إسلام ويب

واحة القرآن - سورة الإخلاصللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الإخلاص من أعظم سور القرآن، فهي تعدل ثلث القرآن، وقد اشتملت على التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، وبين أنه السيد الذي كمل سؤدده، وأنه منزه عن الصاحبة والولد، وليس له نظير ولا مثيل في أسمائه ولا صفاته سبحانه وتعالى

    1.   

    فضل سورة الإخلاص

    الشيخ محمد الخضيري: بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فحوارنا سيكون عن سورة نحبها، ويحفظها صغارنا ربما قبل أن يتفتق لسان أحدهم بفصيح الكلام، جعلها الله عز وجل هينةً لينةً سهلةً صافيةً عذبةً، تجري على الألسنة من غير عناء، على أنها حوت من المعاني الشيء الكثير الغزير العظيم، الذي إذا استقر في القلب أثمر خيراً كثيراً، هذه السورة المباركة هي سورة الإخلاص التي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها (تعدل ثلث القرآن).

    ثبت في الحديث الصحيح ( بأن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قباء، وكانوا يرونه من خيرهم، فقدموه للصلاة، فكان لا يصلي صلاةً إلا قرأ هذه السورة بعدما يقرأ سواها من القرآن، فقال له أصحابه: يا فلان! إنا نراك لا تصلي بنا صلاةً إلا قرأت هذه السورة، مع كونك تقرأ غيرها، فإن شئت فاقتصر عليها، وإن شئت فاقرأ سواها، فقال: لا، دعوني فلا أصلي بكم، وكرهوا أن يتركوه؛ لأنهم يرونه خيرهم، فشكوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سأله قال: يا رسول الله! إنها صفة الرحمن، وإني أحبها، فقال عليه الصلاة والسلام: حبك إياها أدخلك الجنة ).

    فهذه السورة من أحبها دخل الجنة، وهذه السورة المباركة كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام: ( من قرأ (قل هو الله أحد) عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة. فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! إذاً تكثر قصورنا، قال عليه الصلاة والسلام: الله أكثر وأطيب )، وهذا الحديث قال عنه الحافظ ابن كثير رحمه الله: إسناده جيد.

    1.   

    العلة من كون سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن

    الشيخ: محمد الخضيري أبا عبد الله! نريد أن ندير حديثاً حول هذه السورة المباركة، وأول ما يخطر بالبال ها هنا: لم كانت تعدل ثلث القرآن؟

    الشيخ عبد الحي يوسف: هذا سؤال مهم، وفي الوقت ذاته أظن أن كثيراً من إخواني الذين يشاهدوننا يتشوقون لسماع الجواب في هذا.

    إن من يقرأ القرآن العظيم من أوله إلى آخره يجد أن محاوره التي يدور حولها ثلاثة:

    المحور الأول: محور التوحيد، ففيه بيان أن الرب سبحانه وتعالى هو المعبود، وبيان أسماء الله وصفاته، وأحقيته بالملك والتدبير.. إلى آخر ما هنالك مما يبين حق الله جل وعلا.

    المحور الثاني: محور الأحكام الشرعية التي تعبد الله بها العباد، من الأوامر والنواهي، سواء كان في العبادات المحضة، أو كان في المعاملات، والبيوع، والأقضية، والأحكام، وغيرها.

    المحور الثالث: هو محور القصص والأخبار، سواء كانت أخباراً عن أمم مضت، أو ما سيكون في المستقبل، فهذه هي المحاور الثلاثة التي تدور عليها موضوعات وآيات القرآن الكريم، فإذا رأينا أن التوحيد هو أحد هذه المحاور الثلاثة، ولاحظنا سورة الإخلاص وجدناها خالصة في التوحيد، فنعرف حينها أنها تعدل ثلث القرآن؛ لأنها مطابقة لذلك الثلث بتمامه وكماله، فهي خالصة في ذكر الرب، ولم يذكر مع الرب أحد سواه من بداية السورة إلى نهايتها؛ ولذلك سميت سورة الإخلاص، ولذلك لو سئلنا: ما هو موضوع هذه السورة؟ قلنا: هو الإخلاص.

    الشيخ محمد الخضيري: توحيد الله عز وجل، يقول سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، ويقول: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر:11-15].

    1.   

    سبب نزول سورة الإخلاص

    الشيخ محمد الخضيري: وسبب نزول هذه السورة المباركة -والعلم عند الله تعالى- أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد! صف لنا ربك، أو انسب لنا ربك، أمن ذهب هو أم من فضة، أم من نحاس؟ وهذا لا يستغرب ممن خفت عقولهم، وطاشت أحلامهم حتى عبدوا حجارةً من دون الله، فنزلت هذه السورة مبينةً صفة الرحمن جل جلاله، وقد افتتحت بالأمر (قل)، مثلما افتتحت سورة الكافرون بـ (قل).

    (قل) أي: يا محمد! صلى الله عليه وسلم: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1].

    1.   

    معنى اسم الله الأحد

    الشيخ محمد الخضيري: والسؤال هنا: لم لم يقل: قل هو الله واحد؟

    الشيخ عبد الحي يوسف: والعلماء يقولون: إن (أحد) لم تأت في موطن الإثبات إلا مع الله سبحانه وتعالى، والأصل أنها تأتي مع النفي لا أحد هنا مثلاً: قالوا: فهذا يدل على الانفراد والوحدانية الكاملة لله عز وجل في كل شيء، وحدانية في أسمائه، وحدانية في صفاته، وحدانية في أفعاله، وحدانية في ملكه، وفي خلقه وتدبيره سبحانه وتعالى، هذا ما أعلمه عن هذه الكلمة، فهل عندك من زيادة؟

    الشيخ محمد الخضيري: نعم، من باب البيان لإخوتي وأخواتي نقول: لو قال متكلم: لا أحد في البيت، سيفهم من هذا الكلام بأن البيت خال، أما لو قال: لا واحد في البيت، ربما يكون في البيت اثنان، وربما يكون فيه ثلاثة، ولذلك كما تفضل الشيخ فإن (أحد) لا تأتي في مقام الإثبات إلا صفةً لربنا جل جلاله، وتأتي في مقام النفي والاستثناء لغيره: وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، فهنا بدأ بالشرط، يعني: وإن استجارك أحد من المشركين فأجره حتى يسمع كلام الله.

    قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، الله جل جلاله موصوف بالوحدانية في ذاته وأسمائه وصفاته، ووعده ووعيده وأفعاله سبحانه وتعالى، وملكه وقضائه وقدره، وقدرته، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1].

    1.   

    معنى اسم الله الصمد

    الشيخ محمد الخضيري: ثم بعدها قال: (( اللَّهُ الصَّمَدُ ))[الإخلاص:2] وهذا مما أسعى له كثيراً؛ لأن أغلب المسلمين لو سئل: ما معنى (الله الصمد)؟ لحار في أن يأتي بالجواب، وهذه من المصائب العظام؛ لأنها سورة نحفظها ونحن صغار، ثم بعد ذلك الواحد منا لا تحدثه نفسه بأن يبحث عن معنى هذا الاسم العظيم، وهذه الصفة الجليلة لربنا جل جلاله، ماذا يقال في معناها؟

    الشيخ عبد الحي يوسف: أولاً نحن نقول: لا شك أن هذا من مكر الشيطان وكيده، في كون الإنسان يظل يقرأ هذا الاسم العظيم لله عز وجل ولا يتفقه فيه، ولا يفهم معناه، ولذلك نقول لإخواننا: احذروا أن تقعوا في شباك إبليس، فيصرفكم عن فهم المعاني إلى مجرد التلاوة، وإن كان فيها فضل وأجر عند الله سبحانه وتعالى، لكنها دون فهم المعنى بمراحل كثيرة؛ لأن الإنسان إذا فهم المعنى تعبد لله عز وجل بمقتضى الآية، وعرف كيف يخاطب ربه سبحانه وتعالى بها، وعرف ماذا يعمل تجاه هذا الاسم العظيم، أو تلك الصفة الكريمة لله جل وعلا.

    أما هذا الاسم -وهو اسم الصمد- فهو من أسماء الله عز وجل، دال على الصمدية، والصمدية فسرها العلماء بتفسيرات كثيرة، وهي وإن اختلفت في العبارات فهي كلها صحيحة.

    فقيل: (الصمد): (الذي لم يلد ولم يولد)، أي: تفسرها الآية التي بعدها.

    وقيل: (الصمد): الذي لا جوف له؛ لأنه ليس بحاجة إلى شيء جل جلاله.

    وقيل: (الصمد): الذي يصمد إليه في قضاء الحوائج، فما من محتاج إلا صمد إلى ربه سبحانه وتعالى، وخضع له لقضاء حاجته.

    وقيل: (الصمد) السيد الكامل في سؤدده، الكامل في صفاته وأسمائه، العظيم الكامل في عظمته.

    الشيخ محمد الخضيري: ولذلك جاء في الحديث: ( إنما السيد الله )، أي: السيد الذي تكامل سؤدده، وتناهى سبحانه وتعالى، بينما غيره سيادته منقوصة، وإن كان لفظ السيد يطلق على غير الله كما جاء عن عمر رضي الله عنه: (بلال سيدنا).

    الشيخ عبد الحي يوسف: نعم، ولكنها سيادة لائقة بهذا المخلوق.

    أما سيادة الله سبحانه وتعالى فهي سيادة كاملة من كل وجه، لا يتخللها نقص، ولا يلحقها زوال، ولم يسبقها عدم، بل هي كاملة لله، فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهذا الاسم إذا عرفنا هذا المعنى فيه يأتي بعده التعبد لله بمقتضى هذا الاسم، فإذا عرفت أن الله عز وجل هو السيد الكامل، وهو الذي لا يحتاج إلى شيء مما يحتاجه العباد، فإنك تلجأ إليه وحده لقضاء كل حوائجك، وتعلم أن حوائجك لن تقضى إلا عنده سبحانه وتعالى، وأنه إن أذن بقضائها فلن يردها أحد عنك، وإن لم يأذن بقضائها فلن يستطيع أحد مهما كان أن يقضيها لك.

    الشيخ محمد الخضيري: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

    1.   

    نفي الولد عن الله عز وجل

    الشيخ محمد الخضيري: ثم بعد ذلك يبين ربنا جل جلاله في هذه السورة المباركة أن من نسبوا إليه الصاحبة والولد من مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، أو اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، فإن هؤلاء جميعاً قالوا على الله ما لا يعلمون، افتروا على الله كذباً، وزعموا زوراً. يقول الله عز وجل في تفسير الصمد: الَّذِيْ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:3]، وهنا سؤال طرحه بعض أهل التفسير قالوا: الإنسان يولد أولاً ثم يلد، فلم لم يقل الله عز وجل: لم يولد ولم يلد، بل قال: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:3]، وذكروا في ذلك ملحظاً والعلم عند الله تعالى: الولادة نفيت أولاً قبل أن ينفى الإيلاد؛ لأنه لم يعرف عن أحد من البشر أنه نسب لله تعالى أنه مولود، لكن عرف من بعض دهاقنة البشر، ومن يفترون على الله الكذب بأنهم نسبوا لله الولد، ولذلك عني أولاً بنفي الشائع (لم يلد) سبحانه وتعالى، (ولم يولد) ولذلك لما جاء نصارى نجران وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( أسلموا، قالوا: قد كنا مسلمين من قبل، قال: يمنعكم من الإسلام ثلاثة: أكلكم الخنزير، وعبادتكم الصليب، وقولكم: اتخذ الله ولداً. فقالوا له: يا محمد! فما تقول في المسيح؟ قال: أقول كما قال الله: عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. قالوا له: إن كنت صادقاً فأرنا مولوداً من غير أب، فأنزل الله قوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران:59] )، يعني: لو كان من ولد من غير أب جديراً بالعبادة حقيقاً بها، فأولى بها آدم؛ لأنه من غير أب ولا أم. قال الله عز وجل: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:3]، زدنا فيها أبا عبد الله !

    الشيخ عبد الحي يوسف: الحقيقة مثلما ذكرت أن الآية فيها تلك اللطائف الجميلة، وأزيد في أن (لم يلد) اشتهر على النصارى أنهم نسبوا الولادة لله، (ولم يولد) لو قلنا: إن عيسى عليه السلام إله كما يدعي بعض طوائف النصارى، فهو نفي أيضاً ورد عليهم، كيف يكون الإله مولوداً.

    1.   

    طريقة القرآن في النفي والإثبات في أسماء الله وصفاته

    الشيخ عبد الحي يوسف: وهنا مسألة نختم بها وهي في طريقة القرآن في ذكر أسماء الرب سبحانه وتعالى، وهو أنه ينفي صفات الذم نفياً مجملاً ويثبت صفات المدح إثباتاً مفصلاً، وذلك لأنه أدعى إلى المدح وأبلغ في مدح الممدوح، بأن تقول له: أنت كريم، وأنت سيد، وأنت شجاع، وأنت كذا.. إلى آخره، ثم إذا نفيت تنفي عنه صفات السوء على وجه الإجمال، فتقول: ليس مثلك أحد.. إلى آخره، وهنا في هذه السورة، قال الله عز وجل: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:4]، وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً [مريم:65]، يعني: ليس له ند، ولا نظير، ولا مكافئ، ولا شبيه سبحانه وتعالى.

    الشيخ محمد الخضيري: ونختم بهذه الكلمات لـابن القيم رحمه الله:

    أعباد المسيح لنا سؤال نريد جوابه ممن وعاه

    إذا مات الإله بصنع قوم أماتوه فهل هذا إله؟

    ويا عجباً لقبر ضم رباً وأعجب منه بطن قد حواه

    أقام هناك تسعاً من شهور لدى الظلمات من حيض غذاه

    وشق الفرج مولوداً صغيراً ضعيفاً فاتحاً للثدي فاه

    ويأكل ثم يشرب ثم يأتي بلازم ذاك هل هذا إله؟

    تعالى الله عن إفك النصارى سيسأل كلهم عما افتراه

    أسأل الله أن يزيدنا إيماناً وتوفيقاً وهدىً وسداداً، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.