إسلام ويب

تفسير سورة نوح [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ظل نوح عليه السلام يدعو قومه، ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، ولكنهم كذبوه وآذوه، فما كان من نوح إلا أن دعا ربه فاستجاب له ربه، فأغرق الأرض بالطوفان، وأمر الله نبيه أن يحمل على ظهر السفينة من كل زوجين اثنين، فحمل عليها إلا ولده، فناداه نوح أن يركب معهم فأبى، وقال له ربه إنه ليس من أهله، فتاب نوح من دعاء ربه ما ليس له به علم.

    1.   

    نصر الله لنبيه نوح بالطوفان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    دعاء نوح على قومه

    فبعدما دعا نوح عليه السلام ربه وقال: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10]، ذكر الله عز وجل له علامة معينة، وهي: أن يفور التنور، والتنور قال بعض المفسرين: أي: وجه الأرض، وقال بعضهم: بل التنور هو ما يسجر من أجل أن يصنع فيه الخبز، يعني: الفرن كما نقول، فإذا رأى الماء يفور من تلك الأماكن التي هي أبعد عن الماء فهذه علامة ظاهرة أن عذاب الله قد نزل وأن أمر الله قد جاء.

    وفي سورة الأنبياء يقول الله عز وجل: وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الأنبياء:76-77].

    أمر الله لنوح بأن يحمل في السفينة من كل زوجين اثنين

    وهنا أمر الله نوحاً عليه السلام بأن يحمل في تلك السفينة من كل زوجين اثنين، يعني: من كل نوع من أنواع الأحياء يأخذ زوجين؛ ذكر وأنثى، سواء كان من الدواب، أو من الطيور، أو من الحشرات، أو من الزواحف أو من غيرها، يأخذ زوجين، فحمل نوح هذا كله في السفينة وركب فيها المؤمنون الطيبون، وكانوا كما يقول بعض المفسرين: ثمانين نفساً، ويقول بعض المفسرين: بل كانوا اثنين وسبعين نفساً، ويقول بعضهم: بل كانوا أربعين نفساً، ويقول بعضهم: بل كانوا سبعة.

    يعني: مكث هذا الزمان الطويل وهو ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولم يؤمن معه إلا كما قال ربنا في القرآن: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ [هود:40].

    لما بعث نوح قيل: كان عمره خمسين، وقيل: بل كان ثلاثمائة وخمسين، وقيل: بل كان أربعمائة وثمانين، والله أعلم أي ذلك كان.

    فنوح عليه السلام حمل المؤمنين وحمل هذه الكائنات الحية في تلك السفينة، وبدأ عذاب الله كما قال الله عز وجل: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ[القمر:11-12]، أي: التقى الماءان، ماء السماء وماء الأرض، عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ [القمر:12-13]، أي: نوح عليه السلام، عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر:13]، الألواح: ألواح الخشب، والدسر: المسامير، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر:14]، (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)، أي: برعايتنا وحفظنا وعنايتنا، جل جلال الله.

    محافظة نوح على ذكر الله حين ركوب السفينة والاستواء عليها

    فنوح عليه السلام ركب في تلك السفينة ذاكراً ربه، قال: بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا[هود:41]، وأمره ربه بعد أن يركب أن يحمد الله، فقال له: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [المؤمنون:28-29]، مثل ما أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم لما خرج في طريق الهجرة بأن يقول: رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً [الإسراء:80].

    فنوح عليه السلام ذكر الله لما دخل السفينة وذكر الله لما استوى عليها، وصارت تلك السفينة تمخر بهم عباب البحر، كما قال الله عز وجل: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ[هود:42]، أمواج عاتية عالية؛ لأن السماء فتحت كأفواه القرب، والأرض فجرت عيوناً من كل مكان.

    غرق زوجة نوح وولده مع المغرقين

    كان نوح عليه السلام عنده أولاد مؤمنون طيبون، لكن الله عز وجل ابتلاه بامرأة كافرة وولد كافر، أما المرأة فيقول بعض المفسرين: إنها ماتت قبل الطوفان، وبعضهم يقول: بل هلكت في الطوفان، وأياً كان فعليها لعنة الله فهي في النار، كما قال ربنا جل جلاله عنها وعن امرأة لوط: كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم:10]، فسواء هلكت قبل الطوفان أو في الطوفان فإنها في الحالتين من أهل النار.

    نادى نوح عليه السلام بعاطفة الوالد وشفقة الأب على ولده، وقال: يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [هود:42]، تعال وكن معنا، لكن الولد من خفة عقله وشدة كفره رد على أبيه ذلك الرد القبيح، فقال: قَالَ سَآوِي [هود:43]، بدلاً من أن يقول لأبيه: سمعاً وطاعة، قال له: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ[هود:43]، قال له: هناك جبل عال سأصعد إليه والماء لن يدركني، ولو كان عنده عقل لأدرك أن الماء نازل من السماء؛ لكنه لم يدرك فقال هذا الكلام، فقال له أبوه: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ[هود:43].

    أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن امرأة كانت تحمل رضيعاً لها، وما زالت تشتد به وتصعد به في جبل فراراً من الغرق، فلما بلغ الماء ثلثها رفعت ولدها، فلما بلغ ثلثيها رفعته، فلما أدركها الغرق رفعته بيديها، قال عليه الصلاة والسلام: ( فلو رحم الله أحداً في ذلك اليوم لرحم أم الصبي )، لكنه أغرقها جل جلاله ومعها صبيها؛ ولذلك نوح يقول لولده: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ[هود:43]، ولن يرحم الله غير المؤمنين الذين مع نوح عليه السلام، وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ [هود:43].

    انتهاء الطوفان ونجاة السفينة

    لما غرق القوم كلهم أجمعون أوحى الله عز وجل إلى السماء وأوحى إلى الأرض: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي[هود:44]، (أقلعي) يعني: كفي وامتنعي، قال الله عز وجل: وَغِيضَ الْمَاءُ[هود:44]، (غيض) بمعنى: نقص، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ[هود:44]، استوت سفينة نوح عليه السلام على جبل يقال له: الجودي، الله أعلم أين هو؟ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود:44].

    استشفاع نوح لابنه ورد الله عليه

    نوح عليه السلام ما زالت عاطفة الأبوة متقدة عنده، فنادى ربه جل جلاله، دعاه فقال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ[هود:45]، يعني: يا رب! أنت وعدتني بأن تنجني وأهلي، وهذا الولد من أهلي، وأنت يا رب! لا تخلف الميعاد، فالله عز وجل بين له وقال: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ[هود:46]، وهنا المقصود بالأهل: المؤمنون الطيبون، وليس المقصود بالأهل: الأرحام.

    إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ[هود:46]، وفي قراءة: (إنه عَمِلَ غيرَ صالح) أي: هذا الولد عمل عملاً ليس صالحاً، فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ [هود:46].

    ندم نوح على استشفاعه لولده وتوبته

    1.   

    من غرائب قصص الحيوانات والطيور مع نوح عليه السلام

    قصة الفأرة في السفينة

    لما جفت الأرض وانتهى أمر الطوفان، أمر الله عز وجل نوحاً عليه السلام بأن يهبط بمن معه من المؤمنين: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [هود:48]، يذكر المفسرون هنا: أن نوحاً عليه السلام لما كان يربط السفينة ويقوي حبالها ويطليها بالقار، كانت الفأرة الفويسقة -كما سماها النبي عليه الصلاة والسلام- تقضم تلك الحبال، فلما جاء بالهرة خنست الفأرة وسكتت! وهذا لا يحتاج أن يذكره المفسرون؛ لأنه معروف أصلاً أن القط إذا جاء فإن الفأر يلزم موضعه ويسكن. ويذكره أيضاً أهل الحديث حين يشرحون قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( خمس فواسق يقتلن في الحرم.. )، وذكر من بينهن الفأرة؛ قالوا: لأن الفأرة مؤذية، وهذا واضح، الفأرة إذا دخلت بيتاً فإنها تؤذي أهله وتجعل أعزته أذلة! حتى أن الفأرة سبحان الله! لتقضم الكتب، وليس لها فائدة من الكتاب ولكن حب الأذية؛ ولذلك تأكل من هذا صفحتين وتأكل من هذا صفحتين.. ولو أنها أمسكت واحداً فأكملته كانت الخسارة محدودة، لكنها تأكل من كل واحد! وكذلك إذا دخلت في الدولاب تأكل من هذا الثوب ومن هذا الثوب.. ولو أنها أكملت ما بدأت لكان الأمر هيناً! لكنها مجبولة على الأذى، بل قد تسبب الحرائق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم )، أي: تضرمهم ناراً.

    قصة الغراب والحمامة بعد انتهاء الطوفان

    أمر الله نوحاً عليه السلام بأن يهبط إلى الأرض، ويذكر المفسرون بأن نوحاً أرسل الغراب من أجل أن يأتيه بخبر الأرض: هل جفت؛ أو لم تجف؟ فوجد الغراب جيفة فأكب عليها، فطفق يأكل منها ونسي ما بعث من أجله، فدعا نوح ربه بأن يجعل رزقه في الجيف؛ ولذلك الغراب دائماً يأكل الجيف، ثم أرسل بعده الحمامة فذهبت إلى الأرض وجاءته بغصن زيتون، دلالة على أن الأرض قد جفت؛ ولذلك الآن دائماً يرمزون بالحمام وغصن الزيتون لحصول السلام والأمن والطمأنينة، وهذا كله يذكر والله أعلم بصحته، ليس وارداً في القرآن ولا في السنة الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987425329

    عدد مرات الحفظ

    716501293