إسلام ويب

إرهاصات النبوة [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لدراسة السيرة النبوية أهمية بالغة في حياة المسلم؛ لأنه من خلالها يتعلم كيف يتعامل مع الأحداث من حوله، ولقد كان لمولد النبي صلى الله عليه وسلم بعض الإرهاصات التي تدل على قرب مولده عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    أهمية دراسة السيرة النبوية

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً، مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    لعل سائلاً يقول: ما حاجتنا إلى دراسة السيرة؟ لربما يظن ظان أن التوفيق إنما هو مصحوب بمن يدرس مسائل العقيدة أو مسائل الفقه العملي أو مسائل فقه القلوب، أما سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فكثير من الناس يهملها ويضيعها، وهاهنا لا بد أن أقول: بأن دراسة السيرة أهميتها متأكدة، ويدلنا على ذلك ما يلي:

    اعتناء القرآن بذكر حياته عليه الصلاة والسلام

    أولاً: أن القرآن الكريم قد تناول السيرة، فتجد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مبثوثة في القرآن، وتجد أيامه ومغازيه، بل تجد أحداثاً خاصة في حياته المباركة مذكورة في القرآن, فمثلاً سورة الأنفال تتحدث عن غزوة بدر، وهكذا في بضع وخمسين آية من سورة آل عمران، ابتداءً من قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران:121] إلى قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [آل عمران:172-174], تتحدث عن غزوة أحد، وفي سورة الأحزاب تتحدث عن غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق, والآيات التي في سورة المائدة قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51]، تتحدث عن غزوة بني قينقاع، والآيات التي في سورة الأحزاب: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الأحزاب:26-27]، تتحدث عن غزوة بني قريظة, وسورة الحشر قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ [الحشر:2]، تتحدث عن غزوة بني النضير.

    ثم هناك في القرآن آيات تتحدث عن أمور خاصة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم:1]، فهذا حديث عن أمر خاص حدث بين النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه, وفي سورة الأحزاب قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28]، إلى غير ذلك من النصوص.

    وهل يتحدث القرآن عن أمر غير ذي أهمية؟ أو عن أمر من السفاسف والتوافه؟! معاذ الله!

    عناية السلف بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم

    ثانياً: أنك لا تكاد تفتح كتاباً من كتب الحديث سواء في ذلك الصحاح أو السنن أو المسانيد، إلا وتجد أئمة الحديث رحمهم الله قد أفردوا كتباً أو أبواباً للحديث عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمثلاً: الحديث عن نسبه الشريف، والحديث عن معجزاته, والحديث عن خلقته, وعن أخلاقه, والحديث عن مناقب أصحابه, والحديث عن أزواجه.

    ثالثاً: عناية الصحابة بها رضوان الله عليهم، حتى قال بعض أبناء سعد بن أبي وقاص رحمه الله: كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: يا بني! هي شرفكم وشرف آبائكم فلا تضيعوها.

    رابعاً: عناية سلف الأمة بها، فقد دون في السيرة المطهرة من التابعين عروة بن الزبير بن العوام، وأبوه كما لا يخفى هو حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد كبار البدريين، وهو من السابقين الأولين، وهو ابن عمة النبي الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ثم دون بعده الإمام أبو مسلم محمد بن شهاب الزهري إلى أن وصل الأمر إلى الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي، ومن بعده تلميذه الإمام عبد الملك بن هشام المعافري ، ثم من بعده أئمة آخرون، وكتب فيها كذلك من المعاصرين خلق كثير وهؤلاء علماء الإسلام وأئمته في كل زمان ومكان عنوا بالحديث عن السيرة والكتابة فيها واستنباط العبر والدروس منها، لو فتحت كتاب الإمام ابن القيم رحمه الله المعروف بزاد المعاد في هدي خير العباد، تجد أن هذا الإمام المبارك يستنبط من حادثة الإفك بضعاً وأربعين فائدة، وهو حادث واحد في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الطويلة.

    كذلك تجد هذا الإمام نفسه من صلح الحديبية يستنبط من الفوائد ما لا يحصيه إلا الله, كذلك من أحداث غزوة أحد يستنبط أحكاماً, فهؤلاء الأئمة الكبار هل كانوا معنيين بشيء لا أهمية له؟ اللهم لا.

    ولذلك أقول: ليس على وجه الأرض أمة من الأمم عنيت بحياة نبيها مثلما عنيت أمة الإسلام بحياة النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك تجدهم قد تحدثوا عن مولده, وعن نشأته, وعن نسبه, وعن أمهاته, وعن مرضعاته, وعن حواضنه, وعن أعمامه وعماته وأخواله وخالاته.. وتجد كتاب السير تتحدث عن ملابسه، ودوابه وخدمه وجواريه ورقيقه، وسلاحه ونعاله، وسواكه ومطهرته، ودوره وأزواجه وأولاده وأحفاده.. بل عنوا حتى بالحديث عن خضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الشعرات البيض اللائي كن في رأسه وفي لحيته.

    وعنوا بالحديث عن خلقته صلوات الله وسلام عليه، حتى إنك حين تقرأ وصفه تكاد تراه أمامك عليه الصلاة والسلام, وعنوا بالحديث عن أخلاقه الزاكية, فتحدثوا عن حلمه, وعن علمه, وعن صفحه وعن جوده, وعن شجاعته, وعن زهده.. بل عنوا بالحديث عن تواضعه صلوات الله وسلام عليه.

    وعنوا بالحديث كذلك عن أحواله في رضاه وغضبه، وعن أحواله في حربه وسلمه, وعن أحواله مع أزواجه ومع أولاده, ومع أصحابه, ومع أعدائه.. كل تلك الأحوال تجدها مفصلة أتم التفصيل في كتب السير.

    ولذلك نقول: يا طالب العلم! عليك أن تهتم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تعتني بها أتم العناية.

    1.   

    فوائد دراسة السيرة النبوية

    ونعنى بدراسة السيرة لعدة أمور، وهي:

    أولاً: امتثالاً لأمر القرآن، حين قال ربنا الرحمن: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90].

    ومعنى ذلك: أننا مأمورون بدراسة سير الأنبياء جميعاً, ليس سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام وحده، وإنما كل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

    ثانياً: من أجل التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، امتثالاً لقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ [الأحزاب:21 ]، وفي قراءة: (إسوة)، حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

    ثالثاً: ندرس السيرة طلباً للهداية وسعياً لبلوغ الكمال، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( ألا وإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ).

    رابعاً: التماساً لحلول شرعية لمشكلات واقعنا، فليست السيرة حكايات تسرد، وقصصاً تتلى, ثم بعد ذلك هي مجردة عن الواقع الذي نعيشه فليست كذلك, وإنما في كل نازلة، وفي كل حادثة نحاول أن نقارن بينها وبين ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمعنى: أن السيرة مرآة نرى فيها واقعنا، فحين تقرأ الآيات التي نزلت في العهد المكي قال تعالى: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا [المزمل:10]، وقوله تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [الإنسان:24]، تجد بأن هذه الآيات يحتاج إليها بعض الناس الآن ممن يعيشون استضعافاً, وهكذا الآيات الأخرى التي تتحدث عن مجاهدة الكفار والمنافقين والغلظة عليهم يحتاج إليها أناس آخرون.

    وهكذا نستفيد من السيرة النبوية فقه الحرب, وفقه المفاوضات, وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وفقه التعامل مع الأزواج وكيفية حل المشكلات الزوجية.. هذا كله نجده في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحين ندرس السيرة إنما نلتمس حلولاً لمشكلات واقعنا من سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام.

    فلو أردنا أن ندرس الغزوات فقط، فمعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا سبعاً وعشرين غزوة قاتل في تسع منها، وبعضهم يقول: بل قاتل في سبع منها، ولو أننا أردنا أن ندرس المغازي فقط فربما لا تكفي هذه الورقات, وكذلك لو أننا أردنا أن ندرس هدياً خاصاً من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فندرس شخصيته كزوج أو شخصيته كوالد أو شخصيته كحاكم أو شخصيته كإمام، وقل مثل ذلك: في شخصيته كإنسان لما أسعفنا الوقت, ولو أردنا أن ندرس أخلاقه عليه الصلاة والسلام في رحمته, وفي حلمه, وفي تواضعه, وفي زهده, وفي شجاعته, وفي نجدته, ما يستغرقنا الوقت.

    ولذلك نقتصر على جزء من السيرة وهو ما يطلق عليه علماؤنا: بالشمائل المحمدية, ونعني بذلك ما دونه علماؤنا الكبار كالإمام أبي عيسى الترمذي رحمه الله حين أفرد كتاباً سماه: الشمائل المحمدية، والشمائل تعنى بالحديث عن أمور معدودة:

    كالحديث عن إرهاصات مولده عليه الصلاة والسلام, والحديث عن خلقته الزكية عليه الصلاة والسلام, والحديث عن أخلاقه الرفيعة العالية, والحديث عن أسمائه وألقابه, والحديث عن معجزاته -ونعني بذلك المعجزات الحسية- والحديث عن خصائصه عليه الصلاة والسلام - ونعني بذلك الخصائص التشريعية والخصائص الخلقية وما أكرمه الله عز وجل به لذاته في الدار الآخرة - والحديث عن الشفاعة, والحديث عما خصه الله عز وجل به يوم القيامة من كونه أول شافع وأول مشفع، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول من يأخذ بحلقة باب الجنة, فهذه كلها داخلة تحت عنوان الشمائل المحمدية.

    1.   

    الإرهاصات لمولد النبي صلى الله عليه وسلم

    والآن نتحدث عن إرهاصات مولده صلوات ربي و سلامه عليه.

    وقبل أن أشرع في بيانها أقول: بأن هذه الإرهاصات التي سبقت مولده عليه الصلاة والسلام، والتي صحبت مولده عليه الصلاة والسلام, بعضها ثابت بأسانيد صحيحة ومدون في الكتب الموثوقة، وبعضها لا تجده إلا في كتب الموالد، فتقرءون في كتب الموالد أنه عند مولده صلى الله عليه وسلم ارتج إيوان كسرى، وغاضت بحيرة ساوى، وانطفأت نيران المجوس, وهذا من ناحية المعنى صحيح, فمن ناحية المعنى والدلالة صحيح بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مولده إيذاناً بنهاية الظلم، وإطفاء نار المجوسية والشرك. فهي من حيث هذا المعنى صحيحة.

    لكن من ناحية الإسناد فهذه أمور لا تثبت؛ ولذلك لا بد أن أقتصر على المعلومة الصحيحة الثابتة، وأستغني عما سوى ذلك.

    خروج النور من أم النبي صلى الله عليه وسلم حين ولادته

    فمن علامات نبوته صلى الله عليه وسلم ما أخرجه الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه عن أمه أنها حضرت آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم فلما ضربها المخاض قالت: فجعلت أنظر إلى النجوم تدلى حتى أقول: لتقعن علي, فلما ولدت خرج منها نور أضاء له البيت والدار.

    وهذا الحديث شاهده الحديث الصحيح: عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني لعبد الله وخاتم النبيين، وإن آدم لمجندل في طينته وسأخبركم عن ذلك، أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نوراً أضاءت له قصور الشام ), وهذا الحديث أخرجه أحمد وصححه ابن حبان و الحاكم.

    ويشهد له أيضاً حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( يا رسول الله! حدثني عن نفسك, قال: أنا دعوة أبي إبراهيم: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة:129]، وبشرى أخي عيسى: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]، ورأت أمي حين حملت بي كأن نوراً خرج منها أضاءت له قصور الشام ).

    وسبب التنصيص على بلاد الشام هو لأن أرض الشام هي أرض النبوات, والله عز وجل في القرآن سماها الأرض المباركة كما قال تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:71]، وقال سبحانه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1], فأرض الشام فيها الخليل إبراهيم, وفيها أنبياء بني إسرائيل, وكان فيها المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليهم جميعهم صلوات الله وسلامه.

    فهذا النور تضيء له قصور الشام دلالة على أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو وارث النبيين وهو خاتم المرسلين، وأن الناس لا يحتاجون بعده إلى نبي، وأن بعثته جاءت مكملة للرسالات من قبله صلوات الله وسلامه عليه، فرسالته قد ختم الله بها الرسالات، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:105-107].

    قصة أصحاب الفيل

    ومن إرهاصات مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان من قصة أصحاب الفيل، فقد أجمع أهل السير على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ولد يوم الإثنين، وأجمعوا على أنه ولد في عام الفيل, أي: بعد قصة الفيل بشهور, وقد يطرح بعض الناس سؤالاً، يقول: ما الحكمة في أن الله عز وجل قد خذل أبرهة وجنده واستجاب دعوة عبد المطلب حين أخذ بحلقة باب الكعبة وقال:

    اللهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبداً محالك

    وإن تركتهم وما أرادوا فأمر ما بدالك..

    إلى آخر ما قال.

    وعبد المطلب عابد وثن و أبرهة ومن معه كانوا نصارى أهل كتاب، فكيف ينتصر عباد الوثن على أهل الكتاب؟ نقول: في هذا وجهان:

    الوجه الأول: أن أبرهة ومن معه كانوا ظالمين والله عز وجل لا ينصر ظالماً، بل يستجيب دعوة المظلوم ولو كان كافراً, و عبد المطلب ومن معه كانوا مظلومين.

    الوجه الثاني: أن الانتقام من أبرهة ، ذلك الانتقام الإلهي حين قال ربنا جل جلاله: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ [الفيل:3], أبابيل جمع إبلة: أي مجاميع، مجموعة مجموعة, قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما رئي بمكة قبلها ولا بعدها طيوراً مثلها, مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في فمه وحجران في رجليه, كان الحجر يسقط على الواحد من جند أبرهة فيخرق رأسه فيحرق جوفه حتى يخرج من دبره فيخلص إلى الفيل تحته.

    وهي بتعبير اليوم: أسلحة دمار شامل! يقول ابن عباس: الحجر الواحد فوق العدسة، ودون الحمصة، يعني: يصف حجمه بأنه أكبر من هذه العدسة التي تؤكل، ودون الحمصة، أي: أصغر من حبة الكبكبة، وينزل على رأس الواحد فيخرق رأسه, ويخرق جوفه, ويخرج من دبره, ويخلص إلى الفيل تحته فيقتله.

    أما أبرهة الذي كان قائداً لذلك الجيش فالله عز وجل ما أراد قتله هكذا، وإنما أراد أن يجعله عبرة للآخرين, فبدأ يتزايل لحمه وتتساقط أنامله ثم أعضاؤه، ولم يبلغ بلاد اليمن حتى كان كالطائر, هذا إرهاص بمولد محمد صلى الله عليه وسلم.

    قول هرقل حينما نظر إلى النجوم: إني أرى ملك الختان قد ظهر

    ومن الإرهاصات: ما ثبت في الصحيح من قول هرقل ملك الروم, أنه أصبح يوماً خبيث النفس, فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناقور : وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استخبره هرقل ، قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر.

    رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وأسئلة هرقل لأبي سفيان

    و هرقل أرسل إليه نبينا صلى الله عليه وسلم كتاباً مع دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه، و دحية بن خليفة الكلبي كان صبوح الوجه، جميل الهيئة، كان رجلاً مباركاً. النبي عليه الصلاة والسلام في فترة صلح الحديبية، الفترة التي مادد فيها قريشاً على أن تضع الحرب أوزارها، وكان من مقتضى صلح الحديبية أن تضع الحرب أوزارها عشر سنين، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يكاتب الملوك، فلم يدع جباراً ولا طاغوتاً ولا ملكاً إلا كتب إليه يدعوه إلى الإسلام، فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل عظيم الروم، و عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس حاكم مصر والاسكندرية، وبعث ابن الحضرمي إلى النجاشي ملك الحبشة، وهو غير النجاشي ، فـأصحمة رحمه الله وأكرمه.

    فكتب إلى هؤلاء يدعوهم إلى الإسلام، وكان كتابه إلى هرقل :

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد:

    فأسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين؛ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64], فهذا الكتاب بعث به إلى هرقل ومثله إلى كسرى وكسرى كان أحمق بصق على الكتاب ومزقه فمزق الله ملكه, ولكن هرقل كان رجلاً عاقلاً, فكان رجل دولة, سياسياً لا يعجل, فقال: انظروا هل هاهنا أحد من العرب, فأرسل زبانيته فجاءوا بـأبي سفيان بن حرب في جماعة من التجار، وكان أبو سفيان إذ ذاك ألد أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال لترجمانه: قل له: إني سائلك عن هذا الذي يزعم أنه نبي ولا تكذب، فإن كذبتني أخبرني من معك بأنك كاذب، وكان الكذب عند العرب عيباً، رغم كونهم كفاراً, يقول أبو سفيان - ويحكي هذا الكلام بعدما أسلم - : ولم يمنعني من الكذب يوم ذاك إلا خشية أن يعهد القوم علي كذبة, لأن التجار الذين كانوا معه سيرجعون إلى مكة ويقولون: قد كذب أبو سفيان ؛ ولذلك ما استطاع أن يكذب, فـهرقل وجه إليه عشرة أسئلة محددة:

    (فقال له: هذا الرجل أهو ذو نسب فيكم؟ قال: نعم. فقال: هل كان في آبائه من ملك؟ قال: لا. فقال: هل قال هذا القول أحد قبله؟ قال: لا. قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول مقالته تلك؟ قال: لا. قال: هل يغدر؟ قال: لا, ثم قال: غير أننا في مدة بيننا وبينه ما ندري ما أحدث فيها! قال أبو سفيان : ولم يمكني أن أدخل كلمة إلا في هذا الموضع), وكأنه يقول: لنا زمن ما تعاملنا معه فيمكن يكون قد بدأ يغدر, فهذه خمسة أسئلة، أهو ذو نسب فيكم؟ قال: نعم, ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم من أوسط القوم نسباً, هل كان في آبائه من ملك؟ قال: لا, هل قال هذا القول أحد قبله؟ هل ادعى النبوة واحد من قومه؟ قال: لا, هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول مقالته تلك؟ قال: لا, هل يغدر؟ قال: لا.

    (ثم سأله هرقل قال له: هل يدخل في دينه أشراف القوم أم ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. ثم قال: هل يزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون. قال: هل يرتد عن دينه أحد سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: هل حاربتموه؟ قال: نعم. قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال, يدال علينا وندال عليه. قال: بم يأمركم؟ قال: يقول لنا اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.

    وبعد هذه الأسئلة وهذه الأجوبة قال هرقل لـأبي سفيان : هو رسول الله حقاً، ولئن طالت به حياة ليملكن ما تحت قدمي هاتين، وبدأ يعلل النتيجة التي وصل إليها قال له سألتك, أهو ذو نسب؟ قلت: نعم, وكذلك الأنبياء, لا يبعث الله نبياً إلا وهو من علية القوم، لئلا يطعن فيه طاعن, لئلا يقول قائل: بأن هذا ابن فلان، أو هذا من بني فلان.. فيبعثه من نسب لا يطعن فيه, وكل الأنبياء كذلك، وسألتك: هل كان في آبائه من ملك؟ قلت: لا, فلعله لو كان في آبائه ملك لقلنا قام يطلب ملك أبيه, وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول مقالته تلك؟ فقلت: لا, فمن كان يدع الكذب على الناس فلا يكذب على الله، وسألتك: هل يغدر؟ فقلت: لا, وكذلك الأنبياء لا يغدرون, وسألتك: هل يدخل في دينه أشراف القوم أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وكذلك أتباع الأنبياء, وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلت: بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم).

    فالشاهد من هذا الكلام أن هذه بعض الإرهاصات التي كانت دالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وفي قول: هرقل حين سأل أبا سفيان : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول مقالته؟ فقال أبو سفيان : لا. وهناك شاهد من السيرة على أن كفار قريش كانوا يعتقدون أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق لا يكذب وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم, أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذباً قط. قال: فإني رسول الله إليكم جميعاً. قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا لكن أبا لهب نقض العهد, فقال له: تباً لك ألهذا جمعتنا )، فهذا دليل على أنهم كانوا يقرون للنبي صلى الله عليه وسلم بالصدق.

    سأل هرقل أبا سفيان قال له: هل يغدر؟ قال: لا. وهناك شاهدٌ من السيرة على هذا المعنى, فالنبي صلى الله عليه وسلم أبعد الناس عن الغدر, ولما عاقد سهيل بن عمرو على أن من جاء مسلماً رده رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبو بصير ، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبله، بل أبلغ من ذلك أنه جاء ابن سهيل بن عمرو ، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: هذا أول من أقاضيك عليه، بعد ما ضرب سهيل ابنه بكلتا يديه على وجهه، وسيدنا عمر ذهب إلى ولد سهيل ومعه السيف فقال له: إنما هذا مشرك ودم أحدهم دم كلب، يعني كأنه يقول له: يا أخي خذ السيف واضربه ضربة وأرحنا منه! يقول عمر : لكن الرجل ضن بأبيه، فما أراد أن يقتل أباه.

    ومن الشواهد القوية على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أبعد الناس عن الغدر: أن عثمان بن عفان في يوم الفتح لما أهدر الرسول صلى الله عليه وسلم دماء بضعة عشر شخصاً، وكان من بينهم عبد الله بن سعد بن أبي السرح , وهو أخو عثمان من الرضاعة, فـعثمان جاء بـعبد الله بن سعد وطلب له الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ( يا رسول الله أمنه, فالنبي صلى الله عليه وسلم سكت, قال: يا رسول الله! أمنه فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلما قالها الثالثة.. )، و عثمان ذو مكانة عند النبي عليه الصلاة والسلام, ( فالنبي صلى الله عليه وسلم أمنه )، ولما خرج عثمان بالرجل قال الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة: ( أما كان منكم رجل رشيد حين رآني سكت أن يقوم فيضرب عنقه, فقالوا: يا رسول الله! هلا أومأت ) - يعني: لو عملت لنا حركة كذا! حتى نفهم- فقال عليه الصلاة والسلام: ( ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين )، فهذه شواهد من سيرته عليه الصلاة والسلام، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.