إسلام ويب

سورة المائدة - الآية [8]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اقتضت حكمة الله أنه بالعدل تقوم السموات والأرض، وبه تصلح الحياة الدنيا، والعدل واجب مع الأعداء كما أنه واجب مع الأولياء، وقد أمرنا الله عز وجل أن نعدل مع من نبغضهم، كما نهانا أن تحملنا عداوتنا لقوم على عدم العدل معهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    تتواصل هذه الدروس إن شاء الله في شرح نداءات الرحمن لأهل الإيمان في كتابه القرآن، ومع النداء الحادي والثلاثين في الآية الثامنة من سورة المائدة، وهو قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8].

    قول الله عز وجل: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ[المائدة:8]، قرأها بعضهم بإسكان النون: (ولا يجرمنكم شنْآن قوم) على أنها صفة كعطشان وسكران، وقرأها آخرون بفتح النون: (شنآن) على أنها مصدر كطيران.

    وهذه الآية المباركة مضى معنا نظيرتها في سورة النساء، وهي قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [النساء:135]، وهنا قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة:8].

    يقول العلامة ابن عاشور رحمه الله: ووجه ذلك أن الآية التي في سورة النساء، وردت عقب آيات القضاء في الحقوق المبتدأة بقول الله عز وجل: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً [النساء:105]، في قصة بني أبيرق، أما هذه الآية: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ[المائدة:8]، فجاءت بعد التذكير بميثاق الله الذي أخذه علينا: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ [المائدة:7]، فكان المقام الأول للحض على القيام لله، أي: الوفاء بعهودهم له.

    معاني مفردات الآية

    يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا[المائدة:8]، أي: يا من صدقتم بالله، وصدقتم بمحمد رسول الله، وصدقتم بعالم الغيب؛ من الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل كافة، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالجنة والنار، والإيمان بالقدر، يا من يصدق عليكم هذا الوصف -والإيمان أصله التصديق- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، أي: يا أيها الذين صدقوا بالله عز وجل! فصدقوا بوجوده، وصدقوا بربوبيته، وصدقوا بألوهيته، وصدقوا بأسمائه وصفاته، وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه خاتم النبيين، فلا نبي بعده، وأنه مبعوث إلى الناس كافة؛ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، وصدقوا بكل ما أخبر به صلوات ربي وسلامه عليه، هذا معنى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، يا من رضيتم بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وبالقرآن إماماً.

    كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ[المائدة:8]، قوام: مبالغة من القيام، أي: ايتوا بالحق كاملاً لوجه الله عز وجل لا رياء ولا سمعة.

    كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ، أي: سواء كان هذا الحق لأوليائكم أو لأعدائكم، لأقربائكم أو لبعيدين عنكم، لإخوانكم في الدين أو لمخالفيكم.

    شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ[المائدة:8]، بالقسط أي: بالعدل، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة:42]، أي: العادلين.

    وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا[المائدة:8]، (لا يجرمنكم) أي: لا يحملنكم، والشنآن: العداوة، ومعنى الآية: لا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم على ألا تعدلوا فيهم.

    ثم وجه إلينا الأمر: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[المائدة:8]، أي أنكم تكونون عند الله باستعمالكم إياه - أي: باستعمالكم العدل - من أهل التقوى الذين يحبهم الله عز وجل.

    وَاتَّقُوا اللَّهَ[المائدة:8]، أي: احذروا أيها المؤمنون من عذاب الله، وابذلوا من الأسباب ما يجعل بينكم وبين عذاب النار وقاية.

    إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8]، أي: ذو خبرة بأعمالكم لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

    سبب نزول الآية

    وسبب نزول هذه الآية كما قال بعض أهل التفسير: أنها نزلت في يهود خيبر، حين أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( زينب بنت سلام بن مشكم لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، ذبحت هذه المرأة اليهودية شاة وصلتها -أي: شوتها- ثم دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطعم عندها، وسألت الصحابة: أي الشاة أحب إليه؟ قالوا لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم، فنهس النبي صلى الله عليه وسلم منها نهسة ثم قال: إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم )، وكان بشر بن البراء بن معرور رضي الله عنهما يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم فساغ لقمة، يعني: بلعها. فمات من فوره، أما النبي صلى الله عليه وسلم فلاكها ثم لفظها لكنها أثرت فيه، حتى أنه في مرض موته عليه الصلاة والسلام قال: ( ما زالت أ كلة خيبر تعاودني، وهذا أوان قطع الأبهر ).

    فنزلت هذه الآية في نهي المؤمنين عن أن يظلموا أولئك اليهود، رغم كونهم ظالمين.

    وقيل: بل نزلت في يهود بني النظير حين جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية القتيلين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري فأوهموه أنهم سيعينونه، وأرادوا أن يطرحوا على رأسه حجراً صلوات الله وسلامه عليه.

    وقيل: بل نزلت حين بعثت قريش رجلاً ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً: عندنا أسباب ثلاثة:

    السبب الأول: أنها نزلت بشأن المرأة اليهودية التي أرادت قتل النبي عليه الصلاة والسلام.

    السبب الثاني: أنها نزلت بشأن اليهود حين أرادوا قتله.

    السبب الثالث: أنها نزلت بشأن قريش حين أرادت قتله، ورغم هذا يقول الله عز وجل للمؤمنين: لا تظلموهم، كونوا معهم عادلين، لا يحملنكم بغضكم إياهم على أن تسيروا فيهم بغير سيرة العدل.

    يقول الرازي رحمه الله: اعلم أن التكاليف وإن كثرت فإنها محصورة في أمرين اثنين:

    أولهما: تعظيم الله.

    وثانيهما: الشفقة على خلق الله.

    فكل التكاليف الشرعية تتمثل في هذين الأمرين، فنحن نصلي، ونصوم، ونحج وهذا كله من باب تعظيم لله عز وجل، ثم بعد ذلك لو جئت إلى إفشاء السلام، وإطعام الطعام، ومخالقة الناس بخلق حسن، وما إلى ذلك، فهذا كله من باب الشفقة على خلق الله.

    ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـمعاذ ولـأبي ذر : ( اتق الله حيثما كنت ) هذا فيه تعظيم لله، ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها ) وهذا تعظيم لله، ( وخالق الناس بخلق حسن )، هذا فيه شفقة على عباد الله، فهذه الآية تمثل هذين الأمرين:

    فقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ[المائدة:8]: هذا تعظيم لله، وقوله: شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ[المائدة:8] هذا شفقة على عباد الله.

    المعنى الإجمالي للآية

    والمعنى الإجمالي للآية: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله، حال كونكم شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، فكما تشهدون لوليكم فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له.

    وهذا أحد تلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم وهو: عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر خارصاً -الخارص من الخرص وهو التقدير- أي: ليقدر الثمار التي خرجت، ويشاطرهم إياها، فأراد -اليهود على عادتهم- أن يستعملوا معه الرشوة، فقال عبد الله بن رواحة : أترشونني يا أعداء الله؟! والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأنتم أبغض إلي من إخوانكم القردة والخنازير -يعني: أنا أبغض القردة والخنازير، وأنتم أبغض إلي من القردة والخنازير- وما يحملني حبي له -أي: للرسول صلى الله عليه وسلم- وبغضي إياكم على أن أظلمكم. فقالت اليهود: بهذا قامت السموات والأرض. أي: قامت السموات والأرض على العدل، كما قال ربنا سبحانه: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ [الرحمن:1-7]، بمعنى: العدل، أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن:8-9]، هذا هو أمر الله عز وجل.

    ففي هذه الآية ينادي الله: يا مؤمنون! كونوا قوامين لله، شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، لا تجوروا في أحكامكم، لا تتجاوزوا في أفعالكم ما حددت لكم في أعدائكم، ولذلك لما أسر المشركون يوم بدر، وقال عمر بن الخطاب : (يا رسول الله! دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو فيندلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيباً بعد اليوم أبداً. وكان سهيل بن عمرو خطيباً، يحرض المشركين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فـعمر رضي الله عنه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: دعني أنزع من أسنانه السفلية اثنتين، ثنيتيه، فيندلع لسانه، فلا يستطيع بعد اليوم أن يخطب، وأن يحرض الناس عليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يا عمر ! لا أمثل به فيمثل الله بي، وإن كنت نبياً )، فهذا هو العدل مع الأعداء، كما هو العدل مع الأولياء.

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ...)

    ويستفاد من هذه الآية:

    وجوب الإخلاص لله عز وجل في الشهادة، وأن الإسلام دين العدل، وليس كما يعبر الناس أنه دين المساواة، هذا خطأ. فالإسلام لا يسوي بين المؤمن والكافر، ولا بين البر والفاجر، فمن العدل أن نسوي بين المتماثلين، وأن نفرق بين المختلفين، ولذلك الإسلام لا يسوي بين الذكر والأنثى، ولا يسوي بين الكبير والصغير، ولا يسوي بين المؤمن والكافر، ولا يسوي بين البر والفاجر، بل لكل حكمه.

    ومن فوائد هذه الآية: أن كفر الكافر لا يمنع من العدل معه، وأن المثلة به غير جائزة، وأن العدل إذا كان مطلوباً مع الكافر فما ظنك بالمسلم؛ ولذلك لما جاء بشير بن سعد رضي الله عنه وقد أعطى ولده النعمان عطية، أي: خصه بنحلة، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا رسول الله! إني نحلت ولدي هذا نحلة، وأحببت أن تشهد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أكل ولدك أعطيتهم؟ يعني: هل أعطيت أولادك جميعاً مثله؟ فقال: لا يا رسول الله! قال: فأشهد على هذا غيري؛ فإني لا أشهد على جور، اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم )، فالعدل مطلوب مع الجميع؛ عدل بين الزوجات، عدل بين الأولاد، عدل بين من ولاك الله أمرهم من مستخدمين، وعدل بين الناس كافة.

    نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.