إسلام ويب

سورة الممتحنة - الآية [13]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن موالاة المنافقين واليهود والنصارى؛ لأنه قد غضب عليهم ولعنهم واستحقوا الطرد والإبعاد؛ ويئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها كما يئس إخوانهم من الكفار المقبورين من رحمة الله بهم في الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ومع النداء الحادي والثمانين في الآية الثالثة عشرة من سورة الممتحنة؛ قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة:13].

    سبب نزول الآية

    وسبب نزول هذه الآية على ما ذكر الواحدي رحمه الله: أن ناساً من فقراء المسلمين كانوا يعملون عند اليهود ويواصلونهم ليصيبوا بذلك من ثمارهم، ولربما أخبروا اليهود بشيء من أحوال المسلمين عن غفلة وقلة حذر، فنبههم الله إلى ألا يتولوهم.

    الموضوع الذي تناولته سورة الممتحنة

    وهذه الآية المباركة من باب: عود على بدء كما يقول أهل البلاغة، فالله عز وجل في أول آية من السورة قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1]، وهذه آخر آية من السورة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الممتحنة:13].

    والسورة كلها -كما لا يخفى- تنظم العلاقات الدولية أي: كيف يتعامل المسلمون في دار الإسلام مع غيرهم في دار الكفر، وما هي الضوابط الشرعية والحدود المرعية التي لا ينبغي أن تهمل.

    المراد بالمغضوب عليهم

    وفي خاتمة هذه السورة إرشاد إلى المعاملة مع قوم ليسوا دون المشركين في وجوب الحذر منهم وهم اليهود، فقول ربنا جل جلاله: لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ[الممتحنة:13]، ليس المقصود بهم المشركين، بدليل قوله في آخر الآية: قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ[الممتحنة:13]، فدل ذلك على أنهم صنف مغاير للكفار.

    وقوله تعالى: غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ[الممتحنة:13]، دليل على أن المراد هم اليهود؛ لأن الله عز وجل ذكرهم بالغضب في كثير من آيات كتابه، كقوله سبحانه: فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ [البقرة:90]، قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60]، وكذلك في سورة الفاتحة: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، وهم اليهود كما فسرها بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

    الأمر بموالاة المؤمنين دون الكافرين

    يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا[الممتحنة:13]، قوله: (لا تتولوا) من الموالاة أو من التولي، وقد تقدم معنا الكلام في أن الموالاة واجبة من المسلم تجاه إخوانه المسلمين، فيجب عليه أن يبذل لهم المودة والمحبة والعطف والشفقة والرحمة، وأن يحنو عليهم، وأن يسعى في قضاء مصالحهم وتفريج كروبهم، وأن يدعو لهم، وإن لم تحب المسلم فلا تبغضه، وإن لم تمدحه فلا تذمه، وإن لم تنفعه فلا تضره.

    أما بالنسبة لغير المسلم -الكافر- فأنت ممنوع من محبته، بدليل قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22] ، وقوله: لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الممتحنة:13]، وهم اليهود.

    أوجه التفسير لقوله تعالى: (قد يئسوا من الآخرة)

    وقوله تعالى: قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ[الممتحنة:13]، اليأس هو: عدم توقع الشيء، يئست من الشيء أي: لم أتوقع حدوثه.

    وهؤلاء اليهود يئسوا من الآخرة، لكن كيف يأسهم منها؟

    وجهان لأهل التفسير:

    الوجه الأول: أن يأسهم من الآخرة هو عدم استعدادهم لها وعملهم من أجلها، فكأنهم يائسون من وقوعها وحصولها.

    الوجه الثاني: أنهم يئسوا من نعيم الحياة الآخرة، نسأل الله العافية! فلا سبيل لهم إلى الجنة، وقد كان اليهود مقرين بأن لهم في النار نصيباً حين قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة:80]، فهؤلاء يئسوا من الآخرة، أي: من نعيمها، كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي [العنكبوت:23].

    يقول الله عز وجل: كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ[الممتحنة:13]، (الكفار) قيل: طوائف الكفر عموماً، وقيل: المنافقون خاصة.

    قال الشوكاني رحمه الله: والأول أولى، أي: الأولى حمل الآية على العموم.

    أوجه التفسير لقوله تعالى: (كما يئس الكفار من أصحاب القبور)

    قال سبحانه: قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة:13]، يئس الكفار من أصحاب القبور أيضاً فيها وجهان لأهل التفسير:

    الوجه الأول: أن الكفار يئسوا من الموتى المقبورين؛ بأنهم لن يلقوهم ولن يجتمعوا بهم؛ لأن الكفار أصلاً لا يؤمنون بالبعث والنشور؛ ولذلك كانوا يقولون: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ [النمل:67]، أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء:49]، فهم لم يكونوا يؤمنون أصلاً بأن هناك حياة بعد الموت. كما قال تعالى حاكياً عنهم: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ:7-8]، يعني: كانوا يتهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يكذب أو أن في عقله خللاً، قال الله عز وجل: بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [سبأ:8].

    الوجه الثاني: أن هؤلاء الكفار من أصحاب القبور قد يئسوا من رحمة الله عز وجل ونعيم الآخرة، حالهم كحال اليهود الأولين.

    المعنى الإجمالي للآية

    والمعنى الإجمالي لهذه الآية المباركة: ينهى ربنا تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن موالاة الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى ممن غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإبعاد، وكأنه يقول: كيف يا أيها المؤمنون تتخذونهم أولياء وأصدقاء وأخلاء وقد يئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها؟!

    وهذه الآية نظيرها قول ربنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118]، ومثلها قول الله عز وجل: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [المائدة:51]، وقوله: لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ [المائدة:57].

    أيها الإخوة الكرام! نحن بحاجة إلى التذكير بهذه الآيات في هذه الأيام التي نجد فيها مسارعة من أناس من المسلمين إلى الذين كفروا، كما قال ربنا: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ [المائدة:52]، يعني: أن كل واحد من هؤلاء يريد أن يضمن عند أولئك الكفار نوعاً من الصنيعة أو نوعاً من اليد بحيث يحفظونه إذا دارت الدوائر نسأل الله العافية! يعني: يتوقعون أنه متى ما تغيرت الأحوال وتقلبت الأمور -والناس جميعاً يعلمون بأن الدهر قلب والأيام دول- فإنهم يقولون: لا بد أن نضمن يداً عند هؤلاء الكفار يحفظوننا بها إذا دارت الدوائر.

    هؤلاء جميعاً يتوجه إليهم هذا الخطاب إن كانوا مؤمنين حقاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة:13].

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم ...)

    وفي هذه الآية فوائد:

    أولها: النهي عن موالاة الكفار عموماً.

    ثانيها: أن الكفار مشيعون بغضب الله في الدنيا والآخرة.

    ثالثها: أن سبب غضب الله عليهم هو كفرهم به.

    رابعها: ما عليه أولئك الضالون من الكفر بالبعث والنشور.

    أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.