إسلام ويب

تأملات في سور القرآن - المجادلةللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجزء الثامن والعشرون سوره كلها مدنية، وقد نزلت تعالج أوضاع المجتمع المدني بما فيه المؤمنين الطيبين والكفار الوثنيين، والمنافقين المذبذبين، واليهود الحاقدين المتكبرين، وفي أول سورة منه ذكر الله قضية تتعلق بالأسرة وهي قضية الظهار وبين أحكامها، ثم تعرض فيها لسفاهات اليهود، ثم نهى الله عز وجل عباده عن مشابهة المجرمين، ثم بين الله عز وجل صفة المنافقين الكاذبين، ثم ختم السورة بالحديث عن الكافرين.

    1.   

    ربط الأحكام بالإيمان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    هذا هو الجزء الثامن والعشرون من كتاب الله عز وجل، وسوره التسع مدنية كلها، نزلت في معالجة قضايا المجتمع المدني، ومجتمع المدينة كان فيه المؤمنون الطيبون الذين يهيئون أنفسهم لقيادة قافلة الإيمان للمشارق والمغارب، وكان فيه الكفار الوثنيون، المتعلقون بأذيال الليل الدابر، وكان هناك المنافقون الذين يعيشون بألف وجه وبألف لون، ويلبسون لكل حالة لبوسها، وكان هناك اليهود، الذين يشعرون بتفوق أصلهم وجنسهم، ويقولون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ[المائدة:18]، ويريدون أن يفرضوا على الناس أهواءهم، فهذه طوائف أربع كانت موجودة في مجتمع المدينة المنورة، وكلهم تحت حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد نزلت سورة المجادلة منوعة مواضيعها باختلاف هذه الطوائف، فنجد في أولها مسألة تتعلق بالأسرة، وهي قضية الظهار، وأخبر ربنا جل جلاله أن الظهار لا يعد طلاقاً، لكنه منكر من القول وزور، وأوجب الله على المظاهر كفارة بعتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، ويقرن ربنا جل جلاله ذلك بقضية الإيمان: ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ[المجادلة:4]، فجعل كفارة الظهار حداً من حدود الله، وهناك في سورة البقرة لما تكلم عن آيات الطلاق، قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا[البقرة:229]، وفي سورة النساء لما ذكر الميراث وأحكامه، قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13-14]، وهكذا دائماً في القرآن، فالأحكام لا تأتي كمواد القانون، المادة الأولى والمادة الثانية والمادة الثالثة، فهذا كلام جاف بل يربط ذلك كله بقضية الإيمان، بأن الله عز وجل يراك، وأن الله يسمعك، وأن الله مطلع عليك. وأن الله تعالى لا يخفى عليه أمرك؛ ولذلك بعدها يقول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7].

    1.   

    قلة أدب اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم

    ثم يتعرض ربنا لسفاهات اليهود، الذين كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون له: السام عليك يا محمد! (السام عليك) يعنون بها: الموت، فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على أن يقول: وعليكم، فهو لا يرد عليهم هذا اللفظ السيء بمثله، بل يكتفي بأن يقول: وعليكم.

    وكان اليهود يضحكون ويتغامزون ويقولون: لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ[المجادلة:8]، لو كان محمد نبياً كما يزعم، لم لا ينزل بنا العذاب ونحن نشتمه؟! قال الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة:8].

    1.   

    مناجاة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    ثم نهى ربنا جل جلاله عباده المؤمنين عن مشابهة المجرمين، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المجادلة:9]، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاني مع المؤمنين من قضية خاصة، وهي أن كل واحد منهم يريد أن يناجيه، كل واحد من الصحابة الطيبين رضي الله عنهم، لا يكتفي بالمجلس العام مع النبي عليه الصلاة والسلام الذي يعلمهم فيه ويرشدهم ويذكرهم، ويبين لهم ما أنزل إليه من ربه بل لا، بعد ذلك كل واحد منهم يريد أن يخلو به، فالله عز وجل مع علمه سبحانه بأن الخلوة مع أعظم العظماء محمد صلى الله عليه وسلم أمر مرغوب، وكل الناس يريده، لكن الله تعالى أراد أن يخلص نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأن وقته ثمين، فقال: إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً[المجادلة:12]، فالذي يريد أن يخلو بالنبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن يدفع شيئاً، فهاهنا الصحابة أحجموا، وقالوا: ما طبق هذه الآية إلا علي.

    قال الله عز وجل: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا[المجادلة:13]، فهناك ما هو أهم وأعظم: نصرة الدين، فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المجادلة:13].

    1.   

    كذب المنافقين وخداعهم

    ثم ذكر ربنا جل جلاله المنافقين الكذابين الذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يلقون كل طائفة بوجه، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [المجادلة:14]، سمة المنافق أنه كذاب، ولا يتورع عن الأيمان الفاجرة، وسبحان الله! هذه الخصلة الذميمة، التي عاشوا عليها في الدنيا سيمارسونها يوم القيامة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل امرئ يبعث على ما مات عليه )، قال الله عز وجل: يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ[المجادلة:18]، يعني كما كانوا في الدنيا يحلفون للمؤمنين، وكما قال الله عز وجل: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ[التوبة:95].

    ثم قال: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ[التوبة:96]، فهذه هي خصلتهم، ويوم القيامة هم كذلك، إذا قررهم الله بذنوبهم يحلفون أن هذا ما حصل، فالله عز وجل يقول للمنافق: أتذكر ذنب كذا يوم كذا؟ يقول: لا، يا رب! ويحلف بالله أن هذا الأمر ما حصل، وأنه ما كفر ولا شرب خمراً ولا زنى ولا أظهر خلاف ما يبطن، ولا عادى الله ورسوله، فيقول الله عز وجل له: جيرانك يشهدون عليك، يقول: كذبوا، أهلك يشهدون عليك يقول: كذبوا، الملائكة، الكرام الكاتبون يقول: كذبوا، لا أرضى إلا شهيداً من نفسي، يقول الله عز وجل: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء:14]، فيختم الله على فيه، ثم تنطق أعضاؤه، فتقول عينه: أنا لما لا يحل نظرت، وتقول أذنه: وأنا لما لا يحل استمعت، وتقول يده: أنا فيما لا يحل بطشت، وتقول رجله: وأنا لما لا يحل مشيت، ويقول الملك: وأنا كتبت، ويقول الله: وأنا اطلعت وسترت، ثم يقول للملائكة: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30]، ومن عذابي أذيقوه، فقد اشتد غضبي على من قل حياؤه معي، فهؤلاء المنافقون يحلفون أيماناً فاجرة، في الدنيا والآخرة، نعوذ بالله من الخذلان.

    1.   

    جزاء من يحاد الله ورسوله وواجب المؤمنين تجاهه

    ثم تختم السورة بتلك القضية التي فيها حديث عن الكافرين، إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ [المجادلة:20]، كتب الله عليهم الذل والخسار، ثم بين ربنا أن المؤمنين الطيبين ليست في قلوبهم مودة لمن حاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا المحاد أباً أو ابناً أو أخاً أو من العشيرة الأقربين، وهؤلاء المؤمنون الطيبون كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه.

    نسأل الله أن يجعلنا منهم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987051831

    عدد مرات الحفظ

    716257843