إسلام ويب

أخلاق النبي صلى الله عليه وسلمللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم عظيمة وما بعث إلا متمماً لمكارم الأخلاق، ومن أخلاقه رحمته صلى الله عليه وسلم فقد كان رحيماً بالصغار والكبار وجميع الخلق حتى كان رحيماً بالمنافق والكافر ورحيماً بالبهائم وبالجهال من الأعراب صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مفهوم الخلق

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    تقدم معنا الكلام عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية، وهذه الصفات من الأحاديث والسنن، وكما تعلمون بأن السنة يعرفها المحدثون بأنها: ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات وصفات خَلقية أو خُلقية، والمعلوم بأن هذه الصفات الخَلقية بعضها ما يمكن التأسي فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لكونها جبلة وخلقة، يعني: كونه صلى الله عليه وسلم كان أبيض مشرباً بحمرة ما يمكن للإنسان أن يغير لونه، وكون النبي صلى الله عليه وسلم ما كان بالطويل البائن ولا القصير المتردد، بعضنا طويل بائن وبعضنا قصير متردد، ولم يكن بالأبيض الأمهق ولا الآدم، وبعض الناس قد يكون أبيض أمهق وبعضهم قد يكون آدم.

    كان صلى الله عليه وسلم شثن الكفين، مسيح القدمين، دقيق المسربة، سواء الصدر والبطن، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة, هذه كلها أشياء جبله الله عز وجل عليها خلقة وطبيعة.

    لكن فائدة الكلام عن الصفات الخُلقية أن يحاول الإنسان الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما يقدر عليه، فمثلاً كان صلى الله عليه وسلم كث اللحية تملأ لحيته صدره، يحاول الإنسان أن يقتدي به في ذلك.

    كان صلى الله عليه وسلم طيب الريح، كما مر معنا قول أنس : ( ما شممت عنبراً ولا مسكاً أطيب من ريحه )، يحاول الإنسان قدر الإمكان أن يكون طيب الريح.

    ما ذكر عنه صلى الله عليه وسلم من نظافة ثوبه ووضاءة وجهه، يحرص الواحد منا على أن يحافظ على خصال الفطرة التي أمر بها نبينا عليه الصلاة والسلام؛ من أجل أن يتشبه به قدر الإمكان.

    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح.

    اليوم نبدأ في الكلام عن صفاته الخلقية عليه الصلاة والسلام، وأول ما نبدأ به الكلام: تعريف الخلق، يقال: الخلُق والخلْق, خلق وخلق، يعني بضم اللام وإسكانها.

    الخلُق والخلْق: الدين والطبع والسجية.

    في الاصطلاح يطلق الخلق على معنيين:

    الصفة القائمة بالنفس على سبيل الرسوخ، ويطلق على التمسك بأحكام الشرع فعلاً وتركاً.

    والمعنى أن الخلق على نوعين:

    أخلاق جبلية: صفة قائمة بالنفس على سبيل الرسوخ يستحق بها صاحبها المدح أو الذم، يعني يقول لك: فلان هذا طبعه الكرم، وفلان هذا طبعه البخل، ذاك لا يتكلف الكرم، وإنما الكرم فيه سجية وطبيعة وصفة قائمة بالنفس ما يستطيع أن يفارق الكرم أبداً، لو لم يجد إلا روحه لقدمها، والآخر - نسأل الله العافية! - البخل فيه سجية وطبيعة، ما يستطيع أن يفارق البخل أبداً، لو يستطيع أن يبخل بالهواء لبخل به!

    ولذلك لما سئل بعض الناس عن أحد الناس، قيل له: كيف أطباقه، أي كيف صحونه؟ قال له: مثل حب البطيخ، يعني: كحب البطيخ، قيل له: هل يأكل معه أحد؟ قال: نعم، ميكائيل وجبريل عليهما السلام، هما طبعاً ما يأكلوا، قيل له: أما يعطي أحداً شيئاً؟ قال له: والله لو جاءه يعقوب و جبريل و ميكائيل وطلبوا منه خيطاً ليخيطوا به ثوب يوسف الذي قد من دبر ما أعطاه! - هذه مبالغة - لكن يوجد أناس بهذه الصفة نسأل الله العافية!

    1.   

    فضل مكارم الأخلاق

    أما منزلة الأخلاق من الدين فيبينها الآيات والأحاديث الكثيرة، فمن الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم :( إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون, قالوا: يا رسول الله! عرفنا من الثرثارون ومن المتشدقون، فمن المتفيقهون؟ قال: المتكبرون ).

    و( سئل صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: تقوى الله وحسن الخلق )، ( وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، قال: الأجوفان، الفم والفرج )، وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم )، وقال صلى الله عليه وسلم: ( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( لن تسألوا الناس بأموالكم ولكن اسألوهم بأخلاقكم ).

    وكذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت ), وقال صلى الله عليه وسلم: ( البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( ما نحل والد ولداً نحلة أفضل من خلق حسن ).

    وأثنى النبي عليه الصلاة والسلام على بعض الصحابة بمكارم أخلاقهم، فمثلاً أثنى على أبي بكر للرحمة: ( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر )، وأثنى على عمر بالشدة: ( وأشدها في دين الله عمر )، وأثنى على عثمان بالحياء : ( وأصدقها حياء عثمان )، وأثنى صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس قال: ( إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة ) وأثنى ربه عليه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، ونفى عنه الصفات السيئة والأخلاق الرديئة، فقال سبحانه: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، وأثنى عليه جل جلاله أنه: رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128], قال أهل التفسير: من ثناء الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم أنه أعطاه اسمين من أسمائه جل جلاله.

    ونحن بحاجة إلى استحضار هذه المعاني؛ لأننا في زمان حسن الخلق فيه عملة نادرة، لو تأملنا في أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نجد أن الأخلاق الكريمة التي تفرقت في الناس اجتمعت في نبينا عليه الصلاة والسلام, فالواحد من الناس: قد يكون شجاعاً ولكنه بخيل، والآخر: قد يكون كريماً لكنه جبان، والثالث: قد يكون حليماً لكنه متكبر، والرابع: قد يكون زاهداً لكنه عجول، لكن كل مكارم الأخلاق التي اتفقت عليها الأمم نجدها متمثلة في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    نماذج من رحمته صلى الله عليه وسلم

    حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الناس

    ولو أخذنا نموذجاً من أخلاقه صلى الله عليه وسل، مثلاً: خلق الرحمة, الله عز وجل سمى نبيه صلى الله عليه وسلم: رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128], قال أهل العلم: الرحمة هي إرادة إيصال الخير، نبينا عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على أن يوصل الخير للناس جميعاً فمثلاً: لما علم أن صبياً يهودياً قد مرض دخل عليه صلى الله عليه وسلم وقال له: ( يا غلام! قل لا إله إلا الله, فنظر الغلام إلى أبيه كأنه يستشيره، قال له: أطع أبا القاسم, فنطق الغلام بشهادة التوحيد ثم خرجت روحه، فخرج صلى الله عليه وسلم فرحاً مسروراً يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار )، هذه إرادة إيصال الخير.

    ولما جاءه أبو هريرة قال: ( يا رسول الله! أمي أسمعتني فيك ما أكره ) يعني: سبتك وشتمتك، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اهد أم أبي هريرة ), يقول أبو هريرة : فرجعت أركض؛ لأنه عرف أن هذه دعوة مستجابة، قال: فإذا الباب مجاف وسمعت خضخضة الماء, قالت: على رسلك يا أبا هر ، ثم خرجت إلي بجلبابها وقد عجلت عن خمارها قالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله, يعني الرسول صلى الله عليه وسلم كان ممكن يدعو عليها، وكان ممكن يقول له: دعها، أصلاً هذه ما منها فائدة، أو لا خير فيها، أو هي هالكة، أو كذا.. لكنه عليه الصلاة والسلام طبع على الرحمة وهي إرادة إيصال الخير إلى الناس.

    وعرفها بعضهم: بأنها حالة وجدانية تعرض غالباً لمن به رقة القلب، وتكون مبدأ للانعطاف النفساني الذي هو مبدأ الإحسان.

    ولو تأملنا فسنجد أن نبينا عليه الصلاة والسلام كانت الرحمة سجية له وطبعاً، وكانت الرحمة كذلك خلقاً يجاهد عليه نفسه.

    في البداية قلنا: الأخلاق على نوعين: أخلاق جبلية، وأخلاق مكتسبة.

    حسن خلقه صلى الله عليه وسلم في المواقف الحرجة

    والنبي صلى الله عليه وسلم كان فيه النوعان، جبله الله على مكارم الأخلاق، ثم بعد ذلك يجاهد نفسه صلى الله عليه وسلم على الثبات والرسوخ؛ ولذلك تمر به الأحداث التي تهز الجبال فلا يفارقه حسن خلقه, ولما جاءه ذو الخويصرة التميمي وهو أعرابي بوال على عقبيه، قال: يا محمد! اتق الله واعدل! فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله, تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهذا كلام يزلزل الجبال، ثم بعد ذلك يمسح صلى الله عليه وسلم وجهه ويقول: ( يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) فهنا جاهد نفسه صلى الله عليه وسلم لئلا يخرج عن حسن خلقه عليه الصلاة والسلام.

    وقل مثل ذلك في تعرضه صلى الله عليه وسلم لبعض الحوادث التي تغير طبيعة الرجال، لكنه عليه الصلاة والسلام لا يتغير أبداً هو هو، حتى في مرض موته عليه الصلاة والسلام ما فارقه حسن خلقه، تأتيه امرأة تقول له: ( يا رسول الله! إن لي إليك حاجة، وتعرض حاجتها, قال لها: ارجعي غداً, قالت: أرأيت إن لم أجدك )؟ يقول الرواة: تعني الموت، انظر لو أن أحداً جاءك وطلب منك حاجة، فقلت: تعال غداً, فقال لك: يمكن تموت, فماذا أنت صانع به؟! وقد ذكر عن بعض الناس بأنه دخل عليه رجل ووجد حاجته متأخرة، فقال له: يا فلان أوص - اكتب وصيتك - فقال وهو يعالج الموت يعني ما ترك حقه, قال له: وصيتي ألا تدخل علي.

    فهذه المرأة تقول للرسول صلى الله عليه وسلم: ( أرأيت إن لم أجدك؟ قال: ستجدين أبا بكر ), ما فارقه حسن خلقه صلوات ربي وسلامه عليه.

    ويدخل عليه عبد الله بن مسعود في جماعة من الصحابة فيقول: ( مرحبا بكم, حياكم الله, وفقكم الله, سددكم الله, آواكم الله, أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم ألا تطغوا على الله في بلاده وعباده، فإن الله تعالى قال لي ولكم: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83], قلنا: يا رسول الله! متى الأجل؟ قال: دنا الفراق وحان الأجل والمنقلب إلى الله، وسدرة المنتهى والكأس الأوفى، والفرش الأعلى, قلنا: يا رسول الله فمن يغسلك؟ قال: رجال من أهل بيتي الأدنى فالأدنى مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم, قلنا: يا رسول الله! ففيما نكفنك؟ قال: في ثيابي هذه، أو في بياض مصر, قلنا: يا رسول الله! فمن يصلي عليك؟ قال: جزاكم الله عن نبيكم خيراً إذا غسلتموني وكفنتموني وحنطتموني فضعوني على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن الله تعالى وعدني أن يكون هو أول من يصلي علي، ثم يصلي علي خليلاي ورفيقاي جبريل وميكائيل مع ملائكة كثيرة، ثم ادخلوا علي أرسالاً أرسالاً ولا يؤمنكم أحد )؛ لذلك صلاة الجنازة الوحيدة التي ليس فيها إمام هي الصلاة التي كانت على نبينا عليه الصلاة والسلام.

    قال ابن كثير رحمه الله: وعلة ذلك - والله أعلم - أن ينفرد كل امرئ بشرف الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير واسطة، ومن غير إمام.

    أقصد من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في تلك الحال الشديدة ما فارقه حسن خلقه، رباطة جأشه، ثبات قلبه، صلوات ربي وسلامه عليه، بل أكثر من ذلك يكون ساجداً عند الكعبة فيأتي بعض المشركين بسلا الجزور فيطرحوه على رأس النبي صلى الله عليه وسلم فيضحك الملأ من قريش حتى يميل بعضهم على بعض، فتأتي ابنته فاطمة رضي الله عنها تزيل عنه الأذى وهي تبكي، فيقول لها صلى الله عليه وسلم: ( لا تبكي يا بنية، فإن الله مانع أباك )، ما فارقه حسن خلقه.

    ويدخل عليه اليهود فيقولون: ( السام عليك يا محمد، فيقول: وعليكم ) مرة أخرى: ( السام عليك يا محمد، فيقول: وعليكم )، ومعه عائشة : ( قالت: وعليكم الموت والخسف يا أحفاد القردة والخنازير، فقال لها : مه! يا عائشة ، إن الله يكره الفحش والتفحش، قالت: يا رسول الله! أو ما سمعت ما قالوا؟ قال لها: أو ما سمعت ما قلت؟ قلت: وعليكم، يستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في ).

    فحسن الخلق من النبي صلى الله عليه وسلم سجية وطبيعة، ثم بعد ذلك هو مجاهدة وكما قيل: إنما الحلم بالتحلم.

    وأحياناً الإنسان في بعض المواقف حلمه يكاد يفارقه لكنه لو تحلم فإن الله عز وجل يرزقه حلماً، وهذا الذي تعلمه الصحابة رضي الله عنهم كما في الحديث الصحيح عن الحر بن قيس رضي الله عنه: أن عمه عيينة بن حصن قال له: يا ابن أخي! إن لك عند هذا الأمير وجهاً فاستأذن لي عليه - الأمير الذي هو عمر بن الخطاب - وكان الحر بن قيس شاباً حديث السن، لكنه عالي القدر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شباناً, فــالحر بن قيس رجل نيته طيبة، استأذن لـعيينة ، وقال لـعمر بن الخطاب : عندي عمي يريد أن يسلم عليك، فدخل عمه وكان جلفاً فظاً غليظاً قال له: إيه يا ابن الخطاب ! والله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، ما رأيك لو قال لك أحد الناس هذا الكلام أنت أو أنا نحن المساكين؟! قال لك: لا تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل, طيب هذا الكلام يقوله لـعمر ! الذي كان إسلامه نصراً، وكانت هجرته فتحاً، وكانت خلافته رحمة وعدلاً، يقول: لا تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر : يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199] وإن هذا من الجاهلين، يقول: فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافاً عند حدود الله، هذه هي مجاهدة النفس في التخلق بمكارم الأخلاق.

    رحمته صلى الله عليه وسلم بالصغير

    ورحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تجدونها مع الصغير والكبير والذكر والأنثى والعامي والمتعلم والعربي والعجمي بل تجدونها مع الحيوان البهيم؛ ومن ذلك مع الصغير ما جاء عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن بن علي على فخذه الآخر، ثم يضمهما، ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما ), وكان أسامة آدم شديد الأدمة يعني: أسود أفطس الأنف.

    ومن رحمته صلى الله عليه وسلم: ( أنه كان يمسح مخاط أسامة بيده )، عليه الصلاة والسلام، ومن رحمته بــأسامة : ( أنه كان يردفه خلفه على الحمار ).

    ومن رحمته صلى الله عليه وسلم أنه كان: ( يقعد الحسن و الحسين ويشمهما ويقبلهما ويقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما ), ويقول: ( هما ريحانتاي من الدنيا ).

    وأحد الأعراب -أيضاً الجفاة الغلاظ- جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة فوجده يقبل الحسن أو الحسين فقال: ( أتقبلون أولادكم؟ قال له: نعم، قال: والله إني لي عشرة من الولد ما قبلت أحدهم يوماً, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وهل أملك أن نزع الله منك الرحمة؟ ).

    ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بالصغير قوله:( إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهة أن أشق على أمه ), بل من رحمته: ( أنه يكون على المنبر فيدخل الحسن و الحسين عليهما ثوبان أحمران يتعثران في مشيتهما، فينزل صلى الله عليه وسلم من المنبر ويحملهما ويقول: صدق الله: أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [الأنفال:28] إني رأيت ولدي هذين، فلم أصبر حتى حملتهما ورجع إلى خطبته )، ومن رحمته بالصغير: ( أنه يكون ساجداً فيطيل السجود إطالة شديدة، ورفع أحد الصحابة رأسه فيقول: فرأيت الحسن قد ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ) أي: جعله راحلته، وبعد الصلاة بين النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة قال: ( إن ابني هذا قد ارتحلني فكرهت أن أعجله ).

    والصحابة رضي الله عنهم أخذوها من النبي صلى الله عليه وسلم ففي سير أعلام النبلاء في ترجمة السيد الجليل الحسين بن علي رضي الله عنه أنه كان غلاماً صغيراً فجاء المسجد و عمر بن الخطاب على المنبر، فقال له الحسين : انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك, فضحك عمر رضي الله عنه وقال: والله يا ابن أخي! ما كان لأبي منبر, ثم إن علياً رضي الله عنه قال للحسين : والله لأفعلن بك ولأفعلن، فقال له عمر رضي الله عنه: دعه أبا حسن ، ومسح على رأس الحسين وقال له: يا ابن أخي لو جعلت تغشانا وتأتينا، يعني مر علينا وزرنا، فهذه الرحمة.. و عمر الشديد الغليظ تعلمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    رحمته صلى الله عليه وسلم بالكفار والمنافقين

    أيضاً رحمته صلى الله عليه وسلم حتى بالكافر, قال الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، قال أهل التفسير: كان رحمة للمؤمن والكافر والمنافق, رحمة للمؤمن بأن أخرجه من الظلمات إلى النور، ورحمة للكافر بأن أخر عنه العذاب إلى الآخرة؛ ولذلك ما أهلك الله الكفار مثلما أهلك الأمم السابقة، فقد أهلك عاداً بريح صرصر عاتية، وأهلك ثمود بالطاغية، وأهلك قوم فرعون بالغرق، وأهلك قوم لوط بالحجارة، وأهلك غيرهم بالخسف، وغيرهم أخذه عذاب يوم الظلة، أما القوم الذين بعث فيهم النبي عليه الصلاة والسلام قال الله عز وجل: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال:33].

    وكان رحمة للمنافق إذ قبل منه الظاهر ووكل إلى الله السرائر, فالمنافق قال: أشهد أن لا إله إلا الله وهو كذاب، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8]، فقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يعلم بعض أعيانهم متيقناً أن فلاناً هذا منافق وفلاناً هذا منافق ومع ذلك أجرى الحكم على الظاهر فهو رحمة للعالمين؛ ولذلك لما قال له الصحابة:( يا رسول الله! ادع على المشركين, قال: إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة ), لما حاصر ثقيفاً رموه بالمنجنيق فقتلوا من الصحابة خلقاً, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( نرجع, لكن الصحابة قالوا: يا رسول الله! بل نحاصرهم, فمكث بهم صلى الله عليه وسلم فزاد القتل فيهم, فقالوا: نرجع يا رسول الله! ثم من شدة حنقهم قالوا: يا رسول الله! ادع عليهم.. )، يعني يدعو على ثقيف، قال: ( اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم ).

    وكذلك لما رجمه أهل الطائف بالحجارة حتى أدموا عقبيه فنزل عليه ملك الجبال يقول له:( يا محمد! إن الله أمرني أن أطيعك إن شئت أطبقت على أهل مكة الأخشبين, قال: بل أصبر، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده, اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ).

    بعض الناس اليوم ما عنده رحمة بالمسلمين! وأقول لكم: وهذا علم بالتجربة ومن خلال ممارسة الناس والاختلاط بهم, بعض الناس ربما يتمنى أن يجدك على معصية، وربما لو قيل له: بأن فلاناً فعل كذا وكذا فمن قلبه يفرح؛ لأنه -والعياذ بالله- القضية عنده قضية شخصية، قضية انتقام للنفس, وانظروا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى أبا سفيان وهو في الطريق لفتح مكة وقد أردفه العباس بن عبد المطلب قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك من غير عقد ولا عهد وأخذ سيفه، لكن العباس رضي الله عنه ركض بخيله حتى دخل خيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا عمر لم يستطع أن يتصرف إلا بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء عمر رضي الله عنه بسيفه قال: يا رسول الله! دعني أضرب عنقه, فقال العباس : مهلاً يا عمر ! فوالله لو كان من بني عدي ما قلت مثل الذي قلت! يعني لو كان هذا من جماعتك ما كنت تعمل هذا العمل، فـعمر رضي الله عنه هاهنا أراد أن يبين للعباس فقال: مهلاً يا عباس ! والله إن إسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما ذاك إلا لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, يعني عمر يبين للعباس أن القضية ليست قضية شخصية أو قضية قبلية أو قضية حزب أو جماعة أو طائفة أو كذا.. هذا الذي نفتقده اليوم.

    ولذلك بعض الناس دخل في بعض المساجد -هنا في هذه البلاد- تكلم وأنكر شيئاً، فقام أحد الشيوخ الكبار - على عادة الكبار في الغلظة والشدة -فأغلظ عليه، فقال له الشاب: أبشرك بالنار, انظر إلى هذه الرحمة، رحمة عجيبة! قال له: أبشرك بالنار، كأن بيده مفاتيحها، فما كان من الشيخ إلا أن قال له: أهلاً وسهلاً يا جبريل! فصار الأمر جهالة في جهالة في جهالة, فنحن بحاجة إلى أن نرحم الناس.

    من رحمته صلى الله عليه وسلم بالصغار: ( أنه كان يصلي وهو حامل لـأمامة بنت أبي العاص فكان إذا سجد وضعها فإذا قام رفعها ) عليه الصلاة والسلام.

    رحمته صلى الله عليه وسلم إذا مات أحد من أصحابه

    ومن رحمته عليه الصلاة والسلام: ( إذا مات له أحد الناس تفيض عيناه من الدمع )، عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك لما دفن خديجة رضي الله عنها في مقبرة الحجون بمكة رجع حزيناً مهموماً، قالت له خولة بنت حكيم : ( يا رسول الله أراك حزيناً، قال: ماتت ربة البيت وأم العيال ).

    ولما مات ابنه إبراهيم عليه السلام دمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وهو على قبره وقال:( العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ).

    ولما مات عثمان بن مظعون وهو أول مهاجر يموت بالمدينة, فالنبي صلى الله عليه وسلم قبله بعد ما مات، وسالت دموعه على خد عثمان، ولما مات سعد بن معاذ رضي الله عنه واهتز عرش الرحمن لموته.. فكانت عائشة تقول: والله إني لأميز بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من بكاء أبي بكر و عمر .

    وكذلك لما أرسلت إليه ابنته تقول له:( إن ابني يحتضر, فاشهدنا، فأرسل إليها يقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فاصبري واحتسبي, فأرسلت إليه تقسم عليه بالله ليأتينها فجاء عليه الصلاة والسلام وحمل الغلام فإذا نفسه تقعقع وإذا بروحه تحشرج ففاضت عيناه صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد بن عبادة : ما هذا يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنها رحمة جعلها الله في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، أما تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه عليه الصلاة والسلام ).

    رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته بعدم تكليفهم ما يحبه رحمتهم بهم

    ومن رحمته عليه الصلاة والسلام أنه ترك بعض الأشياء التي يحبها رحمة بنا قال: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة), وقال: ( لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلاف سرية قط).

    ( ولما خرج على الناس بعد ما ذهب ثلث الليل الأول وقد خفقت رءوسهم ) يعني: أخر صلاة العشاء إلى العاشرة تقريباً في مثل هذه الأيام، فقال الصحابة: ( يا رسول الله! قد نام النساء والصبيان )، يعني النساء والصبيان في المسجد لا يستطيعون أن يتحملوا السهر، فقال عليه الصلاة والسلام: ( إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ).

    وأيضاً في التراويح: ( صلى بالناس ليلتين أو ثلاث ليال، فلما كانت الليلة التي تليها صلى بهم العشاء ثم دخل بيته )، فبدأ القوم ينتظرون ينتظرون ثم بدءوا يحصبون بابه بالحجارة، يأخذون من الحصى في المسجد ويحصبون بابه، أما في هذه الأيام لو أن الإمام نام نقول: الحمد لله، أراحنا الله! لكن الصحابة من حرصهم على الخير ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذه سنة من النوم ما خرج عليهم إلا بعد ما طلع الفجر وقال: ( ما خفي علي صنيعكم البارحة، والله ما بت غافلاً ولكني كرهت أن تفرض عليكم )، صلاة التراويح كره النبي صلى الله عليه وسلم المواظبة عليها؛ لئلا تفرض علينا, فلما زال هذا المحذور جمع عمر رضي الله عنه الناس على أبي بن كعب رضي الله عنه.

    رحمته صلى الله عليه وسلم بالجهال من الأعراب

    وأيضاً كان النبي صلى الله عليه وسلم يرحم الجهال؛ ولذلك الأعرابي لما جلس في طائفة من المسجد يبول وقام الصحابة ليزجروه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تزرموه، لا تقطعوا عليه بولته، وأريقوا عليه ذنوباً من ماء, ثم جيء به فقال له: يا أخا العرب! إن هذه المساجد ما بنيت لهذه القاذورات، وإنما بنيت لذكر الله وتلاوة القرآن )، فذهب الأعرابي يصلي وفي ذهنه المقارنة بين حال الرسول ورقته ولطفه صلى الله عليه وسلم وبين حال الصحابة وشدتهم فقال:( اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً, النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا أخا العرب! لقد حجرت واسعاً! إن رحمة الله وسعت كل شيء).

    وكذلك من رحمته عليه الصلاة والسلام رحمته بالأعرابي الذي جذبه من ردائه حتى أثر في عنقه، قال: ( يا محمد أعطني ليس المال مالك ولا مال أمك ولا مال أبيك), لو أن واحداً قال لك: أعطني ليس من حقك ولا من حق أمك ولا من حق أبيك, ماذا أنت صانع؟! فلو كنت حسن الأخلاق، تقول له أيضاً: لا حقك ولا حق أمك ولا حق أبيك، واعتبرتها واحدة بواحدة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما زاد على أن تبسم، وحمل له على بعيره وقال له: أتراني قد أحسنت، قال له: لا أحسنت، ولا أجملت ولا جزاك الله خيراً، فحمل له صلى الله عليه وسلم على بعير آخر، وقال له: أتراني قد وفيتك، قال له: أحسنت ووفيت، فقال صلى الله عليه وسلم: إن في نفوس أصحابي شيئاً مما قلت، فلو خرجت عليهم، فخرج الرجل وأثنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد شهادة الحق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة مثلي ومثلكم مع هذا الأعرابي كرجل ند عنه بعيره.. -يعني: فر منه- فركض الناس خلفه فما زادوه إلا شروداً، فقال صاحبه: دعوه أنا أعلم به، فأخذ شيئاً من خشاش الأرض فما زال يدني ويدنيه، حتى أمسك به، وإني لو تركتكم وهذا الرجل لضربتموه ثم ارتد فدخل النار ).

    رحمته صلى الله عليه وسلم بالبهائم

    وأيضاً رحمته صلى الله عليه وسلم بالبهائم، رحمته بالهر ( لما كان يتوضأ عليه الصلاة والسلام فجاءت هرة، فأرخى لها الإناء فشربت، ثم أكمل وضوءه وقال: إنها من الطوافين عليكم والطوافات ).

    وكذلك رحمته صلى الله عليه وسلم بكل ذي كبد رطبة.

    رحمته صلى الله عليه وسلم بصفوان بن أمية

    ورحمته بـصفوان بن أمية ، وكان رجلاً كافراً لما فتحت مكة هرب، فجاء عمير بن وهب الجمحي وكان متزوجاً من أخت صفوان قال: ( يا رسول الله! إن صفوان قد هام على وجهه فأمنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عمامته.. )، رمز الأمان، ( فخرج عمير يطوي الأرض طياً حتى لحق بـصفوان ، قال له: جئتك من عند خير الناس، وأطيب الناس، وأفضل الناس، إن رسول صلى الله عليه وسلم قد أمنك، قال: إني أخافه على نفسي.. ) - صفوان قال: إني أخافه لأن عندي جرائم كثيرة - ( فأخرج له عمامة النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء صفوان وهو على فرسه، قال: يا محمد! زعم رسولك أنك قد أمنتني شهرين، قال: بل أربعة، انزل أبا وهب ) لو كنت أنا وأنت حكاماً، لقلت له: أعندك بعد ذلك جرأة تتكلم؟! والله لا أمان لك ولا شهر تعال سأريك، لا، الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: ( بل أربعة، نزل الرجل وجلس في مكة على كفره، ولما أراد صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى حنين طلب منه أدراعاً.. ) قال له: ( أغصباً يا محمد؟ )؟ يعني تريد تأخذها بالقوة - قال: ( بل عارية مستردة، وذهب صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونصره الله عز وجل، ورجع فأعطى صفوان مائة من الأبل، ثم مائة، ثم مائة.. )، ثلاثمائة، انظر الآن لو أن أحداً أهدى لك ثلاثمائة ركشة ما نقول حاجة فخمة، لا، ركشة، فأنت ستراه خير الناس وأفضل الناس وسيد الناس، ولو كان من كان، فالرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه مائة ومائة ومائة، ( ثم وجد بعض الدروع قد تلفت، فعرض عليه ضمانها.. )، إنه يعوضه، فقال: ( يا رسول الله! أنا اليوم في الإسلام أرغب، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )، يقول رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبغض الناس إلي، والله ما زال يعطيني ويعطيني ويعطيني.. حتى صار أحب الناس إلي.

    هذا من رحمته صلى الله عليه وسلم بهذا الكافر، وما زال يستدرجه ويستدنيه ويستعطفه ويستميله، حتى أخذ بناصيته إلى الخير، فصار من الأخيار بعد ما كان رأساً في الأشرار.

    ومن رحمته أنه ( ما خير صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً فإذا كان إثماً كان أبعد الناس منه ).

    وكذلك في آخر عمره صلى الله عليه وسلم دعا ربه بهذا الدعاء: ( أيما رجل سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وصلاة وطهوراً ).

    أيها الإخوة الكرام! لو أراد الإنسان أن يتتبع خُلق النبي صلى الله عليه وسلم في الرحمة يجد بأن هذا الخلق مطرد، ويبلغ قمته يوم القيامة، فإن الأنبياء جميعاً الواحد منهم يقول: نفسي نفسي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أمتي أمتي ).

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عبادة الرحماء. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.