إسلام ويب

الظلم وصورهللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أقام الله عز وجل الكون على العدل، فبالعدل قامت السموات والأرض، وبالعدل كان الشرع والدين، وبالعدل سيكون الجزاء والحساب، وقد حرم الله الظلم على نفسه سبحانه، وحرمه على العباد، والظلم أنواع: أعظمها الشرك بالله عز وجل.

    1.   

    الأمر بالعدل والنهي عن الظلم

    الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ[سبأ:1-2].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وعظيمنا محمداً رسول الله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد: ‏

    قيام الكون على العدل

    أيها المسلمون عباد الله! فإن الله جل جلاله قد أقام هذا الكون على أساس من العدل، فبالعدل قامت السماوات والأرض، وبالعدل كان الشرع والدين، وبالعدل سيكون الحساب والجزاء، قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص:27]، وقال: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85]، وقال: وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن:7-9]، وضد العدل الظلم، وهو: وضع الشيء في غير موضعه بتجاوز الحدود وانتقاص الحقوق، وهو: تصرف المرء فيما لا يملك أن يتصرف فيه.

    وهذه الصفة القبيحة الدنيئة، نفاها ربنا جل جلاله عن نفسه في كثير من آي القرآن قال عز وجل: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، وقال سبحانه: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ [غافر:31]، وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40]، وقال عز وجل: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:33]، وقال: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76]، فالله جل جلاله لا يظلم، أفعاله كلها صواب، أقواله كلها حق، أحكامه كلها عدل قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام:115]، وقد خاطبنا جميعاً معشر بني الإنسان فقال: ( يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ).

    أيها المسلمون عباد الله! الظلم حرام، الظلم من كبائر الذنوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم ).

    عاقبة الظالمين

    أيها المسلمون عباد الله! بين ربنا جل جلاله في القرآن عاقبة الظالمين، وأنهم يوم القيامة خاسرون، نادمون، يلتفتون ذات اليمين وذات الشمال، حيث لا درهم ولا دينار، ولا أهل ولا مال، وإنما القصاص بالحسنات والسيئات قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم:42-46].

    أنواع الظلم

    أيها المسلمون عباد الله! الظلم كله حرام، سواء كان ظلماً فيما بينك وبين الله، أو ظلماً فيما بينك وبين نفسك، أو ظلماً فيما بينك وبين خلق الله، أما الظلم الذي بينك وبين الله فهو أقبحه وأشنعه وأبطله، وهو أن تشرك بالله عز وجل أو أن تكفر به، أو تنافق نفاقاً اعتقادياً يخرجك من الملة قال لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وقال سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ [هود:18-22].

    وأما ظلمك لنفسك أيها المسلم فبالمعاصي، بتعدي حدود الله عز وجل، بالاجتراء على محارمه، وانتهاك حدوده جل جلاله، لما قتل نبي الله موسى عليه السلام ذلك الرجل الفرعوني قال: قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ [القصص:16]، وقال الله عز وجل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32].

    وأما ظلمك للناس أيها المسلم! فقد يكون ظلماً بالتعدي على أبشارهم، على أبدانهم، أو بالتعدي على أعراضهم، وبالاستطالة بلسانك عليهم، وقد يكون ظلماً بالتعدي على أموالهم، قال الله عز وجل: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى:40]، فهؤلاء الذين يظلمون الناس في أعراضهم، في أموالهم، في رمي البرآء بالنقائص والعيوب، هؤلاء بغيضون إلى الله عز وجل، بعيدون منه، بعيدون من رحمته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم، قال عليه الصلاة والسلام: المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وصدقة، ويأتي وقد ظلم هذا، وضرب هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته طرح عليه من سيئاتهم، ثم طرح في النار ).

    يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254].

    (والدواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وديوان لا يمحو الله منه شيئاً، وديوان لا يعبأ الله به شيئا).

    أما الديوان الذي لا يغفره الله فهو الشرك قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48].

    (وأما الديوان الذي لا يمحو الله منه شيئاً، فما يكون بينك وبين العباد)، ما يكون من ظلمك إياهم، من أكلك حقوقهم، من تعديك على أعراضهم، من استطالتك بلسانك فيهم، فهذا الديوان لا يمحو الله منه شيئاً إلا أن يغفر أصحابه، يوم القيامة يضرب جسر على جهنم، أدق من الشعر، وأحد من السيف، دحض مزلة، يقول الله عز وجل: ( وعزتي وجلالي لا يجاوز هذا الجسر اليوم ظالم )، فالظالم لا يتجاوز هذا الجسر أبداً، إلا أن يعفو أرباب الحقوق.

    (وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً، فما يكون بينك وبينه من الذنوب والمعاصي)، فلو أنك أسرفت على نفسك، قصرت في حق ربك، تعديت حدوده فيما بينك وبينه، فإن الله عز وجل غفور رحيم، كريم عظيم، يغفر الذنوب جميعاً، وقد سمى نفسه في القرآن غفاراً، وغافراً، وغفوراً، ورحيماً، قال سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110].

    عدل النبي صلى الله عليه وسلم

    أيها المسلمون عباد الله! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعظم الناس عدلاً، وأبعدهم عن الظلم، حتى بلغ من عدله صلوات ربي وسلامه عليه أن يصعد على منبره قبل موته بليال ويقول: ( أيها الناس! من كنت أخذت منه مالاً، فهذا مالي فليأخذ ما شاء، من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد ما شاء، من كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي، ولا يقولن قائل: أخشى الشحناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما هي لي بخلق، إني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحدٍ عندي مظلمة )، هكذا كان حاله صلوات ربي وسلامه عليه.

    ولما عرض عليه عمر بن الخطاب يوم بدر أن ينزع ثنيتي سهيل بن عمرو قال عليه الصلاة والسلام: ( لا يا عمر، لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبياً )، حذرنا صلوات ربي وسلامه عليه من الظلم، وأخبرنا أن (الظلم ظلمات يوم القيامة)، وأن (دعوة المظلوم تفتح لها أبواب السماء، ويرفعها الله فوق الغمام، ويقول: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين).

    النهي عن ظلم الكفار

    وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دعوة المظلوم مستجابة، ولو كان هذا المظلوم كافراً، فإنه لما بعث معاذاً إلى اليمن وقد كانوا قوماً أهل كتاب، ليسوا بمؤمنين ولا موحدين ولا مسلمين، بل كانوا على الكفر مقيمين، ومع ذلك يقول له صلوات ربي وسلامه عليه: ( واتقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب )، هكذا على العموم.

    أما والله إن الظلم شؤم في الدنيا، وشؤم في الآخرة، وكل ظالم سيقتص منه إن في الدنيا أو في الآخرة.

    وجوب الانتصار للمظلوم

    وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ننتصر للمظلوم، وأن نأخذ له بحقه، يقول البراء بن عازب رضي الله عنهما: ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: بإجابة الداعي، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، ونصر المظلوم )، ويقول صلى الله عليه وسلم: (لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها)، ولما سأل الصحابة رضي الله عنهم: ( ما أعجب ما رأيتم في أرض الحبشة؟ قال له بعضهم: يا رسول الله! بينما امرأة من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة -أي: وعاءً، قد ملأته ماء- إذ أقبل فارس شاب من فرسانهم فقال بكلتا يديه بين كتفيها حتى طرحها أرضاً وانكسرت قلتها، فقالت المرأة: ستعلم يا غدر إذا وضع الجبار كرسيه، وجمع الأولين والآخرين، وتحدثت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة التي تزلزل الجبال: لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها )، وفي الحديث الآخر: ( إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم فقد تودع منها ).

    يا أيها المسلمون يا عباد الله! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأن نجتنب الظلم كله، بأنواعه كلها، يقول: (لا تشرك بالله، وإن قتلت وحرقت)؛ لأن الشرك بالله ظلم، (لا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك)؛ لأن عقوق الوالدين ظلم، (لا تتركن صلاة مكتوبة متعمداً)؛ لأن ترك صلاة مكتوبة عمداً من الظلم، (لا تشربن الخمر فإنها رأس كل كبيرة)، فشرب الخمر ظلم وهكذا.

    صور مخصوصة للظلم نهت عنها الشريعة

    ومن الظلم المخصوص التي نبهت عليه نصوص القرآن والسنة أكل مال اليتيم، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10].

    ومن الظلم المخصوص الذي نبهت عليه النصوص: أن تستأجر إنساناً فيؤدي عمله، ثم لا تعطيه أجرته، قال الله عز وجل: ( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره ).

    ومن الظلم: أن يكون للرجل زوجتان أو أكثر، فيميل إلى إحداهن ويحيف على الأخريات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كان له زوجتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل ).

    ومن الظلم أن يقضي القاضي بين الناس بجهل، أو بغير ما علمه من الحق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فحكم به، وأما اللذان في النار: فرجل عرف الحق فحكم بغيره، ورجل قضى بين الناس على جهل ).

    ومن الظلم أيها المسلمون عباد الله! أن تقول على الله ما لا تعلم، قال الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:21].

    ومن الظلم: أن تفرق بين أولادك، وتميز بينهم بغير موجب يقتضي ذلك، فإنه لما أعطى بشير بن سعد ولده النعمان عطية، فأبت أمه عمرة بن رواحة إلا أن يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء بشير إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ( فقال: يا رسول الله! إني نحلت ولدي هذا نحلة فأبت أمه إلا أن تشهدك، فقال عليه الصلاة والسلام: أكل ولدك أعطيتهم؟ قال: لا، قال: فأشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور؛ اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ).

    ومن الظلم كذلك أيها المسلمون عباد الله! أن يظلم الإنسان في وصيته، فإن بعض الناس إذا اقتربت ساعته ودنا أجله، وعلم أنه لهذه الدنيا مفارق، وعلى الله وارد، فإنه والعياذ بالله يختم حياته بالظلم، فتجده يعطي من منعه الله، ويمنع من أعطاه الله، ويغير شرع الله، ويقسم تركته على غير ما أنزل الله، روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة، فيحيف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخله الله النار، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخله الله الجنة، ثم قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13-14] ).

    ومن الظلم أيها المسلمون عباد الله! أن يعمد الإنسان إلى أن يأكل حقوق زوجته، فيظلمها في مهرها أو في طعامها، أو كسوتها، أو فيما فرض الله لها من حقوق:

    لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

    تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته قال: ( بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي )، يستعيذ بالله من أن يكون ظالماً، ويستعيذ بالله من أن يكون مظلوماً؛ لأنه صلوات ربي وسلامه عليه يعلم أن الظلم مرتعه وخيم، وعاقبته وبيلة، وأن الظالمين شر الخلق مكاناً عند الله يوم القيامة.

    أسأل الله عز وجل أن يسلمنا، وأن يسلم الناس منا، وأن نلقاه غير ظالمين ولا مظلومين، ولا فاتنين ولا مفتونين، توبوا إلى الله واستغفروه.

    1.   

    التورع عن الظلم

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين؛ لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كل، وصحب كل أجمعين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

    أما بعد:

    أيها المسلمون عباد الله! اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

    واعلموا إخوتي في الله! أن المتأمل في أحوال الناس، يجد أن الكثيرين يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون ويتصدقون، ويتورعون عن كثير من الفواحش والموبقات، لكن الواحد منهم لا يتورع عن أكل مال الناس بالباطل، لا يتورع عن ظلم الناس في حقوقهم، لا يتورع عن مماطلتهم بما أوجب الله لهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مطل الغني ظلم )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( لي الغني الواجد يحل عرضه وعقوبته )، (مطل الغني ظلم) بمعنى: أن يكون الإنسان غنياً موسراً قد فتح الله عليه أبواب الرزق، ثم بعد ذلك يجب لواحد من الناس حق عليه فيماطله ويقول له: ارجع إلي غداً، ارجع إلي بعد أسبوع، ثم يماطله ويماطله ويماطله، فهذا ظلم، وقد يكون معنى الحديث من الناحية الأخرى أن يقترض إنسان من غني مالاً مثلاً، أو يدخل معه في معاملة فيبتاع منه شيئاً، ثم بعد ذلك يؤجل السداد، ثم يوسوس له الشيطان بأن هذا الغني لا يتأثر بهذا المال، ولن ينقص منه شيئاً، فدعك منه ولا تعطه شيئاً، وكلا الأمرين ظلم، هذا ظلم وذاك ظلم.

    ومن الظلم كذلك: أن بعض الناس قد احترف الخداع والحيل المحرمة، يعمد إلى امرأة أرملة مسكينة قد مات عائلها، وهي ترعى أطفالاً صغاراً، وهو يعلم أن عندها شيئاً من مال، فيعمد إليها ويفتل لها في الذروة والغارب، ويمنيها الأماني، ويبذل لها الوعود، يقول لها: ادفعي إلي هذا المال، وأنا أعمل به في تجارة كذا وكذا، وفي كل شهر أعطيك كذا وكذا، فتبذل له ذلك المال، طيبة بذلك نفسها، راجية أن يقيها عوادي الزمن، وتقلبات الأيام، ويصونها من أن تمد يدها إلى الناس، ثم يذهب بذلك المال كأمس الدابر، لا يتجر به ولا يدخله فيما وعد به، وإنما يذهب به إلى حيث علم الله عز وجل، فهذا من أظلم الظلم، وأبطل الباطل.

    ومن الظلم كذلك أيها المسلمون! أن بعض الناس يعتقد أنه لو احتال على القاضي واحتال على الحاكم فإن ذلك يجوز له أن يأكل أموال الناس بالباطل، لكن علينا أن نعلم أن حكم الحاكم لا يجعل الحرام حلالاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختصم إليه رجلان في حق من الحقوق كل يدعيه، فقال عليه الصلاة والسلام: ( إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أنا بشر، أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من نار )، وقال: ( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك )، أي: حتى لو كان سواكاً، هذا الذي لا يساوي إلا قليلاً، لو أنك اقتطعته بيمينك من أجل أن تأخذه بغير حق، أوجب الله لك النار وحرم عليك الجنة، هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يا أيها المسلمون! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بغض إلينا الظلم، بكل أنواعه وأشكاله حتى قال لكعب بن عجرة رضي الله عنه: ( أعاذك الله من إمارة السفهاء، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: قوم يهتدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض يوم القيامة، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون علي الحوض يوم القيامة )، هكذا يبغضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظلم، وهناك كثير من الناس إذا أطلقت كلمة الظلم لا يخطر ببالهم إلا ظلم الحاكم للناس، نعم ظلم الحاكم حرام، وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر أي: حاكم ظالم، وأحب الخلق إلى الله إمام عادل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (إمام عادل)، فالعدل من الإمام طيب والظلم حرام، لكن مطلوب من الرعية كذلك أن يعدلوا، وحرام عليهم أن يظلموا، (فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ولا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا غائباً إلا رددته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا أجمعين، وفك أسر المأسورين، وفرج عن عبادك المسجونين، ووسع على عبادك المقلين، وانصر إخواننا المجاهدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

    اللهم إنا نسألك إيماناً صادقاً، ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة ننال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة، اللهم بارك لنا في أزواجنا، وبارك لنا في أولادنا، وبارك لنا في أموالنا، وقنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، فرج همومنا، ونفس كروبنا، واغفر ذنوبنا، وطهر قلوبنا، واستر عيوبنا، واشرح صدورنا، ويسر أمورنا، ونور قبورنا، وحسن أخلاقنا، ووسع أرزاقنا، وبلغنا آمالنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، واجعل إلى جنات عدن مآلنا، اللهم أصلح الراعي والرعية، اللهم أصلح الراعي والرعية، اللهم أصلح الراعي والرعية، اللهم ارزقنا جميعاً توبة قبل الممات، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن بنى هذا المسجد المبارك، ولمن عبد الله فيه، ولجيرانه من المسلمين والمسلمات.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.