إسلام ويب

شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني [14]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لله سبحانه وتعالى أسماء حسنى، ولها ضوابط وقواعد لا ينبغي مخالفتها ومن ذلك: أنها توقيفية على ما ورد في الكتاب والسنة، لا مجال فيها للعقل، ولا يجوز أن نسمي الله بأسماء لم تثبت، وأسماء الله كلها مشتقة، ولا تحصر بعدد معين، وهذه الأسماء من أحصاها حفظاً وعملاً بمقتضاها وفهماً لمعانيها دخل الجنة، وخير هذه الأسماء اسم الله الأعظم.

    1.   

    قواعد في أسماء الله

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير, والسراج المنير, وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا علماً نافعاً, وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فقد توقف بنا الكلام عند قول الشيخ رحمه الله: [وله الأسماء الحسنى]، واليوم سنذكر بعض القواعد المهمة, وهي كالتالي:

    أسماء الله توقيفية

    القاعدة الأولى: أن أسماء الله عز وجل توقيفية, بمعنى أنه لا سبيل للعلم بها إلا عن طريق الوحي, إذ لو كان العقل يدل على أسماء الله جل جلاله لما كان للوحي فائدة, ولكان ابتعاث الرسل عبثاً؛ ولذلك ما تخترع لله أسماء من عندك.

    مثلاً لو قرأت قول الله عز وجل: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:63-64], فلا يصح أن تقول: من أسماء الله الزارع.

    أو قرأت قوله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ[الأنفال:30], فلا يصح أن تقول: من أسماء الله الماكر؛ لأنه لا يصح أن تشتق من الأفعال أسماء.

    وهكذا لا تسمين الله مخترعاً, ولا تسمين الله مهندساً, ولا تسمين الله فاعلاً, وإنما سمه بما سمى به نفسه, دون أن تزيد من عندك شيئاً.

    أسماء الله كلها مشتقة

    القاعدة الثانية: أسماء الله عز وجل كلها مشتقة, ليس فيها اسم جامد، فهي دالة على معان عظيمة, وتستنبط منها صفات عليا, يعني: أن اسم الله عز وجل (العزيز) يستنبط منه أن الله عز وجل له صفة العزة, وهكذا الآيات التي في خواتيم سورة الحشر، قال تعالى: هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الحشر:22].

    إذاً: نستنبط بأن لله عز وجل صفة العلم، ثم قال: هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ المُصَوِّرُ[الحشر:24] نستنبط منها صفة الخلق والبرء والتصوير على ما شاء. وهكذا أسماؤه: الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم, هذه كلها يستنبط منها صفات لله عز وجل.

    والشيء بالشيء يذكر، مثل ذلك: أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم فهي دالة على صفات, مثلاً محمد وأحمد صلوات الله وسلامه عليه كلها مشتقة من الحمد, ليست جامدة, و(الماحي) مشتق من المحو, الذي محى الله به الكفر, و(العاقب) يشتق منه صفة ختم النبوة؛ فلا نبي بعده.

    ومثله أيضاً (الخاتم) عليه الصلاة والسلام, و(الحاشر) الذي يحشر الناس على إثره, فالرسول صلى الله عليه وسلم هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة, كذلك (الشافع), معنى ذلك بأن له صفة الشفاعة, أول شافع وأول مشفع عليه الصلاة والسلام إلى غير ذلك.

    وليس في أسمائه صلى الله عليه وسلم ما هو جامد؛ ولذلك ليس من أسمائه طه وياسين؛ لأنهما اسمان جامدان، وبعض الناس يعتقد بأن من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم طه وياسين, وتجد بعض الطيبين اسمه طه أو ياسين, ونقول: هذه حروف مقطعة هي من جنس (الم) وما إلى ذلك.

    وقد اشتبه هذان الاسمان على بعض الناس بأن الله خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بعدهما فقال: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى[طه:1-2], وقال: يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ[يس:1-3].

    ونقول: إننا نقرأ في القرآن أيضاً: اَلمص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ [الأعراف:1-2], ولم يقل أحد: إن الرسول صلى الله عليه وسلم اسمه (المص).

    إذاً نقول: أسماء الله عز وجل كلها مشتقة ليس فيها اسم جامد.

    أسماء الله غير محصورة بعدد معين

    القاعدة الثالثة: أسماء الله عز وجل لا تنحصر في عدد معين، والدليل ما ورد من حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه الإمام أحمد و ابن حبان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك, سميت به نفسك, أو أنزلته في كتابك, أو علمته أحداً من خلقك, أو استأثرت به في علم الغيب عندك, أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي, ونور صدري وذهاب همي, وجلاء حزني, إلا أذهب الله همه وحزنه, وأبدله مكانه فرحاً, قلنا: يا رسول الله! أفلا نتعلمها؟ قال: بلى, ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن ).

    والشاهد هنا قوله صلى الله عليه وسلم: ( أو استأثرت به في علم الغيب عندك ).

    وأيضاً حديث أبي هريرة رضي الله عنه وهو في الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: ( إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً, مائة إلا واحداً, من أحصاها دخل الجنة ).

    قد يقول بعض الناس بأن النبي صلى الله عليه وسلم حصر أسماء الله في تسعة وتسعين اسماً, لكن قال أهل العلم كالإمام أبي سليمان الخطابي رحمه الله: ليس المراد من الحديث الحصر؛ بل كقول القائل: إن عندي ألف درهم للصدقة, فهل معنى ذلك أنه ما عنده إلا هذه الألف, أو إن عند عمرو ألف ثوب يخلعها على من زاره, فليس معنى ذلك أن ما يملكه من الثياب قاصر على هذه الألف؛ بل هذه الألف مرصودة لإكرام من يزوره, وهذه الألف من الدراهم مرصودة للصدقة؛ لكن عنده غيرها.

    كذلك هنا الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر أن من أحصى تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله عز وجل فإنه يدخله الله بها الجنة, قال صلى الله عليه وسلم: ( إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً, مائة إلا واحداً, من أحصاها دخل الجنة ).

    وأما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحصاها), فقد ذكر أهل الحديث في ذلك ثلاثة معانٍ:

    المعنى الأول: الإحصاء بمعنى العد والحفظ؛ فيكون معنى (من أحصاها) أي: من حفظها، وفي القرآن الكريم يأتي الإحصاء بمعنى العد كما في قوله تعالى: وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:28], ويأتي بمعنى الحفظ أيضاً كما في قول الله عز وجل: أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6], فهذا هو المعنى الأول, أحصاها بمعنى عدها وحفظها, أي حفظ أسماء الله التسعة والتسعين.

    المعنى الثاني: الإحصاء بمعنى الإطاقة, بمعنى أنه عرف معانيها ولزمها وعمل بمقتضاها, والإحصاء بمعنى الإطاقة موجود في القرآن الكريم كما في قول الله عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [المزمل:20], أي: لن تطيقوا قيام الليل كله, فتاب عليكم وجعل قيام الليل في حقكم سنة, وليس واجباً.

    ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( استقيموا ولن تحصوا -يعني: لن تطيقوا أن تأتوا بأنواع الاستقامة كلها- واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة, ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ).

    المعنى الثالث: من أحصاها: أي من عقلها, ومنه تقول العرب: فلان ذو حصاة, أي ذو عقل.

    إذاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً, من أحصاها دخل الجنة, وإن الله وتر يحب الوتر ), ليس معناه حصر أسمائه جل جلاله في هذه التسعة والتسعين؛ بل المراد بأن من وفق لاستنباط تسعة وتسعين اسماً من الكتاب والسنة لله رب العالمين, حفظها وفهم معانيها, وعقلها وعمل بمقتضاها؛ فإنه يكون من أهل الجنة, نسأل الله أن يجعلنا منهم!

    التفاضل بين أسماء الله

    القاعدة الرابعة: أسماء الله عز وجل تتفاضل, كما مر معنا في دروس التفسير, بأن القرآن كله كلام الله, ولكن بعضه أفضل من بعض, مثلاً قال صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1], تعدل ثلث القرآن ), وقبلها: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ[المسد:1], لا تعدل ثلث القرآن ولا ربعه ولا عشره؛ لأجل المعاني التي تضمنتها سورة الإخلاص, وليست موجودة في (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ).

    1.   

    اسم الله الأعظم

    أسماء الله عز وجل كلها حق, ولكن بعضها أفضل من بعض, وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لله عز وجل اسماً أعظم, إذا دعي به أجاب, وإذا سئل به أعطى, واسم الله الأعظم هو: (الحي القيوم), ولفظ الجلالة (الله)، وهذا كله كلام صحيح, وكله قال به أهل العلم, وبعض أهل العلم قالوا: بأن الله عز وجل أخفاه مثلما أخفى الصلاة الوسطى, ومثلما أخفى ليلة القدر, ومثلما أخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة, من أجل أن يجتهد الناس في العشر الأواخر من رمضان, ويجتهدوا يوم الجمعة كله, ويجتهدوا في المحافظة على الصلوات الخمس كلها, ويجتهدوا كذلك في أن يدعوه بأسمائه كلها جل جلاله.

    وقد ثبت في اسم الله الأعظم عدة أحاديث وهي كالتالي:

    الحديث الأول: ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن بريدة عن أبيه -وأبوه هو بريدة بن الحصيب- رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الأحد الصمد, الذي لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفؤاً أحد؛ فقال: لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب, وإذا سئل به أعطى ).

    الحديث الثاني: حديث أنس رضي الله عنه قال: ( كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يصلي, فدعا فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد, أنت الحنان المنان, يا ذا الجلال والإكرام, يا بديع السموات والأرض, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد سأل الله باسمه الأعظم ).

    الحديث الثالث: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اسم الله الأعظم في البقرة وآل عمران وطه ), ولو استقرأنا هذه السور الثلاث, نجد بأن هناك اسمين عظيمين جليلين تكرر ذكرهما وهما: (الحي القيوم), ففي سورة البقرة قال الله: اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255], وفي أول سورة آل عمران قال تعالى: الم * اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:1-2], وفي سورة طه قال تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ[طه:111].

    ولو أن إنساناً أراد أن يعمل بمجموع هذه الأحاديث الثلاثة, ويريد أن يصيب اسم الله الأعظم, فإنه يقول: اللهم إني أسألك يا واحد يا أحد, يا صمد يا من لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفؤاً أحد, يا حنان يا منان, يا بديع السموات والأرض, يا ذا الجلال والإكرام, يا حي يا قيوم.

    وقال بعض أهل العلم: اسم الله الأعظم (الله), وذكروا على ذلك أدلة وهي:

    الدليل الأول: أنه لا يثنى ولا يجمع.

    الدليل الثاني: أن العرب كانت تقر به ولا تسمي أصنامها به, كما قال الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ[الزخرف:87], وفي سورة الزخرف قال الله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ[لقمان:25].

    الدليل الثالث: أنه الاسم العلم وسائر الأسماء تضاف إليه, كما قال تعالى: وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى[الأعراف:180], فما قال: وللرحمن الأسماء الحسنى, ولا قال: وللرحيم الأسماء الحسنى, وإنما قال: وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الأعراف:180], وأيضاً قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ [الإسراء:110], قالوا: واسم الله أشرف من اسم الرحمن, هذه مجموعة أدلة رجحوا بها بأن (الله) هو الاسم الأعظم, والله أعلم أي ذلك أرجح.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم, وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين, والحمد لله رب العالمين.