام عليه) وقوله تعالى عن عيسى: (والسلام علي يوم ولدت)

    أيها الإخوة الكرام! الموضع الثالث يقول الله عز وجل عن يحيى عليه السلام: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً [مريم:15]، ويقول عن المسيح عليه السلام: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً [مريم:33]، السلام على يحيى منكَّر، والسلام على عيسى معرف، قال أهل التفسير: لأن السلام على يحيى لما كان من الله نكِّر؛ لأن القليل من الله عز وجل كثير، أما المسيح عليه السلام فالسلام ليس من الله وإنما السلام من نفسه، قال: وَالسَّلامُ عَلَيَّ[مريم:33].

    1.   

    توجيه سؤال زكريا بقوله: (أنى يكون لي غلام) مع أن الله قد بشره

    الموضع الرابع: زكريا العبد الصالح عليه السلام بشرته الملائكة بالغلام، يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ[مريم:7-8]، قد يسأل هنا بعض الناس فيقول: زكريا مبشر من الله، فكيف يطرح هذا السؤال: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنْ الْكِبَرِ عِتِيّاً [مريم:8]؟

    أجاب المفسرون بثلاثة أوجه:

    الوجه الأول: أن زكريا عليه السلام لا يستبعد على قدرة الله شيئاً وإنما يستفهم عن الكيفية، هو يعلم بأن امرأته طاعنة، فكأنه يقول: يا رب! تهب لي غلاماً منها أم أنك تريد مني أن أنكح غيرها، هو يسأل رب العزة جل جلاله عن الكيفية.

    الوجه الثاني: أن زكريا عليه السلام قال ذلك على سبيل التعجب من عظيم قدرة الله عز وجل، ويدل على ترجيح هذا المعنى أن الله تعالى أجابه بقوله: قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [مريم:9]، أي: أوجدتك من العدم وأنا قادر على أن أوجد لك غلاماً وأنت في هذا السن الكبير.

    الوجه الثالث، وهو بعيد ومهمل: أن بعض المفسرين قالوا: بأن زكريا وسوس له الشيطان بأن هؤلاء المبشرين له بالغلام ليسوا ملائكة وإنما هم شياطين؛ فمن أجل هذا استبعد، وهذا كلام إنما أذكره لأبين أنه كلام زائف؛ لأن الشيطان ليس له سلطان على الأنبياء، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100].

    1.   

    معاني الورود في القرآن الكريم

    الموضع الأخير أيها الإخوة! قول ربنا الرحمن: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً [مريم:71]، الورود في القرآن يطلق ويراد به معنيان:

    المرور، كما في قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ[القصص:23]، ما دخل في الماء وإنما مر عليه.

    ويأتي الورود في القرآن كذلك بمعنى الدخول، ومنه قول الله عز وجل عن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ[هود:98]، أوردهم بمعنى أدخلهم، وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود:98]، وكذلك قوله: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98]، أي: داخلون، فهل المراد بقول ربنا جل جلاله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً [مريم:71] الدخول أو المرور؟

    أما المرور فلا خلاف عليه، قد أجمع المسلمون على أن الصراط الذي ذكره ربنا في القرآن جسر مضروب على جهنم، مدحضة، مزلة، فيه خطاطيف كشوك السعدان، وهو أحد من السيف وأدق من الشعرة، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، كالبرق الخاطف وكأجاويد الخيل وكالريح المرسلة، ومنهم من تخدشه كلاليب جهنم فينجو، ومنهم من يكردس في النار، هذا لا خلاف فيه بين المسلمين.

    لكن قال بعض أهل التفسير: بأن الورود هاهنا معناه الدخول؛ ويدل على هذا ما رواه الإمام أحمد و الحاكم من حديث أبي سمية ، قال: ( تذاكرنا قول الله عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا[مريم:71]، فقال بعضنا: هو الدخول، وقال آخرون: هو المرور، فأتيت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فسألته، فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتا، إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من أحد إلا وسيدخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم برداً وسلاماً، حتى إن النار لتضج من بردهم )، والله على كل شيء قدير، ومعنى هذا الحديث: أن الكل تحلة للقسم سيدخل النار، لكن ليس بالضرورة أنه إن دخل النار سيعاني حرها، فالله عز وجل قادر على أن يعذب بها من شاء وأن يمنع عذابها عمن شاء، كما منعها عن إبراهيم فقال: يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فـجابر بن عبد الله رضي الله عنه يروي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أن الناس كلهم سيدخلون النار، لكن حرها لا يؤثر على عباد الله المؤمنين.

    وأسأل الله أن يجيرنا من النار برحمته.

    والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047724599

    عدد مرات الحفظ

    738510455