إسلام ويب

الولاء والبراءللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، كان هذا المفهوم واضحاً للمسلمين عبر العصور، وطبقوه في حياتهم فعادوا أقرب الناس نسباً لدينه، وقربوا أبعد الناس نسباً لدينه، وبسبب غياب هذا المفهوم لدى كثير من المسلمين الآن حلت على الأمة المصائب والنكبات.

    1.   

    الولاء والبراء.. مفهومه وحكمه

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في سبيل ربه حق الجهاد، ولم يترك شيئاً مما أمر به إلا بلغه، فتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، وهدى الناس من الضلالة، ونجاهم من الجهالة، وبصرهم من العمى، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم بإذن ربه إلى صراط مستقيم.

    اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ( وما قل وكفى خير مما كثر وألهى ) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    أيها المسلمون عباد الله! إن الناظر في أحوال الناس يجد أن كثيراً من حقائق الإيمان ومعاني الإسلام قد غابت عن أذهان كثير من الناس، وصار ذلك واضحاً في أقوالهم وأعمالهم، ومن ذلك مفهوم الولاء والبراء، حيث لا يبالي كثير من الناس بأن ينصر غير المسلم على أخيه المسلم، لا يبالي كثير من الناس بأن يستعين بغير المسلم على أخيه المسلم، إذا نشبت بينهما عداوة، أو خالفت بينهما الأهواء، لا يبالي كثير من الناس بأن يبذل لغير المسلم من المودة والحب ما لا ينبغي إلا للمسلم؛ لأن هذا المعنى قد التبس وانطمس في أذهان كثير من الناس.

    أيها المسلمون عباد الله! موالاة المسلمين واجبة، ومعاداة الكافرين واجبة.

    موالاة المسلمين بمعنى: محبتهم، ونصرتهم، وإكرامهم، وتوقيرهم، والدعاء لهم، وإغاثة ملهوفهم، وإعانة محتاجهم، ونصرة مظلومهم.

    ومعاداة الكافرين بمعنى: بغضهم، والبراءة منهم، والبعد عنهم، بل وعداوتهم بعد الإعذار والإنذار، وهذه كلها من حقائق الدين، يقول الله عز وجل: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران:28]، ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:51-52] إلى أن يقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:57]، ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144] ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [الممتحنة:1]، فهذه آيات القرآن الكريم ناطقة بوجوب عداوة من عادى الله ورسوله، وعداوة من كفر بالله، وصد عن سبيله، وعداوة من عادى أولياء الله هكذا نطق القرآن، قال الله سبحانه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:31-32].

    الله جل جلاله يأمرنا بمعاداة من عاداه، سواء كان ملحداً، أو كافراً كتابياً، أو كافراً منافقاً، أو غير ذلك من أنواع الكفر، لم؟ لأنهم لا يضمرون لنا خيراً، ولا يحملون لنا مودة، يقول الله عز وجل: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:89]، ويبين ربنا جل جلاله أن بعض الناس مما سكن قلبه من النفاق قد يعلي ولاءه للقبيلة، ولاءه للجنس، ولاءه للون على ولائه لله ورسوله، فتجده يوالي وينصر ويكرم من كان مثله، من كان من قبيلته، من كان من جنسه، ولو كان يعلم علم اليقين أنه عدو لله ورسوله، رقيق الديانة، ذاهب المروءة، مستهزئ بالله وبآياته، ومع كل ذلك تجده يواليه، تجده ينصره، تجده يكرمه، يقول تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [النساء:91]، ويقول: وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:89].‏

    تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم على مبدأ الولاء والبراء

    أيها المسلمون عباد الله! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أكد على هذا المعنى، حين قال: ( أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله )، يقول جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: ( بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن أنصح لكل مسلم، وأبرأ من كل كافر )، ويقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: من أحب لله، وأبغض لله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، فمن لم يفعل، وإن كثرت صلاته وصيامه لم ينفعه ذلك بشيء، ويقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لو صمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت مالي غلقاً غلقاً في سبيل الله، أموت يوم أموت وليس في قلبي محبة لأهل طاعته، وبغض لأهل معصيته، ما نفعني ذلك شيء.

    مصدر عقيدة الولاء والبراء لدى المسلمين

    يا أيها المسلمون! يا عباد الله! هذه المعاني التي كانت واضحة ظاهرة، بينة جلية، من أين أخذها المسلمون؟ أخذوها من كتاب ربنا، ومن سير الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، حين قرءوا في القرآن أن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه وقومه: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة:4]، إبراهيم ومن تبعه على الدين قالوا لقومهم: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4].

    إبراهيم عليه السلام تلطف مع أبيه، وأحسن إليه، وترفق به، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:114].

    نوح عليه السلام حرص على استنقاذ ولده فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة:114]، واعتذر إلى الله عز وجل من سؤال نجاته، قال: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود:47].

    وكذلك المرأة الصالحة التقية، آسية بنت مزاحم رضي الله عنها تبرأت من زوجها لما استبان لها عداوته لله ورسوله موسى عليه السلام، فدعت ربها قائلة: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11]، وهكذا أولياء الله في كل زمان ومكان، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا يقدمون على ولائهم لله ورسوله أباً ولا أماً، ولا أخاً ولا أختاً، ولا صفياً ولا قريباً، بل تجردوا لله.

    فهذا سعد رضي الله عنه لما أسلم امتنعت أمه حمنة بنت أبي سفيان عن الطعام والشراب، قالت له: يا سعد ! ما هذا الحدث الذي أحدثته؟ واللات والعزى! لا أذوق ذواقاً حتى تفارق دين محمد، أو أموت فتعير، يقال لك: يا قاتل أمه! فبقيت يوماً ويومين وثلاثة لا تأكل ولا تشرب، حتى جهدت جهداً عظيماً، فدخل عليها ولدها سعد رضي الله عنه قال لها: يا أمي! كلي أو لا تأكلي، فوالله! لو كانت لك مائة نفسٍ فخرجت نفساً نفساً ما فارقت دين محمد طرفة عين. هكذا كانوا رضوان الله عليهم في صفاء عقيدتهم، ووضوح رؤيتهم، وولائهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تحذير الحكام وغيرهم من خطر تولي أعداء الله

    أيها المسلمون عباد الله! هذا المعنى الإيماني غائب عن كثير من الناس، تجد كثيراً من الناس يوالي أعداء الله. الأحداث التي وقعت في الجمعة التي مضت في الدمازين، أزهقت فيها أرواح، سالت فيها دماء، ذهبت فيها أنفس، أتلفت ممتلكات، نشبت حرب، وقى الله شرها، ما السبب؟ أن حركة عنصرية بغيضة تطاول شررها في هذه البلاد، ومنذ أن وطئت أقدامها هذه الأرض أفتى أهل العلم وبينوا حرمة الانضمام إليها والانتظام في عضويتها، وحرمة موالاتها، أفتوا بأن الولاء لله ورسوله، وأن هذه الحركة الشعبية الشعوبية المعادية للإسلام وأهله ما أخفت أمرها، بل أعلنته من يومها الأول، أعلنت أنها تريد استئصال الإسلام، واستئصال شأفته، وإطفاء جذوته في هذه البلاد، لكن هذا الكلام لم يؤخذ على محمل الجد، فماذا كانت النتيجة؟

    بعد انفصال الجنوب بقيت لها في الشمال جيوب، فلها عملاء، ولها أنصار، وللأسف الشديد بعض الناس يظهر لهؤلاء المودة، يشركهم في مجالسه، ويتبسم في وجوههم، بل ويولونهم أمر المسلمين، يكونون هم الآمرين هم الناهين، هم المتصرفين، وما النتيجة؟ ظهرت خيانتهم، وعداوتهم لله ورسوله وللإسلام وأهله في مثل ما حدث في الدمازين قبل أسبوع مضى.

    يا أيها المسلمون! يا عباد الله! قلبوا صفحات التاريخ، ماذا تجدون من أمثال هؤلاء، من أمثال هؤلاء المنافقين الذين: يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [الحشر:11]، هؤلاء المنافقون الذين يتسمون بأسماء المسلمين، وقد استبطنوا الكفر وعداوة الإسلام وأهله، ومن باب أولى من كان كافراً أصلياً، قلبوا صفحات التاريخ، ماذا تجدون؟

    هل كان مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلا على يد مجوسي كافر؟!

    هل كانت الفتنة التي أودت بحياة عثمان بن عفان عليه من الله الرضوان إلا من طريق يهودي منافق أظهر الإسلام نفاقاً ليتوصل إلى طعن الإسلام في مقتل؟!

    هل كان دخول الصليبيين إلى بلاد الشام إلا بعدما استوزر الملك الذي كان يلقب نفسه بالصالح وما هو بصالح، بعدما استوزر رجلاً من النصارى يقال له: محاضر الدولة أبو الفضل بن دخان ، هذا الذي كان يقرب رسل الفرنج والنصارى ويكرمهم، ويفشي إليهم أسرار المسلمين، فهل كانت البلية إلا منه؟

    هل كان دخول التتر إلى العراق أيام الخلافة العباسية إلا من رجل منافق يقال له: نصير الدين الطوسي ، واصطلح علماؤنا على تسميته بنصير الكفر.

    هكذا أيها المسلمون عباد الله! تتواتر الخيانات وتتتابع؛ لأن هؤلاء عملاء لأولئك الذين لا يريدون للإسلام وأهله خيراً.

    أيها المسلمون عباد الله! لنعلم جميعاً على اختلاف قبائلنا، على اختلاف ألواننا، وعلى اختلاف ألسنتنا، أنه لا يحل لمسلم أبداً أن يوالي كافراً، ولو كان قريباً، ولو كان أخاً، ولو كان رحماً، قال الله عز وجل: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:23-24].

    وأخيراً أيها المسلمون عباد الله! رسالة إلى أهل الحكم، أما آن لكم أن تثوبوا إلى رشدكم، وأن تنيبوا إلى ربكم، وأن تقربوا من أمر الله بتقريبه، وأن تبعدوا من أمر الله بإبعاده، لا تأمنوهم وقد خونهم الله، لا تقربوهم وقد أبعدهم الله، لا تصدقوهم وقد كذبهم الله، ليكن الإسلام ميزانكم، ومعياركم، لا بالولاء، لا بإظهار الابتسامات الصفراء، بل الواجب أن يكون لكم ميزان غير هذه الموازين التي تزنون بها الناس.

    أسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه وليه، ويذل فيه عدوه، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنه سميع الدعاء.

    1.   

    وقفة مع أوضاع إخواننا في الصومال

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين؛ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70].

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كل وصحب كل أجمعين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين، أما بعد:

    فيا أيها المسلمون عباد الله! اتقوا الله حق تقاته، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، واعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: ( من أصبح آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها )، فقوله: (من أصبح آمناً في سربه) قد كفل الله له نعمة الأمن، يتقلب في البلاد آمناً، يخرج إلى الصلاة آمناً، يبيت في بيته آمناً، (معافى في بدنه) قد أنعم الله عليه بعافية البدن، لا يشتكي ولا يعتل، (عنده قوت يومه)، قوت خبز جلف مع ماء بارد، (فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها).

    تذكرت هذا الحديث أيها المسلمون عباد الله! حين يسر الله لي زيارة الصومال خلال الأسبوع الذي مضى مع نفر كرام، فرأيت ما تشيب له النواصي، لا أمن مكفول، ولا طعام مبذول، ولا صحة يتمتع بها الناس، بل الخوف قد شاع، والذعر قد ذاع، لا ينتقل الناس إلا تحت قعقعة السلاح، يصبحون ويمسون خائفين، المباني ما بقي منها لا يسلم من كسر أو من خرق، أو من إصابة بمدفع، أكياس الرمل أمام البيوت من أجل أن يتحصن الناس خلفها، إذا نشب قتال.

    أما الجوع، فلا حول ولا قوة إلا بالله، قد عض الناس بنابه، لربما تضع المرأة مولودها بعد جهد وعناء، فيذهب زوجها يلتمس لها قليلاً من طعام، من أجل أن تعوض ما بذلت، فإذا رجع إليها وجدها قد فارقت الحياة، لربما يعاني طفل صغير من المرض، ثم يسلم الروح إلى بارئها لأنه لا يجد دواءً، هذا حالهم، لا أمن ولا طعام، ولا عافية، فما السبب في ذلك؟

    السبب شيوع الفتنة، بلد أهلها مسلمون مائة بالمائة، لكن نزغ الشيطان بينهم، أعجب كل ذي رأي رأيه، اتبع هوى نفسه، جمع من حوله ثلة، ثم حمل السلاح على إخوانه، فصار الكل بعضهم لبعض عدو، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    هذه آية الله عز وجل جعلها في هذا العصر شاهدة على أن تناكر القلوب، واختلاف الأهواء، والشح المطاع، والحرص على الجاه هو داء الأدواء، هو سبب البلاء، هو الذي تزهق به الأرواح، وتذهب به النفوس.

    يا أيها المسلمون يا عباد الله! ما زال إخواننا في الصومال بحاجة إلى عوننا، وجدنا إخواننا الأتراك أسأل الله أن يجزيهم خيراً قد رفرفت أعلامهم، وانتشر أطباؤهم ومغيثوهم، بينما غابت بلاد المسلمين الأخرى، ومن هذه البلاد خرجت سفينة محملة بالطعام والدواء والغوث والخيام لإخواننا، على ما بنا من رقة حال، وقلة مال، والحمد لله رب العالمين، ونسأل الله المزيد من فضله.

    إخواننا في الصومال ما زالوا بحاجة إلى عونكم، بحاجة إلى غوثكم، إلى وقوفكم إلى جوارهم، فإن كثيراً من الرجال والنساء والأطفال من المؤمنين والمؤمنات لا ناقة لهم ولا جمل فيما نشب من قتال، فيما يدور من عراك، والمنظمات الدولية لا يعول عليها أبداً؛ لأن الموتى والهلكى والجياع مسلمون، فهم لا تهتز لهم شعرة، ولا يطرف لهم جفن، ولو مات المسلمون كلهم.

    وإذا لم نقف مع إخواننا فإن هذا نذير شؤم، فالواجب على كل منا أن يبذل ما يستطيع، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعجل فرج إخواننا في الصومال، أسأل الله عز وجل أن يطعم جائعهم، وأن يشفي مريضهم، وأن يغيث ملهوفهم، وأن يعين محتاجهم، وأن يسقي ظمآنهم، وأن يكسو عاريهم، وأن يكون لهم ظهيراً ومعيناً.

    اللهم أحسن خلاصهم، اللهم فك أسرهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم احفظ إخواننا في الصومال من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم، ولا تجعل لكافر ولا لمنافق عليهم سبيلاً يا أرحم الراحمين! ويا أكرم الأكرمين!

    نسألك اللهم لإخواننا المسلمين في سوريا نصراً عزيزاً، وفتحاً قريباً، وفرجاً عاجلاً، اللهم عليك بطاغوت الشام وأعوانه، اللهم عليك بطاغوت الشام وأعوانه، اللهم إنهم قد طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، اللهم صب عليهم سوط عذاب، اللهم صب عليهم سوط عذاب، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

    اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا أجمعين، وفك أسرى المأسورين، وفرج عن عبادك المسجونين برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا.

    اللهم اغفر لمن بنى هذا المسجد المبارك، اللهم بارك له في الأهل والمال والولد والمد والصاع، ووفقه لما تحب وترضى، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين والمسلمات.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.