إسلام ويب

تفسير سورة الكهف - الآيات [79-82]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحكي الله تعالى قصة موسى مع الخضر، حين عزم على فراقه بسبب مخالفته له، ثم يشرح المبررات التي فعل الخضر من أجلها تلك المخالفات، وأوضح أنه خرق السفينة لتكون معيبة فلا يأخذها الملك الظالم، وقتل الغلام لعلمه بأنه سيكون كافراً سيلحق الضرر بأبويه إن بقي حياً، وأقام الجدار ليحفظ كنزاً ليتيمين كان أبوهما صالحاً حتى يكبرا ويأخذاه، وكل هذا بتعليم الله له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:79-82].

    تذكيراً لكم بما مضى أقول: إن هذه القصة قد ساقها الله عز وجل في سياق التعقيب على كفار مكة، الذين استنكفوا من مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن مجلسه يضم فقراء أصحابه، ومن لا جاه لهم؛ فقالوا: يا محمد! اجعل لنا يوماً؛ ولهؤلاء يوماً، فخاطب الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28].

    ثم ذكر ربنا جل جلاله قصة موسى مع العبد الصالح؛ ليبين لكفار مكة أن التواضع هو سمة العقلاء من الأنبياء والمرسلين والصالحين، وأن طلب العلم يستوي فيه الغني والفقير، والكبير والصغير، والمأمور والأمير، كلهم ينبغي أن يكونوا في طلب العلم سواء، وتقدم معنا الكلام في أن هذه القصة سببها كما روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس ، عن أبي بن كعب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل، فقال له بنو إسرائيل: يا نبي الله! أي عباد الله أعلم؟ فقال: أنا )، وفي رواية: أنهم قالوا: ( يا نبي الله! هل أحد على وجه الأرض أعلم منك؟ فقال: لا، فقال الله عز وجل: بلى، عبدنا خضر بمجمع البحرين، عنده من العلم ما ليس عندك، فقال: يا رب! كيف لي به؟ فقال الله عز وجل: خذ حوتاً في مكتل؛ فحيثما فقدت الحوت فهو ثمة، فقال موسى لفتاه: لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً )، أي: زماناً طويلاً.

    وفي رواية الإمام ابن جرير رحمه الله: ( أن موسى عليه السلام قال: يا رب! أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: أي رب! فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: يا رب! فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه. قال: يا رب! فهل أحد على وجه الأرض أعلم مني؟ قال: بلى، عبدنا خضر بمجمع البحرين ).

    ذهب موسى عليه السلام للقاء العبد الصالح، وشرط على نفسه شرطاً بعدما بذل أسباب الأدب، قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف:66]، فقال له العبد الصالح: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً [الكهف:67]، فبذل موسى عليه السلام الوعد، فقال: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [الكهف:69]، فاشترط عليه العبد الصالح ألا يبادر بالسؤال عن شيء حتى يكون هو الذي يخبره، قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً [الكهف:70]، فرضي موسى عليه السلام بهذا الشرط، ثم بعد ذلك وقعت ثلاث حوادث:

    الحادثة الأولى: حين ركبا في السفينة بغير نول -بغير أجر- عمد الخضر عليه السلام إلى لوح من ألواحها فقلعه، فبادر موسى بالإنكار، قال له: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ [الكهف:71] وفي قراءة: (ليغرق) أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [الكهف:71]، أي أنك فعلت شيئاً عظيماً، وبادر عليه السلام إلى ثوبه فحشا به موضع ذلك الخرق؛ فذكره الخضر قال: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً [الكهف:72]، فاعتذر موسى عليه السلام بالنسيان، قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ [الكهف:73]، وكن معي ميسراً لا معسراً، وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً [الكهف:73].

    الحادثة الثانية: وقعت بعدما نزلا من السفينة ووجدا صبيةً يلعبون، فعمد الخضر إلى أصبحهم وجهاً، فقتله، إما أنه قد لوى عنقه، أو أنه اقتلع رأسه، أو أنه أضجعه فذبحه بالسكين، فموسى عليه السلام اشتد غضبه، وعظم إنكاره، فقال له: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً [الكهف:74] أو زاكيةً بِغَيْرِ نَفْسٍ [الكهف:74]، أي: ليست في مقابل نفس، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف:74]، و(نكراً) أبلغ من (إمراً)؛ لأن الجرم الأول في نظر موسى إتلاف مال، والجرم الثاني قتل نفس، ولا شك أن قتل النفس أعظم عند الله من إتلاف المال، فواجه الخضر عليه السلام إنكار موسى بتشديد، قال له: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ [الكهف:75]، وفي المرة الأولى قال له: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً [الكهف:72]، وفي المرة الثانية قال له: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً [الكهف:75]، فأخذ موسى عليه السلام على نفسه عهداً، وقال له: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي [الكهف:76] أو (من لدني) عُذْراً [الكهف:76].

    الحادثة الثالثة: حين وصلا إلى قرية لئام أهلها، سيئة طباعهم، فاسدة أخلاقهم، وطلبا من أهل تلك القرية طعاماً فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا[الكهف:77]، أبى أهل القرية أن يبذلوا ما يجب نحو الضيف، فوجد الخضر عليه السلام جداراً مائلاً أوشك على الانقضاض والانهيار، فعمد إلى إصلاحه، إما أنه لمسه بيده فاستقام، أو أنه فعل كما يفعل الناس من البناء المعتاد، فقال له موسى عليه السلام: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف:77]، فهنا تعين الفراق والإعراض، قال له الخضر عليه السلام: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:78]، هنا قد وقع الشرط فوقع المشروط، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:78]، أي: سأنبئك يا موسى! بتأويل أي: بتفسير تلك الحوادث التي لم تصبر عليها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يرحم الله موسى وددنا لو أنه صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما ).

    ثم بعد هذا الإجمال بدأ المعلم في التفصيل، بدأ يشرح لموسى عليه السلام، قال له: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ [الكهف:79]، وهنا قراءة شاذة وليست متواترة: (أما السفينة فكانت لمسَّاكين) والمسَّاك هو القبطان أو الكابتن؛ لأنه يمسك السفينة عن أن تميد وتضطرب، أو مساكين جمع مساك، وهم دبغة المسوك وهي الجلود؛ لكنها قراءة شاذة، والقراءة المتواترة: أنها كانت لمساكين.

    القول بأن المسكين أفضل حالاً من الفقير

    استدل بهذه الآية من يقول: بأن المسكين أفضل حالاً من الفقير؛ لأن هؤلاء عندهم سفينة ومع ذلك وصفوا بأنهم مساكين؛ لكن نقول: لا يلزم؛ لأنه ليس في الآية أن السفينة كانت ملكاً لهم، وإنما ربما كانوا يؤاجرون أنفسهم؛ لأنه معروف بأن السفينة إذا غرقت فهؤلاء المستأجرون على العمل فيها سيذهب مورد رزقهم، كما لو أن مصنعاً فيه عمال وموظفون، هذا المصنع احترق أو انهدم؛ فهؤلاء الموظفون والعمال سيشردون.

    وقال بعضهم: ليس المقصود بالمساكين مسكنة المال، وإنما المقصود مسكنة الحال؛ بأنهم متعبون في حال سفر، وتعرفون السفر حال ضعف، وحال غربة، كما تقول لرجل غني وقع في وهلة أو خطب: مسكين، وقد يكون إنسان غني عنده أموال كثيرة؛ لكن وقع في ضيق، أو في حرج، أو في مرض، أو شبه ذلك فتقول: فلان مسكين، وليس المقصود بالمسكنة هنا مسكنة المال.

    الحكمة من قول الخضر لموسى: (فأردت أن أعيبها)

    على كل حال الله عز وجل قال على لسان الخضر : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79].

    هذا العبد الصالح قال: (فأردت أن أعيبها)، ألم يكن كافياً أن يقول: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فعبتها؟ أو أما السفينة فعبتها؟ فلماذا قال: (فأردت أن أعيبها)؟ خذوها قاعدة: ليس في القرآن لفظ يصلح مكانه لفظ آخر، كل لفظ في مكانه، ولا يمكن أن تقول: هذا التعبير أخصر أي: أشد اختصاراً من هذا التعبير، صحيح أنه قد يكون أخصر لكنه لا يؤدي نفس المعنى.

    قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: قال الخضر : (فأردت أن أعيبها) ليبين أن فعله كان عن قصد وتأمل، يعني: لو قال: السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر فعبتها، فيمكن أن يكون هذا الفعل خبط عشواء؛ لكنه قال: (فأردت أن أعيبها) يعني: عندي قصد، وهذا القصد حصل بعد تأمل وإمعان نظر، وإعمال فكر، (فأردت أن أعيبها)، أي: أجعلها ذات عيب، ثم قال معللاً لئلا يقول له موسى: ولماذا تعيبها: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف:79]، هذا الملك اسمه كما قال بعض المفسرين: هدد بن بدد ، أو اسمه الجلندا ، والله أعلم، وليس في تعيينه فائدة، يَأْخُذُ [الكهف:79]، أي: يغتصب ويستولي ويسرق كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:79]، (كل سفينة) عموم في معنى الخصوص، والمقصود: يأخذ كل سفينة صالحة، وكل سفينة جيدة، وكل سفينة سليمة يأخذها غصباً، أي: قهراً رغم أنف أهلها.

    معنى الوراء الوارد في قوله تعالى: (وكان وراءهم ملك)

    قول الله عز وجل: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ [الكهف:79]، قال بعض المفسرين: الوراء بمعنى الأمام، فهي من ألفاظ الأضداد، كلفظة البيع، تستخدم للبيع والشراء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا )؛ لكن بعض النحويين وعلى رأسهم الفراء يقول: إن وراء على بابها، ونصر هذا المعنى الإمام ابن عطية .

    كلمة (وراء) في الزمان تستعمل للشيء المتقدم، يقول الله عز وجل مثلاً في شأن التوراة والإنجيل: مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [فاطر:31]؛ لأن القرآن في الزمان جاء متقدماً أي من بعد التوراة والإنجيل، وكذلك قول الله عز وجل: مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ [الجاثية:10]، أي: أمامهم أي في الزمان، وقال الله عز وجل: وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:17]، (ومن ورائه) أي: أمامه في الزمان، وهنا أيضاً (وكان وراءهم) أي: في الزمان الذي سيقابلونه فيما بعد، أي: أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، ومنه قول القائل:

    أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع

    أليس ورائي، أي: أمامي، إن تراخت منيتي، يعني: حتى لو تأخر الموت عني، فلا بد أن أستعمل العصا.

    قال الله عز وجل: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف:79]، قال المفسرون: في الآية تقديم وتأخير، ومعناها: أما السفينة التي اعترضت على خرقها يا موسى فكانت لمساكين يعملون عليها في البحر، (وكان وراءهم) أي: فيما يستقبلون من الطريق أمامهم ملك يأخذ كل سفينة جيدة رغم أنف أهلها؛ فأردت أن أعيبها، هذا هو سياق الكلام: أن السفينة لمساكين وأن هناك ملك يتربص بهم؛ فمن أجل هذا أردت أن أعيبها، فحصل في الآية تقديم وتأخير كما قال البيضاوي رحمه الله: قدمت إرادة العيب للعناية بها، أو لأن السبب مجموع الأمرين وهو خوف الغصب، ومسكنة الملاك، يعني: الخضر عليه السلام خرق السفينة لسببين: خوفاً من غصبها، ولأن ملاكها أو العاملين عليها مساكين؛ فمن أجل هذا قدم العيب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ...) إلى قوله: (... خيراً منه زكاة وأقرب رحماً)

    ثم قال: وَأَمَّا الْغُلامُ [الكهف:80].

    السن التي بلغها الغلام الذي قتله الخضر

    تقدم الكلام في أن المفسرين مختلفون: هل كان ذلك الغلام بالغاً أو ليس بالغاً؟ فالذين قالوا: بأنه ليس بالغاً استدلوا بقول موسى: (أقتلت نفساً زكية) أي: طاهرة، لم تقترف ذنباً، ولم تحتقب وزراً، ولم يجر عليها القلم.

    والذين قالو بأنه غلام بالغ، قالوا: بأنه لو لم يكن بالغاً لما جاز للخضر قتله، قالوا: كان بالغاً وكان أبوه من قرية، وأمه من أخرى، وكان يقطع الطريق ما بين القريتين، وكان أهل القرية المعتدى عليها يأتون فيشكون إلى أبويه، فيدافعان عنه، لما قيل لهم: إذا كان بالغاً كيف يوصف بأنه غلام؟ قالوا: نعم، هذا معهود في كلام العرب، ومنه قول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج بن يوسف الثقفي :

    شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها

    ولم يكن الحجاج غلاماً، وكذلك صفوان بن المعطل رضي الله عنه، لما تكلم عنه بالإفك مع أمنا عائشة ضرب حساناً رضي الله عنه، فشج رأسه بالسيف وقال له:

    تلق ذباب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت ليس بشاعر

    وصف نفسه بأنه غلام، وأوضح من هذا قول موسى عليه السلام ليلة المعراج: لما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم في السماء السادسة ثم جاوزه فبكى موسى فقيل له: ( ما يبكيك؟ قال: أبكي؛ لأن غلاماً بعث من بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر ممن يدخل من أمتي )، الغلام هنا هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عمره يقيناً فوق الأربعين؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نبئ على رأس أربعين سنة، ومع ذلك وصفه موسى بأنه غلام.

    علل الخضر فتله فقال: وأما الغلام الذي استعظمت قتله يا موسى! وأنكرت علي ما قمت به نحوه، فكان أبواه مؤمنين، يعني: كان الغلام كافراً، هذا هو مفهوم الكلام، لكنه طوى ذلك اختصاراً، وأما الغلام فكان كافراً، وكان أبواه، أي: أبوه وأمه، وقيل للأب والأم: أبوين من باب التغليب، كما قيل للشمس والقمر: قمرين، ولـأبي بكر و عمر عمرين، فـأبو بكر و عمر عمران، والشمس والقمر قمران، والأب والأم أبوان.

    روى الإمام مسلم وغيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً )، نحن نعلم بأن الإنسان وهو في بطن أمه إذا نفخت فيه الروح يرسل إليه ملك ويؤمر بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، وأما الغلام فكان كافراً، وكان أبواه مؤمنين.

    معنى الخشية في قوله تعالى: (فخشينا)

    قوله تعالى: فَخَشِينَا [الكهف:80]، إذا كان هذا من كلام الخضر فلا إشكال، (فخشينا) تحمل الخشية هنا على العلم، ومنه قول الله عز وجل: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:182]، (فمن خاف) أي: فمن علم، إذا علمت بأن هذا الموصي سيكون منه ميل أو وصية بإثم فلا بد أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ومنه قول الله عز وجل عن الزوجين: إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:229] بمعنى يعلما، أي إذا علم الزوجان أن حدود الله ستضيع في حياتهما كأن يكون من الزوجة نوع من النشوز والتكبر فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، تدفع للزوج المهر الذي نحلها إياه، ثم بعد ذلك يحصل الفرقة.

    وقال بعض المفسرين: بل إن هذا من كلام الله، فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا [الكهف:80]، قالوا: وإذا كانت من كلام الله فتكون بمعنى الكراهة، (فخشينا) أي: فكرهنا، أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً [الكهف:80]، وهذا كما لو أن رجلاً مع رجل قد ثارت الخلافات بينهما فتقول: فرقت بينهما خشية أن يقتتلا، بمعنى: كراهة أن يقتتلا.

    قال الله عز وجل: فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا [الكهف:80]، وقال بعض المفسرين: بل تحمل الخشية هنا أيضاً على العلم، ومنه قراءة أبي : (فعلم ربك أن يرهقهما طغياناً وكفراً)، على حذف ضمير الشأن، والمعنى: فعلم ربك أنه يرهقهما طغياناً وكفراً.

    توجيه قتل الخضر للغلام بعلة خشية أن يوقع أبويه في الكفر

    يقول الإمام الشوكاني رحمه الله: وقد استشكل بعض أهل العلم قتل الخضر لهذا الغلام، كيف يتأتى للخضر عليه السلام أن يقتل الغلام بهذه العلة؟ وهو خشية أن يوقع أبويه في الكفر.

    ونقول: أما إذا كان على قول من قال: بأن هذا الغلام كان بالغاً فلا إشكال؛ لأنه استحق القتل بفعله أنه يقطع الطريق، ويخيف السبيل، ويسعى في الأرض بالفساد؛ فلعل شريعة الخضر عليه السلام وافقت شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا [المائدة:33]، فعلى هذا لا إشكال.

    أما إذا كان الغلام صبياً غير بالغ فالإشكال قائم قوي؛ فقيل: إن الخضر عليه السلام علم بإعلام الله له أن هذا الغلام لو بلغ فإنه سيكون كافراً وسيكون سبباً في إضلال أبويه، بأن يحملهما على الطغيان والكفر.

    ويترتب على هذا سؤال وهو: هل يسوغ في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أن تقتل غير بالغ على ظن راجح منك بأنه لو بلغ فإنه سيكون سبباً في إضلال أبويه؟ بالإجماع لا.

    فلذلك نقول: على القول بأن الخضر عليه السلام كان نبياً فلا إشكال؛ لأن النبي يعلمه الله عز وجل بالغيب الذي لا يعلمه غيره؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم علم بأن عمر رضي الله عنه سيقتل، وعلم بأن عثمان سيقتل، وأن علياً سيقتل، وعلم صلوات الله وسلامه عليه كذلك كثيراً من أخبار الملاحم والفتن.

    نقول أيضاً: كان في شريعة الخضر عليه السلام يسوغ له أن يقتل غلاماً غير بالغ لم يجر عليه قلم التكليف لعلمه بتعليم الله له أن هذا الغلام مطبوع على الكفر، وأنه لو بقي حياً إلى أن يبلغ سيكون سبباً في كفر أبويه.

    أما في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يسوغ؛ ولذلك قال الخضر : وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا [الكهف:80] أن يسبب لهما الرهق، أن يجشمهما، وأن يكلفهما (طغياناً وكفراً)، (أي) مجاوزةً للحد، بأن يحملهما حبهما إياه على الدفاع عنه بالباطل إلى أن يقعا في الكفر بالله عز وجل.

    وقوله: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا [الكهف:81]، هذه قراءة ابن كثير ، و ابن عامر ، و عاصم ، و الكسائي ، وقرأ الباقون: (فأردنا أن يبدلهما) بالتشديد، و(يبدِلهما)، (يبدّلهما) لغتان، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا [الكهف:81]، رب الأبوين، خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً [الكهف:81]، الزكاة: الطهارة، أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً [الكهف:81] طهارةً، وفضيلةً في دينه، في شرف خلقه، وحسن صفاته، وكريم طباعه، في وقار وسكينة وترفع عن القبائح، وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف:81]، أي: رحمة، رحم ورحمة كما يقال للكثرة: كثر، يقال للرحمة: رحم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ...)

    قال: وَأَمَّا الْجِدَارُ [الكهف:82] الذي بنيته وأقمته فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [الكهف:82].

    اصطلاح القرآن في القرية والمدينة

    هذه الآية دليل على أن اصطلاح القرآن أن القرية والمدينة بمعنىً واحد؛ لأنه هنا قال: لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [الكهف:82]، وفي أول القصة قال: حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [الكهف:77]، فمرةً عبر بالقرية، ومرةً بالمدينة، ومنه أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمرت بقرية تأكل القرى )، ويقصد بها المدينة المنورة، ومنه قول الله عز وجل عن مكة: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى:7]، ومعلوم بأن مكة كانت حاضرة، يعني: لم تكن قريةً من الريف أو كانت بادية، وإنما كانت حاضرة.

    إطلاق مسمى اليتيم

    فيقول: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ [الكهف:82]، أي: هما غلامان صغيران؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في سنن أبي داود من حديث علي رضي الله عنه أنه قال: ( لا يتم بعد بلوغ )، يعني: الإنسان البالغ لا يسمى يتيماً.

    المراد بكنز الغلامين الذي كان تحت الجدار

    قوله تعالى: وَكَانَ تَحْتَهُ [الكهف:82] أي: تحت الجدار كَنزٌ لَهُمَا [الكهف:82]، هذا الكنز قال بعض أهل التفسير منهم: سعيد بن جبير ، و مجاهد بن جبر وغيرهما: بأنه كان ألواحاً من علم، مكتوب فيها: عجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف يلعب، وعجبت لمن أيقن بالدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    وقال عكرمة وهو من تلاميذ ابن عباس : كان لوحاً من ذهب. قال الإمام الطبري رحمه الله: وأولى التأويلين عندي بالصواب قول عكرمة أن ذلك الكنز كان لوحاً من ذهب؛ لأن هذا هو المعهود عند الإطلاق في كلام العرب، يعني: لو أن إنساناً قال: وجدت كنزاً، فلا يفهم منه أنه لقي صحيح البخاري ، أو رياض الصالحين؛ بل المعنى: وجدت كنزاً أي: دولارات، أو ذهب، أو ريالات، ونحو ذلك مما يعده الناس كنزاً، ولعل بعض الناس لو وجد البخاري أو القرطبي لتركه لرجل آخر ينتفع به، أما لو وجد ذهباً أو فضة فلن يتردد؛ بل سيأخذه ويأكله أكلاً لماً؛ ولذلك الطبري رحمه الله يرجح هذا، ويمكن أن نجمع بين القولين، ونقول: كان لوحاً من ذهب منقوشاً فيه ذلك الكلام، فيكون كنزاً من مال وفيه علم نافع.

    الأب المراد في قوله: (وكان أبوهما صالحاً)

    قال تعالى: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف:82]، قيل: بأن ذلك الأب هو الأب السابع، أي: جدهما السابع؛ لكن الإمام ابن جزي رحمه الله في التسهيل قال: والظاهر أنه الأب المباشر؛ لأن هذا هو المعهود أيضاً من كلام العرب؛ فإذا قيل: أب؛ فالمقصود أبوك الذي أنت من صلبه، وعند الإطلاق لا يفهم من الأب أنه يراد به الأب السابع.

    أثر صلاح الأب على أبنائه

    قوله تعالى: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً [الكهف:82]، قال أهل العلم: في هذه الآية دليل على أن الأبناء يحفظهم الله بصلاح الآباء، وهذا المفهوم قد جيء به منطوقاً في قول الله عز وجل: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9]، يعني: يا أيها الإنسان! لو أنك تخاف على أولادك من بعدك -وكلنا ذاك الرجل إذ كل واحد منا يخاف على أولاده الضيعة من بعده- وإن كنت ترجو أن يحفظهم الله من بعدك، فعليك أن تتقي الله، ولذلك العبد الصالح عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما كان في سكرات الموت، وقد خلف من بعده أحد عشر ولداً، قيل له: يا أمير المؤمنين! ما تركت لولدك؟ قال: إن ولدي أحد رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين، إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف:196]، وإما غير ذلك فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله، أي: لا أترك له شيئاً يستعمله في معصية الله عز وجل.

    يقول الله عز وجل على لسان العبد الصالح: هذا الجدار كان لغلامين يتيمين في المدينة، هذان اليتيمان أبوهما كان رجلاً صالحاً، وقد ترك كنزاً، ومعلوم بأن هذا الجدار لو انقض فسيأتي الناس بعد ذلك ليبحثوا في تلك الخربة، وينظروا فيما تحتها وما وراءها، وربما ينكشف ذلك الكنز بانقضاض الجدار، فأنا أردت حفظه ومن أجل ذلك أقمت الجدار، فَأَرَادَ رَبُّكَ [الكهف:82] جل جلاله أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف:82]، وبلوغ الأشد في القرآن يكون ببلوغ أربعين سنة، كما قال الله حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف:15].

    شمول الرحمة في قول الله: (رحمة من ربك) لكل الأشياء التي ارتكبها الخضر وظن موسى أنها خطأ

    قوله تعالى: وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف:82]، يعني: هذا رحمة من ربك جل جلاله، والرحمة هنا راجعة للفعال الثلاثة كلها؛ فخرق السفينة رحمة من الله بأولئك المساكين، وقتل الغلام رحمة من الله بالأبوين المؤمنين، وإقامة الجدار رحمة من الله بالغلامين اليتيمين.

    ثم اختزل القصة كلها وأراح قلب موسى حين قال: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]، هذا الذي رأيته كله إنما هو بتوجيه من الله عز وجل، ما كان عن اجتهاد مني ولا رأي، وإنما هو أمر من الله وقفت عليه، ذَلِكَ [الكهف:82]، أي: الإشارة إلى الحوادث الثلاثة، تَأْوِيلُ [الكهف:82]، أي: تفسير العلم بالمآل، مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:82].

    الصور البلاغية في التعبير بقوله تعالى: (تسطع) وقوله: (تستطع)

    نلاحظ هنا الفرق في بعض التعبيرات، في الأول قال له: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ [الكهف:78]، وهنا قال له: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ [الكهف:82]، قال أهل التفسير: زيادة المبنى دالة على زيادة المعنى، كانت تلك الحوادث ثقيلة على نفس موسى، وكان يتلمظ شوقاً لمعرفة تأويلها، فقوبل الأثقل بالأثقل، جيء بلفظ ثقيل (تستطع)، ثم بعد ذلك لما سري عنه، وبان له الأمر، وصار خفيفاً على نفسه جيء بلفظ خفيف، ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ [الكهف:82].

    ومثل ذلك أيضاً ما حكاه الله عن العبد الصالح الذي بنى جداراً سميكاً من زبر الحديد -من قطع الحديد- وأذاب بين الحديد نحاساً؛ فلم يستطع يأجوج ومأجوج أن يصعدوا على ظهره وأن يتسلقوه، وما استطاعوا أن ينقبوه ويخرموه، والنقب أصعب من الصعود وما اختلف المفسرون قط في أن النقب أصعب، لأنه يمكن أن نأتي بسلم ونتصرف، أو يأتي رجل طويل ويرفع رجلاً طويلاً، والطويل يرفع طويلاً، وهكذا، لكن النقب صعب، خاصةً من الجهة المقابلة لأن هناك الناس الذين كانوا يشتكون بأن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، فيجلسون منتظرين كلما حفروا تصدوا لهم؛ فلذلك لما كان النقب أصعب، قال الله عز وجل: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف:97]، أخذ الأسهل، (وما استطاعوا له نقباً)، النقب أصعب من الصعود.

    قال الله عز وجل على لسان العبد الصالح: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف:82].

    وروي ( أن موسى عليه السلام لما أراد أن يفارقه، بعد أن انتهت المهمة، قال له: أوصني، قال له الخضر : اطلب العلم لتعمل به، لا لتحدث به )، اطلب العلم ليترتب على العلم عمل، وليس مجرد فصاحة وكلام، فالعلم يطلب العمل، فإن وجده وإلا ارتحل.

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر...) إلى قوله: (... ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً)

    ونستنبط بعض الفوائد من هذه الآيات:

    القول بأن المسكين أفضل حالاً من الفقير

    من فوائد هذه القصة في قول الله عز وجل: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ [الكهف:79]، استدل بهذه الآية الإمام الشافعي وغيره على أن المسكين أفضل حالاً من الفقير، ويؤيد هذا قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: ( ليس المسكين بذاك الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين هو الذي لا يجد غنىً يغنيه )، يعني: المسكين عنده شيء لكن ما يكفيه.

    العمل لتحقيق المصلحة ولو ظهر أن العمل مفسدة

    ومن فوائد القصة: العمل بالمصالح إذا تحقق وجهها؛ لأن هذه التصرفات الثلاثة التي قام بها الخضر عليه السلام كانت لتحقيق مصالح: خرق السفينة، قتل الغلام، بناء الجدار، مثلما أن أم موسى عليه السلام رمت به في اليم تحقيقاً لمصلحة بقائه، ومثلما أن موسى عليه السلام قتل الفرعوني تحقيقاً لمصلحة دفع الظالم والانتصار للمظلوم، ومثلما أن موسى عليه السلام سقى لبنتي العبد الصالح تحقيقاً للمصلحة كذلك.

    فدين الله عز وجل كله مصلحة؛ لأن هذا الكلام قد يفهم منه بعض الناس أن الإنسان يتبع المصلحة حيث تراءت له ولو تعارضت مع الشرع، نقول: لا؛ بل دين الله عز وجل هو الذي يحقق المصالح كلها، ويدفع المضار كلها، ولو كان يظهر للعبد خلاف ذلك.

    من فوائد القصة: جواز إصلاح كل المال بإفساد بعضه، كما لو كنا في سفينة قد ثقلت حمولتها، وأوشكت على الغرق، فنلجأ إلى طرح بعض ما فيها ورميه، وهذا فساد، لكنه فساد جزئي من أجل صلاح كلي.

    وفي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإذا الذي جاء يسخرها -وهو الملك الظالم- وجدها منخرقةً فتجاوزها فأصلحوها بخشبة )، يعني: بعدما تجاوزوا الملك الظالم صار إصلاح تلك السفينة أمراً ميسوراً.

    ومن فوائد هذه القصة: الاستدلال على قاعدة شرعية عظيمة وهو أنه إذا تعارض ضرران يتحمل أهونهما لدفع أكبرهما أو أعظمهما، كخرق السفينة فإنه ضرر؛ وغصبها كذلك ضرر، لكن الخرق أخف.

    الحث على الصبر في الشدائد والتماس الخير بعدها

    ومن فوائد هذه القصة: الحض على الصبر في الشدائد، والتماس الخير بعدها، فالأبوان المؤمنان قتل ولدهما وكان أمراً شديداً عليهما؛ لكن الله عز وجل قدر في هذه الشدة خيراً، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216]، قال قتادة رحمه الله: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما؛ فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب، يعني: أن الإنسان يحب الصحة، لكن قد يقدر الله في المرض خيراً، والإنسان يحب الغنى؛ لكن الله عز وجل قد يعلم أنك لو اغتنيت لفسدت، قال تعالى: كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، وقال: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ [الشورى:27]؛ فربك سبحانه وتعالى يعلم أن فلاناً من الناس خير له أن يبقى فقيراً؛ ليكون باله مشغولاً دائماً بتدبير المأكل والمشرب، لكن لو كفي مئونة الأكل والشرب والفاكهة فإنه سيفكر في المعصية؛ فلذلك قضاء الله أو اختيار الله للعبد خير من اختياره لنفسه.

    حسن تدبير الله لأوليائه

    ومن فوائد القصة: بيان حسن تدبير الله لأوليائه، فالشيء قد يكون ظاهره عذاب، ولكن باطنه رحمة، فالله عز وجل دبر لأولئك المساكين، ودبر للأبوين المؤمنين، ودبر للغلامين اليتيمين جل جلاله، نسأل الله أن يجعل كل قضاء قضاه لنا خيراً.

    صلاح الأب حفظ لذريته

    ومن فوائد القصة: قال ابن كثير رحمه الله: فيها دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة؛ بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر بهم عينه، ودليل ذلك في القرآن: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21]، فإذا كان أبوك رجلاً صالحاً، فإنك إذا كنت في الجنة بدرجة أدنى، وأبوك ينظر إليك وهو أعلى منك؛ فالله عز وجل إكراماً لأبيك يرفعك إليه، بعدما كنت تحت، وقد يرفعك خمسين درجة، فصلاح الآباء خير كثير.

    وقول الله عز وجل: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف:82]، فيه دليل لمن قال: بنبوة الخضر .

    الأدب مع الله في استخدام الألفاظ

    وقوله: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79]، فيه دليل على وجوب استعمال الأدب مع الله عز وجل، فالإنسان إذا تكلم عن الله لا بد أن يختار الألفاظ، وقد سبقت إلى ذلك الجن حين قالوا: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجن:10]، فالرشد نسبوه إلى الله، والشر جعلوه لمجهول، ولم يقولوا: وأنا لا ندري أأراد ربنا شراً بمن في الأرض ولكن قالوا: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ [الجن:10]، ومنه قول إبراهيم عليه السلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:78-79]، لم يقل: والذي يمرضني؛ بل قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، فالمرض جعله لنفسه.

    ومنه قول زكريا عليه السلام: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنْ الْكِبَرِ عِتِيّاً [مريم:8]، والذي جعله يبلغ من الكبر عتياً هو رب العزة جل جلاله.

    وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح كان يقول: ( لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك )، ومعلوم أن كل ما في الدنيا من خير وشر إنما هو بتقدير من الله جل جلاله، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ [التغابن:11]، لكن هذا من باب التأدب مع الله عز وجل.

    ومن فوائد القصة: أن المرء لا يعجب بعلمه.

    ومن فوائد القصة: أن يداوم على التعلم، ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقابل.

    عدم المبادرة إلى إنكار ما لم يستحسنه الشخص

    ومن فوائد القصة: ألا تبادر إلى إنكار ما لم تستحسنه، فلعل فيه سراً لا تعرفه.

    وليس معنى هذا أنه لو كان إنسان يترك الجمعة والجماعة، ويقارف الكبائر، أننا نقول: هذا ولي الله عنده سر، ليس مراداً يقيناً، وإنما المراد أن بعض القضايا قد تكون حمالة أوجه، وقد يرى الشيخ الكبير الطاعن في السن ما لا يراه الشاب الصغير، وقد يرى العالم ما لا يراه العامي. وأوضح بمثال قصة الحديبية، فـعمر رضي الله عنه بادر بالإنكار، ( يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ ألسنا المسلمين وهم المشركين، فلم نعطي الدنية في ديننا؟ )، فكان عمر رضي الله عنه يرى أن هذه المعاهدة ظالمة، وفيها تقصير، لكن الشيخ الوقور أبا بكر قال لـعمر : ( يا عمر ! الزم غرزه، فإنه رسول الله صلى الله عليه وسلم )، قال له: لا تسأل، لا تعترض؛ بل اسكت؛ ولذلك عمر رضي الله عنه قال: ( فوالله ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق رجاء أن يكفر الله عني تلك الكلمة ) أي اعتراضه.

    تنبيه المجرم على جرمه

    ومن فوائد القصة: أن ينبه المجرم على جرمه، وهذا تعبير النسفي رحمه الله، وفيه نوع من الشدة، والمجرم هنا هو الخضر ، ولا ينبغي أن يقال ذلك، لكن هكذا عبر، وكان يمكن أن يقول: أن ينبه المخالف على مخالفته، ويعفى عنه، فإذا تحقق إصراره هجر؛ ولذلك الخضر عليه السلام نبه موسى مرةً ومرتين وفي المرة الثالثة قال له: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف:78].

    بقيت كلمة أخيرة لكن نؤجلها عن سر التعبير في هذه القصة (فأردت أن أعيبها)، (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما)، (فأردنا أن يبدلهما ربهما)، وهل في قول الخضر : (فخشينا) على القول: بأن هذا الكلام من قول الخضر ، هل فيه تعظيم للنفس؟ ومنه سيأتي معنا قول ذي القرنين : أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ [الكهف:87]، استخدم نون العظمة، فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا [الكهف:87].

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.

    والحمد لله رب العالمين.