إسلام ويب

الخضر عليه السلامللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخضر عليه السلام عبد من عباد الله الأتقياء، علمه الله علماً لم يعلمه موسى، سافر إليه موسى ليطلب منه العلم وتواضع له، وهو نبي من أنبياء الله، مات كما يموت غيره من البشر.

    1.   

    سفر موسى عليه السلام إلى الخضر

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ذكر الله عز وجل في سورة الكهف قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، وسببها كما روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنه: ( أن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل، فقيل له: يا نبي الله! أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعاتبه الله عز وجل إذ لم يرد العلم إليه، وقال له: عبدنا خضر بمجمع البحرين عنده من العلم ما ليس عندك، فقال: يا رب! كيف السبيل إلى لقائه؟ فقال له: خذ حوتاً في مكتل، فحيث ما فقدت الحوت فهو ثم).

    وكان من أمر الله ما أخبر عنه في قرآنه حين قال: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ[الكهف:60]، وهو: يوشع بن نون عليه السلام، لا أَبْرَحُ[الكهف:60]، أي: سأظل ماشياً، سائراً، حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً [الكهف:60] قالوا: الحقب جمع حقبة، وهي ثمانون سنة، يعني: أن موسى عليه السلام من حرصه على العلم؛ قال لفتاه: سأظل ماشياً ثمانين وثمانين حتى أصل إلى ذلك العالم.

    نسيان موسى وفتاه للحوت وعثورهما على الخضر

    فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا[الكهف:61]، نزل موسى عليه السلام ومعه غلامه في مكان وكان هذا الحوت في زنبيل يأكلان منه، ولما نزلا في ذلك المكان غلبتهما عيناهما فناما، فأصاب الحوت ماء الحياة، فقفز في البحر بأمر الله، فانتبه الغلام إلى ذهاب الحوت لكنه نسي أن يخبر موسى عليه السلام، وظلا ماشيين يومهما وليلتهما، فلما كان من الغد قال موسى لفتاه: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا[الكهف:62]، وهنا تذكر الغلام، فقال لموسى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [الكهف:63-64].

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، حتى لكأن أثره في حجر )، يعني: في العادة الشيء لو كان في الماء فإنه لا يترك أثراً؛ لأن الماء، يجري والأمواج تتلاطم، لكن لما سار الحوت أمسك الله عنه جرية الماء حتى لكأنه ما كان يمشي في الماء، وإنما كان يمشي في حجر، أو يمشي في تراب.

    فبلغ موسى عليه السلام ذلك المكان حيث العبد الصالح، فوجده مستلقياً، وقد تغطى ببردة خضراء. قيل: سمي الخضر؛ لأنه كان لا يصلي في مكان إلا اخضر ذلك المكان، فقال له موسى: السلام عليكم، فقال: وأنى بأرضك السلام؟ قال له: أنا موسى، فقال العبد الصالح: موسى بني إسرائيل؟ قال: ومن أخبرك بي؟ فقال له الخضر: أخبرني بك الذي أخبرك بي! يعني: من ساقك إلى هذا المكان هو الذي أخبرني بأنك ستأتي.

    1.   

    تواضع موسى عليه السلام للخضر وطلبه اتباعه لنيل العلم

    فتواضع موسى عليه السلام معه، وقال له: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الكهف:66]، قالوا: وفي هذا ألوان من الأدب:

    أولها: الاستئذان. هل أتبعك؟ ما قال له: أريد أن أكون معك، وإنما استأذن: هل؟

    ثانياً: ثم جعل من نفسه تابعاً للـخضر عليه السلام.

    وثالثاً: أثبت أن الخضر هو المعلم، وأنه هو المتعلم، المتلقي، المسترشد، وأثبت للـخضر الرشاد، ثم طلب منه بعض ما عنده، ما قال له: هل أتبعك على أن تعلمني ما علمت، وإنما قال: مما علمت رشداً، وكان الأستاذ صارماً فيه شدة، فقال له: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً [الكهف:67]، فازداد موسى عليه السلام تواضعاً، وقال له: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [الكهف:69]، فاشترط عليه شرطاً، فقال: فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً [الكهف:70]، يعني: إذا مشيت معي فلا تسأل عن شيء، ولا تستفسر إلى أن أفاتحك أنا بالكلام، وأبتدئك بالجواب، فرضي موسى عليه السلام بهذا الشرط، وكان من خبرهما ما قص الله علينا حين خرق السفينة وقتل الغلام وبنى الجدار، وفي كل مرة موسى لم ينفذ الشرط، قال له في المرة الأولى: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [الكهف:71]، يعني: عمدت إلى قوم حملونا من غير نول، فإنهم لما رأوا الخضر -وكانوا يعرفونه- قالوا: عبد صالح لا نأخذ منه أجراً، فلم يأخذوا من الخضر ولا من ضيفه أجراً، فعمد الخضر -لما نزل القوم في مكان ليتزودوا- إلى لوح من ألواح السفينة فقلعه، فقال له موسى: قوم حملونا من غير أجر عمدت إلى سفينتهم فخربتها لتغرقهم، ستعلم أنك أول هالك، فذكر الخضر عليه السلام موسى فقال: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً [الكهف:72]، فاعتذر إليه قائلاً: لا تُؤَاخِذْنِي[الكهف:73].

    فلما قتل الغلام، اعترض عليه، وقصته: أنهم مروا على صبيان يلعبون فعمد إلى أصبحهم وجهاً، فأضجعه وذبحه ذبح الشاة، فقال موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً[الكهف:74]، أو زاكية، بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف:74]، فهنا شدد الخضر النكير، فقال لموسى: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً [الكهف:75]، فظن موسى عليه السلام أنه لا سبيل إلى الاعتذار ثانية، فاشترط على نفسه، فقال للخضر: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً [الكهف:76].

    فمروا بأولئك القوم اللئام فأبوا أن يضيفوهما، فوجد الخضر جداراً مائلاً أوشك أن ينهدم وينهار، فأقامه وعدله، فقال له موسى: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف:77]، أي: هؤلاء قوم لا يستحقون الإحسان، فإنهم منعوا عنا الضيافة الواجبة، فقال له الخضر: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ[الكهف:78]، أي: إلى هذا الحد يكفي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يرحم الله موسى، وددنا لو أنه صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما ).

    1.   

    نبوة الخضر عليه السلام

    والسؤال هنا: هل كان الخضر نبياً، أم ولياً؟

    أما الخضر عليه السلام فالراجح أنه نبي، وقد دل على ذلك أمور ستة:

    أولها: قول الله عز وجل على لسانه: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي[الكهف:82]، فإنه لما حكى لموسى، لم خرق السفينة؟ ولم قتل الغلام؟ ولم بنى الجدار؟ قال له: هذا كله لم أفعله من تلقاء نفسي، ومعنى ذلك أنه كان يوحى إليه، وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي[الكهف:82].

    ثانياً: قول الله عز وجل: فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [الكهف:65]، وقد تكرر في القرآن إطلاق الرحمة والعلم على النبوة، فمن إطلاق الرحمة على النبوة، قول الله عز وجل: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ[القصص:86]، أي نبوة.

    وقول الله عز وجل: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ[الزخرف:31-32].

    وأما إطلاق العلم على النبوة ففي قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ[يوسف:68]، وقوله سبحانه: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء:113].

    ثالثاً: مما يدل على نبوة الخضر تواضع موسى معه: هَلْ أَتَّبِعُكَ[الكهف:66]، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً[الكهف:69]، ومعلوم أن موسى عليه السلام كان شديداً.

    رابعاً: مما يدل على نبوة الخضر عليه السلام أنه أعلم من موسى ، ويبعد أن يكون الولي أعلم من النبي؛ لأن النبي أفضل من الولي بإجماع المسلمين.

    خامساً مما يدل على نبوته صلوات الله وسلامه عليه: أن العدوان على الأنفس والأموال لا يكون إلا بوحي؛ لأن الله عز وجل حصر الإنذار في الوحي، قال سبحانه: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء:45]، وقال سبحانه: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ [الأنبياء:45].

    سادساً: القول بنبوة الخضر عليه السلام يسد الباب أمام الزنادقة الذين يريدون الخروج عن الشريعة بدعوى أنهم أولياء وما هم بأولياء، فإن أولياء الله عز وجل أكثر الناس اتباعاً للشريعة وحرصاً على السنة، وتعظيماً للأوامر والنواهي.

    1.   

    فضل موسى عليه السلام على الخضر

    ثانياً: هل الخضر أفضل من موسى؟

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: زعم جماعة من الجهلة أن الخضر أفضل من موسى، وإنما أفضى إلى قولهم ذلك وقوفهم على ظاهر هذه القصة دون نظر إلى غيرها، فإن الله عز وجل فضل موسى بالرسالة، وميزه بالكلام: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164]، وآتاه تسع آيات بينات، وجعله أفضل أنبياء بني إسرائيل، فجميع أنبياء بني إسرائيل داخلون تحت ولايته، وتحت نبوته، حتى عيسى عليه السلام.

    ويكفينا في هذا المقام قول ربنا: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي[الأعراف:144]؛ ولذلك كان أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن حتى ذكر ستاً وثلاثين ومائة مرة.

    يقول شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله: وإنما تكرر ذكر موسى مع فرعون؛ لأنهما كانا طرفي نقيض، أما موسى ففي غاية الحق والهدى، وأما فرعون ففي غاية الباطل والضلال.

    فرعون لأنه أنكر وجود الله عز وجل، قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23].

    وموسى عليه السلام مؤيد من الله عز وجل بالكلام؛ ولذلك يكثر في القرآن ذكرهما سوياً، حتى ذكرت قصتهما تفصيلاً ثلاثاً وعشرين مرة في كتاب الله الكريم.

    1.   

    موت الخضر عليه السلام

    ثالثاً: هل الخضر عليه السلام حي أم ميت؟

    هناك كثير من الناس يقولون: بأننا قابلنا نبي الله الخضر، وأننا لقيناه، وأن الخضر قال لي كذا، وفعل لي كذا.

    أقول: ذهب جماعة من العلماء إلى أنه حي، ومن هؤلاء الإمام القرطبي في تفسيره، والإمام أبو زكريا النووي و أبو عمرو بن الصلاح وكذلك ابن تيمية في الفتاوى و الحافظ العراقي في طرح التثريب، فهؤلاء ذهبوا إلى أنه حي، ودليلهم آثار وروايات، وأشهرها: ما رواه الإمام أبو عمر بن عبد البر في التمهيد عن علي رضي الله عنه: ( بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفاه الله سجي ببردته، فسمعنا صوتاً نسمع صوته ولا نرى شخصه، قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم أهل البيت، إن في الله تعالى عوضاً من كل هالك، إن في الله تعالى خلفاً من كل هالك، وعوضاً من كل تالف، فبالله ثقوا وإياه فارجوا؛ فإن المصاب من حرم الثواب) فكانوا يرون أنه الخضر، جاء يعزيهم في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: وهذا ضعيف، أي: إسناد هذه القصة التي ذكرها ابن عبد البر رحمه الله ضعيف، قال: وقد أتى الإمام أبو الفرج ابن الجوزي على جميع المرويات والآثار فبين أن أكثرها ضعيف أو موضوع.

    والذي تطمئن إليه النفس أن الخضر عليه السلام مات، ودليل ذلك أولاً قول ربنا: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:34]، فقوله: (وما جعلنا لبشر)، نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فالكل يموت.

    ثانياً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، قال: ( اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض )، يعني حصر صلوات ربي وسلامه عليه المؤمنين في أولئك النفر الذين شهدوا معه موقعة بدر رضوان الله عليهم، فلو كان الخضر حياً لما قال عليه الصلاة والسلام تلك المقالة.

    ثالثاً: قالوا: لو كان الخضر حياً لوجب عليه أن يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصلي خلفه، ويبايعه على الإسلام، ويشهد معه المعارك والغزوات، قالوا: ولو كان شيء من ذلك لنقل، أي: لو حصل شيء من ذلك لنقل إلينا، فلما لم ينقل دل ذلك على أن الخضر عليه السلام شأنه شأن سائر الناس، أتى عليه أمر الله كما قال ربنا: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ[القصص:88]، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن:26]، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ[آل عمران:185]، وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ[الأنبياء:34].

    1.   

    الخروج على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم

    رابعاً: هل يسع أحد من الناس الخروج على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كما وسع الخضر الخروج على شريعة موسى؟

    أولاً: السؤال: هل كان موسى مبعوثاً إلى الناس كافة، أم لبني إسرائيل؟ يقيناً كان مبعوثاً لبني إسرائيل، فما من نبي بعث إلى الناس كافة خلا محمداً صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قال: ( وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة ) عليه الصلاة والسلام، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً[سبأ:28].

    فموسى عليه السلام كان مبعوثاً لخصوص بني إسرائيل، فشريعته لا يلزم بها الخضر عليه السلام؛ لأنه لم يكن من بني إسرائيل.

    ثانياً: أفعال الخضر عليه السلام مخرجة على أصول الشريعة، أما قلعه ذلك اللوح من من السفينة، فإنما خرب بعضها لينقذ كلها؛ ولذلك قال علماؤنا: يجوز إتلاف بعض المال لإنقاذ كله، يعني: مثلاً لو كانت سفينة في البحر تحمل أموالاً، تحمل أطعمة مثلاً أو أخشاباً أو غير ذلك وتبين أن حمولتها ثقيلة، ولا يتأتى لها الاستمرار إلا بأن يلقى بعض ما فيها في البحر وإلا غرقت، ماذا يقول كل عاقل؟ نلقي بعض هذا المال من أجل أن ننقذه كله، وهكذا فعل الخضر عليه السلام حين قال: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ[الكهف:79]، بمعنى أمامهم، فهي من ألفاظ التضاد، ككلمة البيع تطلق على البيع والشراء، كان هناك ملك ظالم يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، يغتصبها من أهلها.

    أما هذه فلو وجدها معطوبة والماء يتخللها فإنه سيعرض عنها.

    ثانياً: قتله للغلام باعتبار ما أطلعه الله عليه في لوحه المحفوظ: أن هذا الغلام سيكون سبباً لكفر والديه وخروجهما عن الشريعة وأنه سيرهقهما طغياناً وكفراً.

    وأما بناء الجدار فهو من باب مكافأة الإساءة بالإحسان، يعني: أهل القرية لئام، بخلاء، أبوا أن يضيفوهما، فالخضر لا يريد أن يكافئ الإساءة بمثلها، وإنما يريد أن يكافئ الإساءة بالإحسان.

    يقول الإمام القرطبي رحمه الله: زعم قوم من الزنادقة أن ظواهر الشريعة لا تلزم إلا العامة والأغبياء، أما الخواص فإنهم غير مقيدين بظواهرها؛ وذلك لخلوهم عن الأغيار وسلامتهم من الأكدار، قال: وهذا عين الزندقة، فإن الله عز وجل بعث الرسل مبشرين ومنذرين وألزم الناس بطاعتهم حين قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ[النساء:64]، يطاعون في الدقيق والجليل والصغير والكبير، فمن زعم أن هذه الظواهر لا تلزمه فهو كافر يقتل ولا يستتاب بإجماع المسلمين.

    قال: ويستدل بعضهم جهلاً بقوله صلى الله عليه وسلم: ( استفت قلبك )، قال: وما قال أحد من أهل العلم بأن المفتي هو القلب.

    قال: حتى بلغ الجهل ببعضهم أن يقول: حدثني قلبي عن ربي، وأن يقول بعضهم: أنتم تأخذون عن ميت عن ميت، وأنا آخذ عن الحي الذي لا يموت.

    قال: والإلهام خاص بالأنبياء؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ( إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ).

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ( استفت قلبك )، المراد به التخلص من الشبه، ليس المراد أن الإنسان يرجع إلى قلبه، هل هذا حلال أم حرام.

    بل المراد أنه يستفتي أهل العلم، فلو فرض بأن أهل العلم قالوا له: هذا حلال، وهذه المعاملة تحل لك، ولكن في قلبه منها شيء، فالورع يقتضي تركها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك )، هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ( استفت قلبك )، وليس معنى ذلك بأن الإنسان في أي قضية يرجع إلى قلبه: يا قلب! هل هذا حلال أم حرام؟ لا يقول بهذا عالم! لأن الله تعالى قال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.