إسلام ويب

الخصائص النبوية [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله للنبي محمد صلى الله عليه وسلم خصائص لا يشاركه فيها أحد، وهذه الخصائص منها: التشريعية والرسالية كمعجزة القرآن، وحفظه من التغيير والتبديل، وعموم رسالته عليه الصلاة والسلام إلى الناس كافة، والتكريمية كقسم الله في القرآن بحياته، ومغفرة الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

    1.   

    تلخيص لما سبق ذكره من الخصائص التشريعية للنبي عليه الصلاة والسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    فسبق أن ذكرنا الخصائص التشريعية التي كانت لنبينا عليه الصلاة والسلام بأنواعها الثلاثة وهي:

    ما يجب عليه دون أمته، وما يحرم عليه دون أمته، وما يباح له دون أمته.

    وعرفنا أنه عليه الصلاة والسلام يجب عليه الأضحية، ويجب عليه صلاة الضحى، ويجب عليه التهجد بالليل، ويجب عليه تخيير نسائه بين البقاء معه أو التسريح، وهذا كله على مذهب المالكية، لأن بعض العلماء يرى أن الأضحية واجبة على الجميع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا ), ولأن الله عز وجل قرن بين الصلاة وبين النحر فقال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2], فمثلاً: الحنفية يرون وجوبها على كل موسر, فكل من يجد لا بد أن يضحي.

    وكذلك التهجد يرى بعض أهل العلم بأنه مندوب في حق الجميع حتى في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى أن قضاء النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة التهجد في فترة الضحى إنما كان من باب أنه صلى الله عليه وسلم:( كان إذا عمل عملا أثبته )، ( وكان أحب العمل إليه أدومه )، عليه الصلاة والسلام،( وكان عمله ديمة )، كما قال الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

    وذكرنا الأشياء التي تحرم عليه صلى الله عليه وسلم دون أمته، فذكرنا: الصدقة الواجبة التي هي الزكاة وصدقة التطوع، وأكل ما له رائحة كريهة, وهناك بعض أهل العلم كالظاهرية يرون تحريم أكل ما له رائحة كريهة ينسحب على الجميع.. حتى قالوا: بتحريم البصل والثوم، وهذه من عجائبهم! والظاهرية عندهم عجائب وغرائب، فمثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( البكر تستأذن وإذنها سكوتها أو صماتها )، قالوا: لو أنك استأذنت ابنتك، قلت لها: فلان من الناس تقدم لك خاطباً, فقالت لك: موافقة, فعند الظاهرية لا ينفع! وإنما لا بد أن تسكت, وهذا كلام غير معقول.

    وكذلك في الحديث: ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه )، فالرجل لا يبول في الماء، كترعة مثلاً ثم يغتسل فيها, فقالوا: لو بال في إناء ثم صبه فلا حرج.

    وكذلك في الحديث: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات ), قالوا: إذا ولغ معناه: أدخل لسانه، لكن لو أدخل رأسه أو أدخل رجله في الإناء فإنه طاهر! وهذا كلام غير معقول, فإذا كان فمه نجس فمن باب أولى غيره، فأقول: هذا الكلام من أجل أن نعرف بأن هذه الأمور ليست من الأمور المتفق عليها.

    وذكرنا ما الذي يباح للنبي صلى الله عليه وسلم دون أمته، وقلنا: يباح له أن يتزوج المرأة بغير ولي ولا شهود، ويباح له أن يزوج المرأة ويزوج الرجل كذلك؛ لأنه هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنه عليه الصلاة والسلام لا يجب عليه القسم بين أزواجه؛ لأن الله تعالى قال: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [الأحزاب:51].

    ويباح له عليه الصلاة والسلام أن يتزوج بأكثر من أربع، وكذلك يباح له الوصال دون أمته، عليه الصلاة والسلام ثم إن ماله لا يورث؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال:( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة )، وفي الحديث الآخر قال:( لا يقسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة ).

    فهذه كلها نسميها الخصائص التشريعية.

    1.   

    الخصائص الرسالية للنبي عليه الصلاةو السلام

    وكلامنا في هذا الدرس عن الخصائص الرسالية.

    القرآن الكريم

    وأول هذه الخصائص: القرآن الكريم, فالقرآن الكريم أنزله الله عز وجل معجزة لنبينا عليه الصلاة والسلام وهي معجزة باقية خالدة, وقد كانت معجزات الأنبياء من قبله وقتية, فنقرأ في القرآن عن معجزات موسى مثلاً قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء:101], وهذه الآيات كلها وقتية, ونقرأ في القرآن عن المسيح عليه السلام بأنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله وينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم, وهذه وقتية, وكذلك ناقة صالح كانت وقتية.

    أما نبينا صلى الله عليه وسلم فمعجزته باقية خالدة، وهي معجزته الكبرى التي هي القرآن، وقد قال عليه الصلاة والسلام:( ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة )، وهو عليه الصلاة والسلام أكثرهم تابعاً يوم القيامة؛ ولذلك في ليلة المعراج ( لقي في السماء الأولى آدم، وفي الثانية ابني الخالة: يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف فإذا هو قد أوتي شطر الحسن، وفي الرابعة إدريس، قال تعالى: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:57]، وفي الخامسة: المحبب في قومه هارون بن عمران فإذا هو شيخ عظيم اللحية عظيم العثنون، ما رأيت شيخاً أجمل منه، وفي السادسة: لقي موسى بن عمران, قال: فلما جاوزته بكى, قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث من بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر ممن يدخل من أمتي )، وقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم: (غلام)، إنما هو من باب المدح لا من باب الذم.

    حفظ القرآن الكريم

    الخاصية الثانية: أن الله تعالى حفظ كتابه الكريم من التبديل والتغيير، فالقرآن الكريم -والحمد لله رب العالمين- لم يتعرض لزيادة ولا نقص ولا تقديم ولا تأخير، بل هو هو، فالقرآن الكريم الذي يقرأ في المشارق والمغارب، وهو الذي يقرأ في أي مكان، والذي يقرؤه العجم هو الذي يقرؤه العرب؛ ولذلك قد تجد الأعجمي الذي لا يكاد يبين ولا يعرف من كلام العرب ولا حتى كلمة تجده يقرأ القرآن كأفاضل قراء العرب، وربما خير من كثيرٍ منهم.

    أما الكتب السابقة فقد تعرضت للتحريف، كما قال الله عز وجل: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79], وفي الآية الأخرى قال الله عز وجل: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [النساء:46]، وفي الآية الثالثة قال سبحانه: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:14], ويذكر أن يهودياً أسلم، ولما قيل له: لم أسلمت؟ قال: عمدت إلى التوراة فنسختها فزدت ونقصت وقدمت وأخرت، ثم عرضتها في السوق فاشتراها مني اليهود, قال: ثم عمدت إلى الإنجيل فنسخته فقدمت وأخرت وزدت ونقصت، ثم عرضته في السوق فاشتراه النصارى, قال: ثم عمدت إلى القرآن ففعلت به ذلك فعرضته في السوق فأول من نظر إليه بصق في وجهي، وقال: يا عدو الله! ليس هذا كلام الله, قال: فعرفت أنه حق, وهذا في القديم.

    وفي الحديث الآن فإن الشيخ الدكتور جعفر شيخ إدريس مكث في أمريكا زماناً، فيحكى عن بعض الأمريكان بأنه أسلم، فلما سئل ما سبب إسلامهم؟ قال: كان عندهم جلسات روحية -كما يسمونها- يوم السبت، وكان معهم مسلم مصري، قال: فيبدأ النصراني يقرأ من الإنجيل الذي عنده, إذا بالنصراني الآخر يقول له: ليس في نسختي كذا وإنما كذا, والنصراني الثالث يقول: لا في نسختي كذا.. وهكذا، وكان المسلم يقرأ من القرآن ويترجم له فقال له: كيف النسخ عندكم؟ فقال له: نحن ليس عندنا نسخ إنما هي نسخة واحدة, قال: فعرفت أنه الحق, وهذه من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    خواتيم سورة البقرة

    الخاصية الثالثة: من خصائصه صلى الله عليه وسلم: خواتيم سورة البقرة قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [البقرة:285] إلى آخر السورة, قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إني أوتيتهما من كنز من بيت تحت العرش، ولم يأتهما نبي قبلي )، والحديث في مسند أحمد , وفي الحديث الصحيح: قال عليه الصلاة والسلام: ( من قرأهما في ليلة كفتاه ).

    قال الحافظ ابن حجر : قال بعضهم: كفتاه من قيام الليل, يعني تغنياه عن قيام الليل، وقال بعضهم: كفتاه من سائر الشرور، فالذي يعاني من اللصوص يقرأ: آمَنَ الرَّسُولُ [البقرة:285]، والذي يخاف من الجن والوساوس والهواجس في أثناء الليل يقرأ هاتين الآيتين يكفيه الله عز وجل بهما شر كل ذي شر.

    ورود ذكره عليه الصلاة والسلام في الكتب السابقة

    الخاصية الرابعة: ذكره صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة، فهو مذكور في الكتب السابقة للقرآن، كما قال ربنا جل جلاله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ [الأعراف:157], وفي البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:( والله إنه لموصوف في التوراة لبعض صفته في القرآن: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب:45]، وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي محمد سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن أميته حتى أقيم به الملة العوجاء، وأفتح به أعيناً عمياً وأذاناً صماً وقلوبا غلفاً )، وهذه صفته التي رآها عبد الله بن عمرو بن العاص في التوراة.

    أخذ الله العهد على الأنبياء بالإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم

    الخاصية الخامسة: أن الله أخذ العهد على جميع الأنبياء والمرسلين أن يؤمنوا به ويقروا بنبوته: قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81]؛ ولذلك في ليلة المعراج ( كان جبريل يستفتح له أبواب السماء فيقول أهل السماء: من؟ فيقول: أنا جبريل, ويقولون من معك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول أهل السماء: أوقد بعث؟ ) ومعنى ذلك: أنه كان معروفاً، ولو لم يكن معروفاً لقالوا: من محمد؟ ولماذا جاء؟ والأنبياء لم يقولوا: من معك؟ بل كانوا يقولون: ( مرحباً بالنبي الصالح ) فهذا دليل على أنهم كانوا يعرفونه ويقرون بنبوته صلى الله عليه وسلم.

    ونستفيد من هذا أن الإنسان إذا طرق الباب وقيل له: من؟ فيسمي نفسه باسم معروف مثلاً: عادل العربي.

    أما أن يطرق الباب فيقال له: من؟ فيقول: محمد ثم يقال له: محمد من؟ إلى آخره وخاصة إذا كان في وقت متأخر من الليل.

    وأشنع من ذلك من يدق الباب فتقول له: من؟ فيقول لك: أنا, طيب كل الناس أنا! ولذلك: ( جابر بن عبد الله لما طرق الباب على النبي عليه الصلاة والسلام قال: من؟ قال: أنا, فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا أنا أنا كأنه كرهها )؛ لأن أنا لا تفيد تعريفاً.

    ومثله من يطرق عليك الباب فتقول: من؟ فيقول لك: أمين, ما أدراني أمين أم خائن؟ يعني لا بد أن تعرف نفسك تعريفاً يحصل به المقصود, أنا فلان ابن فلان, فإذا كان عندك لقب فقله، فمثلاً أنا الشيخ أنا المهندس أنا الطبيب أنا الكذا.. من أجل أن يزول اللبس ويحصل الأمان.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ الله العهد له على جميع الأنبياء والمرسلين أن يؤمنوا به وينصروه؛ ولذلك تأملوا: ( لما رأى صلى الله عليه وسلم صحيفة من التوراة بيد عمر غضب عليه الصلاة والسلام حتى تغير وجهه قال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟ والله لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي ).

    كذلك المسيح عليه السلام حين ينزل قبل قيام الساعة حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، وقد أقيمت الصلاة وتقدم إمام المسلمين؛ ليصلي بهم فإذا رأى المسيح عرفه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصفه بأنه: ( رجل مربوع أبيض مشرب بحمرة، سبط الرأس -يعني: شعره ناعم- يتقاطر منه الماء كأنما خرج من ديماس -يعني: من حمام من شدة نظافته- ينزل بين مهرودتين )، فإذا رآه هذا الإمام الفقيه عرفه، فيتقهقر فيدفعه المسيح بين كتفيه ويقول له: تقدم, فإنما لك قد أقيمت تكرمة الله لهذه الأمة.

    يعني: أن المسيح ما نزل نبياً مرسلاً، وإنما نزل تابعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم.

    فالمسيح عليه السلام سينزل ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام، فلا يكون إلا الإسلام أو القتل.

    لأنه قد يشكل على البعض فيقول: أليست شريعة محمد صلى الله عليه وسلم في حال القوة تخيير الناس بين ثلاث: إما الإسلام، وإما الجزية، وإما القتل.

    عموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة

    الخاصية السادسة: عموم بعثته: فهو مبعوث للناس كافة، كما قال ربنا جل جلاله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وقال صلى الله عليه وسلم: ( وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ).

    كثرة أتباع النبي صلى الله عليه وسلم

    الخاصية السابعة: كثرة أتباعه وأنصاره؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: ( يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم, فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك, يقول الله عز وجل: أخرج بعث النار من ولدك فيقول آدم: يا رب وما بعث النار؟ فيقول الله عز وجل: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون )، فمن كل ألف واحد إلى الجنة، قال: ( فذلك حين تضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد )، فالصحابة رضي الله عنهم قالوا: ( يا رسول الله! من يكون ذلك الواحد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن يأجوج ومأجوج ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، وإنما مثل أمتي بين الأمم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود, أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض, إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة, فكبر الصحابة، فقال: وإني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة.. ), أي: النصف، ( فكبروا, قال: والذي نفسي بيده أنتم ثلثا أهل الجنة )، يعني: أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم ثلثا أهل الجنة وبقية الأمم هم الثلث الباقي.

    وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط.. )، يعني: مجموعة، ( والنبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل، والرجلان والنبي وليس معه أحد، إذ عرض لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وأمته، ولكن انظر فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ورأيت معهم سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب )، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام أكثر الناس تابعاً يوم القيامة، وقد قال:( زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، ولن يبقى بيت شجر ولا مدر إلا أدخل الله فيه هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل ).

    وهذه الأحاديث الأصل أن تحفظ وتنشر بين الناس؛ لأننا في زمان غلب فيه اليأس على الناس, فالناس يظنون بأن الإسلام في اضمحلال، وأن المسلمين إلى زوال، وهم لا يدركون أن أكثر الأديان انتشاراً اليوم هو دين الإسلام، وفي كل يوم الناس يدخلون في الإسلام، ولا أقول في البلاد التي هي بالطبع مسلمة لكن حتى في بلاد أروبا وأمريكا؛ ولذلك بين الفينة والفينة تسمعون تصريحات تدل على خوف ووجل، لأنهم يصرخون: بحلول عام كذا سيبلغ عدد المسلمين في بلجيكا كذا، وسيبلغ عدد المسلمين في ألمانيا كذا، فالقوم يحسبون ما لا نحسب؛ لأنهم في كل يوم يرون أن الإسلام في انتشار.

    فلا بد من نشر هذه الأحاديث بين الناس من أجل أن تزرعوا في قلوبهم أملاً في هذا الزمان الذي غلب فيه اليأس.

    ختم النبيين والمرسلين به عليه الصلاة والسلام

    الخاصية الثامنة: أن رسالته صلى الله عليه وسلم خاتمة فلا نبي بعده: وهذه من القضايا التي لا ينبغي فيها النقاش، ولا الخلاف، قال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنا خاتم النبيين فلا نبي بعدي )، وقال لـعلي : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي )؛ ولذلك تسمعون بين الحين والآخر بعض الناس يخرجون على الناس ويقول: أنا رسول الله, وهذا القائل إما أن يكون مجنوناً وإما إنسان فاسد المعتقد، والواجب أن يقام فيه حكم الله بعد أن تثبت أهليته، فإذا ثبت أنه عاقل وأصر على قوله بأنه نبي مبعوث، كما فعل مسيلمة الكذاب في القديم وكان يكتب للرسول صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله! أما بعد:

    فلنا نصف الأرض ولكم نصفها ولكن قريشاً قوم يظلمون، فالنبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه: ( من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ).

    وظهر الأسود العنسي عبهلة في بلاد اليمن وظهرت سجاح التميمية وظهر من بعد ذلك المختار بن أبي عبيد الثقفي إلى أن استمر هذا الدجل إلى زماننا هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لن تقوم الساعة حتى يظهر في أمتي ثلاثون دجالاً كلهم يزعم أنه رسول الله )، ثلاثون بالتحديد، وفي بعض الروايات:( فيهم أربع نسوة يزعمن أنهن نبيات )، وكانت سجاح التميمية قد ظهرت في زمان مسيلمة وتزوجها مسيلمة بغير مهر. وهذا من خفة عقلها أن تزوجها بغير مهر ودخل بها، وقال أبياتاً من الشعر فيها قباحة ووقاحة وقلة أدب، وتدل على أنه لا يصلح أن يكون نبياً ولا حتى كناساً ولا يصلح لشيء أصلاً.

    ثم بعد ذلك لما خرجت على قومها من بني تميم، قالوا لها: ما أصدقك؟ أين المهر؟ فقالت: ما أعطاني شيئاً, قالوا: لا، والله ما مثلك ينكح بغير مهر! يعني: أنت نبية، فكيف يتزوجك بدون مهر؟ فرجعت إليه فقالت له: أين المهر؟ فأمر مناديه أن يخرج على الناس وينادي فيهم بأن مسيلمة رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما جاء به محمد: الفجر والعشاء, وهاتين أصعب صلاتين عليه لعنة الله، وقال: هذا مهر سجاح، أننا خففنا عليكم فلا يوجد صلاة صبح ولا عشاء، وإنما يكفي صلاة الظهر والعصر والمغرب.

    وفي زماننا هذا ظهر رشاد خليفة في أمريكا وزعم بأنه رسول، وبدأ يروج لهذا الباطل وناقشه العلماء، ولكنه أصر على منكره حتى سخر منه بعض الناس واتصل به بالهاتف وقال: له أنت رشاد خليفة رسول الله؟ قال له: نعم, قال له: معاك جبريل على الخط! كأنه يريد يوحي إليه؛ ولأن بعض الناس هكذا لا يصلح معه إلا السخرية والتبكيت والتقريع حتى يرتد إليه عقله.

    فنبينا صلى الله عليه وسلم رسالته خاتمة.

    جعل سيد ولد آدم يوم القيامة عليه الصلاة والسلام

    إمامته بالأنبياء عليه الصلاة والسلام

    الخاصية العاشرة: إمامته بالأنبياء في بيت المقدس عليه الصلاة والسلام: فإنه لما اجتمع بالأنبياء في بيت المقدس اجتمع بهم أشباحاً وأرواحاً أو اجتمع بهم أرواحاً - الله اعلم أي ذلك كان - وأقيمت الصلاة، فدفع جبريل عليه السلام بين كتفيه فتقدم فصلى بالأنبياء, قال عليه الصلاة والسلام: ( لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي؛ وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد! هذا مالك صاحب النار فسلم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام )، فمالك خازن النار ألقى السلام على النبي عليه الصلاة والسلام.

    معجزاته من جنس ما آتى الله الأنبياء قبله

    الخاصية الحادية عشرة: معجزاته الكثيرة من جنس ما آتى الله الأنبياء قبله: فمن معجزاته عليه الصلاة والسلام: إبراء المرضى وذوي العاهات, ومن معجزاته عليه الصلاة والسلام: تكثير الطعام القليل ببركته, ومن معجزاته: تفجير الماء من بين أصابعه, ومن معجزاته: ابتعاث الماء بمسه ودعوته, ومن معجزاته: كلامه مع الحيوانات, ومن معجزاته: ما كان له من الآيات مع الجمادات كالأشجار والأحجار, ومن معجزاته: انقلاب الأعيان فيما باشره بيده صلوات ربي وسلام عليه, ومن معجزاته: استجابة دعوته فإذا دعا لأحد أو دعا على أحد استجاب الله دعاءه، ومن معجزاته صلوات ربي وسلامه عليه: ما أخبر به من الغيوب العظيمة، فأخبر بأشياء تقع في مستقبل الأيام، إما في المستقبل القريب، كما أخبر بعض الصحابة بما سيحصل له، أو في المستقبل البعيد، كإخباره صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية، وبالفتن والملاحم، وأشراط الساعة، وما إلى ذلك, فهذه كلها من معجزاته عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الخصائص التكريمية للرسول صلى الله عليه وسلم

    وأما خصائصه التكريمية عليه الصلاة والسلام فهي:

    القسم بحياته صلى الله عليه وسلم

    الخاصية الأولى: القسم بحياته المباركة: قال الله عز وجل: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72]، وكذلك القسم ببلده قال تعالى: وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين:3]، وقال تعالى: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد:1], قال بعض أهل التفسير: المعنى: أقسم لهذا البلد، فإما أن تكون (لا) هاهنا بمعنى (لأقسم) وقد أشبعت الفتحة، بلا أقسم, وإما أن تكون (لا) هنا صلة, يعني كما في قول القائل:

    ما كان يرضى رسول الله دينهم والأطيبان أبو بكر ولا عمر

    والمعنى: أبو بكر و عمر ، وكما في قول الله عز وجل: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ [الأنبياء:95], أي: أنهم يرجعون وفي غير ذلك من الآيات.

    شرف المناداة له في القرآن عليه الصلاة والسلام

    الخاصية الثانية: أن الله تعالى ما ناداه باسمه في القرآن، فلا تجد في القرآن: يا محمد، بينما تجد أنه نادى آدم فقال تعالى: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ َ [الأعراف:19]، ونادى نوحاً فقال: يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا [هود:48]، وكذلك نادى إبراهيم فقال: يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات:104-105]، وقال عن هود: يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ [هود:53]، وقال عن صالح: يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا [هود:62]، ونادى موسى فقال: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144]، ونادى زكريا فقال: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ [مريم:7]، ونادى يحيى فقال سبحانه: يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]، ونادى عيسى فقال: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران:55].

    أما إذا كان الخطاب للسيد الجليل محمد صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال:64]، ففي مقام التشريع, يقول سبحانه: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق:1]، وفي مقام الملاطفة، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ [التحريم:1]، وفي مقام الأمر، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67]، في مقام النهي، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة:41]، بل حتى حين يخاطب أزواجه: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ [الأحزاب:32]، وقال: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ [الأحزاب:30].

    فلا تجد في القرآن: يا محمد، عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي أدبنا الله به، قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63]؛ ولذلك فمن سوء الأدب أن بعض الناس يقول: محمد, محمد.. وإذا كتب محمداً كتبه مجرداً دون أن يتبعه بالصلاة والسلام عليه، وهذه تجدها في كتابات المعاصرين دائماً، خاصة ممن كانوا يساريين إلى عهد قريب وكانوا مغرقين في عداوة الإسلام، ثم بين عشية وضحاها صار أحدهم المفكر الإسلامي الكبير, فهذا المفكر يقول: وخرج محمد بجيشه إلى حنين، وغنم محمد غنائم كثيرة، وأمر محمد بضرب عنق النضر بن الحارث و عقبة بن أبي معيط ، محمد محمد محمد.. وكأنه صاحبه، فهذا خطأ ولا ينبغي مثل هذا الكلام.

    غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر

    نصره الله بالرعب مسيرة شهر

    الخاصية الرابعة: نصره بالرعب: يقول صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر في الصحيحين: ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي -وذكر منهن- نصرت بالرعب من مسيرة شهر)، يعني: يلقي الله الرعب في قلوب أعدائه؛ ولذلك تجدون في غزوة بدر لما أراد المشركون أن يتجهزوا للخروج، وجاءهم الرجل وقال: اللطيمة اللطيمة! يعني: عيركم قد عرض لها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الغوث الغوث! ما أرى أن تدركوها وبدأ الناس يتجهزون, و أمية بن خلف أراد أن يتجهز فامرأته قالت له: أنسيت ما قال أخوك اليثربي؟ وأخوه اليثربي هو سعد بن معاذ رضي الله عنه, حيث جاء سعد بن معاذ معتمراً بعد ما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام وبينما هو يطوف بالبيت إذ بصر به أبو جهل عدو الله، فجاءه وقال له: تطوف بالبيت آمناً وقد آويتم محمداً وأصحابه؟! فاشتجرا فارتفعت أصواتهما، فجاء أمية بن خلف يقول لـسعد : لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد الوادي، يعني: تأدب في كلامك! فقال له سعد بعزة المؤمن: دعني، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه قاتلك, فقال له الرجل: أنت سمعته؟! قال: نعم، تقول الرواية: فكاد أمية أن يحدث! من هذه الكلمة ثم رجع إلى المدينة.

    ولما أراد أمية أن يتجهز للخروج قالت له زوجته: أنسيت ما قاله أخوك اليثربي؟ فهنا تلكأ فجاءه عدو الله أبو جهل بمبخر، وجاءه عقبة بن أبي معيط بمرود ومكحلة, فقال له أبو جهل : تجمر أبا علي فإنما أنت من النساء! وقال له عقبة : اكتحل أبا علي فإنما أنت امرأة, فهنا أخذته حمية الجاهلية وقال: ابتاعوا لي أجود بعير بمكة, وفي نيته لعنه الله أن يخرج معهم حيناً ثم يتوارى في بعض الطريق ويرجع, ولكن الله عز وجل إذا أراد أمراً هيأ له الأسباب.

    فالرجل جاء حتى وصل إلى ميدان المعركة وألقى الله الرعب في قلبه، وبدأ يبحث عن الأسر فجعل ينظر من يأسره من أجل أن يضمن ألا يقتل, فرأى عبد الرحمن بن عوف وبدأ ينادي عليه: يا عبد عمر يا عبد عمر ، و عبد الرحمن كان في الجاهلية اسمه عبد عمر ، فالنبي صلى الله عليه وسلم غيره إلى عبد الرحمن على عادته صلى الله عليه وسلم في تغيير الأسماء القبيحة والمحرمة، فقال له: يا عبد الرحمن ، فأجابه، قال له: هل لك في أن تأخذني أسيراً ولك أدراع؟ خذني وولدي, فــعبد الرحمن بن عوف أمسك به وبولده رغبة في أن يفوز بالدروع فيما بعد، لكن بصر به بلال بن رباح رضي الله عنه فقال: عدو الله أمية لا نجوت إن نجا, فبدأ عبد الرحمن يقول له: يا بلال يا بلال أسيري أسيري! يعني: دعنا نستفيد منه, أسيري أسيري.. فبدأ بلال يصرخ في الناس: يا معشر الأنصار! هذا عدو الله أمية فهنا عبد الرحمن قال لـعلي بن أمية بن خلف : أُنج بنفسك، يعني: تصرف، أنا سأدافع عن أبيك فأجنى عليه، يعني: ترس عليه، لكن تناوشته سيوف أنصار الله حتى قتلوه، وكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالاً فجعني في أسيري ودروعي، لا لقيت هذا ولا هذا!

    فالمقصود بأن الرعب يلقيه الله في قلب عدو رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليه.

    ما بين منبره وبيته روضة من رياض الجنة صلى الله عليه وسلم

    الخاصية الخامسة: من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن ما بين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة: والحديث في الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ).

    وبعض الناس يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له ظل؟

    وهذا ليس صحيحاً, وإنما بعض الناس يضفي على النبي صلى الله عليه وسلم أشياء لم تكن له، ظناً منه أنه بذلك يرفعه.

    وأقبح من هذا من يزعم بأن قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من عرش الرحمن -نعوذ بالله من الضلال!- والنبي صلى الله عليه وسلم ليس محتاجاً إلى مثل هذه الترهات والأباطيل من أجل أن يثبت بأنه أفضل الناس، وأنه خير الناس وفي الصحيح غنية عما سواه.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة ), وهنا تنبيه وهو أن بعض الناس يرويها: (ما بين قبري)، وما كان قبراً، وإنما قال صلى الله عليه وسلم ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )، وهي مساحة محصورة ولعلها بحجم هذه القاعة صغيرة, ومعنى هذا الحديث قال الحافظ رحمه الله: فسره بعضهم على ظاهره، فقال: بأن هذا المكان يحمل يوم القيامة فيكون فيه الجنة، وقال بعضهم: بل هذا الحديث يفسره حديث آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا, قيل: ما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: مجالس الذكر )، فلما كان ذلك المكان لا يخلو من الذاكرين ولا يخلو من مصل، أو من تال، أو من مستغفر، أو من مسبح، أو من داع ومن متضرع، ومن تائب.. كان هذا المكان روضة من رياض الجنة من هذه الحيثية.

    يرى من وراء ظهره كما يرى من أمامه عليه الصلاة والسلام

    الخاصية السادسة: أنه يرى من وراء ظهره عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام:( إن هيئتي ليست كهيئة أحدكم، إني أراكم من وراء ظهري مثل ما أراكم من بين يدي )، وقد اختلف أهل العلم في معنى هذا، فبعضهم قال: بأنه صلى الله عليه وسلم كان يرى بنوع التفات, وهذا الكلام ليس صحيحاً؛ لأنها بهذا الاعتبار ليست خاصية، لأن هناك بعض الناس ممن دربوا على أساليب الأمن والمخابرات يفعل ذلك، وكذا ممكن يلبس نظارة سوداء ويجعل رأسه هكذا وهو ينظر هاهنا, وبهذا ليست خصوصية.

    وبعضهم قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم عينان من خلفه يرى بهما مثل ما يرى بعينيه التي من أمامه، ولكن الله أعلم، فنحمل الحديث على ظاهره، ونقول:

    من خصائص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان يرى من خلفه مثلما يرى من كان بين يديه.

    أول من يبعث يوم القيامة

    الخاصية السابعة: أنه صلى الله عليه وسلم أول من يبعث يوم القيامة، قال الله عز وجل: أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات:9-10], وقال الله عز وجل عن الأرض: وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الزلزلة:2], فتلفظ الأرض ما فيها, وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, وهو أول من يفيق يوم القيامة.

    والصعقات يوم القيامة صعقتان أو ثلاث: نفخة الصعق ونفخة البعث وبعضهم قال: ونفخة الفزع.

    قال الله عز وجل: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل:87] , وقال سبحانه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68], فبعض العلماء قالوا: النفخات ثلاث، وبعضهم قال: بل نفخة البعث هي نفخة الفزع.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه عند النفخة الثانية يكون عليه الصلاة والسلام أول من يفيق, قال:( فأجد موسى باطشاً بقائمة من قوائم العرش، فما أدري هل أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ )؛ لأن موسى عليه السلام صعق في الدنيا، حين قال: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف:143].

    صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة

    الخاصية الثامنة: أن له شفاعة خاصة يوم القيامة, فالرسول عليه الصلاة والسلام له شفاعة من جنس ما أوتي غيره.. فيشفع النبيون ويشفع الشهداء ويشفع العلماء ويشفع الوالد في الولد والولد في الوالد، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام له الشفاعة الخاصة التي هي المقام المحمود؛ ولذلك بعد كل أذان نقول: ( وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته )، وذلك حين يفزع الناس من شدة الزحام والعرق وقد حشروا جميعاً حفاة عراة, حتى قالت السيدة عائشة : ( الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض, قال: يا عائشة ! الأمر أشد من ذلك )، فلا أحد سينظر إلى أحد، فالكل مشغول بنفسه؛ قال تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37]، وكذلك تحشر معنا الوحوش, قال الله عز وجل: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير:5], وكذلك الطيور وكل الدواب ستحشر, قال الله عز وجل: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام:38], فسيكون معنا في الحشر: الطيور والوحوش والبهائم والدواب، والأشياء العجيبة التي ما نراها إلا في التلفاز، فهذه المخلوقات العجيبة كلها محشورة، لكن الإنسان لن يقف لينظر أو يتأمل؛ لأنه مشغول بنفسه، وقد بين عليه الصلاة والسلام:( أن الشمس دانية من رءوس العباد على قدر ميل )، قال الصحابي: فما أدري أيعني ميل المكحلة أم يعني المسافة، والناس يعرقون منهم من يبلغ عرقه كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ حقويه، ومنهم من يبلغ ترقوتيه ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وهم في تلك الحال يفزعون إلى الأنبياء: فـ( يأتون آدم أبا البشر فيقولون: خلقك الله بيديه وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا إلى ربك, فيقول آدم: إن ربي غضب غضباً لم يغصب قبله ولن يغضب بعده مثله، وإني أكلت من الشجرة التي نهيت عنها، اذهبوا إلى غيري، إيتوا نوحاً فإنه أول رسول إلى الأرض، فيأتون نوحاً فيقول: إنه كانت لي دعوة قد تعجلتها في الدنيا، اذهبوا إلى غيري, إيتوا إبراهيم فيعتذر بالكذبات الثلاث ويقول: إيتوا موسى، فيعتذر ويقول: إيتوا عيسى، فيعتذر ولا يذكر ذنباً ويقول لهم: إيتوا محمداً فما خلق الله بشراً أكرم عليه منه، فيأتي الناس جميعاً يرغب إليه الخلائق فيقولون: يا محمد! اشفع لنا إلى ربك، فيقول صلى الله عليه وسلم: أنا لها أنا لها, قال عليه الصلاة والسلام: فأسجد عند العرش ويلهمني ربي محامد لم ألهمها قبل ذلك.. ) أي: محامد جديدة، ( ثم يقول لي: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع, فيقول: يا رب أسألك فصل القضاء بين الناس )، فهذه هي الشفاعة العظمى التي لا يشاركه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل.

    وبعد ذلك عنده صلى الله عليه وسلم ثمانية أنواع من الشفاعات، كإخراج أهل الكبائر من النار، ويشفع في دخول أهل الجنة الجنة، فيكون أول من يأخذ بحلقة باب الجنة، يقول: ( خازن الجنة: من؟ فيقول: أنا محمد، يقول خازن الجنة: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك )، وهو صلى الله عليه وسلم يشفع في فصل القضاء بين الناس، ويشفع عليه الصلاة والسلام في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة، وهم أصحاب الأعراف.

    ويشفع عليه الصلاة والسلام في دخول أهل الجنة الجنة، ويشفع في أقوام دخلوا الجنة أن ترفع درجاتهم.

    فمثلاً: أنت دخلت الجنة ومن ثم لقيت أناساً آخرين في وضع أفضل، فتذهب إلى رسول صلى الله عليه وسلم فتقول: يا رسول الله أنا أريد ترفيعاً، فيشفع لك صلى الله عليه وسلم؛ لأن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، ويشفع صلى الله عليه وسلم في أقوام وجبت لهم النار ألا يدخلوها، ويشفع في أقوام دخلوا النار أن يخرجوا منها، ويشفع صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب ، قال: ( هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل، توضع أسفل قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، وإنه يرى أنه أشد أهل النار عذابا وهو أهونهم ).

    فهذه ثمانية أنواع، لكن الخاصة به صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى، وكذلك شفاعته في عمه أبي طالب وإلا فالكفار كما قال ربنا: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48] وقال: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]، وهذه نجعلها من خصوصياته عليه الصلاة والسلام.

    جميع الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة صلى الله عليه وسلم

    أول من يجيز على الصراط

    الخاصية العاشرة: أول من يجوز على الصراط هو عليه الصلاة والسلام، والصراط كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه: ( دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب )، وأخبر عليه الصلاة والسلام بأنه: ( أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأن الناس يجوزون على قدر أعمالهم، كالبرق الخاطف وكأجاويد الخيل وكالريح المرسلة، ومنهم من تخدشه كلاليب جهنم ومنهم من يكردس في النار )، فالناس بالنسبة للصراط إما ناج مسلم، وإما مخدوش مرسل، وإما مكردس في النار.

    يعني: بعض الناس يجوز على الصراط سليماً معافى -نسأل الله أن يجعلنا منهم- وبعضهم يأخذ له ضربة وضربتين وبعد ذلك ينجو! وبعضهم ينهار به ذلك الصراط فيكردس في النار, نعم.

    أما النبي عليه الصلاة والسلام فهو أول من يجيز على الصراط، وهو أول من يقرع باب الجنة، وهو أول من يدخل الجنة، وهو صاحب المقام المحمود عليه الصلاة والسلام، وهو صاحب الكوثر؛ لأن الله عز وجل قال: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، وإن كان بعضهم قد فسر الكوثر بالخير الكثير واستدل بقول القائل:

    وأنت يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن الفضائل كوثراً

    كوثراً أي: كثير الخير.

    ونقف عند هذا الحد إن شاء الله.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.