إسلام ويب

شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني [9]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله سبحانه وتعالى هو الأول، فليس قبله شيء وهو الآخر فليس بعده شيء، والخلق كلهم عاجزون عن معرفة كنه ذاته وصفاته وإحاطة أمره، وعاجزون عن إدراك علمه؛ فلا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.

    1.   

    الإيمان بأن الله هو الأول ليس قبله شيء

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه, سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا علماً نافعاً, وارزقنا عملاً صالحاً, ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    قال المؤلف رحمه الله: [ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء].

    هذه العبارة مأخوذة من قوله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[الحديد:3], ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء, وأنت الآخر فليس بعدك شيء ).

    ومعنى ذلك: أن الله عز وجل لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم, فهو قبل كل شيء وبعد كل شيء, وتقدم معنا الكلام أن بعض العلماء رحمه الله عبر عن هذا المعنى بقوله: قديم بلا ابتداء, دائم بلا انتهاء.

    وقلنا بأن كلمة (أول) أولى من كلمة (قديم)؛ لأن هذا هو تعبير القرآن، فالله سبحانه ما قال: القديم. وإنما قال الأول, ثم إن القديم فيه معنى البلى, فإذا قيل: هذا شيء قديم معناه أن هذا شيء بالٍ, وقد يكون القديم أيضاً ضد الجديد, لكن الأفضل أن نسمي الله عز وجل بما سمى به نفسه وبما سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الإيمان بصفات الله على ظاهرها وإيكال حقيقتها إلى الله

    قال المؤلف رحمه الله: [لا يبلغ كنه صفته الواصفون].

    الكنه: الحقيقة, بمعنى أننا نؤمن بصفات الله عز وجل على ظاهرها, لكن نكل علم حقيقتها إلى الله جل جلاله, فنحن لا ندرك الكيف, فالله جل جلاله لا يسأل عنه بـ(كيف)؛ لأنه قد قطع الآمال عن إدراك حقيقة صفاته, وعن إدراك حقيقة ذاته، فقال سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11].

    1.   

    عجز الفكر عن الإحاطة بأمر الله الكوني والشرعي

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يحيط بأمره المتفكرون].

    أمر الله نوعان:

    أمر الله الكوني القدري, وأمر الله الديني الشرعي.

    أما أمر الله الكوني فهو كما في قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[يس:82].

    وأمر الله الشرعي مثاله قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:90]، وقوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58].

    فلا يحيط بأمره المتفكرون، بمعنى: أن الحكم والأسرار قد تخفى علينا, فبعض الناس قد يرى إنساناً مؤمناً طيباً, ولكن تنزل عليه أنواع من الابتلاء؛ فتارة يبتلى في جسده, وتارة يبتلى في ماله, وبالمقابل يرى إنساناً فاجراً متهتكاً قد أفاض الله عليه من أنواع النعم, وبسط له الأسباب؛ فهذا الإنسان قد يحصل عنده نوع من الارتجاج يقول: كيف هذا مؤمن طيب وهو في مثل هذا البلاء, وهذا فاجر شقي وهو في مثل هذه النعم؟

    نقول: لا يحيط بأمره الكوني القدري المتفكرون؛ فالله عز وجل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد؛ ولذلك لو تأملتم أمنا عائشة رضي الله عنها حين اتهمت في عرضها وهي الطيبة المباركة المؤمنة العفيفة, والله عز وجل يقول: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11], فإنسان يتهم في عرضه, كيف يكون خيراً؟

    فـعائشة رضي الله عنها ما عرفت هذه الخيرية إلا بعدما مضى زمان، تقول رضي الله عنها: (وإن شأني في نفسي كان أحقر من أن ينزل في قرآن يتلى إلى يوم القيامة), يعني: هي اتهمت في عرضها وبسبب هذه التهمة نزل فيها قرآن, كلما قرأ الناس سورة النور ذكروا عائشة وترضوا عنها وترحموا عليها, وأثبتوا عفتها وصيانتها وبركتها وطيبها رضي الله عنها.

    وحين نقرأ قوله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26], ندرك أن المقصود بالطيبات للطيبين أن عائشة رضي الله عنها لو لم تكن طيبة لما كانت زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أطيب الطيبين.

    وكذلك أمر الله الشرعي لا يحيط به المتفكرون, ففي بعض مسائل الحلال والحرام, وفي بعض التكاليف الشرعية, نلتزم ولو لم نعرف الحكمة, ولو لم ندرك السر.

    1.   

    الاعتبار بالتفكر في آيات الله ومخلوقاته

    قال المؤلف رحمه الله: [ويعتبر المتفكرون بآياته].

    آيات الله الكونية القدرية, وآيات الله الشرعية الدينية, ومثال آيات الله الكونية قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ[آل عمران:190], ولما ذكر الله طعام البحر قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ[النحل:13]، وقال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:14], وقبل ذلك قال: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل:12].

    فالإنسان يفكر في هذه الآيات الكونية، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:37].

    وآيات الله الدينية الشرعية التي هي القرآن, قال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[ص:29].

    1.   

    النهي عن التفكر في ماهية ذات الله سبحانه

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يتفكرون في ماهية ذاته].

    الماهية هي: الحقيقة, يقال: الماهية ويقال المائية, فماهية الشيء بأنك تسأل عنه بقولك: ما هو, والمائية لأنك تسأل بـ(ما), مثلما قال فرعون لعنه الله لما دعاه موسى إلى الإيمان بالله رب العالمين: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ[الشعراء:23], فموسى عليه السلام ما حدثه عن الذات؛ لأن الذات لا سبيل إلى إدراك كنهها, وإنما بدأ يحدثه عن آثار صنعته جل جلاله قال: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ[الشعراء:24], ثم لما استعان فرعون بالحاشية: قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ[الشعراء:25-26], أيضاً دلهم على آثار صنعته جل جلاله, أنه خالقهم وخالق آبائهم الأولين, وأنه رازقهم ورازق آبائهم الأولين.

    1.   

    عجز البشر عن إدراك علم الله

    ثم ذكر الشيخ رحمه الله أربع جمل من آية الكرسي التي هي أعظم آي القرآن للاستدلال على ما يريد.

    فقال رحمه الله: [وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255]], هذه هي الجملة الأولى, ثم قال: [وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ[البقرة:255]], ثم قال: [وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا[البقرة:255]], ثم قال: [وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] ].

    فقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ[البقرة:255], الله جل جلاله قد أحاط بكل شيء علماً, كما قال سبحانه: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12].

    والملائكة -عليهم الصلاة والسلام- حين يناجون ربهم يقولون: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا[غافر:7], فهو لا تخفى عليه خافية جل جلاله.

    الخلق خلق الله لا يحيطون بشيء من علم الله إلا بما شاء أن يعلمهم إياه, يعني: كل ما عند الناس من علوم كونية, من علوم تجريبية من علوم عقلية, من علوم إنسانية, من علوم شرعية, شاء الله جل جلاله أن يعلمهم إياها, ولو شاء ألا يعلمهم لما علمهم؛ ولذلك تجدون العالم في الذرة, أو العالم في الجيولوجيا إذا سئل عن الروح فلا يستطيع أن يدرك كنهها, ولا أن يتحدث عن ماهيتها؟ لأن الله شاء أن يعلمه الرياضيات أو الذرة أو الفيزياء أو الجيولوجيا، وما شاء أن يعلمه ما يحيط بالروح.

    ولذلك في نفسك أنت أيها الإنسان أسرار كثيرة تجهلها، فالله عز وجل ما شاء أن يعلمك إياها، وأول ما يدخل في هذا دخولاً أولياً علم الغيب؛ فلا يعلم الغيب إلا الله، قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ[النمل:65].

    حتى الأنبياء لا يعلمون الغيب، والدليل: قول نوح عليه السلام: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ[الأنعام:50], وأمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ[الأعراف:188].

    والملائكة لا يعلمون الغيب، والدليل قوله تعالى: قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ[البقرة:32].

    والجن لا يعلمون الغيب، والدليل قول الله عز وجل: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ المُهِينِ[سبأ:14].

    وبالجملة قال الله عز وجل: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ[الجن:26-27], يعني: (الرسول) الذي يبعثه الله عز وجل إلى الناس يعلمه الله من الغيب ما شاء.

    ولذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غيبيات كثيرة, لكن أحياناً يكون الشيء في بيته ولا يعلمه صلوات الله وسلامه عليه.

    قوله تعالى: [وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ[البقرة:255]], الكرسي مخلوق من مخلوقات الله جل في علاه, كما أن العرش مخلوق من مخلوقات الله، وقوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255], هذا المعنى بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبرنا (أن السموات والأرض بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ألقيت في فلاة).

    ولو افترضنا أن خاتماً ألقي في صحراء شاسعة واسعة لا حدود لها, فإن نسبة هذا الخاتم إلى هذه الصحراء لا شيء.

    كذلك السموات السبع والأرضون السبع بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ألقيت في فلاة, وهذا المعنى نؤمن به على ظاهره ونجريه على ما اقتضت لغة العرب, ونقول: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:32].

    قوله تعالى: وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا[البقرة:255], أي: لا يثقله؛ فأنت أيها الإنسان الضعيف لو طلب منك أن تحمل شيئاً ثقيلاً فإنك تعاني ما تعاني, لكن الله جل في علاه قال عن نفسه: إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ[فاطر:41], وقال سبحانه وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم:25], فالله جل جلاله يمسك السموات مرفوعة بغير عمد ترونها, والذي يمسكها هو الله جل جلاله, ولا يعاني في ذلك مشقة ولا تعباً سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ[ق:38], أي: ما مسنا من تعب.

    1.   

    اسم الله العلي

    قوله تعالى: [وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ[البقرة:255]], ختم ربنا جل جلاله هذه الآية المباركة باسمين حسنين وصفتين عظيمتين, اسم (العلي) الدال على العلو, واسم (العظيم) الدال على العظمة, أما علو ربنا فهو على ثلاثة أنواع.

    النوع الأول: علو الذات.

    النوع الثاني: علو القدر.

    النوع الثالث: علو القهر, قال الله عز وجل: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18], وقال: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29], فهو سبحانه علي بذاته, علي في قدره, علي بقهره, وهذا الاسم يتكرر في القرآن كثيراً مقروناً باسم الكبير, كما في قول الله عز وجل: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34].

    ولما تكلم الله عن النساء وكيفية معالجة الشقاق الذي يكون بين الرجل وزوجه, قال سبحانه: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34].

    النشوز: الترفع, يعني المرأة تطلب منها شيئاً فتترفع عليك, وتتأفف منك, أو تدعوها إلى فراشك فتأبى, فسماه القرآن نشوزاً, والنشوز أصلاً الارتفاع, ومنه يقال للمرتفع من الأرض: ناشز, ومنه قول الله عز وجل: إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا[المجادلة:11], يعني: ارتفعوا وقوموا، وهذه المرأة التي يتأتى منها النشوز علمنا الله عز وجل أن نستخدم معها ثلاث مراحل، قال تعالى: فَعِظُوهُنَّ[النساء:34], يعني: أن تذكرها بالله وتخوفها, فإذا لم ينفع قال تعالى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ[النساء:34], والهجر طبعاً لا يكون إلا في البيت, يعني: لا تترك لها البيت, وإنما تهجرها في البيت في الغرفة نفسها, تعطيها ظهرك, فإذا لم ينفع قال تعالى: وَاضْرِبُوهُنَّ[النساء:34].

    وبين النبي صلى الله عليه وسلم بأن الضرب يكون ضرباً غير مبرح، قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تضرب الوجه ولا تقبح, واضربوهن ضرباً غير مبرح ) , أي: ضرباً لا يجرح لحماً, ولا يسيل دماً, ولا يكسر عظماً, ولا يسبب عاهة.

    قال تعالى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا[النساء:34], يعني: لو أن المرأة اتعظت بالموعظة ورجعت إلى الخير فلا تثرب ولا تبالغ في الملامة, ولا تنتقل من عقوبة إلى التي بعدها إلا إذا لم تجد السمع والطاعة؛ لأن بعض الرجال قد تكون الزوجة سامعة مطيعة, طيبة مستقيمة, لكنه دائماً يتعامل معها بالشدة والقهر, فالله عز وجل يذكرك بأنه أعلى منك: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34], أعلى منك وأكبر جل جلاله.

    ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما مر بـأبي مسعود عقبة بن عمرو البدري وهو يجلد عبداً رقيقاً عنده قال له: ( اعلم أبا مسعود بأن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام! فقال: يا رسول الله! هو حر لوجه الله, قال: أما لو لم تفعل للفحتك النار ).

    فدائماً يتذكر الإنسان بأن الله أعلى منه, فالله عز وجل يذكر العلي مع الكبير: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34], ويذكر العلي مع العظيم: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ[البقرة:255], حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ[الشورى:1-4].

    وتارة يذكره مع الحكيم, كما في آخر سورة الشورى: إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى:51]؛ فهو سبحانه علي عظيم, وهو سبحانه علي كبير, وهو سبحانه علي حكيم.

    قوله: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255], أي: أن عظمته قد أحاطت بكل شيء.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم!

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم, وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين, والحمد لله رب العالمين.