إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الحي يوسف
  4. السيرة النبوية
  5. أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته

أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وصفاتهللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان للنبي صلى الله عليه وسلم أسماء كثيرة؛ وذلك لشرفه صلى الله عليه وسلم ومن أسمائه: أحمد ومحمد والحاشر والعاقب والمقفي ونبي التوبة ونبي الرحمة، وله ألقاب كثيرة ذكرها الله في القرآن كالنور والسراج المنير والبشير والشهيد والشاهد، ولا يصح من أسمائه: (طه، وياسين). وكانت صفاته الخلقية عظيمة، فكان صلى الله عليه وسلم أجمل الناس وجهاً وقواماً، فليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، وكان شعره ليس بالجعد القطط ولا بالسبط.

    1.   

    أسماؤه صلى الله عليه وسلم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فتقدم سبق ذكر خصائص الرسول الله صلى الله عليه وسلم التشريعية والرسالية، ويشمل ذلك ما أكرمه الله به لذاته في الدنيا والآخرة.

    وهنا نذكر أمرين اثنين:

    الكلام عن أسمائه صلى الله عليه وسلم، والكلام عن صفاته الخلقية صلوات ربي وسلامه عليه.

    كثرة الأسماء من شرف المسمى

    أما من ناحية الأسماء، فمعلوم أن شرف الاسم تابع لشرف المسمى، وكلما كان المسمى عظيماً كانت أسماؤه كثيرة، ولذلك ربنا جل جلاله له أسماء لا يحصيها إلا هو, قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة), وليست أسماؤه جل جلاله محصورة في هذه التسعة والتسعين بل هي أكثر من ذلك؛ بدليل أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان في دعائه يقول: ( أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ), فأسماؤه جل جلاله لا يحيط بها إلا هو، كما أن صفاته جل جلاله لا يحيط بها إلا هو كما قال سبحانه: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255].

    وكذلك لما كان يوم القيامة وهو أعظم الأيام كثرت أسماؤه, فأسماؤه كثيرة وقد ذكر له في القرآن نحواً من خمسين اسماً ومنها: الحاقة, الواقعة, القارعة, الزلزلة, الطامة، والحشر، والحسرة، والآزفة، والبعث، والخلود، والخروج, الساعة, القيامة, يوم البعث, يوم النشور, يوم التغابن, يوم التناد.. وقس على ذلك.

    اسم النبي صلى الله عليه وسلم محمد وأحمد

    وأعظم البشر هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك كثرت أسماؤه عليه الصلاة والسلام ففي صحيح البخاري من حديث محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو بي الله الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب ), وهذه الأسماء أشهرها الاسم العلم محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر في القرآن في أربعة مواضع, ففي سورة آل عمران قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [آل عمران:144], وفي سورة الأحزاب قال سبحانه: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ [الأحزاب:40], وفي سورة محمد قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ [محمد:2], وفي آخر آية من سورة الفتح قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ [الفتح:29], فهذه أربع مرات ذكر فيها هذا الاسم المبارك, وذكر بالاسم الآخر أحمد مرة واحدة، في قول الله عز وجل: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6].

    ومحمد وأحمد كلاهما مشتق من الحمد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أكثر الخلق حمداً لربه, فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا أصابته نعمة قال:( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات), وإذا أصابه بلاء قال:( الحمد لله على كل حال ), فكلمة الحمد لله كانت لا تفارق لسانه عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك في غزوة أحد بعد ما أصيب بالذي أصيب قال لأصحابه: ( اصطفوا لأثني على ربي ), ثم قال: ( اللهم لك الحمد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا باسط لما قبضت ولا قابض لما بسطت، ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت, اللهم افتح علينا من خزائن رحمتك وجودك, اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويقاتلون أولياءك, اللهم أنزل عليهم رجسك وعذابك إله الحق ).

    فهو صلى الله عليه وسلم محمد وأحمد باعتباره حامد لربه جل جلاله, وهو كذلك محمد وأحمد باعتباره محمود, وأجلى ما يكون محموداً في الموقف العظيم، حين ترغب إليه الخلائق جميعاً ليشفع لهم عند ربه جل جلاله من أجل فصل القضاء بين الله وبين الناس, فمن هذه الحيثية هو محمد وهو أحمد صلوات ربي وسلامه عليه، وكما قال عمه أبو طالب :

    لقد أكرم الله النبي محمداً فأكرم خلق الله في الناس أحمد

    وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد

    عليه الصلاة والسلام.

    ولما نزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] إلى آخر السورة، جاءت العوراء أم جميل التي نزلت فيها: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد:4], وهي تحمل حجارة والرسول صلى الله عليه وسلم جالس مع أبي بكر عند الكعبة فقالت له: يا أبا بكر ! بلغني أن صاحبك قد هجاني , فقال لها : لا والله ما هجاك، وصدق رضي الله عنه, فالرسول صلى الله عليه وسلم ما هجاها بل هجاها رب العالمين, فقالت له: أما واللاتِ والعزى لو رأيته لصككت بهذا الفهر فاه, أي: كنت سأضرب بهذا الحجر على فمه, ثم انصرفت وهي تولول وتقول:

    مذمماً أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا

    فكان أبو بكر يتعجب، ويقول: ( يا رسول الله! أما رأتك؟ ), يعني هي عوراء لكن عينها الأخرى صحيحة، وأنت جالس بجواري، كيف رأتني ولم ترك؟! فقال له صلى الله عليه وسلم :( إن الله أخذ ببصرها عني ).

    ثم يقول عليه الصلاة والسلام: ( أما تعجبون كيف يصرف الله هجاء قريش عني, يدعونني مذمماً وأنا محمد )؟ وهو عليه الصلاة والسلام محمد لا مذمم, فهذا هو الاسم الذي اشتهر به صلوات ربي وسلامه عليه.

    وهنا من باب الفائدة نقول: الحمد: هو الثناء بالجميل على الجميل, فحين تقول: الْحَمْدُ للهِ [الفاتحة:2]، أي: أثني على الله الجميل بجميل أفعاله، وجميل صفاته، وجميل آلائه، وجميل أسمائه جل جلاله.

    وكلمة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) ينبغي أن نعود ألسنتنا عليها، كما قال ابن عباس : الحمد لله: كلمة كل شاكر, قالها إبراهيم عليه السلام: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ [إبراهيم:39], وقالها نوح عليه السلام: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون:28], وقالها داود وسليمان عليهما السلام: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ [النمل:15], وقالها محمد صلى الله عليه وسلم: وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا [الإسراء:111], وقالها أهل الجنة لما دخلوا الجنة: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ [الأعراف:43]، وقالوا: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:34]، وقالوا أيضاً: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ [الزمر:74]، وقالوا أيضاً: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10]، فهذه كلمة مباركة.

    اسم النبي صلى الله عليه وسلم: العاقب والماحي

    الاسم الثاني لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: العاقب, وقد فسر عليه الصلاة والسلام (العاقب) بأنه الذي لا نبي بعده, ومعروف بأن عقب الشيء آخره, كما في الحديث: ( ويل للأعقاب من النار ), ولما كان نبينا عليه الصلاة والسلام هو آخر النبيين فلا نبي بعده سمي بالعاقب.

    الاسم الثالث: الماحي، والماحي الذي محى الله به الكفر، ومحى الله به الكفر من جزيرة العرب، فكان آخر ما تكلم به وهو في سكرات الموت ثلاث كلمات: ( الصلاة, الصلاة, وما ملكت أيمانكم وأخرجوا المشركين من جزيرة العرب ), ثم محى الله به الكفر عن طريق أصحابه الذين انتشروا في بلاد الله فاتحين، ويخرجون الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

    قال القاضي رحمه الله: يكون محو الكفر إما من مكة ومن بلاد العرب، وما زوي له من الأرض, كما وعد الله أنه يبلغه ملك أمته، أو يكون المحو عاماً بمعنى الظهور والغلبة، كما قال ربنا: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ [التوبة:33].

    اسم النبي صلى الله عليه وسلم: الحاشر والمقفي

    الاسم الرابع والخامس: الحاشر والعاقب، وكأن العاقب هذه تكررت, أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي محى بي الله الكفر، وأنا العاقب فلا نبي بعدي، وأنا الحاشر فالحاشر: ( الذي يحشر الناس على عقبي ) وفي رواية: ( على قدمي ), وفي رواية: ( على أثري )، لأنه عليه الصلاة والسلام هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة والناس له تبعاً، ولما كان هو قائدهم وإمامهم سمى نفسه الحاشر عليه الصلاة والسلام.

    والعاقب ورد في معناه المقفي, والمقفي لأنه جاء على إثر النبيين الذين كانوا قبله عليه الصلاة والسلام، ولأنه جاء مكملاً لدينهم ومتمماً لشرائعهم.

    ومن أسمائه عليه الصلاة والسلام: نبي التوبة ونبي الرحمة ونبي الملحمة، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كما في صحيح البخاري : ( أنه وجد صفته في التوراة عبدي ورسولي محمد سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ).

    ألقاب النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن

    يقول القاضي رحمه الله في كتاب الشفاء: وقد جاءت من ألقابه صلى الله عليه وسلم وسماته في القرآن كثيرة سوى ما ذكرناه، كالنور والسراج المنير، والمنذر والنذير، والمبشر والبشير، والشاهد والشهيد؛ قال تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143], والحق المبين، وخاتم النبيين، والرءوف الرحيم، والأمين، وقدم الصدق، ورحمة للعالمين، ونعمة الله، والعروة الوثقى، والصراط المستقيم، والنجم الثاقب، والكريم والنبي الأمي, وجرى في كتب الله المتقدمة تسميته صلى الله عليه وسلم بمصطفى والمجتبى وأبي القاسم، والحبيب، ورسول رب العالمين، والشفيع المشفع، والمتقي، والمصلح، والظاهر والمهيمن، والصادق والمصدوق والهادي، وسيد ولد آدم، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وحبيب الله، وخليل الرحمن، وصاحب الحوض المورود، والشفاعة والمقام المحمود، وصاحب الوسيلة، والفضيلة والدرجة الرفيعة.

    تسمية النبي صلى الله عليه وسلم بـ(طه وياسين)

    وهناك أسماء اشتهرت بين الناس وليس أسماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أشهرها: طه و ياسين، فتجد بعض الناس يسمي ولده طه وبعضهم يسمي ولده ياسين ظانين أنهما أسماء للنبي الكريم، وقد اتفق أهل التفسير على أن (طه) و(يس) من الحروف المقطعة التي افتتحت بها تسع وعشرون سورة في القرآن, أربعة عشر حرفاً يجمعها قولك: (نص حكيم قاطع له سر), أو يجمعها قولك: (طرق سمعك النصيحة), فهذه أربعة عشر حرفاً فيها جميع صفات الحروف, وفيها الحروف المستعلية، والحروف المستفلة، وفيها من حروف الإطباق، وفيها من حروف القلقلة، وفيها من الحروف الشفوية، وفيها من الحروف الحلقية.. ففيها من كل أنواع الحروف.

    إذاً: (طه) حرفان مقطعان (حم) و(طس)، وكذلك (يس) حرفان مقطعان، وقد قال بعضهم: (طه) معناه طأطأ الأرض, ويس معناه: يا إنسان, وقال بعضهم غير ذلك مثلما قيل في (الم): أنا الله أعلم, و(الر): أنا الله أرى, و(المص): أنا الله أفصل, والذي يظهر -والعلم عند الله تعالى- أن هذه الحروف المقطعة قد افتتحت بها هذه السور من أجل أن يتحدى الله العرب المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول الله لهم: يا أيها الناس هذا القرآن الذي زعمتم أنه أساطير الأولين، وأنه يعلمه بشر، وأنه شعر، وأنه كهانة مؤلف من جنس الحروف التي تتكلمون بها, فإن كنتم صادقين في أن القرآن من صنع محمد صلى الله عليه وسلم فهو من حروفكم فأتوا بعشر سور مثله مفتريات, ولما عجزوا قال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، بعدما قال لهم أولاً: فأتوا بمثله، لكنهم عجزوا ولا آية واحدة لم يأتوا بها, فما استطاعوا أبداً، إلا ما كان من شأن مسيلمة الكذاب في ذلك الهراء الذي كتبه أو الذي قاله:

    إنا أعطيناك العمود، فصل لربك من قعود، إن شانئك هو العتود, والفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل.. ونحو ذلك من الكلام الفارغ الذي يستنكف العقلاء من سماعه فضلاً عن الانقياد إليه.

    إذاً: (طه ويس) ليسا من أسماء النبي الكريم.

    وبعض العلماء بالغ فأخذ للنبي صلى الله عليه وسلم أسماء من صفاته، فبعضهم سماه اللبنة, أخذاً من الحديث: ( مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل الرجل ابتنى داراً فأحسن بناءها إلا موضع لبنة, فجعل الناس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: لولا موضع هذه اللبنة, قال صلى الله عليه وسلم : فأنا تلك اللبنة ), وليس معقولاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: اسمه اللبنة، وإنما الرسول صلى الله عليه وسلم ضرب هذا مثلاً، أن الله عز وجل كمل به الدين وأتم به النعمة فلا يحتاج الناس بعد شريعته إلى شريعة, ولا بعد كتابه إلى كتاب, ولا بعد رسالته إلى رسالة.

    1.   

    صفات الرسول صلى الله عليه وسلم الخُلقية

    نتكلم عن جمال خلقته إن الله عز وجل جبل أنبياءه على الكمال, وهذا الكمال نوعان:

    عصمة الأنبياء من الأمراض المنفرة

    كمال خلقي وكمال خلقي, فمن ناحية الكمال الخُلقي فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الأمراض المنفرة, فلا يكون النبي أبرصاً، ولا يكون النبي أقطعاً، ولا يكون النبي ذا جذام، ولا يكون النبي أعمى، ولا يكون النبي فأفاءا، ولا تمتاماً، وإنما الأنبياء فيهم الكمال الخُلقي, ولا يمنع هذا أنهم يصابون بالأمراض كما قال أيوب: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83], ولكنه ليس مرضاً منفراً؛ ولذلك لا تصدقوا ما جاء في بعض كتب التفسير من الإسرائيليات أن أيوب عليه السلام مرض حتى أنتنت ريحه وحتى مشى الدود في جسده, هذا هراء هذا ليس صحيحاً, مع أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يمرضون لكن المرض الخفيف كصداع وحمى ونحو ذلك, أما المرض المنفر فالأنبياء ممنوعون منه.

    ومن الكمال الخُلقي عند الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم: أنهم أحرار بعيدون عن الرق, ومن الكمال الخلقي أنهم ذوو نسب، أي: من الأنساب العلية الرفيعة.

    الذكاء وسرعة البديهة

    وكذلك من الكمال الخُلقي الذي جبل الله عليه الأنبياء ذكاء العقل، وتوقد القريحة وسرعة البديهة، وفصاحة اللسان, فالنبي لا يتلجلج ولا يتحير، وإنما يكون جوابه حاضراً؛ ولذلك تجدون رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه اليهودي فيقول له: ( يا محمد! أنت تزعم أن الله يقول: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [آل عمران:133], فأين النار؟ إذا كانت الجنة عرض السموات والأرض فأين النار؟! فعلى البديهة يجيبه صلى الله عليه وسلم ويقول له: وإذا جاء الليل أين يكون النهار ), فألجم اليهودي! ويأتيه يهودي آخر يقول: ( يا محمد! أنت تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون.. )، ثم يقول لمن معه: إن أجابني خصمته، يعني أنا سأحرجه أمام الناس, فقال صلى الله عليه وسلم: ( بلى, قال له: فإن أكلوا وشربوا أين يذهب وليس في الجنة أذى.. ), لأن الذي يأكل ويشرب يحتاج إلى الخلاء, والجنة ليس فيها خلاء, فقال له عليه الصلاة والسلام: ( يكون له جشاء كرشح المسك تضمر منه بطونهم ), فيكون عندهم جشاء كرشح المسك وليس كجشاء الدنيا (تضمر منه بطونهم), وكذلك لما جاء الخبيث ابن خلف وفتت عظماً وقال: ( أتزعم أن ربك يحيي هذه بعد ما صارت رميماً؟ قال: نعم, يحييها ويبعثك ويدخلك النار ), فلم يقل كلاماً سهلاً! كما يصنع بعض الناس اليوم، بل الذي يسخر من الدين لا بد أن يعطى كلاماً يلجمه ويلقمه حجراً, قال:( نعم, يحييها ويبعثك ويدخلك النار ), وقس على ذلك في جوابه صلى الله عليه وسلم لما جاء نصارى نجران فقال لهم: ( اتقوا الله وأسلموا, قالوا: كنا مسلمين قبلك ), فقال صلى الله عليه وسلم: ( يمنعكم من الإسلام ثلاثة: قولكم: اتخذ الله ولداً, وأكلكم الخنزير، وعبادتكم الصليب ) فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم عندكم ثلاثة مصائب يحكم بسببها عليكم بالكفر البواح, وكذلك لما جاء عدي بن حاتم قال له صلى الله عليه وسلم: ( أسلم, قال له: أنا ذو دين.. ), يعني: عندي دين, فقال له صلى الله عليه وسلم: ( أنا أعلم بدينك منك, ألست تأكل من مرباع قومك وهو لا يحل لك ), يقول عدي : فما تمالكت لها! أي: انهارت أعصابه، فأي نبي يكون عنده سرعة البديهة، وتوقد القريحة، ولذلك انظروا حوار موسى مع فرعون: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23], مباشرة كان الجواب: قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:24], وهنا تحير فرعون، وقال لمن حوله: أَلا تَسْتَمِعُونَ [الشعراء:25], وهذه حيلة الضعيف, يقول لك: انظر هذا ما يقول؟! يا أخي لم لا ترد أنت! لم تستعين بغيرك؟! فموسى عليه السلام ترك فرعون وأقبل على من استعان بهم, وقال: قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ [الشعراء:26], فلجأ فرعون إلى البذاءة وقال: قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء:27], كان يستطيع موسى أن يقول له: بل أنت المجنون, لكنه صرف النظر عن هذه الوقاحة، وقال له: قَالَ رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشعراء:28], فلجأ فرعون إلى التهديد وقال: قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ [الشعراء:29], فهنا قال له موسى: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ [الشعراء:30], فكان يرد عليه بكل برود وقوة, أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:30-31]، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الأعراف:107-108].

    فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم عندهم من الكمال الخلقي الذي طبعوا عليه: حسن الصورة وطيب الرائحة ونظافة الجسد واستقامة الطبع، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, ثم بعد ذلك هناك الكمال في الأخلاق وسيأتي تفصيله إن شاء الله.

    صفة البشرية عند الأنبياء

    والأنبياء تطرأ عليهم عوارض البشرية التي يتنزه عنها رب العالمين، فهناك فرق بين الخالق والمخلوق, فالخالق جل جلاله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255], الأنبياء ينامون، والخالق جل جلاله: لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52], الأنبياء ينسون؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال:( إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون, فإذا نسيت فذكروني )؛ وفي الصلاة سلم من اثنتين، وقام من اثنتين، وقام إلى خامسة, والخالق جل جلاله ما يطرأ عليه الخوف, والأنبياء يخافون؛ ولذلك يقول الله عز وجل: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ِ [القصص:21], وقال: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طه:67], والنبي قد يخاف, كذلك النبي يمرض، والنبي يموت, قال الله عز وجل: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:34-35], فهذه عوارض البشرية: النسيان, الخوف, المرض, الموت.

    وكذلك النبي قد يغيب عنه علم الشيء, ولذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحياناً فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي.

    الكمال الخُلقي عند نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

    وبالنسبة للكمال الخلقي في نبينا صلى الله عليه وسلم نقول: هو أجمل الناس وجهاً وقواماً, كما في حديث البراء رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً وأحسنه خلقاً, ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وسيأتي معنا قول أم معبد : لا تشنؤه عين من طول ولا تقتحمه عين من قصر, لا بالطويل البائن صلى الله عليه وسلم ولا بالقصير المتردد, وقال أنس : كان ربعة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير.

    وأما وجهه عليه الصلاة والسلام فقد سئل البراء : أكان وجهه مثل السيف؟ قال: لا, بل مثل القمر, ووجه التشبيه هي الاستدارة, ولذلك يقول الصحابي الآخر: كان النبي صلى الله عليه وسلم كث اللحية في وجهه تدوير، وهناك وجه ثاني للشبه.

    إذاً: في تشبيه وجه رسول صلى الله عليه وسلم بالسيف وجهان للشبه:

    الوجه الأول: هل كان وجهه كالسيف يعني: طويلاً؟ قال: لا, كان كالقمر مستديراً.

    الوجه الثاني: هل كان كالسيف يبهر الناس بشعاعه؟ قال: لا, كان صلى الله عليه وسلم منيراً لكن في هدوء, وفي وضاءة كضوء القمر، فالشمس لا يستطيع المرء أن ينظر إليها، ولكن القمر يمكن أن تنظر إليه الليل كله وأنت مستمتع, وهكذا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقال كعب بن مالك : ( سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور، وكان صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر )، وقال أبو كبير :

    وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل

    وكان عليه الصلاة والسلام أجمل الناس أطرافاً, قال أبو جحيفة : ( وضعت يد النبي صلى الله عليه وسلم على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب من المسك )، وقال أنس : ( ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم، وما شممت ريحاً قط أو عرفاً أطيب من ريح النبي صلى الله عليه وسلم ).

    وكان أجمل الناس لوناً وشعراً، وقد وصفه أنس رضي الله عنه فقال: ( بأنه أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم، ليس بجعد قطط ولا سبط )، فهكذا كان صلى الله عليه وسلم: ليس بالأبيض الأمهق, أي: البياض الشديد، ولا بالآدم, والآدم هو الأسمر, فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان أبيض بياضاً شديداً، ولا كان أسمر، بل كان أبيض مشرباً بحمرة، وما كان صلى الله عليه وسلم سبط الرأس، أي أن شعره ناعم, وقد تجد بعض الناس شعره ناعم بحيث إذا ركع يقع شعره؛ ولذلك إذا قال: سمع الله لمن حمده تجده يصلح شعره, وإذا سجد وقع شعره فهو يرجعه، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فما كان كذلك، ولا بالجعد القطط، والجعد القطط هو المفلفل، كالذي عندنا نحن الأفارقة, فما كان هذا ولا ذاك، وإنما كان صلى الله عليه وسلم رجل الشعر، ومعناه: أن شعره عليه الصلاة والسلام ناعم لكنه ثابت مستقر.

    وقال ربيعة : رأيت شعراً من شعره فإذا هو أحمر, فسألت فقيل: أحمر من الطيب.

    وكان الحسن رضي الله عنه يشبه النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك جاء رجل إلى ابن عباس قال له: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام, قال له ابن عباس : كيف هو؟ قال له: يشبه الحسن بن علي , قال: إذن رأيته.

    ولذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأيام خرج أبو بكر من المسجد من صلاة العصر ومعه علي يماشيه, فوجد الحسن يلعب مع الصبيان فحمله أبو بكر وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيهاً بـعلي , و علي رضي الله عنه يبتسم؛ لأن علياً رضي الله عنه ورد في صفته أنه كان قصيراً, أصلع, ذا بطن, رضي الله عنه وأرضاه, والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان قصيراً، ولا كان أصلع، ولا كان ذا بطن، كما سيأتي.

    حديث أم معبد في صفات الرسول صلى الله عليه وسلم الخَلقية

    ومن صفات الرسول صلى الله ليه وسلم الخَلقية ما جاء في حديث أم معبد الخزاعية واسمها عاتكة بنت خالد ؛ مر الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر و عامر بن فهيرة في طريق الهجرة بهذه المرأة وكانت امرأة برزة جلدة, تحتبي بفناء الخيمة، وتسقي وتطعم من يمر بها, فمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وهم مسنتون -أي: جائعون- قد نفد زادهم فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( هل من لحم نشتريه أو لبن نشربه؟ قالت: فداك أبي وأمي لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى والشاة عازب ولا حلوبة في البيت ), الغنم بعيدة في المرعى، وليس في البيت شيء يحلب: ( فنظر صلى الله عليه وسلم إلى كسر الخيمة, فإذا شاة, قال: ما هذه الشاة؟ قالت: خلفها الجهد عن الغنم, قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: فداك أبي وأمي إن كان فيها حلب فاحلب, فدعا صلى الله عليه وسلم بإناء يربض الرهط ), قال لها: آتيني وعاء كبيراً: ( ثم مسح على ضرع الشاة وسمى الله فتفاجت, فحلب عليه الصلاة والسلام في الإناء فيه ثجاً حتى علته الرغوة ) قال الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ المُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا [النبأ:14]، (حلب فيه ثجاً حتى امتلأ الإناء وعلته الرغوة فأعطاها فشربت، ثم سقى صاحبيه، ثم سمى الله وكان آخر القوم شرباً، ثم حلب فيه ثانية فشربوا عللاً بعد نهل ).

    كما يفعل الصائم في رمضان إذا كان عطشاناً فأذن المؤذن فإنه يحمل الدلو ويعب منه عباً، حتى إذا ارتوى تنفس الصعداء ثم بعد ذلك يقول: الحمد لله, ثم يأتي المرة الثانية ويشرب.

    إذاً: شربوا عللاً بعد نهل، يعني: مرتاحين, بعد ما زال الجوع الذي كان بهم: ( ثم خمر الإناء عليه الصلاة والسلام وقال: ارفعي هذا لـأبي معبد ) -أي: حتى يأتي زوجك ويشرب - فقلما لبثت حتى جاء أبو معبد يسوق أعنزاً عجافاً يتساوقن هزالاً لا نقي بهن، فقال: ما هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من خبره كيت وكيت، قال: صفيه لي يا أم معبد - أو صفي لي هذا الرجل- قالت: ظاهر الوضاءة, أبلج الوجه, حسن الخلق, لم تعبه تجلة ولم تزري به صعلة, وسيم قسيم, في عينيه دعج وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل وفي عنقه سطع, أحور أكحل أزج أقرن شديد سواد الشعر, إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه البهاء, أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب, حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعاً لا تقتحمه عين من قصر ولا تشنؤه من طول, غصن بين غصنين فهو أنظر الثلاثة منظراً وأحسنهم قداً - وفي رواية قدراً - له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود, غير عابس ولا مفند.

    ومعنى: (ظاهر الوضاءة)، النظافة، ومنه قيل للوضوء: وضوءاً؛ لأنه نظافة, ومنه قيل للإنسان النظيف: رجل وضيء, ويقال أيضاً: امرأة وضيئة, أي: ظاهر الوضاءة, وظاهر النظافة, وظاهر الجمال.

    و(أبلج الوجه)، والبلج هو الاستنارة.

    (لم تعبه ثجلة). والثجلة: هي عظم البطن, أي: الكرش, فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان كذلك، وإنما كان سواء الصدر والبطن.

    (ولم تزري به صعلة)، الصعلة: صغر الرأس, قالوا: وهي دليل على صغر العقل, كما أن كبر الرأس دليل على كبر العقل, فكلما كان الرأس كبيراً كلما كان العقل كبيراً, هكذا قالوا والله أعلم.

    (وسيم قسيم), قسيم: أي متناسق الخلقة.

    (في عينيه دعج)، والدعج: السعة, أي: واسع العينين عليه الصلاة والسلام.

    و(في أشفاره وطف), والوطف: هو الطول، أي: طول أهداب العين.

    و(في صوته صحل)، والصحل: البحة, والبحة تزيد الصوت جمالاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان في صوته بحة تسمعه ولا تمل.

    و(في عنقه سطع)، قيل السطع: الطول, وقيل: اللمعان، ويؤيد أن المعنى الطول قول الصحابي الآخر: كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة.

    قالت: (أحور, أكحل, أزج, أقرن), (أحور), وفي القرآن: وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة:22], وحور: جمع حوراء، والرجل أحور, والحوراء: البيضاء, والأحور معناه: الأبيض, وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة:22], وعين: معناه: واسعات العيون، شديدات بياضها, شديدات سوادها.

    (أكحل) يعني: خلقة, فيظن الرائي أنه قد اكتحل، وما هو بالمكتحل، وإنما خلقة وجبلة.

    (أزج) أي: دقيق الحاجبين مع استقامة, وهو ما يفعله الغانيات - نسأل الله العافية! - تصنعاً، كما قال الأول:

    إذا ما الغانيات برزن يوماً وزججن الحواجب والعيونا

    أي: وكحلن العيون.

    (أقرن) أي: أن هذين الحاجبين بينهما شعرات، لكن أم معبد رأته مرة واحدة فوصفته بهذا الوصف، ولكن الصحابة الآخرين قالوا: أزج الحواجب من غير قرن, (بينهما عرق يدره الغضب)، يعني: كان إذا غضب صلى الله عليه وسلم وما كان يغضب إلا لله, كان العرق الذي بين حاجبيه ينتفخ.

    (شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار)، فهو الوقور عليه الصلاة والسلام.

    (وإذا تكلم علاه البهاء). والبهاء: النور.

    (أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب)، يعني: بعض الناس من بعيد تظنه جميلاً، فإذا دنا منك ظهرت دمامته، فالنبي عليه الصلاة والسلام جماله سواء مع القرب والبعد.

    (حلو المنطق)، كلامه حلو.

    (فصل لا نزر ولا هذر)، يعني: لا قليل ولا كثير، وليس كبعض الناس لا يجيب إلا بقدر الحاجة تقول له: السلام عليكم, فيقول: وعليكم السلام, ومن ثم تريد أن تفتح معه موضوعاً, فتقول: كيف حالك؟ فيقول: الحمد لله, ثم تسأله سؤالاً: هل ذهبت إلى المحاضرة؟ فيجيبك: نعم. فتقول له: المحاضرة كان فيها فوائد كثيرة, فيقول: نعم, فيجيبك وكأنه يعمل في إدارة البرقيات, وليس عنده أي تفصيل, وبعض الناس تقول له: السلام عليكم, فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, ويدخل معك في كلام طويل فتقول: لا حول ولا قوة إلا بالله, ليتني ما سلمت, فيضيع يومك كله, فالرسول صلى الله عليه وسلم لا كهذا ولا كذاك، فكلامه فصل لا نزر، والنزر: هو القليل، ومنه سمي نزار نزارة, نزار بكسر النون من النزر اليسير، والمهذار: كثير الكلام.

    (كأن منطقه خرزات نظم يتحدر)، مثل المسبحة, لو انفرط عقدها فسقطت حبة, فإن الأخريات يسقطن بالترتيب، وكذلك كلام النبي صلى الله عليه وسلم كأنه خرزات نظم ينحدر، مقدمات بعدها نتائج.

    وقد جاءت صفات النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة والحسنة عن جماعة من الصحابة، ومن مجموعها نستخلص أنه: كان أزهر اللون, أدعج, أنجل, أشكل, أهدب الأشفار, أبلج, أزج, أقنى, أفلج, مدور الوجه, واسع الجبين, ضخم الرأس, كث اللحية تملأ صدره, سواء البطن والصدر, واسع الصدر, عظيم المنكبين, عبل العضدين والذراعين والأسافل, رحب الكفين والقدمين, سائل الأطراف, أنور المتجرد, دقيق المسربة, ربعة القد ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد.. ومع ذلك لم يكن يماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طاله، رجل الشعر، إذا افتر ضاحكاً افتر عن مثل سماء البرق وعن مثل حب الجمان, إذا تكلم رئي كالنور يخرج من ثناياه, أحسن الناس عنقاً, ليس بمطهم ولا مكلثم، متماسك البدن، ضرب اللحم، إذا مشى تكفأ كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت معاً.

    وهذا مع نظافة جسمه وطيب ريحه وعرقه ونزاهته عن الأقذار والروائح الكريهة. وجاء في حديث أنس وحديث جابر بن سمرة قال: ( فوجدت ليده برداً وريحاً كأنما أخرجها من جؤنة عطار )، أي: من وعاء عطار.

    أسأل الله أن يوفقني وإياكم، وأن ينفعني وإياكم، وأن يصلح أحوالنا أجمعين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.