إسلام ويب

ديوان الإفتاء [282]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الغاية لتي خلقنا الله لأجلها هي عبادته سبحانه جل في علاه، والعبادات توقيفية من كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وللعبادة أهداف رئيسية وثانوية، ومن ذلك: أن الله أهل لأن يعبد ويشكر، وأنه سبحانه المنعم المتفضل علينا بجميع نعمه، وفي العبادة انشراح للصدر وتفريج للهم ولذة في المناجاة لله عز وجل، وأداء للأمانة التي كلفنا رب العالمين.

    1.   

    الأهداف الرئيسية للعبادة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد.

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، مرحباً بكم في حلقة جديدة من ديوان الإفتاء، أسأل الله التوفيق والتسديد!

    تقدم معنا أن العبادة هي الغاية التي من أجلها خلقنا، وأننا نعبد الله عز وجل بما شرع على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن العبادة تشمل الأقوال والأفعال، والتصرفات التي يقصد بها العبد وجه الله عز وجل، وبذلك يمكن أن تتحول المباحات إلى عبادات إذا استحضر الإنسان فيها نيةً صالحة، فإن المدار على النيات؛ ولذلك لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقه لغزوة تبوك، قال لأصحابه: ( إن بالمدينة نفراً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً، إلا شركوكم في الأجر، حبسهم العذر )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( أكثر شهداء أمتي من يموتون على الفرش، ولرب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته ).

    وعرفنا أيضاً بأن الأصل في العبادات التسليم، ولو لم تدرك الحكمة، فالله عز وجل نوّع هذه العبادات وفرضها علينا ليبتلي عباده؛ من المطيع السامع الذي يقول سمعنا وأطعنا، ومن الذي يتوقف ويتردد ويتلكأ في إنفاذ التكاليف الربانية، ولا يأتي بها إلا بعدما يدرك حكمتها.

    وتقدم معنا أن العبادات الأصل فيها التوقيف، فلا تشرع عبادة إلا بدليل، فلا ينبغي للإنسان أن يخترع عبادةً من عنده، ثم يلزم بها نفسه، ويدعو الناس إليها، وقد قال ربنا جل جلاله: أَمْ لَهمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ [الشورى:21].

    وأقول: إخوتي وأخواتي! إن للعبادة أهدافاً، يعني: نحن نعبد الله عز وجل لأهداف، وهذه الأهداف على قسمين: أهداف رئيسية وأهداف ثانوية. ‏

    أما الأهداف الرئيسية فتتمثل في أمرين اثنين:

    عبادة الله لأنه مستحق للعبادة

    الأول: أننا نعبد الله عز وجل؛ لأنه أهل لأن يعبد، فقد أخذ الله علينا الميثاق، ونحن في ظهر أبينا آدم عليه السلام بأن نعبده، وأن نوحده، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172]، فكلنا شهدنا بأن الله ربنا، وهذا الرب الكريم العظيم الجليل الذي أوجدنا من العدم، وأمدنا بالنعم أهل لأن يعبد، وأهل لأن يحمد، وأهل لأن يشكر جل جلاله؛ ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حقاً لله عز وجل على العباد، فقد سأل معاذاً رضي الله عنه فقال له عليه الصلاة والسلام: ( يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال عليه الصلاة السلام: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً )، فنحن نعبد الله عز وجل؛ لأنه أهل لأن يعبد.

    وهذه الأهلية ذكرها ربنا جل جلاله في أول نداء في القرآن حين قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:21]، فنحن نعبده؛ لأنه جل جلاله خالقنا، وخالق آبائنا، وأمهاتنا، وأجدادنا، وجداتنا، قال تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22].

    عبادة الله شكراً لإنعامه علينا

    الثاني: أننا نعبد الله من أجل أن نشكر نعمه جل جلاله علينا، فنعبده من باب شكر النعمة سبحانه، قال تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[البقرة:28]، فهذا الإله العظيم الجليل الكريم الحليم، أهل لأن يشكر، وشكره يكون بعبادته سبحانه، وهذا المعنى أشار إليه نبينا صلى الله عليه وسلم حين كان يقوم من الليل حتى تورمت قدماه، فقالت له أمنا عائشة رضي الله عنها: ( يا رسول الله! لم تصنع ذلك، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: يا عائشة ! أفلا أكون عبداً شكوراً؟ )، فالله جل جلاله الذي غفر لي، والذي أكرمني أهل لأن يشكر.

    يقول بعض أهل العلم في كلمات طيبات تقرر العبادة لله عز وجل:

    هب البعث لم تأتنا رسله وجاحمة النار لم تضرمِ

    أليس من الواجب المستحق حياء العباد من المنعم

    يعني: لو فرض بأن الله عز وجل ما خلق النار، ولو فرض بأنه ليس هناك بعث ولا نشور.

    أليس من الواجب المستحق حياءُ العباد من المنعم.

    أي: واجب علينا أن نشكر الله عز وجل وأن نحمده، ولو أن واحداً من الناس أسدى إليك معروفاً، فلا تطيب نفسك حتى تحمد إليه ذلك المعروف، فما بالك والنعم كلها التي عندك إنما هي من الله، كما قال سبحانه: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ [النحل:53-54]، اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم:40].

    1.   

    الأهداف الثانوية للعبادة

    أما الأهداف الثانوية: وهي التي نتحصلها من العبادة فتتمثل في أربعة أمور:

    معالجة أدواء النفس وما يحيط بالإنسان من مشاق

    الأول: انشراح الصدر، وتفريج الهم، وتنفيس الكرب، والمران على الصبر، وغير ذلك من معالجة أدواء هذه النفس، فالإنسان يتعرض في هذه الدنيا لكرب عظيمة، وبلايا جسمية، ويتعرض له أعداؤه، ومنافسوه وحساده، فإذا ضاق صدره واشتد كربه، فينبغي أن يلجأ إلى العبادة، كما قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [الحجر:97]، فما المخرج يا رب؟ قال: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:98-99]، ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة )، وقال: ( أرحنا بها يا بلال )، وهذا المعنى أشار إليه ربنا عز وجل حين قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153]، و عبد الله بن عباس رضي الله عنه كان في طريق سفر، فنعي إليه أخوه قثم رضي الله عنه، فتنحى عبد الله بن عباس بعدما استرجع، وصلى لله ركعتين، ثم قال: مصيبة جبرها الله، وعورة سترها الله، واستعينوا بالصبر والصلاة، ففي العبادة تفريج للهم، وتنفيس للكرب، وشرح للصدر، وتحصيل لطمأنينة النفس.

    الوصول إلى لذة المناجاة

    الثاني من أهداف عبادتنا لله عز وجل: الوصول إلى لذة المناجاة، فلو أن الواحد منا كان عند واحد من ملوك الدنيا، واستشعر منه الرضا، بأنه راض عنه، فإنه يسعد ويطرب، حتى لربما أخرجه ذلك عن وقاره، فما بالك وأنت في حضرة ملك الملوك، من بيده ملكوت كل شيء، من يقول للشيء: كن فيكون، من يحي ويميت، ويعطي ويمنع، من بيده خزائن السموات والأرض جل جلاله، من يده سحاء الليل والنهار لا يغيضها عطاء سبحانه وتعالى؛ ولذلك وصل بعض الصالحين إلى هذه الدرجة، فما كان يشعر بالألم، ومنهم: عروة بن الزبير رضي الله عنه، لما وقعت الأُكلة في رجله، وقيل له: لا بد من قطعها، وأرادوا أن يسقوه منوماً مخدراً، فقال: لا، إذا دخلت في صلاتي فاقطعوها، ففعلوا به ذلك وما شعر بشيء، وبعض الناس ربما يستغرب حين يسمع هذا الكلام، نقول له: استحضر قول الله عز وجل: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف:31]، يعني: هؤلاء النسوة لما رأين يوسف شغفن بجماله، وأعجبن بحاله؛ ولذلك قطعن أيديهن وهن لا يشعرن بالألم، فإذا كان هذا مع بشر، فما بالكم بمن تكون صلته برب العباد جل جلاله؟

    القيام بأمانة التكليف

    الثالث من أهداف العبادة: القيام بأمانة التكليف، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا[الأحزاب:72]، فالصلاة أمانة، والزكاة أمانة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانة، وأداء الحقوق أمانة، وبر الوالدين أمانة، وحسن الخلق أمانة، وقد كلفنا الله عز وجل بذلك كله؛ ولذلك فإن الإنسان الموفق يشعر بالسعادة إذا قام بنوع من أنواع هذه العبادة؛ لأنه تكليف أخذه الله على العباد، فمن أدى لله أدى الله له كل خير، قال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة:40]، وقال صلى الله عليه وسلم: ( احفظ الله يحفظك )؛ ولذلك قال الفخر الرازي رحمه الله تعالى: رأيت أعرابياً أوقف بعيره على باب المسجد، ثم دخل فصلى صلاة خاشعةً، أتمها، وأحسن ركوعها وسجودها، ثم أحسن الدعاء، فلما فرغ من صلاته خرج فلم يجد بعيره، فقال: يا رب! هذه أمانتك قد أديتها فأين أمانتي؟ يعني: يا رب! هذه الصلاة قد أديتها على الوجه الذي طلبته، أين أمانتي؟ فما لبث إلا قليلاً حتى قدم رجل يقود ذلك البعير حتى أسلمه إليه، قال: فعجبنا من حاله، ولا نستغرب ذلك بعد سماعنا قول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ).

    تحصيل سعادة الدارين

    الرابع من أهداف العبادة: تحصيل التقوى واستقامة الأمر، وصلاح الحال، وتحصيل السعادة في الدنيا والآخرة، فالإنسان إذا عبد الله حصلت له التقوى؛ ولذلك قال الله عز وحل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[البقرة:183]، وقال سبحانه: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:21]، لماذا؟ قال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، فالتقوى تتحصل عن طريق العبادة.

    وكلمة: (الله أكبر)، هذه الكلمة العظيمة نقولها تصريحاً في الصلاة، وفي الأذان، وفي الإقامة، وفي الجهاد، وفي الأعياد، وغير ذلك من المواطن، وفي الحج نكثر من تردادها، ثم بعد ذلك هي تأتي ضمناً في العبادات الأخرى، فمثلاً في الصيام الإنسان المؤمن عنده الطعام وعنده الشراب، والباب مغلق لا يراه أحد، لكن الله أكبر عنده من شهوة نفسه، ومن رغبات جسده، وقل مثل ذلك في المال، فالإنسان يحب المال، ويحرص عليه، وشحيح به، لكن الله أكبر عنده من المال، فلا يسرق ولا يجلب المال من الحرام، ولذلك نقول: العبادة بالجملة تحقق محبة الله عز وجل، كما قال سبحانه: ( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ).

    اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا لك ذاكرين، لك شاكرين، لك مخبتين، لك مطواعين، إليك أواهين منيبين.

    1.   

    الأسئلة

    المتصل: نحن في بلدنا اتفقنا على تخفيف المهور، وعلى أن الدعوة تكون على مرطبات فقط، وقرأنا على ذلك الفاتحة، فما رأيكم في عملنا هذا؟

    الشيخ: شكراً لك. نجيبك بإذن الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: في إحدى الجرائد كاتب زعم أنه لا عذاب يوم القيامة، فما ردكم عليه؟

    السؤال الثاني: أسأل عن الصلاة بين الأذان الأول والثاني في صلاة الصبح، هل تعتبر من قيام الليل؟

    الشيخ: شكراً لك، نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: الله يسلمك يا شيخ عبد الحي ! بخصوص صيام شهر الله المحرم، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم )، ( وكان عليه الصلاة والسلام يصوم شعبان إلا قليلاً )، فأيهما أفضل صيام شهر الله المحرم أم صيام شعبان؟

    الشيخ: أبشر نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: أسأل عن صلاة الليل، إذا صليت بعد الشفع مباشرة، ثم نمت، فهل صلاتي تعتبر من قيام الليل؟

    الشيخ: أبشر أجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: ما معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ( اتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء

    السؤال الثاني: أسأل عن النساء اللاتي يستخدمن المكياج والألوان في الشفتين، والنمص والوشم، ثم يخرجن إلى السوق، فما حكم ذلك؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: إذا اغتسلت يوم الجمعة، هل أصلي به بدون وضوء؟

    السؤال الثاني: باع رجل سلماً على أن يعطيه شوالين من بلح وقت الجذاذ، فلما جاء وقت الجذاذ لم يحصل من الأرض شوالين من البلح، فكيف يكون القضاء؟

    الشيخ: شكراً لك، أجيبك إن شاء الله.

    اتفاق أهل بلد على تخفيف المهور

    السؤال: أخونا صديق يذكر أن أهل بلده قد تواطئوا فيما بينهم على خطة محكمة لتيسير أمر الزواج، وهذه الخطة تشمل تخفيف المهور، وأن تكون دعوة العرس قاصرةً على المرطبات، يعني: ليس فيها شيء من اللحم أو غيره، فما رأيكم بهذا العمل؟

    الجواب: نقول: هذه خطوة مباركة، والقائمون عليها والساعون فيها مأجورون؛ لأن فيها تيسيراً على الناس وتنفيساً لكربهم، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: ( من نفس عن مسلم كربةً من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسرٍ يسر الله عليه )، فكثير من الشباب الآن في كربة عظيمة، تجدهم تواقون إلى الزواج، لكنهم لا يستطيعون لكثرة التكاليف التي فرضتها الأعراف، وطالما أن هؤلاء الناس قد تعاهدوا على ذلك، فالوفاء مطلوب، قال الله عز وجل: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل:91]، وقال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، والنبي عليه الصلاة والسلام أمر بالوفاء، وكان أوفى الناس بالذمم.

    قال الشاعر في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:

    وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء

    عليه الصلاة والسلام، فطالما أن هؤلاء الناس جلسوا، وقرءوا الفاتحة على ذلك، فهذه عهود بين الناس، وجرى العرف بأن قراءة الفاتحة تعني: توكيد الأمر وتوثيقه؛ ولذلك دائماً حتى في عقد النكاح نختمه بهذه الفاتحة؛ فلذلك يا صديق! أخبر الناس بأن هذا عهد، والوفاء به واجب، والنكوص عنه ممنوع.

    إنكار العذاب يوم القيامة

    السؤال: أخونا عبد الله من سوبا يقول: بعض الجرائد نشرت عن بعض الناس بأنه قال: لا عذاب يوم القيامة؟

    الجواب: هذه الجريدة أنا رأيتها قبل أيام، فقد جاء بها أحد الناس إلي في بعض الدروس، وأظن الرجل الذي قال هذا الكلام من ليبيا، وحقيقةً ذكروا في الجريدة اسماً ليس معروفاً بين أهل العلم.

    وأنا أريد أن أقول كلمة: ليس كل كلام يستحق أن يرد عليه، وأن يجاب عنه، وأن يشتغل الناس به، وأن يلتمسوا الأدلة له، كما قال مالك رحمه الله: أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل، تركنا ما عرفناه واتبعناه؟!

    فنقول: آيات القرآن ونصوص السنة تبين بأن أهل النار - والعياذ بالله - يعذبون بالنار عذاباً حسياً، وأنهم يعذبون بالطعام والشراب واللباس، وأنهم يعذبون حتى بالكلام، وهذا كله عذاب حسي وعذاب نفسي، يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56]، ومع هذا النص الواضح يأتي واحد يقول: لا عذاب يوم القيامة، وأن المسألة تخويف وكذا، فمثل هذا الكلام هراء لا يستحق أن يجاب عنه، وربنا جل جلاله يقول: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:19-21]، ويقول: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29]، ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم في وصف عذاب أهل النار: ( إن في النار حيات تلسع إحداهن اللسعة يجد حموتها سبعين خريفاً ).

    وهذا الذي يقول: لا عذاب يوم القيامة. يلزمه أن يقول: لا نعيم يوم القيامة، إذاً: الخلق عبث، والله عز وجل يقول: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى[القيامة:36]، يعني: يعيش فقط، ثم يموت وانتهى الأمر، كما كان الدهريون يقولون: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24]، الله جل جلاله عابهم بـأنهم كانوا يقولون: مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:32]، نسأل الله أن يرزقنا إيماناً صادقاً، ويقيناً ليس بعده كفر.

    الصلاة بين أذاني الفجر والوتر أول الليل

    الشيخ: بالنسبة لسؤال أخينا عبد الله في الصلاة بين أذاني الفجر الأول والفجر الثاني، فنقول: نعم، هي قيام في الأخير من الليل؛ لأن الأذان الأول لا يكون إلا في آخر الليل، فمن صلى الليل قبل الفجر فهذا قيام ليل، قبل طلوع الفجر الصادق، وأيضاً أخونا أحمد من الشمالية الذي قال: بأنه يقيم الليل بعد ركعتي الشفع، نقول: هذا طيب، ( فمن كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أوله، ووسطه، وآخره )، يعني: أحياناً كان صلى الله عليه وسلم يصلي في الثلث الأول من الليل، يعني: بعد العشاء كان يصلي الركعات التي يريدها ويوتر وينام، وأحياناً كان ينام ثم يقوم في نصف الليل ويصلي، ثم يرجع فينام عليه الصلاة والسلام، وأحياناً كان يصلي في آخر الليل، وكله سنة، ومن فعل ذلك فهو على خير عظيم، قال صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بقيام الليل، فإنه مرضاة لربكم، ومطردة للداء عن أجسادكم، وهو دأب الصالحين من قبلكم ).

    الجمع بين روايات فضل صيام المحرم وفضل صيام شعبان

    السؤال: أخونا أحمد محمد من أبو ظبي، سأل عن صيام المحرم وصيام شعبان، يقول بارك الله فيه: ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أحب الصلاة إلى الله بعد الفريضة قيام الليل، وأحب الصيام إلى الله بعد رمضان صيام شهر الله المحرم )، ولكن ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم من المحرم، بل ثبت أنه كان يصوم من شعبان، كما قالت أمنا: ( ما رأيته يتم شهراً إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً من شعبان )، فكيف نجمع بين الأمرين؟

    الجواب: العلماء رحمهم الله أجابوا بجوابين:

    الجواب الأول: قالوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم تجدد له علم بأن صيام المحرم أفضل من صيام شعبان، يعني: في آخر حياته عليه الصلاة والسلام.

    الجواب الثاني: وهو الأقرب الأوجه -والعلم عند الله تعالى- أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يصوم -يعني: أياماً من محرم- إما لأنه كان يحب الشيء ولا يفعله؛ لئلا يشق على أمته عليه الصلاة والسلام، وإما لأن المحرم دائماً كان يصادف اشتغاله بما هو أهم، مثل الغزو والجهاد، والسعي في مصالح المسلمين، وتدبير أمر الدولة، ولا شك بأن هذه المصالح أجرها أعظم من الصيام، وهي آكد؛ لأنه في حقه صلى الله عليه وسلم فرض متعين، أما صيام المحرم فهو تطوع.

    وبهذه المناسبة أنبه على شيء مهم: وهو لإخواننا الأساتذة والمدرسين والموظفين وغيرهم، أنه إذا كان صيام التطوع يحول دون إنجازك العمل على الوجه الذي ينبغي فلا تصم؛ لأن العمل الذي كلفت به هو فرض متعين في حقك، والصيام تطوع؛ ولذلك الإنسان العاقل لا يشتغل بالتطوع ويضيع ما هو واجب عليه.

    معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الدنيا واتقوا النساء)

    السؤال: أخونا أحمد من الأبيض يسأل عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء

    الجواب: الحديث واضح بأن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأن نأخذ من الدنيا قدر الكفاية، وألا تستغرقنا بهمومها؛ لأن الدنيا دار ممر، وليست دار استقرار؛ ولذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ( ولا تجعل الدنيا أكبر همي، ولا مبلغ علمي )، فالدنيا فتانة، وإذا فتنت الإنسان فإنه سيصير عبداً لها. وقوله: (واتقوا النساء) يعني: اتقوا اتباع الشهوة؛ لأنه كما قال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ [آل عمران:14]، فجبل الله الرجال على حب النساء، فلو جعل الإنسان غاية همه أن يجري وراء هذه الشهوة، فإنه والعياذ بالله سيتردى بها في نار جهنم. وقوله صلى الله عليه وسلم: ( فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء )، بنو إسرائيل أول ما فتنوا فبدلوا وغيروا ونكصوا على أعقابهم كان ذلك بسبب النساء.

    استعمال المكياج والخروج إلى السوق

    السؤال: سؤالك عن المكياج يا أحمد وأن بعض النساء تكتحل، وتختضب، وتلطخ وجهها بأنواع المساحيق، والبودرات، والمبيض للوجه ونحوه، ثم تخرج إلى الطريق فما حكم هذا العمل؟

    الجواب: لا شك أن هذا ممنوع، لقول الله عز وجل: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:33]، وقال سبحانه: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31]، وقال صلى الله عليه وسلم: ( وليخرجن تفلات غير مزينات، ولا معطرات، ولا مطيبات )؛ ولذلك لا ينبغي للمرأة المسلمة أن تكتحل وتختضب وتتمكيج وتصفر وتحمر ثم بعد ذلك تخرج إلى الطرقات لتسبب فتنة للناس، فهذه من الكبائر الموبقات.

    وأما النمص، والوشر، والوشم، وما إلى ذلك، فهذا كله ممنوع؛ لأنه تغيير لخلق الله عز وجل.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: ذكرت في إحدى حلقات تيسير الوصول إلى غزوات الرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة الخندق أن أبا طلحة رأى الجوع في النبي صلى الله عليه وسلم فذهب إلى امرأته فصنعت طعاماً للنبي صلى الله عليه وسلم، وسمعت الشيخ الدكتور عائض القرني يقول: إن الذي رأى الجوع في الرسول صلى الله عليه وسلم هو جابر ، فما هو التوفيق بين الروايتين؟

    السؤال الثاني: رجل تارك للصلاة، ويعمل معنا، فكيف الحكم بالنسبة له؟ وهل يؤآكل، وكيفية التعامل بيننا وبينه؟

    الشيخ: أبشر إن شاء الله أجيبك.

    المتصل: أنا كنت نويت أمراً في قلبي إذا تحقق لي أصلي أربعين ركعة، فتحقق ذلك الأمر، لكن ما وفقني الله أني أصلي، والآن بدا لي أن أصلي، ويخطر في بالي أني لا أصليها، فماذا أعمل؟

    الشيخ: طيب سنجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: أسأل عن الرقية الشرعية، هل سماع الرقية الشرعية من التلفاز أو الراديو بمثابة القراءة من شيخ؟

    السؤال الثاني: أسأل عن دعاء نصف الليل، فقد سمعت بعض الناس يقول: إن نصف الليل يبدأ من الساعة الثانية، أو بعد الثالثة، فهل هنالك ساعة محددة لنصف الليل؟

    الشيخ: شكراً، نجيبك إن شاء الله.

    إجزاء غسل يوم الجمعة عن الوضوء

    السؤال: أخونا سليمان من الشمالية سأل عن غسل الجمعة، هل يُصلي به من غير وضوء؟

    الجواب: نقول: نعم، يُصلى به إن شاء الله؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: ( من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل )، وإن كان في الحديث كلام من ناحية السند، لكن الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم عادل بين الغسل والوضوء، فدل على أن أحدهما يجزئ عن الآخر.

    وأيضاً غسل الجمعة غسل عبادة، ونصوص الشريعة قاضية بأن الغسل إذا كان غسل عبادة، فإنه يجوز أن يُصلى به؛ لأن الغسل طهارة كبرى، فتندرج فيه الطهارة الصغرى التي هي الوضوء.

    ما يلزم من اشترى سلماً فجاء وقت القضاء ولم توف له الأرض ما اتفق عليه من قيمته مع البائع

    الشيخ: بالنسبة لبيع السلم، وأنه قد تعهد بشوالين بلح، ثم بعد ذلك ما قدر الله أن يكون شوالين، فقضاء السلم بأن تشتري من السوق وتسلمه لصاحب رأس المال، يعني: في عقد السلم الرجل تعهد بشيء غائب، يعني تعهد بأنه في وقت الجذاذ في يوم كذا -حين يأتي وقت حش التمر- وفي شهر كذا، أن أعطي فلاناً الذي هو صاحب المال شوالين، وبناءً على هذا التعهد دفع الرجل إليه قيمة الشوالين في مجلس العقد، فإذا قدر الله على الزرع فأصابته آفة أو غير ذلك فالمزارع ملزم بأن يأتي بالشوالين من السوق، ويسلمهما إلى صاحب المال.

    الجمع بين روايتي جابر وأبي طلحة في إطعام النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق

    الشيخ: بالنسبة لأخينا الذي سأل عن غزوة الخندق، وهل الذي أطعم النبي صلى الله عليه وسلم أبو طلحة أم جابر ؟ فنقول: كلاهما وارد، ولا تعارض بين الروايتين، وكما يقول علماؤنا: يحمل ذلك على التعدد، يعني: الحكاية حصلت مرتين، وهذا كثير في السنة بأن الأحداث تتعدد، وتكون كلها صحيحة، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم أكل في بيت أبي طلحة رضي الله عنه من الطعام الذي صنعته أم سليم ، ويكون أكل أيضاً في بيت جابر رضي الله عنه.

    كيفية التعامل مع قاطع الصلاة

    الشيخ: وأما تارك الصلاة فيتعامل معه بأمرين اثنين:

    أولهما: الدعوة، ندعوه إلى الله، نخوفه، نهدده، نعده، نتوعده، نتلو عليه آيات العذاب، والأحاديث، ونصبر عليه، وليس أن أقول له: صل فقط، بل لا بد من الصبر والمواصلة فيها.

    ثانيهما: الدعاء، ندعو له: اللهم اهد أخانا فلاناً، اللهم خذ بناصيته إلى البر والتقوى، اللهم أعنه على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وما إلى ذلك، فلا بد من دعوة ودعاء معاً.

    ولا أنصح بالمقاطعة، بل آكلوه، وشاربوه، وخالطوه، ولا تقاطعوه؛ لأن المجتمع الآن لا يعين على هذا، فلو كلهم يقاطعون تارك الصلاة، لارتدع تاركوها وتأدبوا وصلوا، لكن للأسف أنت تقاطعه، والآخر يخالطه، فلذلك المقاطعة الآن ما عادت تؤتي أكلها، والعلماء رحمهم الله قالوا: المقاطعة تدور مع المصلحة، إذا كانت المصلحة تتحقق بالمقاطعة لتارك الصلاة، أو لمن كان منبعثاً في المعاصي فإنه يقاطع وإلا فلا.

    الكسل عن الوفاء بالنذر بعد تحقق الشرط

    السؤال: وئام من القطينة قالت: نذرت لله إن حقق لها كذا أن تصلي أربعين ركعة، والأمر تحقق، وتقول: بأنها ما صلت، فكيف تعمل؟

    الجواب: نقول لها: يجب عليك أن تصلي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نذر أن يطيع الله فليطعه )، والله جل جلاله يقول: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ[الحج:29]، وقال عن الأبرار: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، ولكن يا وئام ! نذرك هذا لا تعودي إليه مرةً أخرى، يعني: لا تقولي: يا رب! لو حصل كذا سأعمل لك كذا؛ لأن هذا نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( لا تنذروا، فإن النذر لا يغير من قدر الله شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل )، البخيل: هو الذي يشترط على الله جل في علاه، لكن يلزمك الإتيان بهذه الأربعين ركعةً التي نذرتها، وبادري إلى ذلك بارك الله فيكِ ولا تترددي.

    تحديد وقت نصف الليل

    السؤال: أم وائل من عطبرة، سألت عن نصف الليل متى يكون؟

    الجواب: أنا ما أدري هل تسأل عن ثلث الليل أو نصفه، لكن لعلها تقصد الثلث الأخير من الليل الذي يستجاب فيه الدعاء، ويحقق فيه الرجاء، ويقبل فيه الاستغفار، وهذا الثلث ليس له ساعة محددة، يعني: بأن ثلث الليل من الساعة كذا إلى الساعة كذا، وإنما هذا يختلف باختلاف الأوقات، لكن مثلاً في يومنا هذا أذان المغرب في السادسة وخمس وثلاثين دقيقة، وغداً إن شاء الله الفجر في الساعة الخامسة وخمس وخمسين دقيقة، إذاً: الفترة ما بين السادسة وخمس وثلاثين إلى الخامسة وخمس وخمسين دقيقة، التي هي تقريباً إحدى عشرة ساعةً ونصف، هذه نقسمها على قسمين، سنعرف متى يبدأ نصف الليل، ولو قسمناها على ثلاثة، سنعرف ما هو الثلث الأول، وما هو الثلث الثاني، وما هو الثلث الثالث الذي يستجاب فيه الدعاء، وهذه مسألة إن شاء الله متيسرة، ويمكن لأي إنسان أن يحسبها.

    الرقية من الراديو أو من التلفاز

    الشيخ: بالنسبة للرقية الشرعية يا أم وائل سماعها من الراديو أو من التلفاز إن شاء الله يؤتي أكله، والذي أنصحك به أن تعمدي إلى رقية نفسك بنفسك، فإنه لن يخلص أحد لك كإخلاصك لنفسك.

    المتصل: بول الطفل الذي لم يأكل هل هو نجس أو طاهر؟

    الشيخ: إن شاء الله أجيبك.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: أنا يا شيخ! عندي والدي كبير في السن، عمره ثمانون سنة، وأحياناً لا يدرك الصلاة، فقد يفقد الذاكرة أياماً، وأياماً يتصرف تصرفاً عادياً، وعنده تضخم في القلب، فهل تجوز صلاتي عنه؟

    السؤال الثاني: نقرأ كثيراً في فضائل سور القرآن: من قرأ سورة كذا وكذا فله كذا، قرأنا كلاماً أن هذه الأحاديث موضوعة، فنريد أن تبين لنا السور التي لها فضائل معينة؟

    الشيخ: إن شاء الله أبشر.

    بول الطفل الرضيع

    الشيخ: بالنسبة لأخينا هيثم من الشمالية، سأل عن بول الطفل الرضيع، نقول له: بأن النبي صلى الله عليه وسلم ( أُتي بطفل صغير ليبرك عليه -من أجل البركة- فبال في حجره، فأراد أهله أن يأخذوه )، يعني: استحيا أهل الطفل حيث إنه آذى النبي عليه الصلاة والسلام، ( فقال: دعوه )، وهذا من حسن خلقه صلوات ربي وسلامه عليه، ( ثم دعا بماء فنضحه )، يعني: رشه، وقال عليه الصلاة والسلام: ( ينضح من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية )، يعني: بالنسبة للطفل الصغير الذي لم يطعم سوى اللبن، إذا كان ذكراً فإنه ينضح، أي: يرش من بوله، أما إذا كان أنثى فلا بد من غسل المكان، وقد ذكر العلماء في ذلك عللاً: أقربها - والعلم عند الله تعالى - بأن بول الصبي ينتشر، يعني: الطفل إذا بال يلوث، يعني: يأخذ مكاناً كبيراً من الثوب، فيعسر غسله؛ ولذلك الشريعة خففت وطلبت النضح فقط.

    أما بالنسبة لبول الأنثى فإنه ينحصر في مكان معين، ولذلك يسهل غسله، هذه هي العلة الأقرب والله أعلم.

    وبعض الناس قالوا: بأن الصبي أهله كلفون بحمله، دائماً يحبون حمله، أما الأنثى فليست كذلك، ومن أجل ذلك خففت الشريعة في بول الصبي، وهذا ليس بصحيح، فالإنسان العاقل عنده الذكر والأنثى سواء؛ وقد قدم ربنا عز وجل الإناث على الذكور، فقال سبحانه: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى:49-50].

    وذكر بعضهم في العلة بأن بول الأنثى فيه من النتن والزهم ما ليس في بول الذكر، وهذا أيضاً يحتاج إلى تثبت؛ ولذلك العلة الأولى -والله أعلم- هي الأقرب؛ لأن الشريعة خففت في بول الذكر؛ لأنه ينتشر، أي: يأخذ مكاناً ومساحة كبيرة، أما بالنسبة لبول الأنثى فإنه ينحصر فيسهل غسله، وطبعاً هذا كله مقيد بألا يكون قد طعم سوى اللبن، أما الآن فالطفل مع اللبن يأكل السيريلاك، ويأكل البطاطس، ويأكل الفول، ويأكل أشياء كثيرة؛ ولذلك يغسل بوله حتى لو كان ابن شهرين، طالما أنه يأكل هذه الأشياء.

    الصلاة عن الكبير في السن الذي يفقد ذاكرته أحياناً

    السؤال: أخونا محمد من الجزيرة يذكر بأن والده عافاه الله مصاب بعدة أمراض، وأنه أحياناً تكون ذاكرته حاضرة، وأحياناً ليست كذلك، فيقول: هل يجزئ أن أصلي عنه؟

    الجواب: يا محمد بارك الله فيك، وجزاك الله خيراً على نيتك في نفع الوالد، لكن أجمع أهل العلم على أنه لا يصلي أحد عن أحد، يعني: بالنسبة للإنسان الحي لا يصح أن نصلي عنه، وهذا محل إجماع، وبالنسبة للوالد فإنه في فترة غياب الذاكرة وحصول هذه الغيبوبة ليس مكلفاً؛ لأن مناط التكليف العقل، فإذا سلب الله هذه النعمة فإنه سبحانه لا يكلف العبد بشيء بعد سلبه إياها.

    وأما في لحظة حضور عقله فإنه يصلي على الحالة التي يستطيعها، إن كان يستطيع القيام صلى قائماً، فإن لم صلى قاعداً، فإن لم صلى على جنب، فإن لم صلى على ظهره، أو على بطنه، أو على الحالة التي يستطيع بها الصلاة، وإذا كان لا يستطيع الطهارة المائية فإنه ينتقل إلى الطهارة الترابية، وأعينوه، أسندوه، وهيئوا له المكان وما إلى ذلك.

    حال الأحاديث الواردة في فضل السور

    الشيخ: بالنسبة لفضائل السور يا محمد ! فإن هناك سوراً ورد في فضلها أحاديث لا تثبت، منها أحاديث ضعيفة شديدة الضعف، ومنها موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تولى كبر ذلك الوضع رجل يقال له: نوح الجامع ، وهو نوح بن أبي مريم ، وقال: إني رأيت الناس قد انصرفوا إلى فقه أبي حنيفة ، ومغازي محمد بن إسحاق ، فأحببت أن أردهم إلى القرآن، لما قيل له: أنت تكذب على رسول الله، قال: أنا أكذب له، ولا أكذب عليه.

    وهناك أحاديث صحيحة في فضائل السور، كسورة البقرة، وآل عمران وكذلك ورد في سورة الكهف قال صلى الله عليه وسلم: ( من حفظ عشر آيات من أول الكهف عصم من الدجال )، وورد أيضاً عند الترمذي في فضل سورة الملك، وأنها تنجي صاحبها من عذاب القبر، ووردت الأحاديث الصحيحة في فضل: (قل هو الله أحد)، وأنها تعدل ثلث القرآن، وفي فضل المعوذتين، وفي فضل آية الكرسي، وفي فضل خواتيم سورة البقرة، وخواتيم الحشر، وأول حم المؤمن، أي: سورة غافر، إلى غير ذلك من المواضع التي وردت فيها أحاديث صحيحة ثابتة.

    وأما سورة الواقعة، فالحديث فيها لا يصح، وكذلك القول بأن: ((قل يا أيها الكافرون))، تعدل ربع القرآن، وأن ((إذا زلزلت)) تعدل ربع القرآن، وكذلك الأحاديث الواردة في سورة يس، كل ذلك قد بين العلماء رحمهم الله حالها، وذكروا ضعفها.

    والذي أنصحك به يا محمد ! أن تقرأ القرآن كله، فلا يأتي عليك شهر إلا وقد ختمته، والقرآن كله كلام الله جل جلاله، ويكفيك قول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم ) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ).

    رقية الإنسان نفسه

    الشيخ: بالنسبة للرقية الشرعية التي سـألت عنها أختنا أم وائل فإن أفضل شيء أن يعود الواحد منا نفسه أن يستشفي بالقرآن، يعني: ما نعود أنفسنا أن نلجأ لفلان أو فلان من الناس ونقول له: اقرأ لنا، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه الرقية، ويعلمهم الدعاء، وقال: ( علميها رقية النملة )، وقال صلى الله عليه وسلم: ( اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً )، ومعنى ذلك: أنه يشجع الصحابة رضوان الله عنهم على أن الواحد منهم يعمد إلى رقية نفسه، ولا مانع أيضاً من أن يرقي الإنسان أخاه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل )، لكن ما يتخذ ذلك مهنة.

    المتصل: أسأل عن مقدار النجاسة إذا نقطت نقطة من الدم في الثياب التي أنت تلبسه، أو نطفة من البول، يعني: ما هو المقدار للنجاسة التي هي عفو، ويجوز أن تصلي وهي في ثوبك؟

    الشيخ: طيب أبشر أجيبك إن شاء الله.

    المتصل: واحدة قالت: الرقم: اثنين، أربعة، أربعة، ثلاثة، أربعة، قال: هذا رقم الله، وهناك واحد ركب معنا مواصلات في سوق العربي ولما نزل قال: أنا الله، فما الحكم في هذا؟

    الشيخ: شكراً، نجيبك إن شاء الله.

    قدر النجاسة المعفو عنها

    الشيخ: بالنسبة لأخينا عبد المنعم من أركويت فنقول له: عندنا باب النجاسات سيأتي الكلام عنه إن شاء الله بعد حلقتين، وعندنا باب آخر اسمه باب المعفوات، يعني: هناك أشياء يشق الاحتراز منها، ومن ذلك: قضية الدم، فهذه يشق الاحتراز منها؛ لذلك علماؤنا رحمهم الله قالوا: يعفى عن قدر الدرهم البغلي، يعني: الإنسان أحياناً ربما يأخذ حقنة، فتخرج قطرات من الدم تصيب ثيابه، فهذه إن شاء الله ليس فيها حرج، والإنسان يصلي بها؛ لأنها شيء يسير، وكما قال علماؤنا: المشقة تجلب التيسير.

    ومثله أيضاً: الذباب يقف أحياناً على النجاسة، ثم يأتي ويقف على ثوبك، ولربما على عمامتك، أو على قلنسوتك، فمثل هذا أيضاً هناك مشقة في الاحتراز منه، وعلى كل حال سيأتي التفصيل إن شاء الله في بيان أنواع النجاسات وبيان المعفوات، وأنا أرجو من الناس دائماً أن يعتنوا ببداية الحلقة التي تتناول في كل ليلة إن شاء الله موضوعاً جديداً.

    ادعاء بعض الأشخاص أن عدد ركعات الصلاة هي رقم الله تعالى

    الشيخ: بالنسبة للأخت الغالية من دار السلام فنقول لها: هذا كلام عبارة عن هرطقة، وزندقة، ولا يرد عليه؛ لأنه قد يكون القائل مجنوناً، يعني: الذي يقول: إن اثنين، أربعة، أربعة، ثلاثة، أربعة، هذا الرقم لله، والأخ الذي يدعي بأنه رب العالمين، الذي يقول: أنا رب العالمين، إما أنه مجنون، وإما أنه المسيح الدجال ، يعني: لأن هذه الدعوى يدعيها الدجال عليه لعنة الله، فإنه يخرج على الناس ويزعم أنه رب العالمين، فالناس لا ينتبهون لمثل هذا، بل يعرضون عنه، قال تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55].

    أسأل الله أن يعلمنا علماً نافعاً، وأن يرزقنا عملاً صالحاً، وأن يختم لنا بالحسنى، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.