إسلام ويب

تفسير سورة الكهف - الآيات [83-97]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد آتى الله ذا القرنين القوة وأسباب التمكين في الأرض؛ فبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأقام العدل بين الناس، حتى بلغ بين السدين ووجد يأجوج ومأجوج يؤذون الناس ويفسدون في الأرض؛ فبنى سداً منيعاً يحجز يأجوج ومأجوج عن أذية الآخرين، فلم يستطيعوا الخروج من ذلك السد، ولن يخرجوا إلا في آخر الزمان حين يأذن الله لهم بالخروج.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين ...) إلى قوله: (وما استطاعوا له نقباً)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، وصلى الله وبارك على سيدنا رسول الله.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً [الكهف:83-98].

    ذو القرنين بين كونه نبياً أو عبداً صالحاً

    هذه القصة هي آخر القصص التي ذكرها ربنا تبارك وتعالى في هذه السورة المباركة، وهي تتناول خبر عبد صالح بلغ المشارق والمغارب دعوةً إلى الله عز وجل، وسعياً للصلاح في الأرض، وهذا العبد الصالح هو ذو القرنين عليه السلام. وهل كان نبياً مرسلاً أم كان عبداً ملكاً؟ الله أعلم، فلم يجزم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( ما أدري أتبع كان لعيناً أم لا؟ وما أدري أكان ذو القرنين نبياً أم لا؟ ).

    وهذا العبد الصالح ما اسمه؟ الجواب: الله أعلم، فقد ذكر المفسرون في ذلك أقوالاً كثيرة، ومتى كان زمانه؟ أيضاً الجواب: الله أعلم، ثم لم لقب بـذي القرنين ؟ الجواب: قيل: لأنه كان كريم الطرفين من جهة أبيه وأمه، أو لأنه دعا قومه إلى الله فضربوه فشجوه، ثم قام فدعاهم فضربوه على قرنه الآخر فشجوه، أو لأنه كان ذا ضفيرتين، أو لأنه هلك في زمانه قرنان من الناس، والله أعلم أي ذلك كان.

    سبب ذكر قصة ذي القرنين في القرآن

    وسبب القصة أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة هذا العبد الذي بلغ المشارق والمغارب، فجاءه الجواب من الله: سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً [الكهف:83]، أي: خبراً، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ [الكهف:84]، أي: مكن الله له بجميع أنواع التمكين من كثرة الجنود، وعدد الأتباع، وقوة الآلات التي يحارب بها، وفهم اللغات للقوم الذين يغزونهم، وعلمه بالطرق والأساليب التي يحاربهم بها.

    قوله: فَأَتْبَعَ )) أو فتبع سَبَباً [الكهف:85] أي: سلك طريقاً.

    بلوغ ذي القرنين مغرب الشمس

    قوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ [الكهف:86]، أي: المكان الذي هو أقصى ناحية المغرب، وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف:86]، أي: كثيرة الحمأ، وهي الطين الأسود، وفي قراءة: (في عين حامية)، أي: شديدة السخونة والحرارة، وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً [الكهف:86]، فخيره الله عز وجل بين أمرين: إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً [الكهف:86]، فأوكل الله له الاختيار للسياسة التي يراها مناسبة، فكان عبداً صالحاً، وإماماً عدلاً، فبين سياسته: إما أنه يخاطب أولئك القوم، وإما أنه يخاطبه رب العالمين، يعني: نفسه ومن معه من الجنود.

    قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ [الكهف:87]، أي: أصر على الشرك، والكفر بالله، والصد عن سبيل الله، وأبى الاستجابة للدعوة فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [الكهف:87]، نعذبه في الدنيا بالقتل والأسر، ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ [الكهف:87] أي: يوم القيامة عَذَاباً نُكْراً [الكهف:87]، أي: مؤلماً فظيعاً.

    وَأَمَّا مَنْ آمَنَ [الكهف:88] أي: بالله عز وجل، وبأنبيائه ورسله، وبدعوته، والتزم طريق السداد، وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى [الكهف:88] أي الجنة، و وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا [الكهف:88] أي: سنتكلم معه كلاماً هيناً ليناً رفيقاً، ونعلمه دين الله عز وجل في يسر وسعة.

    بلوغ ذي القرنين مطلع الشمس

    قال الله عز وجل: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً [الكهف:89]، أي: سلك طريقاً، وبدأ الرحلة الثانية: حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً [الكهف:90].

    المطلع بالكسر والفتح قراءتان، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ [الكهف:90]، أي: موضع طلوع الشمس، ومعنى ذلك: أنه انتهى إلى موضع قوم لم يكن بينهم وبين طلوع الشمس أحد من الناس؛ لأنهم في أقصى المشرق، وليس معنى ذلك أنهم قريبون جداً من الشمس؛ بل بينهم وبين الشمس مسافة بعيدة؛ لكنهم في أقصى ناحية الشرق، وكان هؤلاء القوم كما قال بعض أهل التفسير: هم الزنج. وقال بعضهم وهو العلامة ابن عاشور رحمه الله: هم على ساحل بحر اليابان، ناحية كوريا شرقاً، وانظروا ما بين القولين، فما أبعد اليابان عن الزنج، فالشيخ رحمه الله يقول: هم في ناحية في ساحل بحر اليابان في حدود كوريا شرقاً، والله أعلم أي ذلك كان.

    قال الله عز وجل: وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْراً [الكهف:90]، وهؤلاء القوم يعيشون في فضاء من الأرض، ليس هناك بناء يظلهم، ولا تحتمل أرضهم بناءً، وليس هناك شجر يكنهم؛ بل هذه الأرض مكشوفة لحرارة الشمس، قال سعيد بن جبير رحمه الله: كانوا حمراً، أي: كانت ألوانهم حمراء، فكانوا حمراً قصاراً، وهذا الوصف يشبه أهل اليابان، وهذا كلام ابن عاشور رحمه الله، ويشبهون كذلك أهل الصين وأهل كوريا ومن كانوا في تلك الناحية في أقصى الشرق، قال سعيد : كانوا حمراً قصاراً، مساكنهم الغيران -والغيران جمع غار، وهو الفجوة في الجبل- أكثر معيشتهم السمك، وقال قتادة رحمه الله: ذكر لنا أنهم كانوا بأرض لا تنبت لهم شيئاً، فليست أرضاً صالحةً للنبات، وهذا ظاهر؛ لأنه إذا كانت تلك الأرض ليس هناك شيء يسترها من الشمس، فهي إذاً لا تصلح للنبات، وكانوا إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب، الأسراب: جمع سرب، يتسربون إليه تحت الأرض، فإذا زالت الشمس عادوا إلى حرفهم ومعايشهم، وقال ابن جرير رحمه الله: لم يبنوا بناءً قط، ولم يبن عليهم بناء قط، فإذا طلعت الشمس دخلوا أسراباً لهم، أو نزلوا البحر يستترون من حرارة الشمس، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل، وليست أرضاً جبلية، وإنما هي أرض سهلية منبطحة، قال ابن جرير : جاءهم مرة جيش من الغزاة، فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، يعني: الأفضل لكم أن تخرجوا قبل طلوع الشمس، قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس، ثم التفتوا فقالوا: ما هذه العظام؟ قال لهم أهلها: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا، فانصرفوا أي: الجيش هاربين في الأرض.

    وقال الحسن : كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، وكانت لا تحمل البناء، فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا يتراعون فيها رعي البهائم.

    وخلاصة هذه الأقوال: أن أولئك القوم كانت لهم طبيعة خاصة، وأرضهم ليست كسائر الأرض، فأرضهم ليس فيها معالم، وليس فيها جبال، وليس فيها أشجار، وأرضهم لا تحتمل بناءً، فهم لم يبنوا، ولم يبن عليهم قط، فكانوا يستترون من حر الشمس إما بالدخول في أسراب تحت الأرض، وإما أنهم كانوا ينزلون إلى البحر. وهذا الكلام رغم أن عقولنا تستغربه، إلا أننا لا نحكم بأنه مستحيل، وقد قال الله عز وجل: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:1-3]، أي: هدى كل شيء من خلقه إلى ما يصلحه، مثلما هدانا عامة معشر بني الإنسان أننا نتقي البرد بأن نلبس من الثياب أثقلها، ونتقي الحر بوسائل قد تعارف عليها الناس؛ فكذلك هؤلاء القوم هداهم الله عز وجل إلى تلك الوسائل.

    فـذو القرنين عليه السلام بلغ تلك الأرض التي هي في أقصى المشرق، والتي أهلها بهذه الصفة، قال الله عز وجل: كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً [الكهف:91]، (كذلك) وجه التشبيه فيها كما قال أهل التفسير: كذلك فعل بهؤلاء القوم الذين هم عند مطلع الشمس كما فعل بأولئك الذين كانوا عند مغربها، فالسياسة واحدة: أنه من ظلم كان له العذاب، ومن آمن وعمل صالحاً كان له القول اليسر، والقول الحسن.

    وقوله: وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً [الكهف:91] أي: أحطنا بما لديه من الجنود، والآلات، والعدد، والأسباب، (خبراً) أي: علماً، فالله عز وجل لا تخفى عليه خافية، قال تعالى: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:3].

    يقول الله عز وجل: ذو القرنين أي: بلغ أقصى المغرب وأقصى المشرق، ولم يكن خافياً علينا أمره، ولا غامضاً علينا شأنه؛ بل قد أحصينا ما عنده من الجند، والآلات، والعدد، والأسباب، ونحن مطلعون على كل شيء لديه.

    رحلة ذي القرنين إلى ما بين السدين

    ثم يقول الله عز وجل: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً [الكهف:89]، أي: سلك سبيلاً، واتبع طريقاً، من أجل أن يبلغ رحلته الثالثة.

    قال الله عز وجل: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ [الكهف:93]، قرأ نافع و ابن عامر و حمزة و الكسائي بضم السين (حتى إذا بلغ بين السُدين)، والسَد والسُد بمعنىً واحد، يطلق على الجبل، ويطلق على الجدار الفاصل بين مكانين، أو بين أمتين؛ لأنه يسد به الفضاء، قال ابن جرير رحمه الله: وهما قراءتان صحيحتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، أي: في القراء، وهما لغتان متفقتا المعنى، غير مختلفتين؛ فبأيتهما قرأ القارئ أصاب، يعني: إذا قرأ (بين السَّدين) أصاب، وإذا قرأ (بين السُّدين) أصاب.

    وقوله: وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً [الكهف:93]، هؤلاء القوم من هم؟

    الجواب: الله أعلم.

    المراد بقوله تعالى: (لا يكادون يفقهون قولاً)

    وقوله: قَوْماً لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً [الكهف:93]، (يفقهون) بمعنى يفهمون، فالفقه هو الفهم، وفي قراءة حمزة و الكسائي : (لا يكادون يُفْقِهون قولاً)، قال ابن جرير رحمه الله: وهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، غير دافعة إحداهما الأخرى، يعني: القراءتان غير متناقضتين، فهؤلاء القوم لا يَفهمون ولا يُفهمون، وهذا ظاهر، كما لو زار هذه البلاد أحد الناس ممن يتكلم بلغة نادرة ليست من اللغات الحية كما يقولون، فهذا الإنسان لا يكاد يفهم عنه الناس، ولا يكاد يفهم الناس، يعني: باللسان لا تفاهم، إلا أن يستعين بشيء آخر، ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم لا يعرفون شيئاً من لغة غيرهم، ثم إن لغتهم مخالفة للغات الأمم المعروفة، أي: مخالفة للغات التي تتكلم بها أمم من الناس، بحيث لا يعرفها تراجمة ذي القرنين ، ومعلوم أن الملوك دائماً يتخذون من يترجمون لهم، وينقلون إليهم ما يقوله الناس، وينقلون عنهم إلى الناس؛ ولذلك نقرأ في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أمر زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم العبرانية، قال له: ( فإني لا آمن يهود )، فتعلمها زيد في سبعة عشر يوماً، يعني: في سبعة عشر يوماً أتقن لغة القوم، وكذلك نقرأ في صحيح البخاري في كتاب الإيمان: بأن هرقل عظيم الروم لما بلغته رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يدعوه فيها إلى الله، طلب بعض تجار العرب، فجيء له بـأبي سفيان ، فبدأ هرقل يخاطب أبا سفيان عن طريق الترجمان، فـذو القرنين عليه السلام كان معه هؤلاء التراجمة الذين ينقلون إليه لغات الناس؛ لكنه وجد هؤلاء القوم يتكلمون بلغة غريبة؛ لأن صقعهم منقطع عن الأصقاع، وبلادهم بعيدة عن البلاد، ولا يوجد من يستطيع إفهامهم مراد الملك، وهم لا يستطيعون الإفهام، وهناك احتمال آخر بأنهم كانوا موغلين في البلادة والبداوة، بحيث لا يفهمون ما يقصده من خاطبهم، ولا غرابة في هذا فقد كان موجوداً حتى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر الصحابة رضوان الله عليهم خبر ضمام بن ثعلبة ، وهو رجل جاء من قبل نجد، ثائر الرأس، يعني: شعره كثير غير مرجل ولا مرتب، يقول الصحابة: نسمع دوي صوته ولا ندري ما يقول، مع أن الصحابة عرب أقحاح، والرجل عربي؛ لكنه لما كان موغلاً في البداوة يعني: بدوياً، وجاء من غير جهة الحجاز، جاء من نجد، ورغم أن صوته عال إلا أن الصحابة لا يفهمون كلامه، فقال: ( يا محمد! فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجابه بنحو صوته: ها أم )، يعني: نعم أنا هنا، وهذا من فقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الإنسان البدوي الذي اعتاد أن يصرخ حين يتكلم ويعلي صوته لو قال: يا محمد! وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يقول لسائر أصحابه: (لبيك) بصوته الخفيض عليه الصلاة والسلام، وأسلوبه الهادئ لاستغرب الأعرابي ذلك؛ لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يزيل عنه الوحشة، بمعنى أنه نحن يا أخي مثلك أعراب فماذا تريد؟ قال: ( يا محمد! فأجابه النبي: ها أم، قال له: إني سائلك فمشدد عليك المسألة، فلا تغضب، قال له: سل، فبدأ يطرح أسئلته على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان آخرها أنه قال له: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذه ولا أنقص )، يعني: سألتزم بما قلت؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق ).

    1.   

    قصة يأجوج ومأجوج مع ذي القرنين

    هؤلاء القوم لا يفهمون ولا يُفهمون؛ لكن ذا القرنين عليه السلام كان عبداً موفقاً، أي: يصحبه توفيق ربه؛ ولذلك استطاع أن يفهم ما يريد القوم، وقالوا: ما ترجمته يا ذا القرنين ؟ هكذا خاطبوه بغير لقب ولا إجلال، على عادة البدو، يعني كقول ضمام بن ثعلبة : يا محمد! فما قال يا رسول الله! ولا قال: يا نبي الله! ولا قال: يا خليل الله! بل لما قال له الصحابة: ويلك، اخفض صوتك، فإنك تخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله لا أخفض، أنا صوتي هكذا، فهؤلاء البدو أيضاً قالوا: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً [الكهف:94]، يا ذا القرنين ! يا أيها الملك! يا من مكنت في الأرض! يا من تستطيع أن تكف عنا شر الأشرار، وإفساد المفسدين، إنا نبلغك خبراً، إن من وراء هذا السد قبيلتين من الناس، وهما يأجوج ومأجوج، وقد قرأ عاصم -وهي القراءة التي نقرأ بها- وحده بالهمزة: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [الكهف:94]، وقرأ الجمهور بألف بغير همز: (إن ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض).

    حقيقة يأجوج ومأجوج

    اختلف أهل التفسير في هذين الاسمين، هل هما أعجميان، أم هما عربيان؟

    الجواب: يقول العلامة ابن عاشور رحمه الله: وغالب ظني أنه اسم وضعه القرآن، حاكى به معناه في لغة تلك الأمة المناسب لحال مجتمعهم، فاشتق لهما من مادة (الأج)، الذي يدل على الخلط؛ لأن هذه الأمة كانت أخلاطاً من أصناف. ولو رجعت إلى تفسير هذه الآية في بعض كتب التفسير تجد عجباً من العجب، بأن هؤلاء الأقوام كانت وجوههم كوجوه الحمير، ولهم أسنان كأسنان كذا، ولهم ألسنة كألسنة كذا، وذيول كذيول كذا، وكانت بطونهم كذا، ويرسمون لهم صورة، ومن أعجبها وألطفها أن كل واحد منهم كانت له أذنان، إذا أراد أن ينام فرش واحدةً والتحف بالأخرى. وهذا الكلام كله ليس عليه أثارة من علم، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت أن يأجوج ومأجوج من بني آدم، فهم على خلقة الآدميين؛ لكن عندهم صفات سيئة، الحديث: ( إذا كان يوم القيامة نادى ربنا: يا آدم! فيقول آدم: لبيك وسعديك، والخير في يديك، فيقول الله عز وجل: أخرج بعث النار من ولدك )، يعني: أخرج نصيب النار من أولادك من ذريتك، ( فيقول آدم: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول الله عز وجل: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون )، يعني: وإلى الجنة 0.001% ( فذلك حين تضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى )، يعني: يسمع الناس ذلك؛ فالله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من قرب ومن بعد: ( يا آدم! أخرج من أولادك نصيب النار، فآدم يقول: يا رب! نصيب النار كم؟ يقول الله عز وجل: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. فالصحابة رضوان الله عليهم داخلهم الهم، قالوا: يا رسول الله! ومن ذلك الواحد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن يأجوج ومأجوج ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، وإن مثل أمتي بين الأمم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض ).

    فهاهنا نبينا عليه الصلاة والسلام أثبت أن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، بدليل أنهم داخلون في بعث النار، ولا غرابة، يعني: لو احتسبت يأجوج ومأجوج، ومعهم اليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئة، والوثنيين، والمشركين، وغيرهم من أمم الكفر لا نستغرب أن يكون إلى الجنة واحد وإلى النار تسعمائة وتسعة وتسعون، وكما قال الله عز وجل: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، وقال: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]، وقال: وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة:49]، وقال: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].

    فالشاهد: أن يأجوج ومأجوج أمتان من بني آدم.

    وجه إفساد يأجوج ومأجوج في الأرض

    وقوله: مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ [الكهف:94]، ما وجه إفسادهم؟

    الجواب: قال المفسرون: سائر وجوه الإفساد بالظلم والغشم، وسائر وجوه الفساد المعلومة من البشر: سفك الدم الحرام، أكل المال الحرام، التعدي على الناس في أنفسهم، في أموالهم، في أعراضهم، التهارج والتقاتل، السعي بالفساد في الأرض، وقال بعض المفسرين: كان فسادهم أنهم يأكلون الناس، كما يزعم أهل السودان عن أمة من الناس في بعض بلاد السودان بأنهم كانوا يأكلون الناس، وهذه فرية ليست صحيحة. فالشاهد بأن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض.

    وقال بعض المفسرين: إنما قالوا ذلك على سبيل الاحتياط، أي: إن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الأرض.

    مساومة ذي القرنين في بناء السد

    وقوله: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً [الكهف:94] (خرجاً) أي: يا ذا القرنين هل نجعل لك مالاً؟ هل نجمع لك خراجاً؟ كما قال الله عز وجل: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [المؤمنون:72]، وقرأ حمزة و الكسائي و خلف : (هل نجعل لك خراجاً) وقوله: عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً [الكهف:94]، يعني: أنت ملك صالح، وإمام عادل، تستطيع بما أوتيت من القوة، وأسباب التمكين، أن تقيم بيننا وبينهم سداً منيعاً، وسوراً عالياً، بحيث لا يخرجون علينا، ولا يروننا ولا نراهم، وتكف عنا بأسهم، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً [الكهف:94] أو (سُداً) على قراءة أخرى.

    أيها الإخوة الكرام! هذا عرض يسيل له اللعاب، وتطيش له الألباب، ويحار فيه أهل العقول، وأي ملك سيقول: أنا ممكن في الأرض، وهذه الأمة بحاجة إلي؛ ولذلك أفرض عليهم من الشروط ما أريد، وأبدأ أساومهم، وهذا السور يكلف شيئاً كثيراً، ويستغرق زمناً طويلاً، وأنا ملك مشغول فأريد مالاً كثيراً، وأبدأ أحلبهم حلباً، وأسلبهم سلباً، لكن ذا القرنين عليه السلام رجل رسالي، حاله كحال الأنبياء، الذين كان أحدهم يقول لقومه كما حكى عنهم القرآن الكريم، قال الله تعالى: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:145]، وقال سبحانه: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [هود:29]، كما قال نوح عليه السلام، فالأنبياء لا يطلبون من الناس نولاً ولا أجراً، ولا يسألون الناس شيئاً؛ ولذلك سليمان عليه السلام لما أرادت بلقيس بغير طلب منه أن تقدم له رشوة قالت: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ [النمل:35-36]، لما جاءت هذه الهدايا والمفسرون يذكرون في وصفها عجباً، قال سليمان: أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ [النمل:36]، يعني: أترشونني؟ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل:36]، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ [النمل:37]، اذهبوا بهديتكم هذه، فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا [النمل:37]، وهاهنا ذو القرنين عليه السلام كان هؤلاء القوم يغرونه ويعرضون عليه الأجر، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الكهف:94-95]، (ما) هنا موصولة أي: الذي مكنني الله فيه، يعني: الذي آتاني الله من المال والقوة خير من الخراج الذي عرضتموه، يقول ابن كثير رحمه الله: قالها ذو القرنين بعفة وديانة، وصلاح، وقصد للخير. فهو رجل عفيف، متعفف، دين، صالح، محب للخير عليه السلام، وما دخل معهم في مساومة وكلام، وإنما بحسم وحزم، قال لهم: الذي آتاني الله عز وجل من المال والقوة وأسباب التمكين خير من الخراج الذي تعرضونه علي.

    بناء ذي القرنين للسد

    قال ذو القرنين : لا أريد منكم إلا شيئاً واحداً، وهو كما قال الله: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف:95]، أي: بقوة الأبدان، أريد منكم قوةً عاملة، أمةً من الرجال شداد غلاظ، يسخرون أنفسهم لهذا العمل حتى ينجزوه، فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً [الكهف:95]، أجعل بينكم وبين يأجوج ومأجوج ردماً، والردم هو البناء المردم، شبه بالثوب المردم، أو المرتدم، وهو المؤتلف من رقاع فوقها رقاع، يعني: ثوب مدبل كما يقولون، يقال له: ثوب مردم، فيقول ذو القرنين : أنا سأقيم لكم سداً ليس من طبقة واحدة، وإنما من طبقات متعددة لكن: فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً [الكهف:95].

    ثم قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف:96]، (آتوني) أي: جيئوا لي، اجمعوا لي (زبر الحديد) الزبر جمع زبرة، وهي القطعة الكبيرة، وأصل هذه الكلمة من الزاي والباء والراء تدل على الاجتماع، ومنه قيل للكتاب: زبور؛ لأنه قد اجتمعت فيه الحروف والكلمات والآيات حتى صار كتاباً، ومنه قيل: زبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله. (آتوني زبر الحديد) أي: قطع الحديد، ناولوني إياها، مجرد مناولة، وما كلفهم بأن يستخرجوا الحديد من معادنه؛ لأن هذا يتنافى مع قوله تعالى: مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الكهف:95]، وهذه وظيفة ذي القرنين ، فهم فقط ليس عليهم سوى الجمع، وقوله: حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف:96]، (حتى) هذه تستعمل للغاية، يعني مشعرة بكلام قبلها، وفي الآية إيجاز بالحذف، (آتوني زبر الحديد) فآتوه إياها، فرص بعضها فوق بعض، وبناها حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف:96]، المساواة جعل الأشياء متساويةً متماثلة، إما في المقدار أو في الوصف. وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير و أبو عمرو بن العلاء و ابن عامر : (بين الصدفين)، بضم الصاد والدال، وهي لغة، وقرأ أبو بكر، عن عاصم : (بين الصدفين) بضم الصاد وإسكان الدال فهي ثلاث قراءات: (بين الصَدَفين)، (بين الصُدُفين)، (بين الصُدْفين)، أي: بين قمتي الجبل، يعني هناك جبلان، لكل جبل قمة، ذو القرنين عليه السلام اشتغل ببناء السد بين الجبلين، رص قطع الحديد هذه وسواها، وبناها حتى بلغ قمتي الجبلين، قال ابن جرير رحمه الله: وهما من قبل أرمينيا وأذربيجان.

    وقوله: قَالَ انفُخُوا [الكهف:96]، هذا أمر للعمال، (انفخوا) أي: أوقدوا ناراً، قال: حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [الكهف:96]، يعني: بعدما جيء بالحديد طلب نحاساً، فأفرغ هذا النحاس بين الحديد، وهذا من أجل أن يسد الفجوات، قالوا: وهو أقوى شيء في البناء، حديد أذيب بين فجواته نحاس، ونلاحظ بأن ذا القرنين عليه السلام كان عنده من الآلات، وعنده من القوة ما يجعله يبلغ أعلى تلك القمة من أجل أن يذيب ذلك القطر أي: النحاس المذاب، بين زبر الحديد تلك.

    المراد بقوله: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً)

    قال الله عز وجل: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف:97]، يعني: يأجوج ومأجوج هؤلاء الذين كانوا يخرجون فيفسدون في الأرض ما استطاعوا (أن يظهروه) أي: أن يعلوا عليه، وما استطاعوا أن يحدثوا فيه (نقباً) أي: ثقباً وخرماً ينفذون من خلاله، ولما كان من الصعب الصعود عليه قال الله عز وجل: فَمَا اسْطَاعُوا [الكهف:97]، فجاء بكلمة مخففة، ولما كان النقب أصعب من الصعود عليه قال: وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً [الكهف:97]، وكما قال أهل التفسير: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.

    تفسير قوله تعالى: (قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً)

    ثم قال الله عز وجل: قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي [الكهف:98]، وهذا مثلما قال سليمان عليه السلام: فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ [النمل:36]، لما جيء له بالعرش أي: بعرش بلقيس في لمح البصر، قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل:40]، وهكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة فاتحاً ومعه جيش قوامه عشرة آلاف ما دخل صلى الله عليه وسلم مزهواً، وإنما دخل عليه الصلاة والسلام مطأطئاً رأسه تواضعاً لربه حتى كاد يمس قادمة رحله عليه الصلاة والسلام.

    يقول: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ [الكهف:98]، هذه قراءة الجمهور، وقرأ عاصم و حمزة و الكسائي : جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً [الكهف:98].

    أما على قراءة الجمهور: (فإذا جاء وعد ربي جعله دكاً وكان وعد ربي حقاً)، (دكاً) مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: جعله مدكوكاً، كما قال الله عز وجل: كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً [الفجر:21]، أي: جعلها مدكوكة، وأما على قراءة عاصم و حمزة و الكسائي : جَعَلَهُ دَكَّاءَ [الكهف:98]، أي: مستوياً، أي: سواه بالأرض، تقول العرب: هذه ناقة دكاء: إذا لم يكن لها سنام، يعني: كان ظهرها مستوياً وليس عندها السنام الذي يكون للنوق غالباً، يقال: هذه ناقة دكاء.

    قال ذو القرنين : فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي [الكهف:98]، الوعد هو الإخبار بأمر مستقبل، فإما أن ذا القرنين قال ذلك بوحي من الله فهو نبي، وإما أنه قال ذلك نطقاً بالحكمة؛ أجرى الله الحكمة على لسانه؛ فعلم أن كل حادث مصيره إلى زوال، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص:88]، يعني: ليس هناك باق إلا الله، حتى الجبال التي قال فيها القائل:

    ألا لا أرى على الحوادث باقيا ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا

    وهذه الجبال يوم القيامة قال الله عز وجل عنها: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:5]، أي: كالصوف المنفوش، وقال الله عز وجل: وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً [النبأ:20]، فـذو القرنين بما آتاه الله من الحكمة والعلم عرف بأن هذا السد ليس خالداً، وإنما إذا جاء وعد الله عز وجل فإنه سيسوى بالأرض، وقد ثبت في الصحيحين من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ يوماً محمرةً عيناه، فقال: ويل للعرب من شر قد اقترب، أيقظوا صويحبات الحجر، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج هكذا، وحلق بإصبعيه السبابة والتي تليها ).

    خروج يأجوج ومأجوج آخر الزمان

    فـذو القرنين بنى هذا السد؛ لكن يأجوج ومأجوج ما استسلموا، وإنما في كل يوم يحفرون ويحاولون، وهم أمة كثير عددهم؛ فقد جاء في بعض الأحاديث: ( بأنه لا يموت رجل منهم حتى يولد له ألف )، يعني: الواحد من الرجال في هذا الزمان لو ولد له عشرة لقيل: هذا رجل ولا كل الرجال؛ لكن هؤلاء لا يموت أحدهم حتى يولد له ألف، وفي كل يوم يحفرون حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس يقولون: ارجعوا فسنحفره غداً، فيعيده الله كما كان، ثم يأتون ولا ييأسون فيحفرون، وهكذا يومياً حتى إذا أراد الله لهم أن يخرجوا قال قائلهم: ارجعوا فسنحفره غداً إن شاء الله، فيستثنون أول مرة، فيأتون غداً فيحفرون حتى يفتح لهم، ثم يخرجون، قال الله عز وجل: وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف:99]، وفي سورة الأنبياء قال: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ [الأنبياء:96]، أي: يخرجون فلا يتركون شيئاً رطباً إلا أكلوه، ولا يابساً إلا أفسدوه، فأي شيء رطب يأكلوه، ولو وجدوا كلاباً، فئراناً، صراصير، حيات، عقارب، خنافس، حميراً، هؤلاء إذا خرجوا لا يتركون شيئاً رطباً إلا أكلوه، ولا يابساً إلا أتلفوه؛ ولذلك روى ابن جرير رحمه الله من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لقيت ليلة الإسراء إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة، وردوا الأمر إلى إبراهيم عليه السلام، فقال: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى عليه السلام فقال: أما قيام الساعة فلا علم لي بها )، يعني: الساعة التي تقوم فيها الساعة، أو اليوم الذي تكون فيه الساعة لا علم لي به، لا يعلمه إلا الله، ( ولكن ربي قد عهد إلي بما هو كائن دون وقتها )، يعني: ما يكون قبل قيام الساعة فإن الله عز وجل أخبرني به، ( عهد إلي أن الدجال خارج، وأنه مهبطني إليه ) أي: مهبط المسيح عليه السلام، ( فذكر أنه إذا رآني أهلكه الله، يذوب كما يذوب الرصاص، حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم هذا كافر فاقتله، فيهلكهم الله )، يعني: يهلك الدجال ومن تابعه، ( فيرجع الناس إلى بلادهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون، لا يأتون على شيء إلا أكلوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه )، وهذا صحيح، فقد ثبت في الحديث الصحيح: ( بأنهم يمرون على بحيرة طبرية في فلسطين، فيشربون ما فيها من الماء )، بحيرة يشربونها كلها، حتى يأتي الفوج من بعد فوج آخر من يأجوج ومأجوج، فيقولون: كان هنا ماء، قال: ( فيرجع الناس إلي فيشكونهم ) أي: يرجعون إلى المسيح، ( فأدعو الله عليهم، فيميتهم حتى تجري الأرض من نتن ريحهم، فينزل الله المطر فيجر أجسادهم فيلقيهم في البحر، ثم ينسف الجبال حتى تكون الأرض كالأديم )، وهذا كله ثابت في الأحاديث الصحاح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى كما في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: ( طلع علينا رسول الله ونحن نتذاكر أشراط الساعة، فقال: لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر علامات، فذكر: الدجال، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج يأجوج ومأجوج، والدخان، والدابة، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونزول المسيح بن مريم، وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن، تحشر الناس إلى المحشر ).

    هلاك يأجوج ومأجوج

    يأجوج ومأجوج يخرجون على الناس يظهرون الفساد في الأرض، حتى إن المسيح ومن معه من المؤمنين يوحي الله عز وجل إليه: أني قد أخرجت عباداً لي، لا يدان لأحد بقتالهم -يعني لا تحاول يا عيسى بن مريم أن تقاتلهم- وإنما حرز عبادي إلى الطور -يعني: اخرج أنت ومن معك من المؤمنين فاصعدوا في جبل الطور- قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( حتى يكون رأس الثور أحب إلى أحدهم من مائة دينار )، مثلاً: لو عرضوا عليك رأس ثور أو مائة دولار فأيهما تختار؟ لن يختار أحد رأس الثور، وإنما كلنا سنختار المائة دولار؛ لكن المسيح ومن معه يعانون من الجوع، ومن الضيق، حتى يتمنوا الطعام، ( حين ذلك يرغب المسيح إلى الله في أن يخلص العباد من شرهم، فيرسل الله عز وجل عليهم النغف )، النغف: دود يكون في أنوف الإبل، وهذه سنة الله أن كل من تجبر على الله عز وجل يهلكه بأضعف مخلوقاته، فـالنمرود الذي قال: (أنا أحيي وأميت) أهلكه الله بحشرة وهي بعوضة أو ذبابة دخلت في منخره، فجعلت تطن في دماغه؛ فما كان يستريح حتى يضرب بالنعال على أم رأسه، فهذا الذي قال: أنا أحيي وأميت، يأتي الناس بالنعال من الخدم والحشم ويضربون على رأسه من أجل أن يسكت.

    و أبرهة الذي أراد أن يهدم البيت العتيق سلط الله عليه طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ [الفيل:3-4]، مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، وكل حجر فوق العدسة ودون الحمبصة، فيقع الحجر على رأس الواحد منهم فيخرق رأسه، ويحرق جوفه، ويخرج من دبره، ويخلص إلى الفيل الذي تحته فيقتله، وما عهد بأن حجراً صغيراً يقتل طائراً، وهذه الأحجار تقتل الإنسان وتقتل الفيل الذي تحته؛ فالله على كل شيء قدير، فيرسل على يأجوج ومأجوج النغف -الدود-؛ لأنه بعدما تخلو الأرض من الناس كما جاء في بعض الروايات يقولون: ( قد علونا أهل الأرض -نحن أقوى أهل الأرض- هلم فلنقاتل أهل السماء فيرسلون سهامهم، فترجع مخضبةً بالدماء )، جاء في بعض الروايات بأنهم يقولون: ( قد علونا أهل الأرض، وفرغنا من أهل السماء، وقد قتلنا الله، فيرسل الله عليهم النغف هذا الدود، فيتركهم فرساً )، فرائس، يقتلهم الله عز وجل، يطلب المسيح عليه السلام من رجل ممن معه، يقول: من يأت بخبر الأرض يكن رفيقي في الجنة، يعني: يتسلل واحد منكم من دون أن يراه يأجوج ومأجوج فينظر ما الخبر، فيذهب هذا الرجل فيجد الأرض لم يخل منها شبر من نتنهم وزهمهم، حيث يحصل فساد بيئي عام؛ لأن الجثث قد ملأت الأرض، وقد تعفنت الأرض، فيرجع إلى المسيح فيخبره، فيرغب المسيح عليه السلام إلى الله، فيرسل الله عز وجل طيراً كأعناق البخت، تأخذ هذه الجثث، فتلقيها في البحار حيث شاء الله، وينزل الله من السماء مطراً يغسل الأرض من نتنهم وزهمهم، وتنبت الأرض نباتها بعهد آدم، أي أن الأرض تطهر، وتنبت نباتها بعهد آدم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حتى يجتمع النفر من الناس على قطف العنب فيشبعهم، وحتى يجتمع القبيلة من الناس على الرمانة فتشبعهم، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدةً فلا يعبد إلا الله )، وهذا كله يكون في زمان نزول المسيح بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فـذو القرنين جزاه الله خيراً، وأحسن إليه كما أحسن إلى خلقه بنى هذا السد من أجل أن يحول بين هاتين الأمتين المفسدتين، وبين إظهار الفساد في الأرض.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.