إسلام ويب

تفسير سورة يس [4]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من القصص القرآنية المشهورة العامرة بالذكر، قصة أصحاب القرية الذين كذبوا المرسلين وتشاءموا منهم، فأيد الله رسله برجل صالح دعاهم إلى الله لكنهم قتلوه، كان لا يبتغي بذلك أجراً كما هي صفة الأنبياء في الدعوة إلى الله، وللعلماء كلام حول أخذ الأجرة على تعليم القرآن والدعوة إلى الله.

    1.   

    تلخيص لما سبق من قصة أصحاب القرية

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    سبب تكذيب أصحاب القرية لرسلهم

    تقدم معنا الكلام في أن ربنا جل جلاله أرسل رسولين كريمين إلى أهل قرية ظلموا أنفسهم، وعتوا عن أمر ربهم وعصوا رسله، واتبعوا أمر كل جبار عنيد، كانوا متلبسين بالشرك وواقعين في الكفر؛ فأرسل الله إليهم رسولين فكذبوهما، ما صدقوهما ولا اتبعوهما، وإنما واجهوهما بالتكذيب والعناد؛ فأرسل الله رسولاً ثالثاً يعزز هذين الرسولين، يقويهما ويشد أزرهما.

    هؤلاء الثلاثة قالوا: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ[يس:14]؛ لكن القوم واجهوهم بالمانع الذي منع سائر الأمم وهو أنهم بشر، فقالوا لهم: مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا[يس:15]، قال الله عز وجل: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً [الإسراء:94]، وكما قال كفار قريش: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [الفرقان:7]، ومثل ما قال قوم فرعون : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [المؤمنون:47]، ومثل ما قال غيرهم: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن:6].

    وهكذا هؤلاء الناس قالوا لرسلهم: مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ[يس:15]، وهذا كما قال اليهود بعد ذلك: مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ[الأنعام:91]، وقال هؤلاء لرسلهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ [يس:15]، اتهموا الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بأنهم كذابون مفترون.

    فرد الرسل وقالوا: قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [يس:16]، وهذا يجري مجرى اليمين، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ[يس:16]، كأنهم قالوا: والله إنا إليكم لمرسلون، ثم قالوا: وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ [يس:17]، أي: لا نستطيع أن نقهركم ولا أن نكرهكم ولا أن نجبركم، وإنما مهمتنا البلاغ.

    حرمة التطير وسبيل النجاة منه

    فما كان من المشركين إلا أن قالوا: إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ[يس:18]، تشاءمنا بكم، والطيرة التشاؤم بمسموع أو مرئي أو معلوم، وهي من المحرمات الكبار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له )، والإنسان المسلم لو شعر بشيء من التشاؤم إذا رأى شيئاً أو سمع شيئاً فينبغي أن يدعو بالدعاء النبوي: ( اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك )، أو فليقل: ( اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يصرف السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك ).

    قال الله: لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ[يس:18]، كما قال قوم نوح: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء:116]، وكما قال فرعون لـموسى: لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29]، وكما قال آزر لإبراهيم: أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً [مريم:46].

    وهنا قالوا: لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ[يس:18]، والرجم معناه الطرد، كما نقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي: المطرود من رحمة الله عز وجل، وكذلك الرجم يطلق على المعنى المحسوس وهو الرمي بالحجارة.

    قال الله تعالى: لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [يس:18]، قولهم: لَنَرْجُمَنَّكُمْ))، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، أقسموا بالمعظم عندهم من صنم أو حجر أو شجر.. الآلهة التي كانوا يعبدونها.

    1.   

    إثبات الرسل لتحقق وقوع ما قدره الله

    ثم قال الرسل: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ[يس:19]، طَائِرُكُمْ))، أي: قدركم وحظكم، مَعَكُمْ))، أي: ملازم لكم، كما قال صالح لقومه لما قالوا: اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ[النمل:47]، أي: قدركم مكتوب في علم الله الأزلي، وكما قال كفار قريش متشائمين برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عنهم: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ[النساء:78]، قال الله عز وجل: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ[النساء:78]، أي: كله مقدر مكتوب عنده جل جلاله، ثم قال تعالى: فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النساء:78].

    قال تعالى هنا: قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ[يس:19]، هنا تم الكلام، أي: تقف هاهنا، ثم تبدأ: أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ[يس:19]، (إن) شرطية وفعل الشرط: ذُكِّرْتُمْ))، وجوابه دل عليه ما قبله: (أئن ذكرتم تطيرتم)؟! يعني كلما نقول لكم: قولوا :لا إله إلا الله تتشاءمون! كلما نقول لكم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره تتطيرون!

    وفي قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع : (أئن ذكرتم)، على أنها مصدرية، أي: تذكيرنا إياكم يجعلكم تتطيرون.

    قال الله عز وجل على لسان الرسل مخاطبين أقوامهم: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [يس:19]، أي: أسرفتم على أنفسكم حين أعرضتم عن عبادة ربكم واتخذتم من دونه آلهة.

    1.   

    تأييد الله رسله بمن يدافع عنهم ويحمل رسالتهم

    يقول الله عز وجل: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى[يس:20]، الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يعينهم الله عز وجل برجال مؤمنين ونساء مؤمنات، كما قال ربنا لنبيه عليه الصلاة والسلام: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ[الأنفال:62-63]، فهاهنا هؤلاء المرسلون أيدهم الله عز وجل برجل يقال له: حبيب ، قيل: كان نجاراً، وقيل: بل كان إسكافياً، والإسكافي هو الذي يصلح النعال، يعني: كان رجلاً عنده مهنة، كان نجاراً، كان إسكافياً، والله أعلم بالصواب.

    وهذا الرجل اتبع المرسلين، آمن بهم وصدق برسالتهم، وكان بعدما دخل الإيمان في قلبه، وفي آخر يومه كان ينفق على أهله وعياله نصف ما وجد ويتصدق بالنصف، وهذا لما سمع التهديد من أولئك الكفار لهؤلاء المرسلين الكرام، يقولون لهم: لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [يس:18]، جاء محذراً قومه كما قال تعالى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ [يس:20]، أي: من مكان بعيد، يَسْعَى[يس:20]، أي: ما جاء يمشي، وإنما جاء يسعى، جاء مستعجلاً! ووقف في قومه نذيراً، قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [يس:20]، يا قوم! أنا منكم وإليكم! أنا من جنسكم! أنا من أهلكم! يا قوم، ما قال لهم: يا أيها الناس، وإنما يتحبب إليهم ويحلم عليهم، يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [يس:20]، آمنوا بهم وعزروهم وانصروهم، واتبعوا النور الذي أنزل معهم.

    ثم قال: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً [يس:21]، الأجر: العوض الذي يناله المرء في مقابل ما يقوم به من عمل، يقول لهم: يا قوم! هؤلاء الرسل لا يطلبون شيئاً لأنفسهم، لا يرومون حظاً من حظوظ الدنيا، ما سألوكم أجراً: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً[يس:21]، وهكذا كل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ ولذلك نقرأ في سورة الشعراء بأن نوحاً قال لقومه: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:109]، و هوداً قال الكلمة نفسها و صالحاً قالها ولوطاً قالها وشعيباً قالها، قال تعالى: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:109]، وفي سورة هود نقرأ بأن نوحاً عليه السلام قال: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ[هود:29]، ونقرأ بأن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم يقول: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86]، وقال أيضاً: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [سبأ:47]، وقال الله عنه: وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [يوسف:104]، وسليمان عليه السلام لما أرسلت إليه بلقيس بالهدية قال: أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ[النمل:36].

    الأنبياء لا يطلبون من الناس أجراً، ولا يقبلون من الناس أجراً؛ ولذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الصدقة ولا يأكلها ولا يطعمها أهل بيته، وقد يمر عليهم الهلال والهلال ولا يوقد في بيوته نار، قال: ( إنما هي أوساخ الناس لا تحل لمحمد ولا لآل محمد )، وكان يقبل الهدية صلوات ربي وسلامه عليه ويكافئ عليها، يعني: من أهدى إليه أهدى إليه.

    1.   

    أخذ الأجرة على تعليم القرآن

    هنا نذكر مسألة فقهية، يذكرها العلماء ويقولون: ينبغي لأتباع الأنبياء من الأئمة والمؤذنين والعلماء والمذكرين ومن ينشرون القرآن ألا يأخذوا أجراً، وهذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد ، وأيضاً كره الأجرة على تعليم القرآن والإمامة: ابن شهاب الزهري ، و إسحاق بن راهويه ، و عبد الله بن شقيق وغيرهم، قالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم العلم، ولا على إقراء القرآن، ولا على إمامة الناس.. ونحو ذلك من القربات، واستدلوا على ذلك بأدلة، منها حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: ( علمت رجلاً القرآن فأهدى إلي قوساً، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هو قوس من نار، قال: فرددته ).

    وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: ( علمت ناساً من أهل الصفة الكتاب والقرآن.. ) الكتاب بمعنى الكتابة ( علمت ناساً من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلي رجل منهم قوساً، فقلت: ليس مالاً، أرمي به في سبيل الله.. )، يعني: القوس هذا ليس مالاً وإنما هو سلاح، أرمي به في سبيل الله، ( ثم قلت: لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه، فأتيته فقال لي: إن سرك أن تطوق بطوق من نار فاقبله، قال: فرددته ).

    والحديث الثالث: حديث عمران بن الحصين الخزاعي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( اقرءوا القرآن وسلوا الله به، فإنه سيأتي أقوام يقرءون القرآن ويسألون به الناس ).

    الحديث الرابع: حديث أبي بن كعب أيضاً، بأنه قال: ( كنت أختلف إلى رجل مسن به علة فأقرئه القرآن، وكان يطعمني طعاماً لا أجده بالمدينة.. )، يعني: كما لو أنك ذهبت إلى واحد من الناس، وأطعمك بعض الأطعمة التي ما جرت بها عادة الناس هاهنا، فهو قد يكون موجوداً في السوق، لكنه ما جرت به عادة الناس، وهذا ما كان أبي يقصد، قال: ( كنت أختلف إلى رجل مسن به علة، قد ألزمته داره، فكان يطعمني طعاماً لا أجده بالمدينة، قال: فحاك في نفسي.. )، هذا الأمر أبي ضاق منه صدره، ( قال: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن كان مما يطعم هو وأهل بيته فكل، وإن كان شيئاً يتحفك به فلا تأكل )، أي: إذا كان شيئاً من طعام أهل البيت كل، أنت على اعتبارك ضيف، أما إذا كان شيئاً مخصوصاً فلا تأكل.

    هذه جملة الأحاديث التي استدل بها الإمام أبو حنيفة ، والإمام أحمد ، ومن قبلهما كـابن شهاب الزهري على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم العلم وإقراء القرآن.

    وبالمقابل ذهب الإمام مالك ، والإمام الشافعي ، والإمام أحمد في رواية أخرى إلى أنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم العلم وإقراء القرآن، وإمامة الناس والأذان وما إلى ذلك، واستدلوا بدليلين كلاهما في الصحيح:

    الدليل الأول: حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه في قصة المرأة التي جاءته في المسجد وقالت: ( يا رسول الله! وهبت لك نفسي، فنظر إليها صلى الله عليه وسلم طويلاً ثم سكت، فقال رجل: يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أصدقها شيئاً، فقال: يا رسول الله! ما عندي شيء، قال: التمس ولو خاتماً من حديد، فالرجل ذهب ورجع قال: ما عندي شيء، فقال له: ما معك من القرآن؟ كذا وكذا وكذا حتى عد عشرين سورة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن ).

    الدليل الثاني: حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة اللديغ وفي آخره قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ).

    قال الإمام الشوكاني رحمه الله: وأعدل الأقوال أن يقال: وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ[النساء:6]، ومعنى هذا الكلام: أن الأجرة ليست على ذات القربة، وإنما الأجرة على الاحتباس، فالإمام إذا أخذ مقابل فليس لأنه صلى؛ لأنه سيصلي أصلاً، فأي مسلم لا بد أن يصلي، وإنما هو أخذ الأجرة لأنه محتبس على هذه المهمة، وكذلك المؤذن وكذلك من يقرئ القرآن ومن يعلم العلم، إنما هو محتبس على هذه الوظيفة؛ ولو قلنا له: يحرم عليك أن تأخذ الأجرة سيقول: خيراً إن شاء الله، وسيبدأ يصلي بالناس، لكنه يضرب في مناكب الأرض يلتمس من فضل الله، مرة سيصلي ومرة سيغيب، وكذلك معلم القرآن وكذلك المؤذن، فتضيع هذه الوظائف، ولا يجد الناس من يقوم بها.

    1.   

    إثبات العبد الصالح العبودية لله أمام قومه وما صار إليه أمره بعدها

    هذا العبد الصالح قال لقومه: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ [يس:21]، فهؤلاء الرسل مهتدون، أنتم تعرفونهم وقد نشأوا بينكم وبعثهم الله من بينكم، ما عهدتم عليهم كذباً ولا خيانة ولا غدراً ولا فحشاً.. وهكذا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

    الاستدلال بالربوبية على توحيد الألوهية والعبادة

    ثم قال لهم: وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:22]، أي: ما لي لا أعبد الذي خلقني وإليه ترجعون، استدل رضي الله عنه بالخلق على استحقاق الله عز وجل للعبادة وحده، فالذي يُعبد هو الذي خلق؛ قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ[البقرة:21]، وقال الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [النحل:20]، وقال سبحانه: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ[النحل:17]، وقال سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ[فاطر:40].

    وقال سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ[الأحقاف:4]، هذا سؤال يطرح، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ[الحج:73]، كل من يعبد غير الله نقول له: يا مسكين! هذا الذي تعبده هل خلقك؟ هل خلق حشرة؟ نملة؟ ذبابة؟ ما خلق شيئاً من ذلك، فلم تعبده؟! الذي يعبد هو الذي خلق؛ ولذلك هذا الرجل قال لقومه: كيف أعبد ما تعبدون وأترك عبادة من فطرني ومن خلقني جل جلاله، ثم قال: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:22]، إليه المرجع والمصير.

    لكن لم لم يقل هذا الرجل: وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه أرجع؟! أو لم لم يقل: وما لي لا أعبد الذي فطركم وإليه ترجعون؟! وإنما نسب الخلق إلى نفسه والرجوع إلى المخاطبين.

    قال أهل العلم: نسب الخلق إلى نفسه بأنه مخلوق لله عز وجل لأنه في معرض التحدث بالنعمة، بأنها نعمة من نعم الله علي أنه خلقني، كما قال سبحانه: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:1-2]، وقد أحسن خلقه جل جلاله، خلق هذا الإنسان، وما خلقه هكذا وإنما أحسن خلقه؛ ولذلك أحسن شيء خلقه الله هو الإنسان، فالإنسان هو أحسن المخلوقات وأجملها، كما قال ربنا: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4]، فهو أجمل من القمر.

    ثم بعد ذلك قال: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:22]؛ لأنه في مقام الوعظ والزجر، يذكرهم بأن هناك قيامة وبعثاً ونشوراً.

    ثم قال العبد الصالح: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً [يس:23]، يستنكر، فيقول لهم: يا ناس! يا قوم! هذا الذي خلقني أأتخذ من دونه آلهة؟! هذا أمر لا يعقل!

    ثم يقول لهم: إِنْ يُرِدْنِي الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ [يس:23]، يقول لهم: لو أن الله عز وجل قدر علي ضراً، فهذه الآلهة لا تستطيع أن تمنع، ولذلك قال الله في الآية الأخرى: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ[الزمر:38]، هذه الآلهة لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع، ولا تخفض ولا ترفع؛ بل لا تبصر ولا تسمع، فلم تعبدونها؟!

    ثم قال: إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:24]، يقول لهم: لو أني عبدت هذه الآلهة واتخذتها من دون الله قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، إِنِّي إِذاً))، أي في تلك الحال، لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:24].

    ثم قال لهم: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [يس:25]، أنا ما عندي إلا إله واحد.

    فلما قال هذا الكلام امتلأت قلوبهم غيظاً وصدورهم حقداً، فعمدوا إلى قتله، قيل: بأنهم ركلوه بأقدامهم حتى خرجت أمعاؤه من دبره، وقيل: بأنهم أحرقوه بالنار، وقيل: بأنهم حفروا له حفرة وألقوه فيها فقتلوه ردماً، وقيل: بأنهم نشروه بالمنشار.. المهم أنهم قتلوه في سبيل الله؛ لأنه قام فيهم بكلمة حق.

    تبشير الشهيد بالجنة

    وهذا الرجل المبارك بمجرد ما فارقت الروح الجسد قيل له: ادْخُلْ الْجَنَّةَ[يس:26]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: ( ما يجد الشهيد من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة )، ويبشر الشهيد بالجنة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( للشهيد عند ربه ست خصال: يغفر له بأول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويأمن من الفزع الأكبر، ويزوج ثنتين وسبعين حورية من الحور العين، ويشفع في سبعين من أهل بيته )؛ ولذلك سعد بن الربيع رضي الله عنه في غزوة أحد لما جاءه بعض الناس وبه رمق، يعني: ما زالت روحه تحشرج، قال له: يا سعد ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام ويقول: ( كيف تجدك )؟ فقال له سعد : وعليك وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام ورحمة الله، والله إني لأجد ريح الجنة من دون أحد! يا فلان! أقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه، وقل لقومك: لا خير فيكم إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف، فهذا الرجل المؤمن الطيب قتله قومه، وأزهقوا روحه.

    ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد

    فالإنسان لو ما مات قتلاً في سبيل الله سيموت على فراشه، لن ينجو من الموت.

    تمني الخير للآخرين

    هذا العبد الصالح بمجرد ما فارقت الروح الجسد قيل له: ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27]، (ليت) حرف تمن، أنزله منزلة المخاطب الذي ينادى، يا ليت! كما سيقول الكفار يوم القيامة: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ[الزمر:56]، ومثل ما سيقول الآخر: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً [الفرقان:27]، هذا أيضاً يقول: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي[يس:26-27]، (بما) إما أن تكون مصدرية، أي: بمغفرة ربي لي، وإما أن تكون موصولة، أي: بالذي غفر لي ربي وجعلني من المكرمين، يعني: هذا الرجل يتمنى أن يعلم قومه عظيم منزلته ورفيع مكانته عند الله، أو أنه رضي الله عنه تمنى أن يؤمن قومه لينالوا مثل الذي نال، لأن المؤمن يتمنى الخير للناس، ولا يحمل عليهم حقداً؛ ولذلك الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ( عجب ربنا من رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: قتل كافر مؤمناً ثم آمن فدخل الجنة )، وهذا واقع كمثل: خالد بن الوليد رضي الله عنه كم قتل من المسلمين؟! ومثله صفوان بن أمية و عمرو بن العاص و سهيل بن عمرو و عكرمة بن أبي جهل ، ثم بعد ذلك من الله عليهم فأسلموا.

    ولذلك هذا العبد الصالح تمنى فقال: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27].

    1.   

    مصير المكذبين برسل الله رب العالمين

    قال الله عز وجل: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنْ السَّمَاءِ[يس:28]، قال بعض المفسرين: المقصود بأنه لم يرسل الله إليهم رسلاً بعد أولئك الثلاثة.

    وقيل: المراد من قوله: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ[يس:28]، أي: ملائكة، يعني ما احتاج ربنا لإهلاكهم أن ينزل ملائكة، وإنما ملك واحد وهو جبريل أخذ بعضادتي باب تلك القرية ثم صاح صحية فإذا هم خامدون؛ ولذلك الزمخشري في الكشاف يقول: فإن قلت: لم أنزل الله يوم بدر ويوم الخندق جنوداً؟

    قال الله عز وجل: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ [الأنفال:12]، وقد كانت الملائكة خمسة آلاف، يعني: الله عز وجل لما استغاث المؤمنون أغاثهم بألف من الملائكة مردفين، ثم جعلهم ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف، وكذلك يوم الخندق قال الله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا[الأحزاب:9]، بينما قرى قوم لوط أرسل الله عز وجل إليهم جبريل رفعهم بريشة من جناحه فأفكها، فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا[الحجر:74].

    قال الزمخشري : أراد الله أن يفضل محمداً صلى الله عليه وسلم في كل شيء، فما اكتفى بأن ينزل عليه ملكاً ولا عشرة ولا مائة.. وإنما ألوف مؤلفة.

    وهؤلاء الكفار من أصحاب القرية ما احتاجوا أن يرسل الله عليهم جنودا؛ قال تعالى: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً[يس:28-29]، (إن) بمعنى ما، والتقدير: (ما كانت)، كما في قوله تعالى: إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ [فاطر:23]، أي: (ما أنت إلا نذير)، وقوله تعالى: إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ[الشورى:48].

    قال الله: فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [يس:29]، صرعى، مقتولون، فارقت الأرواح الأجساد؛ قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.