إسلام ويب

ديوان الإفتاء [305]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوضوء شرط من شروط الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به، وللوضوء فرائض، منها: النية ومحلها القلب، ولا يسن التلفظ بها، وغسل الوجه من منبت الشعر عادة إلى أسفل الذقن، ومن وتد الأذن إلى وتد الأذن، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس.

    1.   

    فرائض الوضوء

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد، ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى المهاجرين والأنصار.

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ومع حلقة جديدة من ديوان الإفتاء، أسأل الله أن يجعلها نافعة مفيدة.

    وقد تقدم معنا الكلام في تعريف الوضوء وبيان حده، وتقدم معنا الكلام في أن الوضوء للصلاة مفروض بالكتاب والسنة والإجماع، وأنه ليس من خصوصيات هذه الأمة، بل كان مشروعاً للأمم قبلها، مثل ما شرعت الصلاة والصيام، وتقدم معنا الكلام في فضائل الوضوء، وأنه من خير الأعمال التي يتقرب بها المؤمن إلى ربه، وأنه لا يشترط وضوءاً مخصوصاً لكل صلاة؛ لما ثبت في الصحيح: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله! رأيتك قد صنعت شيئاً ما كنت تصنعه؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: عمداً صنعته ) ، وبقي معنا الكلام إخوتي وأخواتي في هذه الحلقة -إن شاء الله- عن فرائض الوضوء.

    قال أهل العلم: فرائض الوضوء سبعة، مذكورة في قول ربنا جل جلاله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6].

    النية

    وأول هذه الفرائض: النية، ومعناها: العزم بالقلب على فعل الشيء دون تردد، والنية مأخوذة من قول ربنا جل جلاله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:6] أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، والإرادة من أفعال القلوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات ) ، والنية تميز العبادة عن العادة، فرب إنسان يغسل أعضاءه تبرداً وتنظفاً، ورب إنسان يغسلها تعبداً وتطهراً، والذي يميز بينهما هي النية، كذلك بالنسبة للغسل أول فرائضه النية، فالإنسان يعمم جسده بالماء على نية رفع الحدث، واستباحة ما كان ممنوعاً منه، وإنسان آخر يعمم جسده بالماء تبرداً لأن الجو حار، أو تنظفاً لأنه يشعر بشيء من التفث، فالذي يميز العادة عن العبادة: هي النية، التي محلها القلب، والنية لا يشترط التلفظ بها، بل لا يسن التلفظ بها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يقول إذا توضأ: نويت أن أتوضأ، وإنما كانت نيته في قلبه؛ فإن الإنسان إذا قام إلى الوضوء، فإنه ينوي بقلبه رفع الحدث، أو ينوي بقلبه استباحة ما كان ممنوعاً منه، وقد تقدم معنا الكلام أن المحدث يمنع من ثلاثة أشياء: يمنع من الصلاة، ويمنع من الطواف بالبيت العتيق، ويمنع من مس المصحف، فالإنسان إذا توضأ فإنه ينوي استباحة هذا الممنوع، أو ينوي رفع الحدث.

    وهاهنا مسألة: لو أن إنساناً توضأ لشيء لا يشترط الوضوء له، كما لو أنه توضأ للنوم، فإن بعض أهل العلم يقولون بأن هذا الوضوء لا يجزئ للصلاة، مثلاً: لو أنني أردت أن أنام، فتوضأت من أجل أن أبيت على طهارة، ثم بعد ذلك ما جاء النوم، وكان هناك شيء من الأرق، فأردت الصلاة فهل يجزئ أن أصلي بذلك الوضوء؟ بعض العلماء يقولون: لا؛ لأنه لما توضأ توضأ بنية أن ينام، لا بنية أن يصلي، ولا بنية أن يستبيح ما كان ممنوعاً منه، لكن الإمام أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله تعالى يقول: بأن هذا الإنسان توضأ تعبداً، على نية أن ينام على طهارة، كأنه يقول: يا رب! إن لقيتك لقيتك على طهارة، فإما أن نقول: بأن هذا الوضوء يرفع الحدث، وإذا كان يرفع الحدث فإنه يبيح الصلاة، وإما أن نقول: بأن وضوءه لا يرفع الحدث، إذاً صار وضوءه لهواً لا قيمة له، ولا ثواب فيه أصلاً، فلذلك نقول: لا حرج على الإنسان طالما أنه توضأ، حتى لو كان قد توضأ للنوم مثلاً، أو لحمل كتب العلم مما لا يشترط له الوضوء فإنه يجوز له أن يصلي بذلك الوضوء ولا حرج عليه في ذلك. هذه هي الفريضة الأولى من فرائض الوضوء.

    غسل الوجه

    الفريضة الثانية: غسل الوجه قال الله عز وجل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6] ، وكلمة الوجه مشتقة من المواجهة؛ لأن الإنسان يواجه به الناس، وهذا الوجه الذي يجب غسله، حده طولاً من منبت الشعر عادة إلى أسفل الذقن، وحده عرضاً من وتد الأذن إلى وتد الأذن، والوتد هو الجزء الناتئ عند طرف الأذن مما يلي الوجه، ولا يجب غسل الوتد، بل يجب غسل ما يليه من الوجه، وكذلك لا يجب غسل الشعر المنسدل على الوتد، وإنما - كما ذكرت - طولاً يغسل الوجه من منبت الشعر عادة، وحين نقول: عادة، أي أنه لا اعتبار بالأصلع، فلو أن إنساناً أصلع نبت شعره من وسط رأسه، أو لو أن إنساناً أغم، شعره منسدل على جبهته إلى أن يقارب حاجبيه مثلاً، نقول: لا عبرة بهذا ولا بذاك، وإنما يغسل الوجه من منبت الشعر عادة، فلو أن إنساناً أصلع فإنه لا يبدأ من نصف الرأس، وإنما يبدأ من منبت الشعر عادة، ولو أن إنساناً أغم أيضاً فإنه لا يبدأ من بداية الشعر، وإنما يبدأ من منحدر الجبهة، هذا من ناحية الطول، ومن ناحية العرض أيضاً يعمم وجهه، وصفة ذلك أن يأخذ الماء بكلتا يديه، فيصبه على أعلى جبهته ماسحاً بيديه، وإذا كانت له لحية فإنه يغسل أو يمسح على ما انسدل منها.

    وهاهنا أمور ينبغي العناية بها عند غسل الوجه: أولاً يجب العناية بالتكاميش، فلرب إنسان صار في جبهته تكاميش، وفي وجهه تجاعيد، ولرب إنسان في وجهه جرح غائر قد برئ، فينبغي له أن يعتني بهذا كله، وأن يمر يده عليه، وكذلك يمر يديه على جفنيه، وعلى موق عينيه، وكذلك على ظاهر شفتيه، ويجب عليه كذلك أن يعتني بوتر الأنف، وهو ما بين المنخرين، وبمارنه وهو أعلى الأنف، ويجب عليه كذلك أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة، وأن يعتني بشاربه، ويعتني بالعنفقة، وهو الشعر النابت في أسفل الشفة السفلى، هذا كله عليه أن يعتني به حال غسله لوجهه.

    وهناك أمور ينبغي اجتنابها عند غسل الوجه.

    من هذه الأمور: ينبغي للإنسان أن يجتنب لطم وجهه حال غسله، فإن بعض الناس ممن غلب عليه الجهل أو الغلو لربما يأخذ الماء ثم يعمد إلى لطم وجهه بذلك الماء، ظناً منه أن في ذلك إحساناً للوضوء، وهذا من الاعتداء، والاعتداء في الطهارة مذموم، فقد ثبت في سنن أبي داود من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: ( أنه لما سمع ولده يقول في دعائه: اللهم إني أسألك القصر الأبيض على يمين الجنة إذا دخلتها. قال له: يا بني! سل الله الجنة، واستعذ به من النار، فإنك إن دخلت الجنة رزقتها بما فيها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون في أمتي قوم يعتدون في الطهور وفي الدعاء )، أي: سيكون ناس إذا تطهروا اعتدوا، وإذا دعوا اعتدوا، والله عز وجل يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55] يعني: ليس هناك داع أن يقول الإنسان: اللهم إني أسألك القصر الأبيض على يمين الجنة -يحدد الموقع- إذا دخلتها، فالإنسان إذا رُزق الجنة - جعلنا الله من أهلها - فإنه يرزق الجنة بحورها، وقصورها، وحريرها، وطعامها، وشرابها، وأنسها، وبهجتها، وخضرتها، وفاكهتها، وأنهارها، وعسلها، إلى آخر ما فيها، فكذلك من الاعتداء في الطهور: مسألة لطم الوجه باليدين.

    وكذلك مما يجتنب: أن يصب الإنسان وجهه بين كفيه، يعني: بعض الناس قد يأخذ الماء، ثم يعمد فيجعل وجهه بين كفيه، نقول: لا، أنت مأمور بأن تنقل الماء إلى وجهك، لا أن تنقل وجهك إلى الماء.

    وكذلك من الاعتداء في غسل الوجه: أن يعمد الإنسان إلى أن يدخل الماء في عينيه؛ لأن هذا من التشديد الذي لا ينبغي قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فالله عز وجل ما أمرنا بأن نغسل باطن أعيننا، وإنما أمرنا بأن نغسل ظاهرها كل هذا من الذي ينبغي أن يجتنب في غسل الوجه.

    غسل اليدين

    الفرض الثالث: غسل اليدين، قال الله عز وجل: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6] واليد تطلق على العضو من أطراف الأصابع إلى نهاية العضد، إلى أول الكتف، هذه كلها يد، فالكف من اليد، والذراع من اليد، والعضد من اليد، لكن الله عز وجل قال: إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6] ، والمرفق هو العظم الذي يفصل بين الذراع والعضد، وسمي مرفقاً لأنه يرتفق به، يعني: الإنسان إذا جلس، أو إذا أراد أن يستريح، أو إذا أراد أن ينهض فإنه يستعين بهذا الجزء، قال الله عز وجل: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6] والعلماء قالوا: إلى هنا بمعنى مع، أي: وأيديكم مع المرافق؛ ولذلك ينبغي أن يدير الماء أو الغسل على مرفقه، وكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا غسل يديه جاوز المرفق حتى يشرع في العضد، وهذا من باب الاحتياط، من أجل أن يتأكد أن المرفق قد دخل في الغسل، وينبغي للإنسان إذا غسل يديه أن يعتني بالبراجم، والبراجم هي المفاصل التي عد رسول الله صلى الله عليه وسلم غسلها من خصال الفطرة، ويعتني كذلك بأن يجمع رءوس الأصابع فيدلكها على كفه، اليمنى على اليسرى، واليسرى على اليمنى، من أجل أن يتأكد أن الماء قد لابسها وخالطها، وكذلك يعتني بتخليل الأصابع من ظاهر الكف؛ لما ثبت من حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: ( إذا توضأت فخلل الأصابع ) ويكون التخليل من الظاهر لا من الباطن، فإن فعل من الباطن أجزأ إن شاء الله.

    وفي فرض اليدين هاهنا مسائل أذكرها:

    أولاً: ماذا يفعل الأقطع، يعني ربما يبتلى بعض الناس -عافانا الله جميعاً والمسلمين- بأن تقطع يديه؟

    نقول: إذا قطعت يده إلى محل الفرض، يعني: إذا قطعت يده مثلاً إلى المرفق، أو من باب أولى إلى الكتف، فقد سقط الغسل؛ لأن الله عز وجل فرض عليه أن يغسل اليد، واليد قد ذهب محلها، فسقط ما أوجبه الله عز وجل، وليس مأموراً بأن يغسل العضد، وإذا قطع العضد فليس مأموراً بأن يغسل الكتف؛ لأن الله عز وجل إنما فرض غسل اليد إلى المرفق، طيب: لو بقي من اليد شيء فإنه يغسل هذا الباقي، يعني: لو فرض أن إنساناً قطعت يده من مفصل كفه، بمعنى قطعت الكف وبقي الذراع، فإنه يغسل الباقي؛ لأن هذا هو المستطاع، والله عز وجل قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] ، وكما قال علماؤنا: المقدور عليه لا يسقط بالمعجوز عنه. فهذه الكف التي قطعت هو عاجز عن غسلها؛ لأنها ذهبت فبقي الذراع مقدوراً عليه، فيغسله.

    المسألة الثانية: ماذا يصنع الإنسان بالخاتم؟

    نقول: الخاتم لا يخلو من حالين: إما أن يكون مأذوناً فيه، أو ممنوعاً منه، فالخاتم المأذون فيه هو خاتم الفضة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اتخذ خاتماً من فضة، نقشه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم )، فلو أن الإنسان اتخذ خاتماً من فضة فإنه لا يلزمه تحريكه، وإنما إذا كان واسعاً فإن الماء يتخلله، وإذا لم يكن واسعاً، وإنما هو قد أطبق على الأصبع ونبت عليه اللحم، فإنه كذلك لا يجب نزعه، وإنما يقوم مقام الجبيرة التي أذن الشرع في المسح عليها؛ لأن الشرع قد أذن لنا في اتخاذ خاتم الفضة، وأما إذا لم يكن الخاتم مأذوناً فيه، كخاتم الذهب بالنسبة للرجل، أو ما يسمى الآن بالدبلة؛ لأن بعض الناس الآن إذا خطب، أو إذا عقد اتخذ دبلة من ذهب -وإن كان والحمد لله في هذه البلاد هذا قليل جداً، بل لا يكاد يرى- فنقول: هذا الإنسان لو أراد أن يتوضأ، فإنه يجب عليه أن ينزع ذلك الخاتم، أو أن يحركه من أجل أن يصل الماء، ولولم يفعل ما صح وضوءه؛ لأنه عاص بلبس ذلك الخاتم والتحلي به أصلاً، فهذا فيما يتعلق بالخاتم.

    مسح الرأس

    الفرض الرابع: مسح الرأس كله؛ لأن الله عز وجل قال: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6] ، والباء للإلصاق، ودلت على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد ثبت من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما توضأ أخذ ماءً جديداً فمسح به رأسه )، يعني: ليس الماء الذي بقي من غسل اليدين، وإنما أخذ ماءً غير ما فضل من غسل يديه، ( فأقبل بيديه وأدبر )، قالوا: المعنى: أدبر بيديه وأقبل، وصفة ذلك كما قال علماؤنا رحمهم الله: أن يأخذ الماء فينفضه من يديه، ثم بعد ذلك يجعل إبهاميه على صدغيه، والصدغان هما: ما بين العين والأذن، فيضع إبهاميه على صدغيه، ويقرن بين الوسطيين، ثم يدبر بيديه حتى يبلغ قفاه ثم يقبل، ولا تشرع في مسح الرقبة، فإن هذا من الغلو المذموم، وكذلك إذا غسلت وجهك لا تغسل صدغيك؛ لأن الصدغين ليسا من الوجه، وقد تقدم معنا الكلام في أن الوجه عرضاً من وتد الأذن إلى وتد الأذن، والصدغان ليسا داخلين في مسمى الوجه، فيقبل بيديه ويدبر، وهذا الإدبار هو الفرض، وأما الإقبال: أي الثانية فهي سنة من سنن الوضوء.

    وحكمة الله عز وجل أنه جعل فرض الرأس المسح، وفرض الرجلين الغسل؛ لأن الرأس لا يلامس من الأذى إلا يسيراً، ولربما أصاب الشعر غبار ونحو ذلك، أما الرجلان مثلاً لما كانتا ملامستين للأذى، معرضتين للقذر، فإن ( النبي صلى الله عليه وسلم غسل رجليه حتى أنقاهما ) .

    وبقي معنا الكلام عن غسل الرجلين، وتأويل قراءة حمزة بن حبيب الزيات و أبي عمرو بن العلاء و الكسائي : (وأرجلِكم إلى الكعبين) بالجر، وبيان وجه هذه القراءة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وبقي الكلام عن الدلك والموالاة، لكن إن شاء الله نرجئ الكلام عنها إلى حلقة أخرى من أجل أن يتسنى الإجابة على أسئلتكم.

    1.   

    الأسئلة

    أسماء أخرى للمدينة النبوية

    السؤال: ما هو الاسم الثاني للمدينة المنورة؟

    الجواب: المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، لها أسماء كثيرة، ومن ذلك أنها: طيبة، وطابة، والميمونة، والمدينة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تسميتها يثرب -وكانت في الجاهلية تسمى يثرب-؛ لأنها من التثريب بمعنى اللوم، لكن نسميها المدينة، أو نسميها طيبة، أو نسميها طابة، أو الميمونة كما سماها نبينا عليه الصلاة والسلام.

    ثبوت الكرامات ودلالته على الولاية

    السؤال: ما رأي الدين في الكرامات؟

    الجواب: الكرامات ثابتة لأولياء الله، وهم المؤمنون المتقون، كما قال ربنا: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، والقرآن الكريم حكى لنا بعض الكرامات عن بعض أوليائه الصالحين، كما في شأن مريم التي كانت ترزق بالفاكهة في غير أوانها، قال سبحانه: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:37] ، ومثلما كان مع أصحاب الكهف رضوان الله عليهم، الذين ضرب الله على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ثم بعثهم، بعد أن هلك الملك الكافر الظالم؛ لأنهم كانوا على التوحيد ثابتين، ومثلما حكى الله عز وجل عن غيرهم، وأيضاً في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير من تلك الكرامات.

    لكن كما قال علماؤنا: ليست الكرامة شرطاً في الولاية، فقد يكون الإنسان ولياً، ولكن لا يظهر عليه شيء من خوارق العادات، والمطلوب من الإنسان أن يكون حريصاً على الاستقامة، لا حريصاً على الكرامة، فالكرامة قد تأتي وقد لا تأتي، وخير كرامة القرب من الله عز وجل وتقواه، كما قال سبحانه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] .

    المتصل: عندي سؤال: أنا أنجبت طفلة في الشهر التاسع، وخرجت ميتة، وأنجبت ولداً في الشهر السابع فعاش ثلاثة أيام ثم مات، وأنجبت ثانياً وأجهضته في شهرين، وسمعت أن هؤلاء لا بد أن يسموا، فما الحكم؟

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: أريد أن أسأل عن قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ [المعارج:40] في المعارج، وقوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن:17] في الرحمن. هل الاثنتان متشابهتان؟

    السؤال الثاني: قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72] ما معناها؟

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: بالنسبة لإطعام طعام الكفارة، هل يجزئ الإطعام إذا كان المسكين صغيراً، أو يشترط أن يكون المسكين كبيراً؟

    السؤال الثاني: إذا كنت أريد أن أصوم كفارة اليمين فهل الأيام يشترط فيها أن تكون متتابعة أو يجوز أن تكون متفرقة؟

    المتصل: عندي سؤال: ما رأي الدين في لبس النعال المصنوعة من جلود الأصلة والثعبان والنمر؟

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: هناك نص معناه يقول: ( لو عبادي لا يخطئون سيستبدلون بأناس يخطئون ويستغفرون )، فإذا عمل إنسان بهذا الكلام وقال: أنا أخطئ ومن ثم أتوب، تطبيقاً لهذا الحديث، وشاء الله أنه توفي قبل أن يتوب، فماذا سيكون مصيره؟

    السؤال الثاني: أنا في الصلاة أحياناً كسلاً أو استعجالاً أقوم وأفرش المصلاية -أي: السجادة- بالمقلوب، فهل عملي هذا فيه إثم؟

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: كثير من الناس إذا مرضوا يتهاونون في الصلاة، وبعضهم يقول: إذا شفيت سأقضي هذه الصلاة، وبعضهم يقول: كيف أصلي وأنا لست بطاهر، ولا أستطيع أن أتنظف من النجاسة؟

    السؤال الثاني: ما حكم قول: (صدق الله العظيم) بعد أن تنتهي من قراءة القرآن؟

    السؤال الثالث: ما حكم النائحة؟ وزيارة النساء ميتهن في المقابر يوم السابع، يسمونه: يوم البرود، يذهبن فيه للدعاء له، فما حكم ذلك؟

    تسمية الطفل إذا خرج ميتاً بعد نفخ الروح فيه أو مات بعد الولادة بأيام قليلة

    الشيخ: أختنا أميرة من كسلا نسأل الله أن يجبر كسرها، وأن يعوضها خيراً تقول: بأنها وضعت بنتاً فخرجت ميتة بعد تمام تسعة شهور، ثم حملت بطفل فمات بعد ثلاثة أيام من مولده، وأجهضت أيضاً في شهرين فهؤلاء ثلاثة.

    نقول لها: أولاً: نبشرك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما من امرأة يموت لها ثلاثة من الولد إلا احتظرت بحظار من النار ) يعني: إذا صبرت واحتسبت ورضيت بقضاء الله وقدره فإن شاء الله هؤلاء الأولاد الذين ماتوا ذكوراً كانوا أو إناثاً، فإنهم يكونون لها حجاباً وحظاراً من النار، والتي ماتت أو الذي مات بعد تمام أربعة أشهر في بطن أمه، فإنه يعق عنه ويسمى؛ لأنه نفخت فيه الروح، ثم أخذت، يعني: الطفل الذي خرج ميتاً بعد تمام تسعة أشهر، ومن باب أولى من خرج من بطن أمه بعد الشهر السابع، ثم مات بعد ثلاثة أيام هذان يسميان ويعق عنهما، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة واحدة، أما الذي أجهض في شهرين فلا يسمى ولا يعق عنه؛ لأنه لم تنفخ فيه الروح بعد، وقد ثبت من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه، فيكون نطفة أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ) .

    الجمع بين قسم الله الجمع بين قوله تعالى: (رب المشرق والمغرب...) وقوله: (رب المشرقين...)قسم الله عز وجل بالمشرق والمغرب بالإفراد والتثنية والجمع

    الشيخ: وأما بثينة من العيلفون فقد سألت عن قول ربنا جل جلاله: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ [المعارج:40] في المعارج، وعن قوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:17-18] في الرحمن، ولو أضافت: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:9] في المزمل لاكتمل السؤال. والجواب كما قال أهل التفسير: بأن الله عز وجل جعل ربوبيته شاملة للمشرق والمغرب، بمعنى: مشرق الشمس ومغربها، وأما قوله: المشرقين والمغربين، أي: مشرقي الشمس والقمر، ومغربي الشمس والقمر، يعني التثنية باعتبار الشمس والقمر، والإفراد باعتبار الشمس وحدها، وأما الجمع المشارق والمغارب فباعتبار اختلاف المنازل، فللشمس مشارق بعدد أيام العام، ومغارب بعدد أيام العام.

    وكما قال ربنا جل جلاله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ [يونس:5].

    تفسير قوله تعالى: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون)

    الشيخ: وأما قول ربنا جل جلاله: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72]، فهذا حكاية عما كان من قوم لوط -قبحهم الله- حين جاء أولئك الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه، وبدأ لوط عليه السلام يعظهم: قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ [الحجر:68-69] ، فبدءوا يقولون له: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [الحجر:70-71] ، قال الله عز وجل: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72] ، أي في غيبة عقولهم، واستيلاء الشهوة المحرمة عليهم، هم ضالون تائهون لا يفكرون ولا ينتبهون.

    اشتراط الكبر فيمن تدفع له الكفارة

    الشيخ: وأما الأخت التي اتصلت من القضارف تسأل عن طعام الكفارة هل يشترط أن يكون للكبير؟

    فنقول: ليس شرطاً، وإنما يجزئ الكبير والصغير، فكما أن الكبير يجوع ويحتاج إلى الطعام فكذلك الصغير، فليس هناك اعتبار لوصف الكبر والصغر، وإنما الاعتبار لوصف المسكنة، قال الله عز وجل: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89] في كفارة اليمين، وهناك في كفارة الظهار قال: سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة:4] ، وهناك في فدية الصيام صيام رمضان قال: فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184] ، فالاعتبار لوصف المسكنة لا للكبر ولا للصغر.

    اشتراط التتابع لصيام كفارة اليمين

    الشيخ: وأما كفارة اليمين إذا كانت صياماً، فلا يشترط فيها التتابع بل يستحب، يعني: لو أن إنساناً حلف يميناً ثم حنث، وجبت عليه الكفارة، وهي: كما قال تعالى: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89] يعني: ما استطاع لا إطعاماً ولا كسوة ولم يجد رقبة، فإنه يكفر بصيام ثلاثة أيام، يستحب فيهن التتابع ولا يشترط.

    لبس النعال المصنوعة من جلود النمور والثعابين والحيات

    الشيخ: أما محمد من عطبرة فقد سأل عن استعمال النعال التي من جلود الأصلة والثعبان والنمر، فنقول: إن شاء الله لا حرج في لبسها؛ لأنها ممتهنة، ووصف الكبر منتف -إن شاء الله- عمن استعملها أو لبسها.

    معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ...)

    الشيخ: وأما أنت يا أبا محمد -بارك الله فيك- من بحري فأنت تسأل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون، فيغفر الله لهم )، وهذا النص يا أبا محمد ليس حضاً من النبي صلى الله عليه وسلم وحثاً على اقتراف الذنوب، واحتقاب الأوزار، بدعوى أن الله يغفر، أبداً ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قط، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام أن ينفي عنا القنوط واليأس، بمعنى: أنه يعلم أننا معشر بني آدم مجبولون على الخطأ والنسيان، كما قال: ( كل بني آدم خطاء ) ومجبولون على المعاصي، فما من إنسان منا يسلم من معصية، فالشيطان يوسوس، يقول لك: أنت فعلت كذا وكذا وكذا وكذا، فلا أمل لك في مغفرة ولا في توبة، بينما الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: أنتم يا معشر بني آدم! خطاءون ( ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون، فيغفر الله لهم )؛ من أجل أن تتحقق صفاته جل جلاله، وأنه عفو، وأنه غفور، وأنه تواب، وأنه رحيم، أنه جل جلاله غافر الذنب، وقابل التوب، وغير ذلك من صفاته الكريمة الحسنى جل جلاله.

    لكن ليس معنى ذلك يا أيها الناس! أن الواحد منا يقول: أنا أذنب ثم أستغفر، ما أدراك؟ ربما لا تعان على التوبة، وقد رأينا ورأى غيرنا ناساً قد انبعثوا في الذنوب والمعاصي وأدمنوا على المحرمات حتى ختم لهم بالسوء والعياذ بالله، فربما مات أحدهم وهو سكران، وربما مات على فاحشة، وربما مات على استهزاء بآيات الله عز وجل، وغير ذلك من المصائب العظام التي لا يتمنى مسلم أن يلقى الله عز وجل بها؛ ولذلك نقول: ينبغي للإنسان أن يحذر من الران، قال تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14] ، ويحذر كذلك من القسوة والغفلة والطبع والغشاوة، هذه الصفات التي وصف الله بها قلوب الكفار والمنافقين، قال تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:155]. وقال: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ [البقرة:7]، وقال: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22]، وقال: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74]؛ فلذلك نقول: على الإنسان إذا أذنب أن يجتهد في أن يتوب، أسأل الله أن يتوب علينا أجمعين.

    الصلاة على السجادة المفروشة بالمقلوب

    الشيخ: أما كونك تفرش المصلاية بالمقلوب يا أبا محمد! فما من حرج أن تفرشها بالمقلوب، أو -إن شاء الله- تصلي على التراب، أو تصلي على البلاط، أو تصلي على الإسفلت، قال صلى الله عليه وسلم: ( وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ) يعني: في أي مكان تصلي، إلا المواطن التي منع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيها، كقوله: ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام )، وكنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في سبعة مواطن: ( المقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وقارعة الطريق، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله الحرام ).

    تهاون المرضى بالصلاة

    الشيخ: أما سوزان من رفاعة فقد سألت أن كثيراً من المرضى يتهاونون بالصلاة حال مرضهم، فنقول: نعم، وهذه مهمة المشتغلين بالطبابة، الأطباء والممرضون وأمثال هؤلاء: ينبغي أن يذكروا المريض بأن الصلاة لا تسقط عنه ما دام عاقلاً، وما دام واعياً، وأما إذا كان فيه إغماء فـ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، فإن المغمى عليه لا يصلي لا أداء ولا قضاء، لكن بعد ذلك المريض مهما كان مرضه عليه أن يصلي، إذا استطاع أن يتطهر ويصلي قائماً فهذا هو المطلوب، وإذا ما استطاع الطهارة فعليه أن يتيمم، وإذا ما استطاع أن يصلي قائماً يصلي قاعداً، وإذا ما استطاع أن يصلي قاعداً يصلي على جنب، فإن لم يستطع يومئ إيماءً أي برأسه، ولو كان جرحه ينزف فعليه أن يصلي، ولو كان بوله لا يستمسك فعليه أن يصلي، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] ، أما ما يظنه كثير من الناس أن المريض يترك الصلاة فإذا برئ قضى، فهذه معصية، وما أباح الله لأحد أن يؤخر الصلاة عامداً، ولا أن يتركها واعياً، وإنما القلم مرفوع عن النائم، وكذلك عن الناسي، قال صلى الله عليه وسلم: ( من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك )، أما المريض فإنه يصلي على الحالة التي يستطيعها و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    حكم قول القارئ: (صدق الله العظيم) بعد الانتهاء من القراءة

    الشيخ: سألت أختنا سوزان عن قول المقرئ أو القارئ: صدق الله العظيم؟

    نقول: هذه ليست سنة، ولا بدعة، يعني: لا حرج لو أن الإنسان قالها، ولا حرج لو أنه تركها، وما عندنا شك معشر المسلمين في أنه لا أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، ولا أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87].

    حكم النائحة

    الشيخ: وأما حكم النائحة، فأقول: النائحة مرتكبة لكبيرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت ) ، وأخبر صلى الله عليه وسلم: ( أن النائحة ما لم تتب قبل موتها، فإنها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب )، ( والنبي عليه الصلاة والسلام برئ من الصالقة والحالقة والشاقة )، الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها، والشاقة: التي تشق ثيابها، والحمد لله هذا الأمر في اضمحلال وإلى زوال إن شاء الله، لكن يلزم توعية النساء خاصة أنه عند نزول المصيبة لا بد من الصبر والاسترجاع، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ( ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول: ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي، واخلف لي خير منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها ).

    زيارة النساء للمقابر في اليوم السابع من موت الميت

    الشيخ: وأما زيارة المقابر يا أمة الله! فلا تشرع في اليوم السابع، وليس من السنة زيارة الميت في اليوم السابع من موته، بل يمكن للمرأة أن تزوره في أي وقت كان، وما ينبغي تقييده بذلك الوقت، فراراً من أن نضع ميقاتاً لعبادة لم يضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    طلب الطلاق من الشيعي

    السؤال: تزوجت أختي من رجل طيب ومحترم، وأنجبت منه ولداً، ثم اكتشفت أنه شيعي المذهب، فطلبت الطلاق منه، ما رأي الدين في ذلك؟

    الجواب: لو كان هذا الرجل يعتقد ما يعتقده بعض أولئك الذين تسموا بالشيعة، من التعبد لله عز وجل بسب الصحابة رضي الله عنهم، ولعنهم، والبراءة منهم، واعتقاد ردتهم، وعلى رأسهم الشيخان أبو بكر و عمر ، فما ينبغي لها البقاء مع هذا الصنف؛ لأنه على خطر عظيم، لا بد أن تقام عليه الحجة، فإن أصر على ذلك فإنه يخرج من الإسلام والعياذ بالله؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم قد أثنى القرآن عليهم، وأثبت فضلهم في آيات كثيرة، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصانا بهم خيراً، ومن علامة توفيق الله للعبد أن يكون محباً للصحابة، مترضياً عنهم، يشعر بالمنة نحوهم، وبأنهم ذوو فضل وسابقة وجهاد، وأن الله حفظ بهم هذا الدين بعد وفاة النبي الأمين عليه الصلاة والسلام، نحبهم جميعاً، ولا نفرق بينهم، وإن كنا نعتقد أن بعضهم أفضل من بعض، وخيرهم الخلفاء الراشدون، وخير الراشدين أبو بكر ثم عمر رضوان الله على الجميع، فهذا الذي ينبغي اعتقاده في الصحابة، والله جل جلاله قال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29] إلى أن قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29] ، وقال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100] ، وقال جل جلاله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54] ، وفي خصوص أبي بكر قال الله عز وجل: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ [التوبة:40] أبي بكر لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] (لِصَاحِبِهِ) أثبت الله الصحبة لـأبي بكر رضي الله عنه، ويقول الله عز وجل: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18] ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] إلى غير ذلك من آيات كثيرات، ونصوص متواترات عن نبينا عليه الصلاة والسلام في فضل الصحابة رضوان الله عليهم.

    ومعلوم بأن هؤلاء الذين يتسمون بالشيعة كتبهم طافحة بسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أحاديث قادتهم، والمقدمين فيهم، وقنواتهم التي انتشرت هنا وهناك أيضاً طافحة بذكر الصحابة بالسوء رضوان الله عليهم، بالإضافة إلى الغلو في آل البيت عليهم السلام، ورفعهم إلى منزلة فوق منزلة النبيين، حتى إن كبيراً من كبارهم في هذا العصر يقول: إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مكانة لا يبلغها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وأن لأئمتنا تصرفاً في جميع ذرات الكون، نعوذ بالله من هذا الضلال، فمثل هذا هو الكفر المحض، ومن لقي الله عز وجل وهو معتقد له فليس من أهل الإسلام؛ ولذلك أقول: أختك محقة في طلب الطلاق إن لم يرجع هذا الرجل عن معتقده، ويعتقد ما عليه جمهور المسلمين من اعتقاد سلامة القرآن من التحريف، واعتقاد أن الصحابة رضوان الله عليهم هم خيار هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى حفظ بهم الدين، وأقام بهم الملة، وأنهم خيار عدول، ويعتقد فيما ذكره الله عز وجل عنهم من خيرية واستقامة، وكذلك أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، وعلى رأسهن عائشة التي برأها الله من فوق سبع سموات، إلى غير ذلك من العقائد الطيبة المباركة المستندة على الأصول الراسخة من الكتاب والسنة.

    اعتبار حب الشخص لعمله الصالح حباً في الله

    السؤال: قال: مريض لا يأخذ العلاج إلا من يدي، وبدأ يصلي فأحببته، فهل يحسب حباً في الله؟

    الجواب: نعم إن شاء الله يكون هذا الحب في الله، طالما أن هذا المريض يصلي، وهو صابر على قضاء الله وقدره، فأنت أحببته من أجل أعماله التي يحبها الله، ومن أجل استجابته للنصح فهذا حب في الله إن شاء الله.

    حكم المشروب المسمى (تشامبيون)

    السؤال: ما حكم المشروب (تشامبيون)؟

    الجواب: أنا لا أدري ما (تشامبيون)، لكن إذا كان مسكراً فهو محرم، وإن لم يكن كذلك فهو مباح، يعني: سواء سميته (تشامبيون)، أو سميته عصيراً، أو سميته سويقاً، أو سميته ما سميته، فالعبرة ليست بالأسماء؛ ولذلك لما قدم وفد عبد القيس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( مرحباً بالوفد غير خزايا ولا ندامى ) ، النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، فأمرهم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فذكر صلى الله عليه وسلم: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم، ثم نهاهم صلى الله عليه وسلم عن أربع، نهاهم عن الدباء والحنتم، والنقير، أو المقير، والمزفت )، وكلها كانت أشربة ينتبذونها وهي مسكرة؛ ولذلك لما سئل رسول الله صلى عليه وسلم عن كثير من الأشربة وضع قاعدة فقال: ( كل مسكر حرام ) سواء سميته خمراً، أو سميته مشروبات روحية، أو سميته غير ذلك من الأسماء التي يخترعها الناس، (وتشامبيون) هذا نلاحظ إعلاناته في الشوارع، فما إخاله مسكراً، والله أعلم، لكن دعونا نجرب إن شاء الله، ثم بعد ذلك نأتي بالقول الفصل، أو نسأل من جرب.

    المتصل: عندي سؤال:

    يا شيخ! الشخص عندما يدخل الخلاء يقول: ( اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ) ما معنى الخبث والخبائث؟

    الدعاء للكافر بالهداية

    السؤال: ما حكم الدعاة للمسيحيين بأن الله يهديهم؟

    الجواب: الدعاء للكافر أياً كان كفره بالهداية سواء كان كتابياً أو غير كتابي أمر طيب، ندعو الله لهم بالهداية، مثلما ندعو أيضاً لأنفسنا بالهداية، بمعنى: الدوام عليها والاستقامة، وأن نهدى إلى تفاصيلها.

    معنى الخبث والخبائث

    الشيخ: وأما سؤال شيماء من مدني عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أني أعوذ بك من الخبْث والخبائث ) أو ( من الخبُث والخبائث )، والخبُث جمع خبيث، وهم ذكور الشياطين، والخبائث جمع خبيثة، وهن إناث الشياطين، وأما الخبْث فهو جنس الخبْث سواء كان شيطاناً، أو أفعال الشياطين، وهذا أعم من الخبُث، وهذا الدعاء كما مضى معنا الكلام يقال قبل الدخول إلى الحمام، إذا أراد الإنسان الدخول إلى الحمام، وأما إذا كان الإنسان يقضي حاجته في الخلاء فإنه يقوله قبل الجلوس.

    ما يلزم من ابتليت بزوج لا يصلي

    السؤال: زوجي لا يصلي، وقد نصحته بكل الطرق دون فائدة، وأصبح يضيق لأتفه الأسباب، أفيدوني في ذلك؟

    الجواب: طالما أنه لا يصلي سيتشاجر معك؛ لأن الصدر ضيق، والقلب مهزوز غير مطمئن، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، والمطلوب منك الدعاء له، ومطلوب منك أيضاً الاستمرار في دعوته والصبر عليه، ونوعي الأساليب، أما إذا كان مستهزأً للصلاة، مستهزئاً بالصلاة جاحداً لوجوبها فلا يحل لك البقاء معه.

    أسأل الله أن يجعلنا من المنتفعين المعتبرين المتعظين.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.