إسلام ويب

سورة الممتحنة - الآية [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نزل صدر سورة الممتحنة في قضية حاطب بن أبي بلتعة، حينما أرسل إلى كفار قريش مخبراً بقصد رسول الله مكة ليتخذ عندهم يداً لحماية أهله بمكة، وتناولت هذه الآية أحكاماً عدة منها: النهي عن تولي الكافرين ومودتهم؛ وذلك لكفرهم بالله وعداوتهم لرسوله؛ ولإخراجهم رسول الله طريداً من مكة مع أصحابه، ثم بينت الآية عاقبة من والاهم وودهم وهو الضلال البعيد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدكم أولياء ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فمع النداء التاسع والسبعين، في الآية الأولى من سورة الممتحنة، وهي قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [الممتحنة:1].

    سبب نزول أول سورة الممتحنة

    اتفق المفسرون أن هذه الآية نزلت في قضية الكتاب الذي بعث به حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حليف بني أسد بن عبد العزى من قريش إلى أهل مكة، وخلاصة ما ثبت في صحيح الأحاديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تجهز قاصداً مكة، كانت هناك امرأة قد جاءت إلى المدينة من موالي بني عبد المطلب، واسمها: سارة، وهي على دين الشرك، جاءت هذه المرأة فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة، وقد ذهب الموالي - تعني: سادتها الذين قتلوا يوم بدر - وقد اشتدت بي الحاجة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها، فكسوها وأعطوها وحملوها.

    فجاء حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، وأعطاها كتاباً إلى أهل مكة وكتب فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، أما بعد:

    فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، لا يدرى أوله من آخره، ووالله! لو جاءكم وحده لنصره الله عليكم وفتح عليه.

    فخرجت المرأة بالكتاب، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره؛ فانتدب النبي عليه الصلاة والسلام جماعة من أصحابه وهم: علي بن أبي طالب، و الزبير بن العوام، و مرثد بن أبي مرثد الغنوي، و المقداد بن الأسود رضوان الله عليهم، وقال: ( انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ.. ) وهو مكان بين مكة والمدينة ( فستجدون ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، فاستعيدوا الكتاب وخلوا سبيلها؛ فانطلق أولئك الصحابة الكرام حتى وجدوا المرأة في المكان، فقالوا لها: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب. فقالوا لها: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجت المرأة الكتاب من عقاص رأسها.. )، وفي بعض الروايات: ( من حجزتها، فرجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا حاطب! ما هذا؟! فقال: يا رسول الله! لا تعجل علي، فإني كنت امرأً ملصقاً في قريش، وكان لمن معك من المهاجرين قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إن فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي ) يعني: أمه وإخوته، ( ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق، فقال عمر : يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وقال عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا لـحاطب إلا خيراً )، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا[الممتحنة:1]، فهذا الخطاب توجيه لعموم المؤمنين، وتحذير لهم من أن يقعوا فيما وقع فيه حاطب رضي الله عنه.

    معاني مفردات الآية

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا[الممتحنة:1]، الاتخاذ: افتعال من الأخذ، ويراد به التلبس بالفعل، كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء:71]، أو كما في قول إبراهيم لأبيه: أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً [الأنعام:74]، أي: أتتلبس بعبادة هذه الأصنام.

    عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ[الممتحنة:1]، العدو فعول، ويطلق على المفرد وعلى الجمع، ومن إطلاقه على الجمع قول الله عز وجل: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:77]، وقول الله عز وجل: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف:50]، فكلمة العدو: تطلق على الواحد، وتطلق على الجمع، والمراد بذلك: العداوة في الدين.

    وَعَدُوَّكُمْ[الممتحنة:1]؛ لأنه من كان عدواً لله فهو عدو لك، أَوْلِيَاءَ[الممتحنة:1]، أي: موالين لكم تفضون إليهم بأسراركم، وتبذلون مودتكم لهم.

    تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ[الممتحنة:1]، الجملة حالية، أي: حال كونكم تلقون إليهم بالمودة.

    وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ[الممتحنة:1]، الحق هنا: ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن والإيمان والإسلام والهدى والنور، وقد كان المشركون كفاراً بهذا كله.

    وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ[الممتحنة:1]، فيه إيماء إلى أن كفر الكافرين ناشئ عن حسدهم للذين آمنوا قبلهم، كما قال الله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ [الأحقاف:11]، كانوا يحسدون المؤمنين، لو كان هذا خيراً فكيف يسبقنا إليه بلال، و خباب، و عمار وأمثالهم من الفقراء؟!

    يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ[الممتحنة:1]، أي: يخرجون الرسول ويخرجونكم، والمقصود بذلك: عدو مخصوص، وهم: أهل مكة، بدلالة قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [محمد:13]، يعني: بذلك مكة؛ لأن أهل مكة أخرجوا محمداً صلى الله عليه وسلم، كما قال ربنا: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال:30]، هنا يستحضر الله عز وجل في أذهان المؤمنين تلك الصورة الفظيعة، وذلك العمل الشنيع حين أخرجوا المؤمنين من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله.

    أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ[الممتحنة:1]، أي: من أجل أن تؤمنوا، يعني: ليس لكم ذنب إلا أن تؤمنوا بالله ربكم.

    إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي[الممتحنة:1]، يقول الله عز وجل لـحاطب ومن كان مثله: هذا الفعل لا يليق بك، وما ينبغي أن يصدر منك أنت يا حاطب ! يا من تركت دارك وأهلك، وخرجت مهاجراً تبتغي رضوان الله عز وجل، إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي[الممتحنة:1]، وجهاداً وابتغاء: منصوبان على أنهما مفعولان لأجله.

    تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ[الممتحنة:1]، الإسرار هو: التحدث والإخبار سراً، (تسرون إليهم) أي: تسرون إليهم بأحوال المسلمين وأخبارهم.

    بِالْمَوَدَّةِ[الممتحنة:1] أي: بسبب طلب مودتهم.

    وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ[الممتحنة:1]، يقرر الله عز وجل في هذه الآية بأنه لا تخفى عليه خافية، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7]، وأنه تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7].

    وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ[الممتحنة:1]، من يفعل منكم ذلك الإسرار وتلك المودة فقد ضل سواء السبيل، قال العلامة الشيخ عطية محمد سالم صاحب تكملة أضواء البيان: وفي هذه الآية رد على المعتزلة الذين يقولون بأن صاحب الكبيرة بمنزلة بين المنزلتين لا هو مؤمن ولا هو كافر، فالله عز وجل صدَّر الآية بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الممتحنة:1]، وفي آخرها قال: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [الممتحنة:1]، ومعناه: أن المؤمن قد يضل وقد يزل، قد يقع في الذنب، قد يقع في الخطيئة ولا يسلبه ذلك وصف الإيمان.

    1.   

    آيات في معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ...)

    هذه الآية جاء في معناها آيات، كقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [المائدة:51]، وكقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ [المائدة:57]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:144]، وآيات كثيرة في هذا المعنى.

    مطلوب من المؤمن إن كان مؤمناً أن يوالي إخوانه، وهم كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بقدر ما فيهم من الطاعة والإيمان والاستقامة، يعني: مؤمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لا يكون بينك وبينه عداوة مطلقة، وإنما عداوة بقدر ما فيه من شر وفساد، لكن الأصل الموالاة.

    وبالمقابل: الكافر لا تواليه، ولا تحبه، ولا تجد لك في قلبه مودة؛ لأن الله عز وجل قال: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ [التوبة:23]، فهذه آيات كثيرة في هذا المعنى.

    وفرق بين العدل مع الكافر، والقسط إليه، والإحسان إليه، والعطف عليه، وبين محبته ومودته ومداهنته على حساب الدين.

    أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل! والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.