إسلام ويب

اتفاقية دارفورللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المؤمن تسره حسناته، وتسوءه سيئاته، وكذلك حاله مع إخوانه المسلمين، يتمنى لهم الخير، ويكره ما بينهم من قتال وخصام، والصلح بين المتقاتلين من جميل الخصال، وعلى المتقاتلين أن يحتكموا إلى شرع الله، وألا يستهينوا بالدماء، وأن يتحلوا بمكارم الأخلاق، وأن يذلوا لإخوانهم.

    1.   

    تمني المسلم الخير لإخوانه

    الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ [سبأ:1-2].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وعظيمنا محمداً رسول الله, الرحمة المهداة، والنعمة المسداة, والسراج المنير، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] , يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    أيها المسلمون عباد الله! فإن المسلم الموفق تسوءه سيئته، وتسره حسنته، وكذلك يتمنى الخير لإخوانه المسلمين في المشارق والمغارب، تسره حسناتهم، وتسوءه سيئاتهم، يسره ما يراه على المسلمين من نعمة وعافية وصحة وسلامة وسعة رزق وكرامة، يسره كل تقدم يلحق بالمسلمين، كما أنه يسوءه ما يصيب المسلمين من هم أو غم أو نصب أو وصب، يسوءه أن تراق دماؤهم، أو أن تنتهك أعراضهم، أو أن تقع العداوة والبغضاء بينهم، هكذا المسلم مع إخوانه؛ كما قال الله عز وجل في وصف خير القرون: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح:29]، هم أشداء على الكفار، لكنهم فيما بينهم متراحمون متعاطفون متعاونون، يحب بعضهم الخير لبعض، ويكره لهم السوء؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .

    أيها المسلمون عباد الله! إن كل واحد منا يحب لنفسه أن يصبح آمناً في سربه, معافى في بدنه، عنده قوت يومه، كل واحد منا يحب لنفسه أن يصان دمه وعرضه، يحب لنفسه أن يدر عليه رزقه، وأن يوسع عليه عيشه، وهكذا ينبغي أن يكون شعورنا نحو المسلمين أجمعين. يسرنا ما يصيبهم من الخير، ويسوءنا ما يلحقهم من الشر.

    وبهذا أيها المسلمون عباد الله! يفرح كل مسلم بما جرى خلال الأسبوع الذي مضى من توقيع اتفاق مبادئ بين بعض ممثلي الحكومة، وبعض حملة السلاح في دارفور، هذا الاتفاق نرجو أن يثمر خيراً كثيراً إن شاء الله، تحقن به الدماء، وتصان به الأعراض، وتنتهي به الآلام، وتعود المودة والإخاء بين أبناء الدين الواحد والبلد الواحد: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:10] .

    1.   

    معالم في طريق الإصلاح

    وهاهنا أيها المسلمون عباد الله! جملة من المعالم التي لا بد أن يهتدي بها الناس، أوجهها لإخواننا جميعاً إن كانوا في الحكومة، أو كانوا في المعارضة، ما داموا يشهدون أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله، ما داموا يعتقدون أن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله.

    الاحتكام إلى شرع الله

    أقول لهم: أولاً: عليكم بالاحتكام إلى شريعة الله عز وجل، إلى الكتاب والسنة، ففيهما الخير كله، والصلاح كله، والبر كله، قال الله عز وجل: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [الشورى:10] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ردوه إلى الكتاب والسنة، إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59] .

    يا عباد الله! إن الشريعة قد حوت في أحكامها جميع المصالح التي يحتاج إليها الناس، جاءت بتكميلها وتتميمها، وإن غاية الغايات في شريعة رب الأرض والسموات الحفاظ على تلك الكليات، على تلك الضرورات الخمس: الحفاظ على الدين، والحفاظ على العرض، والحفاظ على النفس، والحفاظ على المال، والحفاظ على العقل، هذه الخمسة: دين ونفس وعرض وعقل ومال، جاءت الشريعة بالمحافظة عليها، ولا يكون ذلك إلا بحفظ الأمن والاستقرار.

    يا أهل الحكم! ويا أهل دارفور! بغير أمن واستقرار لن يحفظ دين ولا أنفس ولا أعراض ولا عقول ولا أموال، والشريعة هي التي تضمن ذلك كله.

    خطر الولوغ في الدماء

    ثانياً: الله! الله! في الدماء، اعلموا أن كل محجمة دم تراق، الله عز وجل سائل عنها كل من تسبب فيها، فإن أعظم الذنوب بعد الشرك بالله عز وجل سفك الدم الحرام، قال الله عز وجل: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] ، وقال الله عز وجل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70] .

    ويقول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151] ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33] ، كم من دماء سالت؟ وكم من أنفس ذهبت؟ وكم من أرواح أزهقت؟ كفانا سفكاً للدماء، كفانا إهداراً للطاقات، وانتهاكاً للحرمات.

    واعلموا أيها المسلمون! أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: ( لزوال الدنيا كلها أهون على الله من قتل امرئ مسلم بغير حق) ، وقال: ( ولا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً ) ، الله! الله! في الدماء، احرصوا على حقنها، اعملوا على صيانتها، واعلموا أنها عند الله عز وجل بمكان عظيم.

    التحلي بمكارم الأخلاق

    ثالثاً: أيها المسلمون! أيها المتفاوضون! اعلموا أن الشريعة قد جاءت بمكارم الأخلاق، ومن مكارم الأخلاق: الشجاعة، ليست شجاعة مع الأعداء فحسب بل شجاعة مع الأتباع، شجاعة مع النفس، لا حرج أن يقول الإنسان أمام أتباعه وأمام نفسه أولاً: أنا كنت مخطئاً, أنا كنت مسرفاً، فعلت ما لا ينبغي، قد اقترفت جرماً، قد أتيت ذنباً، من أجل أن يكف غلواء أتباعه، ويهدئ من حدتهم، هذه شجاعة مع النفس؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) .

    ومن مكارم الأخلاق: الحلم، ومن مكارم الأخلاق: التسامح، ومن مكارم الأخلاق: التغافل، أن يتغافل الإنسان عن إساءة وجهت إليه، أن يتغافل عن حق قد هضم إياه وأخذ منه، المسلم يتغافل مع أخيه المسلم؛ وكما قيل:

    ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي

    هذا الذي يتغابى عن الإساءة، يتغافل عن الظلم الذي يناله من أخيه المسلم إنما هو ممدوح لا مذموم. وقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: الكيس العاقل هو الفطن المتغافل. وقيل للإمام أحمد رحمه الله: إن فلاناً يقول: إن تسعة أعشار العقل في التغافل، قال: بل هو العقل كله، أن يتغافل المسلم عما يصدر من أخيه المسلم. وقد مدح الله عز وجل المؤمنين المجاهدين بقوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54].

    معرفة فضل الصلح وذكر نماذج لمن حققوه

    رابعاً: يا مسلمون! يا من تحكمون! ويا من تعارضون! يا أهل هذه البلاد كلكم أجمعين! أقول لكم: ما أحسن الصلح، ما أعظم خيره، فإن الله عز وجل قال: وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:129]، وقال سبحانه: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128] ، وقال سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1] .

    إننا نذكر في هذا المقام سيداً جليلاً عظيماً من أعظم سادات المسلمين وخيرهم، وأعلمهم بالله عز وجل، وأعظمهم منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذاك هو سيدنا أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، هذا السيد الجليل كان غلاماً صغيراً، حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلسه على المنبر، وقال عليه الصلاة والسلام: ( إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين )، (إن ابني هذا سيد)، الحسن سيد من خير سادات المؤمنين، تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن هذا السيد سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.

    ولما قتل عثمان عليه من الله الرضوان سنة خمس وثلاثين من الهجرة النبوية، واضطرب أمر الناس، وبويع أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد كان للإمارة خليقاً، وبالخلافة جديراً، فهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله, يفتح الله على يديه )، بويع علي بالخلافة، لكن أهل الشام بزعامة معاوية رضي الله عنه أبوا أن يدخلوا في تلك البيعة، قالوا: لا بد أن يقتص أولاً ممن قتلوا عثمان . بقي المسلمون خمس سنوات وهم في صراع وشجار واختلاف ونزاع، بين أهل الشام وأهل العراق، حتى وقعت بين المسلمين مقتلة عظيمة إلى أن قتل علي رضي الله عنه سنة أربعين. فبويع بالخلافة من بعده لابنه الحسن رضي الله عنه، الحسن ومعه جيش عظيم، و معاوية في الشام معه جيش عظيم، وبدأ الناس يزحف بعضهم نحو بعض، وقد نجم الشر بينهم وعظم الخلاف.

    ماذا فعل الحسن رضي الله عنه، هذا السيد المؤمن الطيب؟

    قام على الناس يوماً، وقال لهم: إني قد ارتأيت رأياً, فلا تردوا علي رأيي، والله! إني قد أمسيت وأصبحت ولا أحمل في قلبي غلاً ولا عداوة ولا بغضاء لمسلم، وإني قد رأيت أن أتنازل عن الخلافة حقناً لدماء المسلمين.

    فقال له بعض دعاة الفتنة: إنما جمعت الناس طلباً للخلافة. قال له الحسن : إن سبعين ألفاً من العرب جماجمهم بيدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، ولكني أخشى أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً أو أكثر أو أقل تنضح وجوههم دماً، يستعدون الله علي فيما أريق من دمائهم.

    هذا الذي يفكر في ذلك اليوم يخشى يوماً لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ [البقرة:254]، يخشى يوماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا [لقمان:33]، ملأت خشية الله قلبه، تنازل عن الخلافة، تنازل عن الجاه، وما أصعب التنازل عن الجاه، فإن كثيراً من الناس قد يزهد في الطعام، قد يزهد في الشراب، قد يزهد في النساء، لكنه إذا نوزع في جاهه فإنه يحامي عنه ويقاتل، ولا يبالي بما ارتكب من حرام.

    الحسن رضي الله عنه تنازل عن الخلافة، والله لا لنقص في جنوده، ولا لعصيان في أتباعه، ولا لخور في قلبه، لكنه تنازل عن الخلافة إرضاء لله رب العالمين، وجمعاً لكلمة المسلمين، وحقناً لدماء المؤمنين، ولما قال له بعض دعاة الفتنة: العار العار يا حسن ! قال: العار خير من النار، العار خير من النار.

    ما فائدة أن يقول الناس عنك في الدنيا بأنك شجاع، وأنك مقدام، وأنك جريء، وأنك قد فعلت كذا وكذا، وغزوت كذا وكذا، ثم تلقى الله يوم القيامة بدماء مسلمة ( يأتي أحدهم وجرحه يشخب ملبباً قاتله بيده، يقول: يا رب! سل هذا فيم قتلني؟ ).

    أسأل الله عز وجل أن يجمع كلمة المسلمين، وأن يلم شعثهم، وأن يوحد صفوفهم، وأن يجمعهم على كلمة سواء، وأن يؤلف بين قلوبهم، وألا يجعل لكافر عليهم سبيلاً. توبوا إلى الله واستغفروا.

    1.   

    المخاطبون بتحكيم الشريعة والنزول على حكم الله

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كل، وصحب كل أجمعين.

    وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

    أما بعد:

    أيها المسلمون! فاتقوا الله حق تقاته، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

    واعلموا إخوتي في الله! أن هذا الخطاب الذي أتوجه به من وجوب الاحتكام إلى الشريعة، والنزول على أمر الله ورسوله، والسعي إلى تحقيق مصالح الدين، في جمع كلمة المسلمين وحقن دمائهم، إنما أتوجه به إلى من يؤمن بالله واليوم الآخر.

    أما الزائغ والمنافق والذي يضع يده في يد اليهود، والذي يتبجح بأنه إن وصل إلى سدة الحكم فسيقيم علاقة مع دولة الصهاينة، فأمثال هؤلاء لا كلام معهم؛ لأن الإنسان الذي لا يحتكم إلى أمر الله، ولا يحتكم إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا كلام لنا معه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال:2-3] .

    أما من كان إلهه هواه، أما من كان مغموصاً عليه النفاق، بالدعوة إلى شيوعية بعد ما نبذها أهلها, أو بالدعوة إلى بعض المذاهب الأرضية، فمثل هذا لا كلام معه؛ لأن الكلام معه لا يفيد.

    يا أيها المسلمون! إننا نسأل سؤالاً: من ذا الذي سيخط اسمه في التاريخ بحروف من ذهب مثلما فعل الحسن رضي الله عنه، حتى سمي ذلك العام _العام الحادي والأربعين من الهجرة_ عام الجماعة؛ لأن المسلمين قد التأم شملهم، وتوحد صفهم، والتم شعثهم، وتوجهوا ثانية إلى الفتوحات.

    ومن سنة خمس وثلاثين إلى سنة أربعين ما فتح المسلمون بلداً؛ لأنهم كانوا مشغولين بالصراع فيما بينهم، لكن بعد ما تنازل الحسن رضي الله عنه, والتأم شمل الناس توجهوا نحو عدو واحد.

    1.   

    كيفية تعامل المسلم مع إخوانه

    ولذلك أيها المسلمون! أقول: ما أحسن التنازل! ما أطيب الصلح! ما أحب الذل بين يدي المؤمنين! إن الله جل جلاله ما مدح الذل في كتابه إلا في موضعين: ذل للوالدين: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] ، مهما أساء إليك والداك، مهما أغلظا عليك، مهما أخطأا في حقك، مطلوب منك أن تذل لهما، وأن تتواضع عندهما، وأن تلبي مطالبهما، وأن تسعى في طاعتهما.

    ثم ذل مع المؤمنين: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] ، مع المؤمن كن ذليلاً، تنازل عن بعض حقك، أو عن حقك كله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: ( ثلاثة أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقه، وما ظلم عبد مظلمة فعفا إلا زاده الله بها عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ).

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.

    ولا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ذا إساءة إلا أقلته، ولا حقاً إلا أعلنته، ولا باطلاً إلا أزهقته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا داعياً إلى هداك إلا وفقته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك, والشر ليس إليك، نحن منك وإليك, تباركت ربنا وتعاليت.

    اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن بنى هذا المسجد المبارك، ولمن عبد الله فيه، ولجيرانه من المسلمين والمسلمات، اللهم من وسع علينا مسجدنا هذا وسع عليه في الدنيا والآخرة، اللهم وسع عليه في الدنيا رزقه، ووسع عليه في الآخرة مدخله وقبره، اللهم اشرح صدره، ويسر أمره, واخلف عليه بخير مما أنفق يا سميع الدعاء!

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] .

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.