إسلام ويب

تفسير سورة يس [7]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأساليب القرآنية تذكير الله لنا بالنعم التي ينعم بها علينا، ومن ذلك: تعاقب الليل والنهار، والشمس والقمر، والسفن والمراكب من الجمال، والخيول، والبغال، والحمير، والسيارات، والطيارات، وغيرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ...)

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    تذكير الله لعباده بآية إحياء الأرض وإخراج الثمر

    تذكير الله لعباده بآية الليل والنهار

    يحدثنا ربنا جل جلاله بعد ذلك عن عالم الأفلاك، فيقول سبحانه: وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس:37]، هذه آية نبهنا عليها ربنا جل جلاله في مواضع من كتابه، كقوله سبحانه: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً[الإسراء:12]، وكقوله جل جلاله: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ[فصلت:37]، وكقوله سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ[البقرة:164]، إلى قوله: لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164]، وكقوله سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190]، وكقوله سبحانه: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم:17]، وكقوله سبحانه: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص:73].. وغير ذلك من المواضع.

    فالليل نعمة من نعم ربنا، والنهار نعمة من نعم ربنا، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً [الفرقان:47]، وقال سبحانه: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً [النبأ:10-11].

    فالناس يحتاجون لليل كما يحتاجون للنهار، ففي النهار يضربون في مناكب الأرض يبتغون من فضل الله، يلتمسون أرزاقهم، يقضون أمورهم ويصرفون شئونهم، وفي الليل يأوون إلى بيوتهم ويرقدون في فرشهم، تسكن نفوسهم، وتهدأ أعصابهم، ويأخذون قسطاً من راحة هم بحاجة إليها، وهذا دليل على أن البشر قد استولى عليهم النقص، أما ربنا جل جلاله فلا تأخذه سنة ولا نوم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل )، هذه آية ينبغي أن ننتبه إليها، وأن نحمد الله عليها.

    وقوله تعالى: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ[يس:37]، السلخ: الكشط والنزع، نسلخ: نكشط وننزع، كما قال جل جلاله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً[الأعراف:54]، كأن الليل يطارد النهار والنهار يطارد الليل، قال سبحانه: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ[آل عمران:27]، فآية من آيات ربنا أقسم بها في مواضع من كتابه كما في قوله: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ [المدثر:33-34]، وكما في قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [التكوير:17-18]، وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1-2]، فالله عز وجل يسلخ من النهار الليل.

    وقوله تعالى: فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس:37]، مظلمون، أي: دخلوا في الظلام، يقال: أظلمنا إذا جن علينا الليل، كما يقال: أصبحنا إذا طلع علينا الصبح، ويقال: أضحينا، ويقال: أمسينا، ويقال: أظهرنا، أظهرنا إذا جاء وقت الظهر؛ قال الله تعالى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:17-18]، تظهرون، أي: تدخلون في وقت الظهيرة.

    أما المؤمن فيفكر في هذه الآية ويتأمل الليل والنهار، وأما الكافر فكما قال ربنا: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105]، الكافر يأتي عليه النهار، يأتي عليه الليل، يأتي الحر، يأتي البرد.. لا يبالي! أما المؤمن فيرى في هذا كله آثار قدرة الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) إلى قوله: (...وكل في فلك يسبحون)

    قال تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38]، الشمس هذه الآية العظيمة التي أقسم بها ربنا في قوله: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1].

    الأقوال الواردة في تفسير مستقر الشمس

    ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا[يس:38]، فقال صلى الله عليه وسلم: مستقرها تحت العرش )، وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أيضاً رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ( أتدرون إذا غربت الشمس أين تذهب؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال عليه الصلاة والسلام: فإنها تسجد تحت العرش حتى يؤذن لها في الرجوع فترجع )، يعني: ترجع إلى المشرق مرة أخرى، ( وإنه يوشك أن تسجد فلا يؤذن لها )، يعني: إذا كان الأشراط الكبرى التي تكون بين يدي الساعة، والتي قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( هي كخرزات منظومات، إذا وقعت إحداهن فالأخريات على إثرها )، بين عليه الصلاة والسلام أنها عشر علامات: ( الدابة و الدجال والدخان وطلوع الشمس من مغربها ونزول المسيح بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، ثم ثلاثة خسوفات عظيمة - زلازل - خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن تحشر الناس إلى المحشر ).

    الشمس تغرب فلا يؤذن لها، تسجد عند العرش لا يؤذن لها في الرجوع، فتمكث هناك أياماً ثلاثة، أما أهل التهجد فينتبهون، أهل الليل الذين يقومون بالليل للعبادة ينتبهون أن هناك أمراً كونياً مريباً؛ ولذلك يكثرون من العبادة، وأما أهل الضلال والضياع فإنهم لا ينتبهون، لا يعلمون إلا وقد طلعت من حيث غربت، من مغربها، حينها يؤمن الكافر، ويتوب الفاجر؛ لكن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، فإذا ظهرت هذه الآية لا يقبل الله من كافر إيماناً ولا من فاجر توبة ولا رجوعاً، أسأل الله أن يتوب علينا جميعاً.

    إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم فسر المستقر بسجودها عند العرش، وهناك قولان آخران للمفسرين رحمهم الله:

    القول الأول: بأن المستقر هو بلوغها قمة مكانها في السماء وذلك في شدة أوجها في الصيف، يعني: إذا اشتد حرها في الصيف تكون قد بلغت قمة ارتفاعها، والمستقر الآخر هو: غاية انحطاطها في الشتاء، حين تخفت حرارتها.

    القول الثاني: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا[يس:38]، قالوا: المستقر ما يكون يوم القيامة حين يذهب ضوءها، ويبطل عملها، وتكور ويلقى بها، كما قال ربنا جل جلاله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1]، يعني: ما عاد لها عمل، قالوا: هذا هو مستقرها.

    ولا شك بأن التفسير الأول الذي نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه المعول، بأن المستقر سجودها عند العرش.

    وقوله تعالى: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38]، (العزيز) الغالب جل جلاله، (العليم) الذي أحاط بكل شيء علماً، ولا تصدر تصرفاته إلا عن علم تام وحكمة بالغة.

    المراد بمنازل القمر

    قال الله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ[يس:39]، وفي قراءة: والقمر بالرفع، قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39]، للقمر منازل، كل ليلة من الليالي تختلف عن التي قبلها؛ ولذلك تجدون القمر أول ما يظهر يظهر رقيقاً رفيعاً، ثم لا يزال يكبر حتى يستتم ويستدير ويعظم ضياؤه، ثم يرجع فينقص ولا يزال ينقص حتى يصير كالعرجون القديم، والعرجون: عود العذق الذي عليه الشماريخ، ما يسميه الناس بالسبيطة، هذا العود إذا يبس وقدم، يعني: صار قديماً واصفر، فإنه يتقوس.

    فالله عز وجل يشبه القمر بعذق النخل الذي عليه الشماريخ، إذا أكل عليه الدهر وطال عليه الأمد تغير لونه وتقوس.

    وقوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39]، وهذا كله وفق نظام كوني لا يتخلف، قال تعالى: لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40]، كأن الله جل جلاله يقول: يا أيها الناس! أليس لكم آية في أن هذه الأفلاك، وهذه الكواكب، وهذه الأزمنة تسير وفق نظام دقيق؟!

    والآن تجدون في الوقت المعاصر بالعلم البشري، يقولون: بأن الشمس تغرب في الساعة كذا والدقيقة كذا، والشمس تشرق في الساعة كذا والدقيقة كذا، في كل يوم من أيام السنة، أليس في ذلك آية على أن لهذا الكون إلهاً مدبراً ورباً حكيماً جل جلاله، وأن الأمور لا تسير فوضى؛ لذلك يقول القائل:

    لله في الآفاق آيات لعل أقلها هو ما إليه هداك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون) إلى قوله: (إلا رحمة منا ومتاعاً إلى حين)

    قال سبحانه: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس:41]، وهذا حديث عن عالم البحار، كما قال سبحانه: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ[الشورى:32-33]، يعني: هذه السفن التي هدى الله الآدمي لخلقها وتقديرها، يسيرها ربنا جل جلاله بقدرته على ظهر البحر، ويحركها بالرياح، هذه الفلك التي تجري من آيات ربنا جل جلاله؛ قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ[البقرة:164]، أي: آية من آياته سبحانه، وقال سبحانه: وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ[النحل:14]، كما في سورة النحل، وفي سورة فاطر، قال تعالى: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [فاطر:12].

    وقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ[يس:41]، الذرية في اللغة تطلق على الصغار من الأولاد، وأما في العرف فتطلق على الصغار والكبار، فالله عز وجل يعيدنا إلى ما كان من أمر نوح عليه السلام، فإنه سبحانه أوحى إليه بأن يصنع سفينة، وهذه السفينة مكونة من ألواح ودسر، ألواح من الخشب، ودسر أي: مسامير، وكان قوم نوح يسخرون منه، يقولون له: يا نوح ! بعدما كنت نبياً صرت نجاراً! أين البحر الذي تجري عليه هذه السفينة؟! فكان عليه السلام يقول لهم: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38].

    ثم بين له ربنا علامة، أنه إذا فار التنور، والتنور قيل: الأرض، وقيل: بل التنور محمول على ظاهره، وهو الموقد الذي يصنع فيه الخبز، إذا رأيت الماء يفور من تلك النيران فاعلم أن أمر الله قد كان، وأن العذاب قد حل، قال الله له: احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ[هود:40]، أي: من كل نوع خذ ذكراً وأنثى، ففعل نوح عليه السلام ما أمره به ربه.

    هذه الذرية التي حملت مع نوح وقد كانوا قليلاً، كما قال ربنا: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ [هود:40]، هل كانوا أربعين أو كانوا سبعين؟ الله أعلم.

    حملهم نوح معه في السفينة وتناسل منهم البشر؛ ولذلك المؤرخون يقولون: نوح هو أبو البشر الثاني، وآدم هو أبو البشر الأول، ولما جاء الطوفان الذي عم الأرض، وأهلك الجميع إلا من ركبوا مع نوح عليه السلام؛ ولذلك ربنا يعيدنا إلى ذلك الحدث التاريخي.

    قال الله تعالى: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ[يس:42]، أي: من مثل هذا الفلك، مَا يَرْكَبُونَ [يس:42]، وهذه عالم الأنعام، قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [غافر:79-80]، وقال سبحانه: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8].

    وقوله تعالى: مَا يَرْكَبُونَ [يس:42]؛ ولذلك تجدون الجمل الكبير الضخم قد ذللـه الله عز وجل بيد الطفل الصغير، أو الشيخ الضعيف، فهو الذي ينيخه ويقيمه، وهو الذي يركب على ظهره ويوجهه ذات اليمين وذات الشمال، وهو الذي يوقفه، وهذه آية من آيات ربنا أن يسخر الكبير الضخم للصغير الضعيف.

    قال الله تعالى: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ[يس:43]، الله جل جلاله إذا شاء يغرق هذه السفن فلا يغني عن الإنسان في ذلك الوقت إلا أن يستغيث بالله عز وجل، قال تعالى: فَلا صَرِيخَ لَهُمْ[يس:43]، أي: لا منقذ، مهما صرخ!

    وما زالت هذه الآيات تترى، ففي كل حين تجدون السفن الضخام التي هيئت يقدر الله عز وجل غرقاً، فلا تغني عنهم وسائل النجاة، ولا طائرات الإنقاذ، ولا شيء.. ليس هناك من خبر ينتظره الناس إلا أن يقال: تم انتشال الجثث جميعاً، هذه هي غاية آمالهم أن يعثر على الجثث، أما الإنقاذ وأما الإحياء فلا يكون.

    ثم قال تعالى: إِلاَّ)) بمعنى: لكن، إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ [يس:44]، يعني: الله عز وجل برحمته سخر هذه الفلك وجعلها متاعاً إلى حين، والدنيا كلها متاع إلى حين، قال تعالى: يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39]، فالدنيا متاع، شيء يتمتع به ثم يترك ويغادر.

    الله عز وجل ينبه على هذه الآيات الأربع: آية في عالم النبات، وآية في عالم الأفلاك، وآية في عالم البحار، وآية في عالم الأنعام.

    أما في عالم النبات: فهي الأرض الميتة، فإن الله عز وجل هو الذي أحياها، وهو الذي أنزل إليها من السماء ماء.

    وأما في عالم الأفلاك: فإن الله عز وجل يسير الليل والنهار، ويسير الشمس والقمر.

    وأما في عالم البحار: فالله عز وجل سخر لنا هذه السفن لنركبها.

    وأما في عالم الأنعام: فقد سخر الله لنا هذه الدواب لتنقلنا من مكان إلى مكان.

    وقوله جل جلاله في سورة النحل: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:5-8]، قوله: وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، يدخل فيه السيارات والطيارات وغيرها من الأشياء التي اخترعها بنوا آدم بتعليم الله لهم؛ قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ[النحل:53]، جل جلاله وليست بقدرة ابن آدم، فلا نكون مثل ذلك الأحمق الذي قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي[القصص:78]، وإنما علمك الله إياه؛ قال تعالى: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء:113]، وقال تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:85].

    أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.