إسلام ويب

تفسير سورة النور - فضل عائشة [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عائشة رضي الله عنها من أفضل نساء العالمين، وقد كانت أحب نساء النبي صلى الله عليه وسلم إليه، فلم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بكراً غيرها، ولم يقرأ في حجر امرأة وهي حائض غيرها، ولم يسابق امرأة من نسائه غيرها، ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها رضي الله عنها وأرضاها

    1.   

    ترجمة عائشة رضي الله عنها

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فالآيات المباركات في قصة الإفك نزلت في براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    حين تكلم بعض الناس في عرضها، وتناولوها بالسوء، فانتصر لها رب العالمين جل جلاله من فوق سبع سموات، وأنزل فيها قرآناً يتلى إلى يوم القيامة.

    تقول رضي الله عنها: ( ولشأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله في قرآناً يتلى ).

    أيها الإخوة الكرام! قصة الإفك لا بد من التعرض لها تفصيلاً وبيان ما تضمنته من الأحكام والحكم، واستعراض لمواقف الناس فيها، ماذا كان من شأن عبد الله ابن سلول رأس المنافقين، وماذا كان من شأن حسان بن ثابت و مسطح بن أثاثة و حمنة بنت جحش رضي الله عنهم؟ وماذا كان من شأن علي بن أبي طالب و أسامة بن زيد و بريرة رضي الله عنهم؟ وماذا كان شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكيف تصرف إزاء تلك الداهية الدهياء، والمصيبة العظماء؛ لكن كما تعلمون حادثة الإفك الشخصية الأساسية فيها هي أمنا عائشة رضي الله عنها، فلا بأس أن يذكر في هذا الدرس شيء من ترجمتها، وبيان فضائلها، نسأل الله أن يحشرنا معها.

    اسمها ونسبها

    فـعائشة رضي الله عنها هي الصديقة بنت الصديق ، عائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان القرشية التيمية المكية ثم المدنية، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدت بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، تقول رضي الله عنها: ( لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين )، فهي رضي الله عنها لما بدأت تعي وتدرك وتميز رأت أبويها أبا بكر بن أبي قحافة و أم رومان ابنة عامر وهما على دين الإسلام.

    وقد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين، و عاش معها تسع سنوات، ومات عنها صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثمان عشرة سنة، وعاشت بعده نحواً من ست وأربعين سنة، حيث كانت وفاتها سنة سبعة وخمسين.

    علمها وروايتها عن رسول الله

    قد روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم علماً كثيراً طيباً مباركاً فيه، حتى عدوا لها في مسندها ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، روتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي من المكثرات في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي معدودة ضمن الصحابة الذين أكثروا من الرواية عنه صلوات ربي وسلامه عليه، شأنها في ذلك شأن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ، و عبد الله بن عمرو بن العاص ، و جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام ، وغيرهم ممن أكثروا في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذه المرأة الطيبة المباركة رضي الله عنها كانت أعلم نساء هذه الأمة، قال الذهبي رحمه الله: بل هي أعلم نساء العالمين بإطلاق، فما عرفت الدنيا امرأةً أعلم من عائشة .

    المفاضلة بين عائشة وخديجة رضي الله عنهما

    اختلف أهل العلم في المفاضلة بينها وبين خديجة رضي الله عنها بعد إجماعهم على أنهما خير نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وأفضلهن، أي: عائشة و خديجة ، لكن أيتهما أفضل هل الأفضل عائشة أم خديجة ؟ يقول الإمام الذهبي رحمه الله: جزمت بفضل خديجة ، فالإمام الذهبي رحمه الله يجزم بأن خديجة أفضل من عائشة ، ودليله الظاهر في ذلك أن عائشة رضي الله عنها لما قالت: ( يا رسول الله! وهل كانت خديجة إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها، فقال عليه الصلاة والسلام: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، لقد صدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد إذ حرمني أولاد النساء )، فقوله صلى الله عليه وسلم: ( ما أبدلني الله خيراً منها ) واضح في أن خديجة رضي الله عنها هي أفضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام ما تزوج عليها غيرها، ولا تسرى بغيرها حتى ماتت رضي الله عنها، وعاش معها خمساً وعشرين سنة، ما زاحمتها امرأة سواها.

    1.   

    من فضائل عائشة رضي الله عنها

    ثبت في فضل عائشة نصوص كثيرة، وكذلك أحداث من السيرة تبين بأن عائشة رضي الله عنها كانت عزيزة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    شدة حب رسول الله لها

    وقد ثبت في الصحيحين من رواية عمرو بن العاص رضي الله عنه ( أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة . قال: من الرجال؟ قال: أبوها ).

    قال الإمام الذهبي رحمه الله: وهذا الحديث ثابت رغم أنف الروافض، وحري بمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله، فأحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النساء عائشة ، وأحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال أبو بكر ، والروافض يتعبدون إلى الله ببغض عائشة و أبي بكر ، ويلعنونهما، ويتبرءون منهما؛ ولذلك الإمام الذهبي رحمه الله يقول: وحري بمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: ( إني رزقت حبها )، وقد كان هذا مشهوراً مستفيضاً بين الصحابة رضي الله عنهم، ( حتى إنهم كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة - أي: لو أن إنساناً عنده هدية يريد أن يبذلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينتظر اليوم الذي يكون فيه عند عائشة فيأتي بهديته- حتى إن نساءه اجتمعن إلى أم سلمة فقلن لها: كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الناس يهدوا إليه في سائر الأيام، فإنا نحب أن نصيب من الخير ما تحب عائشة ؛ فجاءت أم سلمة رضي الله عنها فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها، ثم كلمته فأعرض عنها، فلما كلمته الثالثة قال لها: لا تؤذيني في عائشة ، فوالله ما نزل علي الوحي في فراش امرأة منكن غيرها )، جزم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ كأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـأم سلمة : لست أنا الذي فضلتها، وإنما فضلها رب العالمين جل جلاله؛ لكن النساء ما اقتنعن بذلك، فكلمن فاطمة رضي الله عنها، وكانت فاطمة أسن من عائشة بثمان سنين، فجاءت فاطمة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: ( يا رسول الله! إن نساءك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: يا بنية! ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، قال: فأحبيها )، فوجه النبي عليه الصلاة والسلام هذا الأمر لابنته فاطمة رضي الله عنها، والتي هي بضعة منه صلوات ربي وسلامه عليه، قال لها: (فأحبيها).

    كمالها وفضلها على النساء

    فحب النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة كان مشهوراً مستفيضاً وليس أمراً يستسر به عليه الصلاة والسلام، وقد أثنى عليها صلوات ربي وسلامه عليه، فثبت في الحديث الصحيح أنه قال: ( كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ، و مريم ابنة عمران ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ).

    قالوا: لأن الثريد طعام يسهل بلعه، ويسرع هضمه، وهو خبز ملتوت بمرق، وربما يوضع عليه اللحم، وربما لا يوضع، فالثريد طعام يسهل بلعه ويسرع هضمه؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام يبين أن عائشة خفيفة عليه، ولذلك شبهها بالثريد.

    تبشيرها بالجنة

    وهي من المبشرات بالجنة، فليس المبشرون بالجنة هم العشرة فقط، بل بشر بالجنة عبد الله بن سلام ، و بلال بن رباح ، و الحسن ، و الحسين ، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن عمرو بن حرام في الجنة، وأن ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه في الجنة، وكان رجلاً من الصحابة في أذنه وقر، يعني: ثقل، والإنسان الذي يسمع بصعوبة، إذا تكلم يتكلم بصوت عال؛ لأنه يظن أن الناس مثله، ( فكان إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع صوته، فلما نزل قوله تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، جلس ثابت في بيته يبكي، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما فقده في المسجد أتاه، قال: ما شأنك؟ قال: يا رسول الله! أنا رجل جهوري الصوت، وكنت أرفع صوتي عليك، وأخشى أن يكون قد حبط عملي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة )، فهذا أيضاً من المبشرين بالجنة.

    وممن جزم النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة خديجة ، لما نزل عليه جبريل قال له: ( يا محمد! أقرئ خديجة من ربها السلام، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ).

    كذلك عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، ( قالت: يا رسول الله! من من نسائك معك في الجنة؟ فقال لها صلى الله عليه وسلم: أنت منهن ).

    دعوة رسول الله لها خصوصاً

    ومن فضلها رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لها دعوةً خاصة، ( لما جاء أبو بكر وزوجه أم رومان ، فقالا: يا رسول الله! إنا نحب أن تدعو لـعائشة ونحن نسمع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لـعائشة بنت أبي بكر مغفرةً واجبةً ظاهرةً وباطنة ).

    رؤيتها لجبريل وسلامه عليها

    ومن فضائلها رضي الله عنها: أنها رأت جبريل عليه السلام في عقيب غزوة الخندق، ( رأت النبي عليه الصلاة والسلام وهو يكلم رجلاً، وهذا الرجل على فرس، وقد شبهته بـدحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه، فلما دخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام قالت: يا رسول الله! رأيتك تكلم دحية الكلبي ، قال لها: أوقد رأيته؟ قالت: نعم، قال: ذاك جبريل )، وهذه من فضائلها رضي الله عنها أنها رأت الملك.

    وفي مرة ( جاء جبريل عليه السلام وهي جالسة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها عليه الصلاة والسلام: يا عائشة ! هذا جبريل يقرئك السلام، فقالت: وعليك وعلى جبريل السلام ورحمة الله وبركاته، سبحان الله! ترى ما لا نرى )، كانت جالسة مع النبي عليه الصلاة والسلام فجاء جبريل وكلمه صلوات ربي وسلامه عليه، و عائشة لا ترى شيئاً ولا تسمع، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام وهو الصادق المصدوق نقل إليها قال لها: ( هذا جبريل يقرئك السلام )، وكان من أدبها رضي الله عنها أن بدأت برد السلام على المبلغ، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ردت السلام على المسلم، فقالت: ( وعليك وعلى جبريل السلام ورحمة الله وبركاته، سبحان الله ترى ما لا نرى )، وهذا من أدب السلام، لو أن إنساناً قال لك بأن فلاناً يسلم عليك فقل له: وعليك وعليه السلام، قد قال ربنا: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86].

    مسابقة رسول الله لها في أكثر من موطن

    وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أمنا عائشة رضي الله عنها ما لم يفعله مع غيرها، من ذلك مسابقته إياها، فقد ثبت في الحديث الصحيح ( أن عائشة رضي الله عنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فلما كان ببعض الطريق قال للصحابة: تقدموا، وبقي مع عائشة رضي الله عنها، فسابقها فسبقته، تقول: فلما أثقلني اللحم سابقني فسبقني، وقال: هذه بتلك )، يعني: واحد بواحد، وهذا من باب إدخال السرور عليها رضي الله عنها.

    ومما فعله معها ولم يفعله مع غيرها أنه كان يتكئ في حجرها فيرتل القرآن وهي حائض رضي الله عنها.

    ومما فعله معها -مما يدل على حبه إياها- أنها كانت إذا تعرقت عظماً يأخذه فيأكل من حيث أكلت، يعني: إذا أكلت لحماً وهذا اللحم فيه عظم ووضعته، كان يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم العظم فيأكل من حيث أكلت، وكانت إذا شربت يأخذ الإناء فيضع فاه من حيث شربت فيشرب فضلتها.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السمع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.