إسلام ويب

أركان الصوم وشروط وجوبهللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصيام عبادة عظيمة، فرضه الله سبحانه وتعالى على الأمة المحمدية كما فرضه على الأمم السابقة، والصيام في الإسلام لا يجب على المرء إلا بشروط وهي: أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً، قادراً على الصيام قدرة بدنية خالياً من العوارض البدنية كالتي تمر بها المرأة من حيض أو نفاس، وأن يكون مقيماً فلا يجب الصيام على المسافر مسافة القصر.

    1.   

    تلخيص لما سبق من أحكام ثبوت شهر رمضان

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة والنعمة المسداة، والسراج المنير والبشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فقد سبق بأن دخول رمضان يثبت من طريقين:

    الطريق الأول: رؤية الهلال: فإذا رأى عدلان الهلال وشهدا بذلك؛ فإن دخول الشهر يثبت؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته).

    وذكرنا بأن المقصود بذلك عموم المسلمين، وليس لكل واحد على حدة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام الذي قال هذا الكلام هو نفسه لم يكن يرى الهلال، وإنما يُرى من قبل بعض الناس، ولذلك ما يفعله بعضهم حين يقول: أنا لن أصوم حتى أرى الهلال بنفسي. خطأ لا يقر عليه.

    الطريق الثاني لإثبات دخول الشهر هو: إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين).

    وأما إثبات دخول الشهر عن طريق الحساب الفلكي، فقد قال به بعض العلماء مستدلين بقول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ[يونس:5]، وبقول الله عز وجل: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ[الرحمن:5]، وبأن علم الفلك علم منضبط، ومعطياته صحيحة، وليس هو من قبيل الكهانة والتنجيم.

    واستدلوا كذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا أمة أمية لا نقرأ ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني: ثلاثين يوماً، أو هكذا وهكذا وهكذا وقبض إبهامه يعني: تسعة وعشرين يوماً).

    قالوا: فإذا زالت الأمية وبدأ الناس يكتبون ويحسبون فلا بأس أن يستدلوا بمنازل القمر وبما يثبته الحساب في الاستدلال على دخول الشهر.

    وكذلك: قاسوا الصيام على الصلاة، فقالوا: بما أن الصلاة يثبت دخولها بالحساب، فنعرف بذلك متى تزول الشمس ومتى يطلع الفجر، ونعرف متى تغرب الشمس ومتى يغيب الشفق؛ فكذلك الهلال نعرفه عن طريق الحساب.

    وقالوا: أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته) فالمقصود به: الرؤية العلمية وليست الرؤية البصرية، بدليل أن الأعمى والمحبوس كلاهما مأمور بالصيام رغم أن الرؤية لا تتأتى لهما.

    لكن جمهور العلماء في القديم والحديث يقولون بأن الحساب الفلكي لا يستقل بإثبات دخول الشهر ولا بخروجه، لأن الشريعة علقت ذلك على علامة معروفة يستطيعها كل واحد وهي: رؤية الهلال، سواء كانت الرؤية بالعين المجردة أو كانت الرؤية بواسطة الوسائل المكبرة والمجاهر وما إلى ذلك.‏

    1.   

    شروط وجوب الصيام

    والصيام لا يجب إلا على من توافرت فيه شروط خمسة، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والقدرة البدنية، والإقامة.

    الشرط الأول: الإسلام

    ولو أننا أسقطنا شرط الإسلام باعتبار أن الكافر مأمور بفروع الشريعة مخاطباً بها فيمكن أن نجعل مكان الإسلام الطهارة من دم الحيض والنفاس، فالحائض والنفساء لا يجب عليهما الصوم أداءً، ولكن يلزمهما قضاءً، بخلاف الصلاة فإنها لا تلزمهما أداءً ولا تلزمها قضاءً، فالحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة.

    الشرط الثاني والثالث: البلوغ والعقل

    الشرط الأول: البلوغ: فيستحب لنا -معشر أهل الإسلام- أن نأمر صغارنا بالصيام وأن نشجعهم عليه، وأن نحثهم عليه، وأن نكافئهم على ذلك من أجل أن يعتادوه إذا كبروا.

    فالصغير إذا أطاق الصيام وصار قادراً عليه فإننا مثلما نأمره بالصلاة نأمره كذلك بالصيام، فنقول له: صم فقد صرت رجلاً، ونقول للبنت: لقد صرت امرأة فصومي، ونبين لهم فضائل الصيام ونشجعهم على ذلك؛ مثلما كان يفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما الدليل على أنهم كانوا يفعلون ذلك؟ حديث الربيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت: ( فكنا نصومه ونصوم صبياننا، فإذا بكوا جعلنا لهم اللعبة من العهن)، فكان الطفل الصغير إذا بكى من الجوع يجعلون له بعض الألعاب حتى يكون وقت الإفطار.

    وكذلك مر معنا أن عمر رضي الله عنه لما جيء له بشخصٍ قد شرب خمراً في نهار رمضان فجلده عمر وقال له: أتفعل ذلك وصبياننا صيام؟! فقول عمر : وصبياننا صيام؟! دليل على أنه كان من عادة الصحابة أن يصوّموا الصغار.

    لكن بشرط أن يكون مطيقاً للصيام، أما إذا كان لا يطيق الصيام لضعف بنيته ووهن جسده فإننا لا نصومه؛ لأن الله قال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[البقرة:195].

    والشرط الثاني: العقل: فالمجنون مرفوع عنه القلم ولا يخاطب بالتكاليف الشرعية.

    الشرط الرابع: القدرة

    الشرط الثالث: القدرة على الصيام، فلا يجب على المريض، والمريض نوعان: النوع الأول: أن يكون مرضه طارئاً؛ كمن أصيب بزكام أو ملاريا أو نحو ذلك من الأمراض التي تأتي وتزول.

    النوع الثاني: من كان مرضه مستديماً، نسأل الله العافية لجميع المسلمين.

    فمن كان مرضه طارئاً قال الله عز وجل في شأنه: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة:184]، ومن كان مرضه مستديماً قال الله عز وجل في شأنه: فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ[البقرة:184]، فمن كان مرضه مستديماً لا يطيق الصوم، كمن كان شيخاً كبيراً لا يطيق الصوم، فحكمه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، لكل مسكين مدان من طعام، وعند المالكية يقولون: بأن هذا على سبيل التطوع لا على سبيل الوجوب.

    أما بالنسبة للمريض مرضاً طارئاً فقد تقدم معنا الكلام بأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: من كان مرضه خفيفاً لا يؤثر معه الصيام، كمن قلع ضرساً أو جرح في أصبعه، فهذا يجب عليه أن يصوم لأنه لا يشق عليه الصوم.

    القسم الثاني: من كان مرضه شديداً ويستطيع الصيام ولكن مع مشقة، فهذا الأفضل له أن يفطر؛ لأن الله يحب أن تؤتى رخصه، ولأن الله تعالى يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر.

    القسم الثالث: من كان مرضه شديداً بحيث أنه لو صام ربما هلك وربما فقد حاسة من حواسه، فمثل هذا يقال له: لا يجوز لك أن تصوم، ويحرم عليك أن تصوم؛ لأن الله تعالى قال: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا[النساء:29]، ومثله الشيخ الكبير الطاعن في السن، والمرأة العجوز، وهؤلاء جميعاً نقول لهم: لا يجوز لكم أن تصوموا؛ لأن الله تعالى رحيم كريم.

    صيام الحامل والمرضع

    وأما الحامل والمرضع فلا ينتظمهما حكم واحد؛ لأن النساء لسن سواء، فبعض النساء يكن ذوات حمل وهن صائمات والصوم لا يؤثر عليهن ولا على أطفالهن، وبعض النساء يكن مرضعات ويصمن ولا يضرهن الصيام، فهؤلاء يجب عليهن أن يصمن؛ لأنهن مخاطبات بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ[البقرة:183]، وبقول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[البقرة:185].

    أما إذا كانت الحامل تخشى على نفسها أو على الجنين، أو المرضع تخشى على طفلها فإنهما تفطران، والدليل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام).

    فقوله: (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة) بمعنى: أن المسافر يصلي جميع الصلوات ركعتين إلا المغرب، فإنه يصليها ثلاثاً ليس فيها قصر، لقوله: (وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصيام).

    فمن المعلوم أن الحديث ذكر فيه المسافر والمرضع والحامل:

    فالمسافر يجب عليه القضاء، وكذلك الحامل والمرضع بجب عليهما القضاء، ولا شيء غير القضاء.

    وأما ما قاله بعض أهل العلم: من أن المرضع يجب عليها مع القضاء إطعام مسكين، فلأنهم يفرقون بين من أفطر لمصلحة نفسه، ومن أفطر لمصلحة غيره.

    لأن المرضع لم تفطر من أجل نفسها، وإنما أفطرت من أجل الطفل الصغير.

    ومثاله: قالوا: لو أن حريقاً شبّ وإنسان يريد أن يطفئ هذا الحريق، واجتهد في ذلك إلى أن بلغ منه العطش كل مبلغ ولا يستطيع مواصلة الإطفاء إلا إذا شرب. قالوا: فإنه يفطر ثم يقضي ويطعم.

    ومثله أيضاً: من بذل مجهوداً في إنقاذ غريق، أو إنقاذ مجموعة من الغرقى، ولم يستطع ذلك إلا بأن يفطر، وهو في هذه الحالة أفطر لمصلحة غيره. فقالوا: فإنه يقضي ويطعم.

    فنقول هنا: إن الشريعة ما دلت إلا على القضاء، لأن الإنسان إذا أفطر سواء كان لمصلحة نفسه أو لمصلحة غيره فإنه لا يجب عليه إلا القضاء، وليس شيء سوى القضاء.

    الشرط الخامس: الإقامة

    ومن شروط وجوب الصيام: الإقامة، فمن كان مسافراً جاز له أن يفطر، والمسافرون على ثلاثة أنواع: النوع الأول: إذا كان المسافر يستطيع الصيام من غير مشقة فإنه ينبغي له أن يصوم، النوع الثاني: إذا كان يستطيع الصيام ولكن مع مشقة فخير له أن يفطر. والنوع الثالث: إذا كانت المشقة شديدة فإننا نقول له: يجب عليك أن تفطر.

    والدليل على أن المسافر مخير بين أن يصوم وبين أن يفطر حديث حمزة الأسلمي رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ( يا رسول الله! إني كثير السفر فماذا أصنع للصوم؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر). فخيره النبي صلى الله عليه وسلم.

    وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر؛ كما قال الصحابة رضي الله عنهم: (كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الشديد الحر، حتى إن أحدنا ليتقي الحر بيديه، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة ).

    فالصحابة كانوا مفطرين والرسول صلى الله عليه وسلم كان صائماً.

    وبعض الناس قد يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس من البر الصيام في السفر).

    فنقول: إن هذا الحديث له سبب، والسبب هو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً كان صائماً فتعب تعباً شديداً إلى أن لزم الأرض، والناس قد ظللوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (ليس من البر الصيام في السفر)، يعني: إذا أوصلك إلى هذه الحالة لم يعد صياماً؛ بل صار معصية، لأنك ستهلك نفسك، والحديث ليس على إطلاقه:

    فمذهب الظاهرية رحمهم الله: أن من صام في السفر وجب عليه القضاء، وقالوا: إن من صام في السفر كمن أفطر في الحضر.

    أي: من أفطر في الحضر فهو آثم، فكذلك من صام في السفر، قالوا: لأن الله قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ[البقرة:184] قالوا: فالواجب عليه القضاء وليس الصيام. وقالوا: ولا يصح منه الصيام، وهذا كعادتهم رحمة الله عليهم في الأخذ بظواهر النصوص، مثلما قالوا في قول النبي صلى الله عليه وسلم (البكر تستأذن وإذنها صماتها أو سكوتها) فقالوا: لو أن أباً استشار ابنته فقال لها: تقدم إليك فلان، فقالت: موافقة. أو قالت: رضيت، قالوا: هذا لا ينفع بل لا بد أن تسكت.

    والرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: السكوت إذن فمن باب أولى الكلام، فلو أنها قالت: رضيت. أو قالت: زوجوني. فالظاهرية رحمة الله عليهم قالوا: لا بد أن تسكت.

    ومثله أيضاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه). قالوا: معناه: لا يبول في الماء ثم يغتسل فيه، لكن لو بال في إناء ثم صبه فجائز لأنه لم يبل فيه! وهذا جمود على ظاهر النص مما يتنافى مع روح الشريعة.

    شروط السفر الذي يباح فيه الفطر

    والسفر الذي يبيح الفطر لا بد أن تتوفر فيه خمسة شروط:

    الشرط الأول: أن يكون سفراً مشروعاً؛ كسفر العمرة، فمثلاً: شخص في رمضان سافر للعمرة، وشخص في رمضان سافر لصلة رحم، وآخر سافر لعيادة مريض؛ فقدم من الخرطوم إلى الكوّة، وليس له مصلحة في الكوّة إلا أن يعود مريضاً؛ فهذا سفر طاعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من عاد مريضاً قعد في خرفة الجنة حتى يرجع، ومن عاد مريضاً صلى عليه سبعون ألف ملك إن كان ممسياً حتى يصبح، أو كان مصبحاً حتى يمسي).

    أو شخص سافر لتشييع جنازة، فهذا سفر طاعة، سافر لتعزية في ميت، فهو سفر طاعة، أو سافر سفراً مباحاً كالتجارة، فيجوز له أن يفطر.

    أما إذا كان مسافراً سفر معصية، مثاله: من سافر لقطع الطريق، كأن يعلم بأن هناك أناساً عندهم ذهب في مكان كذا يسافرون إلى مكان كذا، فذهب ليقطع عليهم الطريق من أجل أن يسلب أموالهم، فهذا سفر معصية.

    ولو أن إنساناً سافر من أجل أن يرابي، فهذا سفر معصية، أو سافر ليقتل نفساً معصومة، فهذا سفر معصية، لا يجوز له أن يفطر ولا أن يقصر الصلاة؛ لأن الرخصة لا يستعان بها على معصية الله عز وجل؛ فهذا أول شرط من شروط السفر المبيح للفطر.

    الشرط الثاني: أن يكون في صوم رمضان لا في صوم واجب سواه. فلو أن شخصاً كان صائماً صوم نذر أو صوم كفارة، كمن عليه صيام شهرين متتابعين لأنه قتل خطأً، أو لأنه ظاهر من امرأته، أو لأنه نذر فقال: لله عليّ صيام شهر مثلاً. فالمالكية يقولون: في السفر لا يفطر. لأن الرخصة خاصة بصيام رمضان.

    الشرط الثالث: أن تكون المسافة مسافة قصر، ومسافة القصر ما زاد على ثمانين كيلو متراً، والدليل على ذلك: أن عبد الله بن عمر و عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين كانوا يقصرون الصلاة في أربعة برد. والبريد: أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. يعني: ستة عشر فرسخاً لثلاثة أميال فتكون مسافة القصر ثمانية وأربعين ميلاً، والميل: ألف وستمائة وسبعون متراً، يعني: تقريباً ثمانون كيلو متراً أو ما يزيد عليها.

    وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يقصرون في المسافة ما بين مكة وجدة، ومكة وعسفان؛ كما ثبت في صحيح البخاري وغيره، فلا بد أن تكون المسافة مسافة قصر.

    أما من خرج هائماً على وجهه لم ينو سفراً فإنه لا يقصر ولا يفطر. مثاله: إنسان خرج للبحث عن مفقود، وفي أثناء بحثه أكمل ثمانين كيلو أو يزيد، فهذا الإنسان لم ينو سفراً أصلاً، وإنما خرج يبحث.

    ومثله الآن من يخرجوا للبحث عن الذهب، فلو أنه خرج من الخرطوم مثلاً إلى عطبرة، فهذا معناه أنه نوى سفراً ابتداءً؛ فله أن يقصر ويفطر، لكنه بعد ما وصل إلى عطبرة وأقام فيها خمسة أيام مثلاً. وبعد ذلك خرج يبحث عن الذهب، فهو لم يخرج من عطبرة ناوياً مسافة قصر لثمانين كيلو أو يزيد، وإنما خرج هائماً على وجهه. فلو وجد الذهب بعد أربعين كيلو لرجع، ولربما لا يجد الذهب إلا بعد مائة كيلو، ولربما لا يجده أصلاً. فمثل هذا لا يقصر ولا يفطر. لأنه لم ينو سفراً ابتداءً.

    الشرط الرابع: أن يرحل من البلد ليلاً قبل الفجر، أما إذا سافر في أثناء النهار فلا يحل له أن يفطر، وهذا مذهب المالكية. قالوا: لأن الله تعالى قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[البقرة:185]، وهذا الإنسان قد شهده وهو حاضر مقيم؛ لأن من طلع عليه الفجر وهو حاضر مقيم فهو مخاطب بهذه الآية فيجب عليه أن يصوم.

    ولكن كان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه من بعده إذا خرجوا نهاراً أفطروا. فلو أن إنساناً أصبح صائماً في نهار رمضان، ثم سافر في أثناء النهار فإنه يجوز له أن يفطر، ولكن بعد شروعه في السفر، وبعدما تغيب عنه بيوت القرية وبساتينها، فمثلاً بعدما خرج من الخرطوم وتجاوز سوقها وغاب عنه بيوت الخرطوم بعد ذلك يجوز له أن يفطر.

    ولكن المالكية رحمهم الله يشترطون هذا الشرط استفادة من الآية، فيقولون: يشترط في جواز الفطر: أن يشرع في السفر ليلاً قبل طلوع الفجر؛ فإن خرج بعد الفجر نهاراً فلا يجوز له الفطر في ذلك اليوم؛ لقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[البقرة:185]، ومن خرج بعد الفجر فقد شاهد بداية الصوم وهو حاضر.

    الشرط الخامس: أن يبيت الفطر قبل الفجر، فإن بيت المسافر الصيام فلا يجوز له أن يفطر في أثناء النهار.

    وهذا الشرط ثبتت السنة بخلافه؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت نية الصيام؛ كما حصل في غزوة الفتح، فقد خرج مع أصحابه وهم صائمون، حتى إذا بلغ كراع الغميم -مكان قريب من مكة- دعا النبي صلى الله عليه وسلم بعس من لبن فشرب، ثم أمر أصحابه بأن يفطروا، وعلل ذلك بأنه أقوى لهم على عدوهم.

    لذلك فالمسافر الرخصة ثابتة في حقه، فلو أنه نوى صياماً ثم بدا له في أثناء النهار أن يفطر فلا حرج عليه أن يفطر.

    الشرط الأول: أن يكون السفر مشروعاً، سفر طاعة أو سفراً مباحاً.

    الشرط الثاني: أن تكون المسافة مسافة قصر.

    الشرط الثالث: أن يكون السفر في رمضان لا في صوم واجب سواه.

    الشرط الرابع: أن يشرع في سفره قبل طلوع الفجر، أما إذا طلع عليه الفجر وهو حاضر فلا يجوز له أن يفطر في أثناء النهار، لأنه شاهد بداية الصوم وهو مقيم.

    الشرط الخامس: أن يبيت الفطر من الليل، فإذا بيت الصيام لا يجوز له أن يفطر في أثناء النهار.

    1.   

    الأمور التي يقع فيها الخلاف بين أهل العلم في أحكام الصيام

    الفقه يعلم الإنسان سعة الأفق وأن يقبل الرأي الآخر، ويعلم أن لهم من الدليل وجهاً، لكن هناك مسألة وهي أن كثيراً من الناس، يقولون: هناك شيخ يقول كذا وشيخ يقول كذا، فظنوا أن المسألة هذه جديدة، فينبغي ألّا نقول هكذا. فالناس منذ أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، المسلمون لم يختلفوا في ثلاثة أمور: في أصول العقائد، وأصول العبادات، وأصول الحلال والحرام، فهذه ليس فيها خلاف، الأمر الأول: أصول العقيدة: فأصول العقائد لم يختلف المسلمون في أن الله واحد، وليس هناك مسلم يقول: إن القرآن مائة وثلاث عشرة سورة، وليس هناك مسلم يقول: إن القرآن مائة وخمس عشرة سورة، ولم يختلف المسلمون في أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فلا نبي بعده، فأصول العقائد متفق عليها، فالجنة والنار حق، وعذاب القبر حق، والصراط والميزان حق.

    الأمر الثاني: أصول العبادات، فكل مسلم يصلي المغرب ثلاثاً والعشاء أربعاً والصبح اثنتين، وهذه الصلوات بعضها سرية وبعضها جهرية، ولم يختلف المسلمون في ذلك، ولم يختلفوا في وجوب صيام رمضان.

    الأمر الثالث: أصول الحلال والحرام، فلم يختلف المسلمون في أن الخمر حرام، وأن لبن الإبل حلال.

    ولم يختلف المسلمون بأنه يحل للإنسان أن يتزوج واحدة واثنتين وثلاثاً، وليس هناك مسلم قال: بجواز التزوج بخمس، ولا يقول مسلم: بأن الزنا حلال، فهذا مما هو معلوم من الدين بالضرورة.

    ولكن هناك مسائل كثيرة يكون فيها رأي ورأي آخر، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: (من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة) فالمتكلم واحد، والكلام واحد، والسامعون الصحابة وكلهم طيبون، وكلهم على خير، ولكن هناك أناس فهموا فهماً وآخرون فهموا فهماً آخر.

    ومثله لما أُسر من المشركين سبعون، فالرسول صلى الله عليه وسلم استشار أبا بكر فقال: منّ عليهم لعل الله أن يهديهم، واقبل منهم الفداء. و عمر رضي الله عنه طلب أن يقتلوا، و عبد الله بن رواحة رضي الله عنه قال: يا رسول الله! انظر في وادٍ كثير الحطب فأجج فيه ناراً ثم اطرحهم فيه.

    ثلاثة صحابة، لكنهم رضي الله عنهم لكل منهم فهمه ورأيه، فهاهنا المالكية رحمهم الله حين يقولون هذا الكلام فإنما لهم وجه من الدليل.

    فبالنسبة للحائض والنفساء لا يصح منهما الصوم، ويجب عليهما القضاء، والدليل على وجوب القضاء حديث معاذة بنت عبد الله العدوية أنها سألت أمها عائشة رضي الله عنها: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت لها عائشة : كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة).

    والعلة في ذلك ظاهرة؛ لأن الصلاة تتكرر وقضاءها يشق، أما الصيام فإن قضاءه لا يشق.

    وسيأتي الكلام عن شروط صحة الصوم وهما شرطان: الإسلام، وأن الأيام التي تصام هي الأيام التي يصح صومها، ثم مفسدات الصوم.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    أركان الصوم

    الركن الأول: النية

    والصوم له ركنان:

    وتعريف الركن هو: ما تتوقف عليه ماهية الشيء.

    أما الركن الأول: فهو النية، مثلما نقول في الوضوء والغسل والتيمم والصلاة والزكاة والحج؛ لأن أول ركن من أركان هذه العبادات هو النية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات)، وهذه النية بالنسبة للصيام لا بد أن تكون من الليل؛ وفي أي جزء من الليل، قبل طلوع الفجر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يجمع الصيام من الليل فلا صوم له )، فلا بد للإنسان أن ينوي من الليل، وهذه النية تصح ولو كانت قبيل الفجر بقليل؛ لأن الله تعالى قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ[البقرة:187]، وهذا بالنسبة للصيام المفروض الذي لا خلاف على وجوب النية فيه من الليل.

    أما بالنسبة لصيام التطوع فلو أن إنساناً يريد أن يصوم تطوعاً فجمهور العلماء قالوا: لا مانع أن تكون النية بالنهار قبل زوال الشمس. فمثلاً: لو أن إنساناً أصبح يوماً من الأيام فانشغل فما شرب شراباً ولا طعم طعاماً إلى أن وجد الساعة الحادية عشرة مثلاً. فقال: لم يبق على غروب الشمس إلا سويعات إذاً فأنا اليوم صائم. فهذا عند الجمهور صومه صحيح بالنسبة للتطوع؛ مستدلين بأن (رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها يوماً فسألها: هل من طعام؟ -يعني: هل عندك طعام؟- فقالت: لا. قال: فإنني اليوم صائم ). معنى ذلك: أنه لم ينو الصيام من الليل، وإلا لو كان نوى الصيام لما سأل عن الطعام.

    لكن المالكية يقولون: بل كل صيام لا بد فيه من تبييت النية من الليل، سواءً كان صوم فرض أم صوم تطوع، مستدلين بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (من لم يجمع النية من الليل فلا صيام له).

    قالوا: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (فإنني اليوم صائم) قالوا: المعنى: فإنني مستديم الصيام. يعني: أنا نويت الصيام وسأستمر في صيامي.

    فقال الجمهور: فلماذا يسأل عن الطعام؟ إذا كان ناوياً الصيام من الليل فلم يسأل عائشة : هل عندكم من طعام؟ قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن الطعام من باب التفقد لأحوال الأهل؛ كما أنك تكون صائماً يوم الإثنين مثلاً فترجع من المسجد بعد الفجر وتسأل الأهل فتقول لهم: هل عندكم عيش؟ فأنت لا تسأل عن الخبز من أجل نفسك، وإنما تسأل من أجل السندويتشات التي يحملها الأولاد إلى المدارس.

    ولا يخفى أن تأويل المالكية هذا بعيد، ولذلك نقول: لو أن إنساناً يريد أن يصوم تطوعاً فلا مانع أن ينوي في النهار، وصومه صحيح، هذا هو الركن الأول من أركان الصيام. وهو النية.

    أما النية في الصوم المتتابع فيكتفى فيها بنية الليلة الأولى مثل صوم رمضان، وصيام الكفارات، والنذر.

    فلو أن الصائم من الليلة الأولى من ليالي رمضان نوى بقلبه أن يصوم الشهر كله أجزأته هذه النية وكفت؛ لأن المالكية رحمهم الله يعتبرون بأن رمضان كله عبادة واحدة، فكما أن صلاة الظهر مثلاً أو صلاة العشاء أربع ركعات والنية فيها نية واحدة، فكذلك رمضان أيام معدودة فتجزئ النية الأولى لكل أيامه، ويستحب تجديدها في كل ليلة، ولا ينبغي التلفظ بها وليس ذلك من السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتلفظ بالنية في عبادة من العبادات إلا في نسك الحج أو الذبح، فكان عليه الصلاة والسلام في الحج يقول: ( لبيك اللهم حجة) أو (لبيك اللهم عمرة وحجة)، وكذلك في النسك عليه الصلاة والسلام (كان إذا أضجع الشاة يقول: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم هذه عن محمد وآل محمد عليه الصلاة والسلام، ويذبح الثانية، ويقول: اللهم هذه عمن لم يضح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن شهد لك بالوحدانية وشهد لي بالبلاغ) فهنا عليه الصلاة والسلام تلفظ بالنية.

    ولكن في الصلاة لم يكن يقول: نويت أن أصلي صلاة الصبح، ولا كان في الوضوء يقول: نويت أن أتوضأ، ولا قال في الغسل: نويت أن أغتسل، ولا كان في التيمم يقول: نويت أن أتيمم، وكذلك في الصيام لم يكن يقول: نويت أن أصوم شهر رمضان، أو نويت أن أصوم يوم كذا، وإنما النية محلها القلب.

    الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات

    الركن الثاني: الكف عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى أن يتحقق غروب الشمس؛ لأن الله تعالى جعل هذا الوقت محل الصيام، قال سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ[البقرة:187].

    والمفطرات أصولها: أكل وشرب وجماع، وهي المذكورة في قول الله عز وجل: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ[البقرة:187]، وسيأتي بيان هذه المفطرات بالتفصيل إن شاء الله.