إسلام ويب

شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني [5]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لابد للمؤمن أن يحرص على زيادة إيمانه، فمن الأسباب التي تزيده إيماناً معرفته لربه بأسمائه وصفاته ومعرفة أحكام الشريعة وسيرة نبينا مع الإكثار من ذكر الله، وزيادة أعماله الصالحة وتذكر الموت والنظر في آيات الله الكونية مع تدبره للقرآن ومجالسته للأخيار وحضوره لمجالس الذكر، وتقديم محاب الله ورسوله على هوى النفس مع الدعاء.

    1.   

    الأسباب التي نزداد بها إيماناً

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا علماً نافعاً, وارزقنا عملاً صالحاً, ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    يقول الله عز وجل: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ[التوبة:124-125].

    وهذا المعنى قد ورد في القرآن الكريم مراراً, كما في قول الله عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ * وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ[محمد:16-17].

    والقرآن الكريم للمؤمنين هدى وشفاء, وللكفار والمنافقين ظلمات بعضها فوق بعض؛ ولذلك ربنا جل جلاله ضرب المثل للمنافقين بالماء والنار؛ كما ورد ذلك في أول سورة البقرة, ومن المفترض أن نعلم بأنه لا ينجو إلا المؤمن؛ فقد جاء في الحديث الذي في الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: ( خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فدخلت على عائشة وهي تصلي فقلت: ما شأن الناس يصلون؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟ فقالت: نعم ), يعني: أشارت برأسها, تقول رضي الله عنها: ( فأطال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة حتى تجلاني الغشي ), يعني: كادت أن يغشى عليها, قالت: ( فأخذت قربة من ماء فصببت على رأسي، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة وقد انجلت الشمس, فخطب الناس وكان مما قال: أيها الناس! ما من شيء لم أكن رأيته إلا رأيته في مقامي هذا, حتى الجنة والنار, وإنكم تفتنون في قبوركم قريباً من فتنة الدجال , فيؤتى أحدكم فيقول له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن فيقول: هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به وصدقناه، فيقال له: نم, فقد علمنا أنك مؤمن, نم صالحاً، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري, سمعت الناس يقولون قولاً فقلته )؛ فالمرتاب يعني: الذي كان في شك, يقول: ( سمعت الناس يقولون قولاً فقلته ).

    التعرف على الله بأسمائه وصفاته

    إن الإنسان العاقل لابد له أن يحرص على أن يزداد في كل يوم إيماناً, وقد تقدم معنا الكلام في بعض الأسباب التي نزداد بها إيماناً, ومن ذلك: أن نحرص على التعرف على ربنا جل جلاله بأسمائه وصفاته.

    التعرف على أحكام الشريعة وعلى سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام

    ومن ذلك: أن نحرص على أن نعرف أحكام الشريعة, والتي منها: معرفة الحلال والحرام, ونحرص على معرفة تفسير القرآن.

    وعلى معرفة سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام, فنعرف منها: أخلاقه وشمائله ومعجزاته وصفاته, ونعرف أيامه ومغازيه, فلا بد أن نتعرف على هذا كله, من أجل أن نزداد إيماناً.

    الإكثار من ذكر الله عز وجل

    ومن أسباب زيادة الإيمان: الإكثار من ذكر الله عز وجل؛ فإن القلوب تصدأ وجلاؤها ذكر الله, والقلوب تقسو، وهذه القسوة لا يذيبها إلا ذكر الله عز وجل.

    ولذلك قال الإمام القرطبي رحمه الله: قال أهل المعاني: وصف الله قلوب الكفار والمنافقين بالطبع والرين والضيق والمرض والموت والانصراف والإنكار والحمية والختم والغشاوة, هذه عشر صفات, الله عز وجل يقول: بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا[النساء:155], ويقول: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ[البقرة:7], ويقول الله عز وجل: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ[الفتح:26], ويقول: ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ[التوبة:127], وقال: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا[البقرة:10], وغير ذلك من الآيات, فلا ينجو أحد إلا من أتى الله بقلب سليم, والقلب السليم إنما تحصل سلامته بالإكثار من ذكر الله عز وجل.

    الإكثار من العمل الصالح

    ومن أسباب زيادة الإيمان: الإكثار من العمل الصالح, مثل: الفرائض والنوافل, والعمل الصالح ليس قاصراً على شعائر التعبد, بل قد علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن العمل الصالح متنوع، فقال صلى الله عليه وسلم : ( إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك ).

    وأخبرنا عليه الصلاة والسلام أن: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة, أعلاها لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ), وعلمنا أن: ( أحب العمل إلى الله سرور تدخله على مسلم, تطرد عنه جوعاً, أو تكشف عنه كربة, أو تقضي عنه ديناً ).

    وعلمنا -صلى الله عليه وسلم- أن من العمل الصالح إفشاء السلام وإطعام الطعام، وعلمنا -صلى الله عليه وسلم- أن من العمل الصالح كذلك نفع الناس فقال: ( من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل ), وأخبرنا: أن رجلاً دخل الجنة في كلب سقاه؛ لذلك العمل الصالح دائرته واسعة جداً؛ فكل ما يعمله الإنسان مما دلت الشريعة على أنه خير وصلاح فهذا عمل صالح, وكلما أكثر الإنسان من العمل الصالح ازداد إيماناً.

    الإكثار من ذكر الموت

    ومن أسباب زيادة الإيمان: الإكثار من ذكر الموت, والإنسان حين يكثر من ذكر الموت فإنه يكون بذلك كيساً؛ لأنه لا يدري متى يفجؤه الموت، وربما يأتيه الموت في ساعة من ليل أو نهار وهو شاب حدث, من غير علة ولا مرض:

    الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل

    ولذلك فإن الإنسان العاقل دائماً يكون مكثراً من ذكر الموت؛ ولا يغيب عن باله قط.

    النظر في آيات الله الكونية وقراءة القرآن بتدبر

    ومن أسباب زيادة الإيمان: النظر في آيات الله الكونية والتفكر في مخلوقاته سبحانه وتعالى.

    ومن أسباب زيادة الإيمان: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم؛ قال ابن القيم رحمه الله: قراءة آية بتدبر خير عند الله من ختمة كاملة, يعني: بدلاً من أن يسرد الإنسان القرآن سرداً, ولا يقف عند حلاله وحرامه, ولا يتأمل في قصصه وأمثاله, ولا يعرف وعده من وعيده, فلئن يقرأ آية واحدة بتدبر وتفهم أحب إلى الله عز وجل من أن يسرده كله بغير تدبر لمعانيه, قال سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[محمد:24]، وقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا[النساء:82], وقال: اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ[الزمر:23]؛ ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول لـأبي موسى وهو عبد الله بن قيس الأشعري : يا أبا موسى ! ذكرنا ربنا, يعني: حيث يكون الصحابة جالسين رضوان الله عليهم فيطلب عمر من أبي موسى تخصيصاً أن يقرأ عليهم القرآن ليسمعوه.

    وقبل ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لـابن مسعود : ( إني أحب أن أسمعه من غيري ). وكان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا فإنهما لا يفترقان حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر, ثم يسلم عليه.

    فلا بد لنا أن نحرص على أن يكون لكل منا ورد من القرآن في يومه, يعني: لا يمر عليك يوم إلا وقد قرأت من القرآن شيئاً, والمتوسط في ذلك أن يقرأ الإنسان جزءاً واحداً من أجل ألا يأتي عليه شهر إلا وقد ختم القرآن فيه؛ فقراءة القرآن بالتدبر والتفهم من أسباب زيادة الإيمان.

    مجالسة الصالحين

    ومن أسباب زيادة الإيمان: مجالسة الصالحين وصحبة الأخيار, وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد و أبو داود : ( أن المرء على دين خليله, فلينظر أحدكم من يخالل )؛ وكما تقول العرب في الأمثال: الصاحب ساحب, أي: يسحبك إلى حيث هو, فإن كان من أهل الخير والتقوى والاستقامة؛ فإنه سيسحبك إلى حيث ما هو عليه من الخير, وإذا كان من أهل الفساد والريبة والنفاق, فإنه يذهب بك إلى حيث ما هو عليه من الفساد.

    وفي القرآن الكريم مصداق ذلك حيث قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا[الفرقان:27-29], فالإنسان دائماً عليه أن يحرص على مصاحبة الطيبين.

    حضور مجالس الذكر

    ومن أسباب زيادة الإيمان: حضور مجالس الذكر, وهي المجالس التي يذكر فيها الله جل جلاله, فيتعلم فيها الحلال والحرام, ويعرف فيها تفسير القرآن؛ فهذه المجالس يزداد بها الإنسان إيماناً؛ وفي حديث حنظلة الأسدي رضي الله عنه: ( أنه لقي أبا بكر فقال له: نافق حنظلة ! أي: يتهم نفسه بأنه منافق, قال له أبو بكر : وما ذاك؟ قال له: نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذكرنا ويعظنا ويحدثنا عن الجنة والنار, حتى لكأننا نراها رأي عين, فإذا رجعنا إلى بيوتنا عافسنا الأزواج والأولاد ونسينا, فقال له أبو بكر : وإني لأجد مثل الذي تجد! فذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبثا شكواهما عليه؛ فقال عليه الصلاة والسلام: لو بقيتم على ما تكونون عليه وأنتم معي لصافحتكم الملائكة في الطرقات, ولكن ساعة وساعة ).

    فقوله: (ساعة وساعة) بعض الناس يفهم هذه الكلمة على أنها ساعة طاعة، وساعة معصية! أو ساعة قرآن، وساعة فرفشة! لا. هذا ليس بصحيح, وإنما المقصود من قوله: (ساعة وساعة) أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين في هذه العبارة: لأن الإنسان بحكم طبعه وقلبه؛ كما قيل: ما سمي القلب إلا لأنه يتقلب.

    ما سمي الإنسان إلا لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلب

    بمعنى: أن القلب لا يدوم على مستوى واحد من الإيمان والطاعة؛ وإنما يزيد وينقص, ولذلك فإن الإنسان عليه ألا ييأس على مثل هذا, والنبي صلى الله عليه وسلم يبين بالطبع, بأن الصحابة حين يجلسون معه, وهو عليه الصلاة والسلام يحدثهم ويعظهم ويذكرهم ويقرأ عليهم القرآن, وبعد ذلك إذا رجعوا إلى أزواجهم وأولادهم ودنياهم لا تكون قلوبهم في مثل تلك الدرجة التي كانت عليها وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فمجالس الذكر وحلق العلم من الأسباب التي نزداد بها إيماناً.

    تقديم ما يحبه الله ورسوله على هوى النفس

    ومن أسباب زيادة الإيمان: تقديم ما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على هوى النفس؛ وفي حديث أنس رضي الله عنه وهو في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان, أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله, وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف به في النار ).

    بمعنى: أن تنظر ماذا يحبه الله فتقدمه على هوى نفسك, قال الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ[البقرة:216]؛ فإننا نجد أن النفس لا تحب منظر الدماء ولا الأشلاء, ولا تحب القتال, وإنما تميل إلى الراحة والدعة, ولكن هذا يضرها فنقول لها: قال الله عز وجل: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[البقرة:216].

    ولذلك جاء في غزوة أحد أن واحداً من الصحابة كان مع زوجته في الفراش وهو حديث عهد بعرس, فسمع المنادي يقول: يا خيل الله اركبي, يعني: نادى بالجهاد؛ فهوى النفس هنا مع العرس, ولكن الذي يحبه الله ورسوله في هذا الموطن هو قوله تعالى: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا[التوبة:41].

    ولذلك فالصحابي رضي الله عنه أخذ سلاحه وخرج دون أن يغتسل من الجنابة, وقتل شهيداً رضي الله عنه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة: ( سلوا أهله عن خبره؛ فإني رأيت الملائكة تغسله؛ فلما سألوها أخبرت بأنه خرج وهو على جنابة )؛ ولذلك يقول القائل:

    وقاتلت معنا الأملاك في أحد تحت العجاجة ما حادوا ولا انكشفوا

    سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا

    أملاك ربي بماء المزن قد غسلت جثمان حنظلة والروح تختطف

    وكلم الله من أوس شهيدهم من غير ترجمة زيحت له السجف

    وهذا هو عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم لولده جابر : ( إن الله تعالى ما كلم أحداً إلا من وراء حجاب, ولكنه كلم أباك كفاحاً, من غير حجاب قال له: يا عبدي! تمن! قال: أتمنى أن أرجع إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية ), وفي كل يوم في وقت صلاة الصبح، فإن الإنسان يكون في الفراش وفي الدفء, ثم بعد ذلك يسمع النداء لصلاة الفجر؛ فإذا آثر ما يحبه الله ويرضاه قام من فراشه وأسبغ الوضوء على المكاره, وحث خطاه إلى بيت الله عز وجل, فهذا قد قدم ما يحبه الله ورسوله على هوى نفسه.

    وهذا هو الذي فعله الصحابة رضوان الله عليهم, ولذلك لما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقتل أبا سفيان الذي هو من بني أمية بن عبد شمس قال له العباس : يا عمر ! لو كان من بني عدي لما صنعت الذي صنعت, أي: لما كنت حريصاً على قتله! قال له عمر : مهلاً يا عباس ! والله! إن إسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم, وما ذاك إلا لأن إسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك جاء عن عمر رضي الله عنه حين كان يقسم العطاء؛ فكان يعطي ولده عبد الله بن عمر ألفين, ويعطي أسامة بن زيد ألفين وخمسمائة أي: مرتبات؛ فقال له عبد الله بن عمر : يا أمير المؤمنين! ما شهد أسامة مشهداً غبت عنه, يعني: إن أسامة وأنا في السن متقاربان, وفي شهود الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا سواء, أي: فعلام تزيده؟ فقال له عمر : يا بني! ما فعلت ذلك إلا لأن أسامة كان أحب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منك, وكان أبوه أحب إليه من أبيك, يعني يقول له: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يحب أسامة أكثر منك, وكان يحب زيد بن حارثة -يعني: أباه- أكثر من عمر بن الخطاب .

    ومعلوم أنه ما من أحد منا يحب ولد غيره أكثر من حبه لولده الذي من صلبه, ولكن عمر هنا يقدم محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على محبة نفسه مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين ).

    الإكثار من الدعاء

    ومن أعظم الأسباب التي يزيد بها الإيمان هي: الإكثار من الدعاء؛ فتدعو الله عز وجل بأن يزيدك إيماناً؛ ولذلك كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي ), والرسول صلى الله عليه وسلم الهداية حاصلة له ولكنه يطلب من الله الزيادة منها, وكان من دعائه قوله: ( اللهم إني أسألك إيماناً صادقاً, ويقيناً ليس بعده كفر, ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة ).

    وكان من دعائه قوله: ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك, يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك ), وكان من دعائه صلوات ربي وسلامه عليه: ( اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة, ترضى بقضائك، وتؤمن بلقائك، وتقنع بعطائك ), وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أسألك خير المسألة، وخير الدعاء، وخير العلم، وخير العمل، وخير النجاح، وخير الثواب، وخير الحياة، وخير الممات ) وكان يقول: (وثبتني وثقل موازيني وحقق إيماني), يقول هذا الكلام عليه الصلاة والسلام وهو أكمل المؤمنين إيماناً.

    ولذلك لا تستغن أبداً عن الدعاء, سل الله عز وجل أن يهدي قلبك, وأن يعينك على العمل الصالح, فالعمل الصالح إذا لم يكن من الله عز وجل عون عليه؛ فإن الإنسان لا يثبت ولا يدوم عليه؛ ولذلك علمنا صلى الله عليه وسلم أول دعاء ندعوه بعد السلام من الصلاة وبعد الاستغفار أن نقول: ( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ), يعني: أن الإنسان لا يعجب بنفسه إذا صلى ويقول: أنا والله! خلاص قد صليت، لا, وإنما يطلب من الله الدوام, فعلينا دائماً أن نكثر من الدعاء بأن يزيدنا ربنا جل جلاله إيماناً.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم, ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم, وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين, والحمد لله رب العالمين.