إسلام ويب

ديوان الإفتاء [300]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كما حرص الإسلام على العناية بالظاهر فإنه أيضاً حرص على العناية بالباطن، ومن العناية بجمال الظاهر تشريع خصال الفطرة ومن هذه الخصال: قص الشارب، وإعفاء اللحية، وتقليم الأظافر، والسواك، ونتف الإبط.

    1.   

    بعض خصال الفطرة

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعا، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    وأفتتح هذه الحلقة المباركة إن شاء الله بالحديث عن خصال الفطرة، والحديث عن خصال الفطرة باب من أبواب الطهارة، وحين نقول: الفطرة فإننا نقصد بها الخلقة والجبلة.

    الحكمة من تشريع خصال الفطرة

    وخصال الفطرة شرعها الله عز وجل تطييباً لعباده، وتحسيناً لمنظرهم، وتجميلاً لهيئتهم، شرع لهم أن يتحلوا بجمال الظاهر بعدما تحلوا بجمال الباطن، وهذه الخصال ليست قاصرة على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، بل هي من سنن النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذين أمرنا أن نقتدي بهم، وأن نتأسى بهديهم، قال الله عز وجل: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، وثبت في سنن البيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أنه فسر قول الله عز وجل: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124]، قال: هي خصال الفطرة، فلما أتمهن، قال الله عز وجل: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124].

    عدد خصال الفطرة

    وهي عشر: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، أما التي في الرأس: فالمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وفرق الرأس، وأما التي في الجسد: فحلق العانة، ونتف الإبط، والختان، والاستنجاء، وقلم الأظفار.

    وقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أحاديث في الكلام عن خصال الفطرة، وهذه الأحاديث التي عددت تلك الخصال، ليس مقصوداً منها الحصر والاستقصاء، وأغلبها بدأت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: من الفطرة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خمس من الفطرة )، فذكر صلوات ربي وسلامه عليه: ( الختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقلم الأظفار ).

    وثبت في صحيح مسلم من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عشر من الفطرة )، فزاد: ( إعفاء اللحية، وانتقاص الماء، والمضمضة، والاستنشاق )، وكرر بعض تلك الخصال الواردة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    والمطلوب من المسلم أن يأخذ بهذه الخصال، وأن يعمل بهن كلهن، ولو أريد التفصيل أو بعض التفصيل في الكلام عن هذه الخصال، فإنني أعيد ما ذكرته سابقاً:

    عناية الإسلام بطهارة الظاهر والباطن

    إن شريعة الإسلام معنية بطهارتنا ظاهراً وباطناً، وأن يكون المسلم جميل المظهر والجوهر، أن يكون المسلم جميلاً ظاهراً وباطناً، ( فإن الله تعالى جميل يحب الجمال )، ( طيب يحب الطيب، نظيف يجب النظافة )، كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا تغني الطهارة الباطنة عن الظاهرة، ولا الظاهرة عن الباطنة، بل لا بد من العناية بهما جميعاً.

    قص الشارب وإعفاء اللحية

    فمن خصال الفطرة: قص الشارب، ومعناه: أن هذا الشعر الذي ينبت على الشفة العليا، مطلوب من المسلم أن يتعاهده حيناً بعد حين، فيقصه حتى يبدو طرف الشفة، وليس المقصود حلقه واستئصاله وجزه؛ لأن رواية الحف تفسرها رواية القص؛ ولذلك ورد عن عمر رضي الله عنه بأنه كان له سبالان، والسبالان هما طرفا الشارب، فكان إذا أكربه أمر نفخ وفتل، أي: كان إذا بدأ يفكر في أمر مهم يفتل هذين السبالين.

    ولذلك الإمام مالك رحمه الله شدد في حلق الشارب واستئصاله، قال: وأراه مثلة، وأرى أن يؤدب فاعله، يعني: لا ينبغي للإنسان أن يجز شاربه بالكلية، بل المراد قصه؛ لأن الفم هو مدخل الطعام والشراب، فلو أن الإنسان ترك شاربه يتدلى على شفته، فلربما يعلق به الطعام ويصير منظره مؤذياً، وكذلك لو أنه شرب من إناء فإنه يقذره على من بعده، ولذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن نقص شواربنا.

    أيضاً من خصال الفطرة: إعفاء اللحية، بمعنى: تركها وإرسالها، كما كانت صفة نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن الصحابة رضي الله عنهم لما ذكروا صفته، قالوا: ( ما كان بالطويل البائن، ولا القصير المتردد، ولا الأبيض الأمهق، ولا الآدم، ولا الجعد القطط، ولا السبطـ، وكان ربعة بين الرجال أبيض مشرباً بحمرة، أزج الحواجب في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، شثن الكفين، مسيح القدمين، كث اللحية، تملأ لحيته صدره، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله )، صلى الله عليه وسلم.

    (كان كث اللحية، تملأ لحيته صدره)، وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحى وتوفيرها، وإكرامها وإرسالها، وأمرنا كذلك صلوات ربي وسلامه عليه بأن نعنى بها، وأن نرجلها ونسرحها، ( ولما دخل عليه صلى الله عليه وسلم رجل ثائر الشعر، أشعث اللحية، أشار إليه أن اخرج فذهب الرجل وأصلح من شأنه ورجع، فقال عليه الصلاة والسلام: أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان )، فعلى الإنسان أن يعتني بهذه اللحية.

    وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا أراد نسكاً قبض على لحيته من آخر ذقنه، فما زاد على القبضة أخذه، ولذلك إمامنا مالك رحمه الله نص في كتاب الجامع في السنن والآداب: على أنه لا بأس أن يأخذ الرجل من طولها وعرضها مما تطاير منها، وهذا الذي قاله الحسن البصري و عطاء بن أبي رباح رحمة الله عليهما، كما نقل ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح.

    والأصل أن تترك هذه اللحية، اللهم إلا إذا فحشت، فإنه لا بأس أن يأخذ الإنسان من طولها أو عرضها، لكن لا ينبغي أن يبالغ في حفها واستئصالها، فإن هذه صفة مكروهة، كما نص على ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى.

    أيضاً لا بأس بأن تصبغ هذه اللحية إذا ابيضت، فلو أن الإنسان كثر شيبه في لحيته، فلا ينبغي له نتفه، فإن هذه من الخصال المكروهة، لكن لا حرج عليه أن يصبغها بغير سواد، أما الصبغ بالسواد فهو مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أبي قحافة والد أبي بكر رضي الله عنهما لما جيء به، وكأن رأسه ولحيته ثغامة أي: سحابة بيضاء أو قطن أبيض أو زهر أبيض، قال عليه الصلاة والسلام: ( غيروا هذا وجنبوه السواد ).

    السواك

    أيضاً من خصال الفطرة: السواك، ففي الحديث: ( السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب )، وهو مستحب في كل وقت، ويتأكد في خمسة أوقات: عند الوضوء، وعند الصلاة، وعند قراءة القرآن، وعند الإفاقة من النوم، وعند تغير رائحة الفم بطول كلام أو سكوت.

    والمقصود بالسواك: إذهاب الصفرة التي تعلو الأسنان، ويكون هذا السواك بعود رطب، أو بفرشاة ومعجون، أو بغير ذلك، فإذا لم يجد الإنسان شيئاً يزيل به أثر الصفرة، فإنه يستاك بإصبعه، وهذه من النظافة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحث عليها.

    وثبت عنه أنه قال: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )، ( ولما كان صلوات ربي وسلامه عليه في آخر لحظاته في هذه الدنيا دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، وفي يده سواك يستن به، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلمت عائشة أنه يحبه فقالت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، تقول عائشة : فأخذته وطيبته أي: لينته، ودفعته إليه، قالت: فاستن به صلى الله عليه وسلم، فما رأيته استن استناناً أحسن من يومه ذاك، ثم رأيته يشير بأصبعه إلى السماء، ويقول: في الرفيق الأعلى، ثم وقعت يده، فعلمت أنه قد خير فاختار )، صلوات ربي وسلامه عليه.

    فالسواك مطلوب بالليل والنهار، وعلى سائر الأحوال، ولكن يتأكد استحبابه في تلك الأوقات الخمسة التي ذكرتها.

    تقليم الأظفار

    أيضاً من خصال الفطرة: تقليم الأظفار، والمقصود أخذ القلامة التي تكون بارزة عن اللحم؛ لأن هذه مظنة لاجتماع الأوساخ، ولربما تجتمع فيها النجاسة من أثر الاستنجاء؛ ولذلك نحن مأمورون بأخذها، قال أنس رضي الله عنه: ( وقت لنا أن لا ندع ذلك أكثر من أربعين يوماً )، يعني: على الأقل مرة كل أربعين يوماً، يتعاهد الإنسان هذه الخصال ويأتي بها، وقد استحب كثير من أهل العلم أن يكون ذلك في كل جمعة، يعني: تبعاً للطهارة التي تكون في يوم الجمعة، والتي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: ( من تطهر يوم الجمعة بأحسن ما يجد من طهر، ثم لبس من أحسن ثيابه، ثم مس من طيبه أو طيب بيته، ثم خرج إلى المسجد فلم يفرق بين اثنين، وصلى ما كتب الله له أن يصلي، ثم إذا صعد الإمام المنبر جلس واستمع له وأنصت، غفر له ما بين الجمعة والجمعة، وزيادة ثلاثة أيام )، فطهر الجمعة يكون بالاغتسال، ويكون كذلك بخصال الفطرة هذه التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    البدء باليمين في خصال الفطرة

    والمستحب في هذه الخصال التي ذكرتها أن يبدأ الإنسان بيمينه دائماً، فإذا أراد أن يقص شاربه بدأ بيمينه، وإذا أراد أن يقلم أظفاره بدأ باليمين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله )، صلوات ربي وسلامه عليه.

    نتف الإبط

    ومن خصال الفطرة كذلك: نتف الإبط، أي: الشعر الذي يكون على الإبط، والذي يسبب رائحة كريهة منفرة، فينبغي للمسلم ذكراً كان أو أنثى أن يتعاهده حيناً بعد حين فينتفه؛ لأن النتف أبلغ في استئصاله، فإذا كان النتف يشق عليه فلا بأس من أن يحلقه؛ ليكون ذلك أبعد عن الرائحة الكريهة.

    ومن خصال الفطرة الكلام عن الختان، والكلام عن حلق العانة، والكلام عن غسل البراجم، والكلام عن انتقاص الماء، والكلام عن المضمضة والاستنشاق، وغير ذلك مما يأتي تباعاً في هذه الحلقات إن شاء الله.

    أسأل الله عز وجل أن يجعلنا من التوابين، وأن يجعلنا من المتطهرين.

    1.   

    الأسئلة

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: مولانا! أسأل عن تفسير آية الإسراء؛ قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]؟

    السؤال الثاني: لو سمحت حدثنا عن السبع الموبقات، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: ( من أتى ساحراً أو عرافاً فقد كفر

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: أحياناً كثيرة أقرأ القرآن وأنا أسوق السيارة، ولا أنتبه للقراءة، ولا أدرك معاني القرآن مائة بالمائة، اللهم إلا تكراراً باللسان وعقلي يكون سارحاً، فهل في ذلك إثم؟ وهل أجزى بقراءتي للقرآن بهذه الطريقة؟

    السؤال الثاني: عندنا في الحي مسجد بناه أحد الرجال الصالحين، لكن هو مصر على أن المسجد هذا لا نصرف عليه، ولا نعيد تأهيله، ولا نفرشه؛ لأنه جاء بالوقف لأمه وأبيه، والناس الخيرون يأتون كثيراً من أجل أن يصلحوا في المسجد وهو يقول: لا تصرفوا، وهو غير موجود في المسجد في غالب الأحيان. والمسجد قد أصبحت حالته صعبة جداً جداً، المراوح والمكيفات معطلة وقد دخل علينا الصيف، فبماذا تنصحه يا شيخ؟! الله يجزيك عنا كل خير!

    الشيخ: نجيبك.

    المتصل: في سورة الإسراء يقول الله تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا [الإسراء:107]، ما هي الأذقان؟

    الشيخ: نجيبك.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: يا شيخ عبد الحي ! أنا هنا في السعودية أقرأ في دار تحفيظ قرآن، وعندنا مديرة الدار تحدد لنا يومين في الأسبوع أن نعمل طبقاً خيرياً، يعني: كل واحدة من الحريم في الدار تعمل أكلاً، يعني: كيكاً أو أي شيء في البيت وتأتي به، وبعد ذلك توزعه في صحون صغيرة، وتكتب عليه خمسة ريالات.. ثلاثة ريالات، وبعد ذلك نحن نشتريه، وتقول: إن ربحه لصالح الدار.

    السؤال الثاني: في سورة الفاتحة: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1]، مرقمة رقم واحد، فهل يجب علي أن أقرأها في كل ركعة أم لا؟

    الشيخ: طيب، أبشري.

    المتصل: لدي سؤال: زوجي المتوفى رحمة الله عليه كان عنده دين من ثلاثة رمضانات، وكان ينوي القضاء، لكنه مات قبل أن يقضي، هل نقضي عنه، أم ماذا نعمل؟ ومن الأحق بالقضاء، زوجته أم أمه؟

    الشيخ: طيب نجيبك.

    المتصل: لدي سؤال: أسـأل عن زيارة القبور، يقولون: لو زرتها ليلة الإثنين أو ليلة الأحد، وتكلمت مع الشخص المتوفى فإنه يسمعك.

    الشيخ: أبشر.

    تفسير قوله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً)

    السؤال: أخونا أحمد من اللبيط سأل عن قول ربنا جل جلاله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36] الآية.

    الجواب: لو قرئت هذه الآية من أولها فإن معناها ظاهر، فإن الله جل جلاله لما ذكر المحرمات، فقال سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء:29]، وبعدها قال: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء:31]، ثم قال: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، ثم قال: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء:33]، ثم قال: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:34]، قال سبحانه: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، المعنى: نهانا ربنا جل جلاله أن نخوض فيما لا نعلم، وبين أن هذه الجوارح، وهذه الأسماع والأبصار والعقول سنسأل عنها يوم القيامة، هل استعملناها فيما يحبه ربنا جل جلاله، أم أننا قد استعملناها فيما يغضبه ويسخطه، ولذلك ذم الله ناساً؛ بأنهم ما استعملوا هذه الحواس فيما خلقت له، قال سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179]، فمطلوب منك أيها المسلم: ( أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى )، لتخلص من الذم، وتشهد لك هذه الجوارح يوم القيامة، بدلاً من أن تشهد عليك، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأن هذه الجوارح تشهد علينا، فيقول القائل: ( تعساً لكن وبعداً، فعنكن كنت أناضل )، قال الله عز وجل: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65].

    عظم إثم السحر والذهاب إلى السحرة

    الشيخ: وأما السبع الموبقات فقد وردت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟! قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ).

    وأخونا يسأل عن السحر خصوصاً فنقول: السحر هو من كبائر الذنوب، ومن الموبقات العظام، وحقيقته رقىً وعزائم تعالج معالجات معينة، ينفث فيها فتحدث أثرها بإذن الله، قد تمرض، وقد تقتل، وقد تفرق بين المرء وزوجه.

    والساحر من شرار الخلق، كما قال الله عز وجل: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]، وقد بين رسولنا صلى الله عليه وسلم أن ( من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك )، والسحر عند جماهير العلماء من تعاطاه فإنه يقتل، ففي الحديث: ( حد الساحر ضربة بالسيف ) لمَ؛ لأن للساحر تأثيراً في تدمير المجتمعات، والتفريق بين المتحابين، وسلب الإرادات، وغير ذلك من العظائم والموبقات، ولذلك الشريعة لا تتهاون معه ولا تتسامح.

    قراءة القرآن حال قيادة السيارة بدون تدبر

    السؤال: رجل أثناء قيادته للسيارة يقرأ القرآن، لكنه ربما يكون شارد الذهن لا يتدبر، ولا يتفكر، ولا يتأمل.

    الجواب: أقول له: أنت على خير، يعني: قراءة القرآن في ذاتها عمل مبارك، وأجر عظيم، وباب للجنة، ( يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها ).

    ولا شك أن الأعظم في الأجر، والأبلغ في الثواب أن تكون القراءة مع التدبر والتفكر، لكن لو أن الإنسان قرأ من غير تدبر ولا تفكر فإنه أفضل ممن لم يقرأ أصلاً، أفضل ممن اتخذ القرآن مهجوراً، وهذا الذي يقود سيارته ويقرأ القرآن أفضل ممن يلغو، أو ممن يستمع إلى الغناء واللهو، أو ممن يشغل وقته بما لا ينفع ولا يفيد؛ ولذلك أقول لك: أنت على خير، وانظر فيما يصلح قلبك، إن كان قلبك يصلحه السماع فأكثر من سماع القرآن في أثناء قيادتك للسيارة، وإن كان يصلح قلبك التلاوة فأكثر منها، وأنت على خير عظيم، وقد قال نبينا الكريم عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم: ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها حلو )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ).

    إصرار باني المسجد على ألا يصلح الناس في مسجده شيئاً

    الشيخ: وأما الرجل الذي بنى مسجداً، وجعله وقفاً لأمه رحمة الله عليها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الخير، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ( من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة -أي: كبيت طائر- بنى الله له بيتاً في الجنة )، لكنه غفر الله له ليس محقاً في إصراره على ألا يدخل الناس فيه شيئاً، ولا يصلح أحد فيه عطلاً، ولا يعدل فيه معوجاً، فيا أخانا! يا من بنيت المسجد! قد وقع أجرك على الله، فلو أن هذا المسجد لا قدر الله انهار أو انهد، أو حصل فيه ما حصل فإن أجرك قد ثبت، والثواب قد ذهب للوالدة، ولك أجر البر، لكن بعد ذلك لو أن المسجد احتاج لتغيير فراشه أو إصلاح مكيفاته وسائل التهوية المراوح وغيرها إذا تعطلت، أو شبابيكه وأبوابه تخلعت، فلا ينبغي لك أن تمنع الناس من أن يصلحوا ما وهى، وأن يرمموا ما سقط، بل هذا من التعاون على البر والتقوى، ولا ينقص ذلك من أجرك إن شاء الله؛ ولذلك أنا أقول: يا أبا أحمد! ليس مطلوباً منكم أن تلتزموا بكلامه، أصلحوا ثم بعد ذلك إذا جاء فاعترض فقولوا له: التكلفة كذا، فإن شاء دفع، وإن لم يشأ فقد صلح ما كان معطوباً، والحمد لله رب العالمين.

    تفسير قوله تعالى: (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا)

    السؤال: أخونا عمر من الثورة سأل عن قول ربنا جل جلاله في سورة الإسراء: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا [الإسراء:107].

    الجواب: بداية الآية قال الله عز وجل: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ [الإسراء:106]، أي: نزلناه منجماً على امتداد ثلاث وعشرين سنة، لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ[الإسراء:106] أي: بروية وتمهل، ورتلناه ترتيلاً، وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا [الإسراء:106]، ثم قال: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا [الإسراء:107]، وهذا من باب التهديد للكفار المعاندين الذين كانوا يقولون: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، كما قال في آية أخرى وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29]، والأمر هنا للتهديد لا للإباحة: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء:107-109]، المعنى: يثني جل جلاله على العلماء من أهل الخشية، من أهل الكتاب وغيرهم ممن آمنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصدقوا بأن القرآن كلام الله، بأنهم إذا سمعوا هذا القرآن فإنهم تخشع قلوبهم وتدمع عيونهم، ويخرون ساجدين لعظمة ربهم جل جلاله، كما قال في آية أخرى وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [المائدة:83-85]، (يخرون للأذقان)، والأذقان جمع ذقن، أي: أنهم بوجوههم كلها، يضعونها على الأرض خشوعاً لله عز وجل وتواضعاً لكبريائه وعظمته.

    عد (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من الفاتحة

    السؤال: الأخت أم أحمد سألت عن البسملة بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1]، هل هي آية من الفاتحة؟

    الجواب: هذا محل خلاف بين أهل العلم، والذي يظهر رجحانه والعلم عند الله تعالى أنها ليست آية من الفاتحة، ولا من صدر كل سورة؛ وإنما جيء بها للفصل بين السور، وللتبرك بذكر اسم الله الرحمن الرحيم جل جلاله.

    والدليل على أنها ليست آية من القرآن، وليست آية من صدر كل سورة، ولا آية من الفاتحة حديث أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( لأعلمنك أعظم سورة من القرآن قبل أن تخرج من المسجد، فلما أراد أن يخرج عليه الصلاة والسلام، ذكره أبو سعيد بوعده فقال له صلى الله عليه وسلم: إذا افتتحت صلاتك فبم تقرأ؟ قال أبو سعيد : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2-3]، إلى آخر الفاتحة، فقال له صلى الله عليه وسلم: هي أم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته )، وأيضاً حديث: ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، قال الله عز وجل: حمدني عبدي، فإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، قال: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ).

    ومن الأدلة كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه وكان جالساً مع جبريل فقال له: هذا باب من السماء فتح اليوم، ولم يفتح قبل اليوم قط، ونزل الملك بسورة الكوثر، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ[الكوثر:1]، ولم تذكر فيها البسملة.

    يقول أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله: وأوضح دليل على أنها ليست آية من الفاتحة أنه قد اختلف فيها، والقرآن لا يختلف عليه، يعني: ما اختلف أهل العلم رحمهم الله في آية سواها، فدل ذلك على أنها ليست آية من الفاتحة.

    وأنبه إلى أن الإجماع منعقد على أنها جزء من آية من سورة النمل في قول ربنا جل جلاله: قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:29-31].

    شراء الطبق الخيري ممن قام بصنعه لمصلحة دار تحفيظ القرآن

    الشيخ: أما معلمتكم التي طلبت منكم أن تصنعوا طبقاً خيرياً، فيأتي بعض النسوة بكيك، وبعضهن بغير ذلك، ثم تقوم بإعادة التعبئة وبيعها عليكن، من أجل دعم الدار وتسيير شئونها فنقول: لا حرج في ذلك إن شاء الله، طالما أنه ليست هناك جهة تتولى الإنفاق على نشاطات تلك الدار، فهذه المعلمة تلجأ إلى تدبير أمورها بهذه الطريقة؛ لأن الدار لها مصاريف تواجهها، فلا حرج إن شاء الله في ذلك والله أعلم.

    كيفية القضاء عن من مات وعليه ثلاثة رمضانات

    السؤال: أختنا من كسلا أم تماضر ، سألت عن زوجها رحمة الله عليه الذي لم يصم ثلاثة رمضانات، ثم توفاه الله في ذي الحجة: ماذا نحن صانعون بتلك الأيام؟

    الجواب: أنتم مخيرون بين الصيام والإطعام، إما أن تصوموا عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه )، ويجزئ لو قام بذلك أي شخص، وليس بالضرورة أن يقوم بذلك أولياؤه وقرابته الأدنون، بل لو قام بذلك أي شخص كان، فإن ذلك يسقط ما في ذمة ذلك الميت، ولو أطعمتم عن كل يوم مسكيناً، لكل مسكين مدان من طعام، وهو ما يعادل سبعمائة وخمسين جراماً، فهذا يجزئ إن شاء الله، وتبرأ به ذمة الميت رحمه الله.

    زيارة القبور ليلة الأحد وليلة الإثنين وحقيقة سماع الميت من يخاطبه في الليلتين

    السؤال: سارة من الجزيرة سألت عن زيارة القبور ليلة الإثنين أو ليلة الأحد، وأن الميت إذا خوطب فإنه يسمع.

    الجواب: هذا كلام ما أنزل الله به من سلطان، فإن ربنا الرحمن قال: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14]، فيا أختاه! من ذهب إلى المقابر عليه أن يتقيد بالآداب الشرعية، يذهب إلى المقابر بنية السلام على الأموات والدعاء لهم، وأن يتذكر الآخرة، هو نفسه يتذكر أنه في يوم ما سيكون بين هؤلاء، بين الجنادل والتراب، لا يملك زيادة في الحسنات ولا نقصاً من السيئات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة )، وما شرعت زيارة القبور من أجل دعوة الأموات، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وليس هذا صنيع المسلمين ولا المسلمات، وإنما المسلمون إذا ذهبوا إلى القبور سلموا على أهلها: ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية ).

    المتصل: بعد أن يصلي الناس في الوقت الفريضة، يأتي أناس متأخرون فيقيمون جماعة، ما حكم ذلك؟

    الشيخ: أبشر.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: بعض الناس ربما يسألوك سؤالاً وبضاعتك في العلم قليلة، فيجيب ببعض الأشياء التي سمعها وأخذها من العلماء، وهي ليست فتوى لكن له بها علم، وربما تكون لا تحفظ الدليل عندما تجيبه على هذا الأمر، أو تنقل فتوى سمعتها من الشيخ، وتقول: سمعت الشيخ الفلاني قال كذا وكذا، وتقرأ الفتوى، فهل يجوز هذا؟

    السؤال الثاني: بالنسبة للورد القرآني، يعني: الإنسان إذا يقرأ ورداً محدداً، يعني: مرة يقرأ جزءاً ومرة يقرأ جزأين، ومرة أقل على حسب الظروف، فهل فيه شيء؟

    الشيخ: نجيبك.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: عندي طفلة صغيرة، وليس معي رجل في البيت، ففي الصلاة في بعض الأحيان تقعد أمامي، أو تطلع فوق ظهري فأضطر إلى أن أتحرك وأطلعها من قدامي، فهل هذه الصلاة صحيحة؟

    السؤال الثاني: قراءة القرآن هل تصل للميت أو لا تصل، يعني: لو قرأت لأمي وأبي؟

    الشيخ: طيب، نجيبك.

    المتصل: عندنا وفاء في القرية، فالناس يأخذون الجثمان إلى المقابر، فيصلون عليه، وعندنا مظلة في المقابر، فإذا جاء وقت صلاة الفريضة، الظهر مثلاً، يصلي الناس في المظلة هذه التي في المقبرة فقال بعضهم: الصلاة هنا غير جائزة. وهناك أناس ما صلوا صلاة الجنازة في نفس المحل، قالوا: إنهم لا يصلون في هذا المكان، فصلوا في مكان آخر، وما صلوا صلاة الجنازة أصلاً.

    الشيخ: طيب، نجيبك.

    المتصل: ذكرت في الحلقة الماضية آداب دخول الحمام، وهناك كثير من الناس يعلق التمائم، ويقول: إنها مغلفة بالجلد، ويدخل بها الحمام، ويقول: إنها من القرآن، فهل يجوز تعليق التمائم إذا كانت من القرآن؟ وهل يجوز الدخول بها الحمام إذا كانت مجلدة بالجلد؟

    النوم إلى غير جهة القبلة

    السؤال: أفتوني فيمن ينام على غير قبلة، هل هناك تحريم لذلك؟

    الجواب: ليس هناك تحريم، وإنما السنة أن ينام الإنسان على شقه الأيمن، ولو نام إلى القبلة فهو أفضل، ولو نام إلى غير القبلة فلا حرج إن شاء الله، وإنما المنهي عنه أن ينام الإنسان على بطنه، وكذلك نهيت المرأة أن تنام على ظهرها.

    أداء الخدمة الوطنية دون المحافظة على الدوام

    السؤال: أنا قمت بأداء الخدمة الوطنية دون أن أكون مداوماً، فما الحكم؟

    الجواب: أحياناً الخدمة الوطنية يوزع الإنسان لأدائها في مكان، وهذا المكان حتى ليس فيه مقعد يجلس عليه، فأحياناً الشخص المسئول عن هذه المصلحة أو الجهة يقول له: اذهب وما عليك حرج، فإذا كان الأمر كذلك فما عليك شيء إن شاء الله.

    جعل كل الوقت لقراءة القرآن

    السؤال: أيهما أفضل: أقرأ جزءاً وآتي بعبادات أخرى، أم أجعل كل وقتي لتلاوة القرآن؟

    الجواب: الأفضل أن يضرب الإنسان مع أهل كل عبودية بسهم، فالإنسان يقرأ القرآن ويذكر الله، ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ويأتي بالنوافل في الصلاة والصيام، ويتصدق، ويحضر في مجالس العلم، ويبر والديه، ويصل أرحامه، ويغيث الملهوف، وينصر المظلوم، ويشفع في قضاء حوائج المسلمين، وغير ذلك من أبواب الخير، كما كان يفعل نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه عليه الصلاة والسلام كانت حياته كلها عبادة لله عز وجل، فكان صمته فكراً، وكان نطقه ذكراً، وكان نظره عبراً، صلوات الله وسلامه عليه، وكان يدخل السرور على أهله وعياله ويداعبهم، ويقضي حوائج المسلمين، ويصلح بين الناس، ويفض المشاجرات، ويفصل في الخصومات، ويفتي الناس، ويزور المقابر، ويعود المرضى، ويغيث الملهوف، وغير ذلك من أنواع الطاعات والعبادات.

    وصل المرأة شعرها للتزين لزوجها

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تزرع أو توصل شعر زينة لزوجها فقط، دون كشفه لغيره؟

    الجواب: لو وصلت شعر الزينة، فالحديث يقول: ( لعن الله الواصلة والمستوصلة )، والعلماء رحمهم الله قالوا: وعلة النهي أمران: الأمر الأول: التدليس. والأمر الثاني: تغيير خلق الله.

    أما بالنسبة للتدليس في حق الزوج فإنه غير حاصل؛ لأن الزوج يعرف الحقيقة، بأنه ليس هناك شعر أو أن الشعر قليل، لكن تبقى العلة الثانية وهي تغيير خلق الله، ولذلك يا أختاه! أنصحك ألا تفعلي ذلك.

    إقامة جماعة بعد الجماعة الراتبة

    السؤال: أخونا رشيد سأل عن إقامة جماعة بعد الجماعة الراتبة؟

    الجواب: إذا كانت مساجد أسواق أو مساجد سابلة على الطريق فلا حرج أن نقيم جماعة وجماعة بعد الجماعة الراتبة، أما بالنسبة لمساجد الأحياء التي عرف بأن هناك وقتاً معيناً تقام فيه الصلاة، فما ينبغي للناس أن يقيموا جماعة بعد الجماعة الراتبة، وإذا أقاموها فليكن في الفناء، في الحوش، لكن في صحن المسجد لا تقام جماعة بعد الجماعة الراتبة؛ لئلا يتهاون الناس بالصلاة.

    نقل فتوى العالم للناس والإفتاء بها

    السؤال: بعض الناس بضاعته في العلم قليلة، لكنه إذا سئل عن حكم شرعي أجاب بما سمع من أهل العلم؟

    الجواب: لا حرج وجزاه الله خيراً، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( بلغوا عني ولو آية )، فلوا أن إنساناً أتقن السماع وعرف، يعني: مثلاً لو أني سمعت فتوى من فلان من أهل العلم الموثوقين، فسئلت في هذه المسألة أقول: والله أجاب فلان من أهل العلم بكذا في هذه المسألة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع )، فلا حرج، لكن لو أن كل واحد منا انتظر إلى أن يبلغ في العلم شأواً بعيداً، وأن يستظهر النصوص رواية ودراية، فلن يتكلم أحد، فلو أني انتظرت إلى أن أبلغ درجة فلان أو فلان من أهل العلم ما تكلمت، وأنت أيضاً ما تكلمت، والثالث ما تكلم، ولا يهلك الناس حتى يكون العلم سراً، والمطلوب منا أن ننشر العلم لكن بقيد وبشرط أن الإنسان ينقل كما سمع، فلا يأت بكلام من عنده ولا يتقول.

    الإخلال بالورد اليومي من القرآن الكريم

    الشيخ: أما بالنسبة للورد يا سامي! فاقرأ ما تيسر، وحبذا لو أنك جعلت لنفسك ورداً لا تخل به، مثلاً في كل يوم جزءاً، وهذا الجزء تحافظ عليه وتأتي به على كل حال، هذا هو الأولى، لكن لو حصل أحياناً عذر، أو طرأ طارئ فلا حرج إذا أنقصت منه إن شاء الله.

    قعود الطفل أمام المصلي وصعوده على ظهره

    الشيخ: أختنا التي اتصلت من الشمالية وذكرت أن الله رزقها بطفلة، وأن هذه الطفلة أحياناً في صلاتها تأتي أمامها، وأحياناً تركب على ظهرها.

    الجواب: نقول: لا حرج إن شاء الله والصلاة صحيحة، وما تتعبي نفسك كلما جاءت بأن تحمليها وتنحيها، بل اتركيها وصلي على الحالة التي تتيسر، لكن أقبلي على صلاتك ولا تشتغلي بها، وهذا ليس بالأمر الجديد، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، وكان الحسن رضي الله عنه يركب على ظهره، يرتحل النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام ما كان يعيد صلاته، ولا كان يزجر هذا الصغير رضي الله عنه وأرضاه، وهذه طبيعة في الأطفال، فالأطفال دائماً يشوشون.

    ربما لو صلى الإنسان يأتي الطفل مرة إلى جواره، ولربما يفتتح الصلاة معه ثم بعد حين يذهب ويتركه، ثم بعد ذلك يرجع ثانية فيسجد معه، ولربما يركب على ظهره، ولربما يدوس على رأسه، وغير ذلك مما يصنعه الصغار، وهذه طبيعة في البشر، والحمد لله دين الله يسر.

    إهداء ثواب قراءة القرآن للميت

    الشيخ: وأما قراءة القرآن للميت فثوابها يصل إن شاء الله عند جمع من أهل العلم، بل عند كثير من أهل العلم، ومنهم: الحنفية، والحنابلة، وبعض المالكية فإنهم يقولون: يصل ثواب قراءة القرآن للميت، مثلما يصل الدعاء، والصدقة، والحج والعمرة كذلك يصل ثواب قراءة القرآن.

    الصدقة عن الميت في اليوم الثالث من موته

    السؤال: ما حكم الدين في الصدقة التي تعمل في العزاء في اليوم الثالث بعد رفع الفراش، اللقيمات والشاي باللبن والبليلة؟

    الجواب: لقيمات، أو شاي باللبن، أو ثريد، أو ما يسميه الناس فتة، المهم أنها صدقة، وهذه يصل ثوابها إلى الميت إن شاء الله، لكن حبذا لو أننا عمدنا بهذه الصدقات إلى أهلها، يعني: إلى المحتاجين من الفقراء والمساكين:

    إن الصنيعة لا تعد صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع

    لكن ما الفائدة أني أجمع الأغنياء والموسرين فأطعمهم شاياً ولبناً وبليلةً وثريداً وأرزاً ولحماً وخبزاً وزيتاً، فإن هؤلاء يستطيعون أن يأكلوا في بيوتهم، لكنني لو عمدت بهذا الطعام إلى المحتاجين إليه، التواقين إلى النيل منه، لكان ذلك للقبول أدعى إن شاء الله، وقد أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام ( بأن شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها الشبعان، ويمنع منها الجائع )، ( أو يدعى إليها من يأباها، ويمنعها من يأتيها ).

    صلاة الفريضة في المقبرة في ناحية معدة للصلاة

    السؤال: أخونا الصادق من الجزيرة ذكر بأنهم إذا مات لهم ميت حملوا جثمانه إلى المقابر فصلوا عليه.

    الجواب: نقول: الصلاة على الجنازة في المقابر لا حرج فيها إن شاء الله، وقد ثبت أن نبينا صلى الله عليه وسلم صلى على المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد بعدما قبرت.

    وكذلك بالنسبة لصلاة الفريضة إذا أدركت الناس يصلون في المظلة التي تكون في طائفة من المقابر فصل معهم، ولا حرج في ذلك، ولا ينطبق عليها النهي عن الصلاة في المقابر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور، ونهى عن الصلاة بين القبور، الصلاة ذات الركوع والسجود، أما إذا كان هناك مكان في طرف المقابر قد خصص للصلاة، وما اتخذنا ذلك عادة، وإنما صادف وقت الصلاة حال ذهابنا بالجنازة، فإننا نصلي ولا حرج إن شاء الله.

    تعليق التمائم والدخول بها الحمام

    السؤال: ما حكم من يعلق التمائم ويدخل بها الحمام؟

    الجواب: فاعل ذلك قد جمع بين مصيبتين:

    المصيبة الأولى: تعليق التميمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من تعلق تميمة فلا أتم الله له )، وقال: ( من تعلق شيئاً وكل إليه ).

    والمصيبة الثانية: أنه معترف بأن في هذا الشيء المعلق قرآناً، ثم تطيب نفسه أن يدخل به إلى مواضع النجاسة، وقد ذكرنا في الآداب بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده خاتم نقشه: محمد رسول الله، فكان إذا أراد الخلاء طرحه، كان يطرح هذا الخاتم، ويخلعه صلوات ربي وسلامه عليه.

    فيا من تعلق تميمة! اتق الله عز وجل ولا تعلقها، ثم بعد ذلك إذا علقتها فأردت دخول الحمام فاخلعها.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: ترك والدي قطعة أرض، وهذه الأرض لم توزع بعد الوفاة مباشرة، وقد بنى عليها الجيران فأصبحت مسورة، فكيف تقسم، بسعرها كأرض، أو بسعرها في السوق؟ ولو كانت بسعر السوق فإن سعرها سيكون زائداً؟

    السؤال الثاني: لدينا مزرعة حصلنا عليها بعد وفاة الوالد بسبب أنا كنا ساكنين في منطقة حصل لنا فيها فيضان، وبعد ذلك أهل القرية تركوا المنطقة ووزعت لهم الأراضي السكنية في شكل مزارع، فهل هذه المزرعة تقسم كميراث، أم أنها تكون للأسرة؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: زوجي لا يصلي، حاولت معه كثيراً جداً فما قدرت، وعندي منه طفلة واحدة، وفي البداية كان يصلي ويتركها، لكن الآن صارت له فترة سنة كاملة لا يصلي أبداً.

    السؤال الثاني: عندي من زمان بعيد دين بسيط ولا أستطيع الوصول إلى أصحاب الدين، فكيف أحله؟

    الشيخ: طيب. أبشري.

    تقسيم قطعة الأرض على الورثة بسعر الشراء

    الشيخ: بالنسبة للأخت التي سألت عن قطعة الأرض، نقول: قطعة الأرض هذه تقسم بسعر اليوم، وليس بالسعر الذي كان وقت وفاة الوالد رحمة الله عليه، بل تقوم بسعر اليوم، ثم بعد ذلك يعطى كل ذي حق حقه، تقسم على الورثة، فمن أراد أن يأخذها لنفسه فإنه يعطي للورثة أنصباءهم بسعر هذا اليوم.

    تقسيم المزرعة التي تحولت إلى أرض سكنية على الورثة

    الشيخ: وكذلك بالنسبة للمزرعة التي وزعت كأرض سكنية، فإنها أيضاً تركة، وتقسم على الورثة، يعطى كل ذي حق حقه، وليس هناك اعتبار لكونها كانت مزرعة، ثم قسمت كأرض سكنية، فالمقصود: بأن الوالد ترك هذه الأرض، ولذلك تقسم على الورثة، ولا ينبغي أن يستأثر بها بعضهم دون بقيتهم.

    الواجب تجاه الزوج الذي لا يصلي

    الشيخ: وأما سؤال الأخت عن زوجها الذي لا يصلي وقد رزقت منه بطفلة، فنقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، تارك الصلاة على خطر عظيم، وآخر ما يفقد المرء من دينه الصلاة، ونبينا صلى الله عليه وسلم قال: ( لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة )، والمطلوب يا أختاه! دعوة هذا الرجل، والدعاء له، فأكثري من دعوته إلى الصلاة ورغبيه فيها، والهداية من الله، وطالما أنه يصلي حيناً ويترك حيناً فمعنى ذلك -إن شاء الله- أن هناك أملاً في هدايته فاستعيني بالله ولا تعجزي.

    كيفية التصرف بالدين المجهول صاحبه أو الذي لا يستطاع الوصول إلى صاحبه

    الشيخ: وأما بالنسبة للدين الذي عليكِ فنقول: اجتهدي في أن تصلي إلى أصحابه، وإن لم تستطيعي فتصدقي بذلك عنهم، وإن شاء الله توفقين إلى قضائه.

    نتوقف عند هذا الحد إن شاء الله.

    أسأل الله أن يجمعنا على الخير حيناً بعد حين، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير النبيين وأشرف المرسلين، والسلام عليكم ورحمة الله.