إسلام ويب

سورة المائدة - الآية [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله لعباده شعائر محرمة، وأمر عباده أن يعظموها ولا يستحلوها، كالأشهر الحرم التي يحرم فيها القتال إلا ما كان دفاعاً عن النفس، وأمر بالعدل والتعاون على الطاعات، والعدل عند الخصومات؛ فعلى المسلم تعظيم ما أمر الله بتعظيمه، وامتثال ما أمر به سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ومع النداء التاسع والعشرين في قول ربنا تبارك وتعالى في الآية الثانية من سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:2].

    أيها الإخوة الكرام! مر معنا في الآية الأولى قول ربنا سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، ولا بد من التنبيه في هذا المقام على أن سورة المائدة هي أكثر سور القرآن التي اشتملت على النداء بوصف الإيمان، أكثر سورة في القرآن نودي فيها المؤمنون بلفظ: (يا أيها الذين آمنوا).

    وقد اشتملت على ستة عشر نداءً، وقد مر معنا في سورة البقرة: أحد عشر نداءً، وفي سورة آل عمران: سبعة نداءات، وفي سورة النساء: اثنا عشر نداءً، وهاهنا في هذه السورة المباركة: ستة عشر نداءً.

    سبب نزول الآية

    سبب نزول قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [المائدة:2]، أن رجلاً يقال له: الحطم بن هند البكري من ربيعة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن يدخل عليه قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: ( يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان )؛ فجاء هذا الرجل وقد خلف خيله خارج المدينة، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما عرض عليه الإسلام ودعاه إلى الله قال: ( أنظروا لعلي أسلم، وأرى في أمرك غلظة )، يقول هذا للنبي عليه الصلاة والسلام، ( وأرى في أمرك غلظة، ولي من أشاروه )، سأذهب وأشاور القوم، ومعلوم أن الإنسان إذا آمن ما يقول: (لي من أشاوره)، ولو فهم الكلام على وجهه ما كان سيخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (أرى في أمرك غلظة)، فلما خرج قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لقد دخل بوجه كافر وخرج بقلب غادر )، فمر بسرح من سرح المدينة، السرح هي: الغنم التي خرجت للسوم، فساق هذا السرح وانطلق وهو يقول:

    قد لفها الليل بسواق حطم ليس براعي إبل ولا غنم

    ولا بجزار على ظهر وظم باتوا نياماً وابن هند لم ينم

    بات يقاسيها غلام كالزلم خدلج الساقين خفاق القدم

    يمدح نفسه ويثني عليها، ثم أقبل هذا الرجل نفسه من العام الذي بعده حاجاً، وقد ساق هدياً، وهي تلك الأغنام التي سرقها، ساقها هدياً يهديها إلى الكعبة المشرفة؛ فأراد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعرضوا له، وأن يستولوا على ما معه، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ[المائدة:2]، قال ابن عباس :يعني مناسك الحج، وقيل: بل المراد الصفا والمروة، وقيل: بل محارم الله عز وجل، أي: لا تنتهكوا محارم الله.

    القتال في الأشهر الحرم

    قوله: وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ [المائدة:2]؛ فالشهر الحرام أنتم مأمورون بتعظيمه، لا تعتدوا فيه على أحد، ولا تبتدئوا أحداً بقتال كما قال سبحانه: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ [البقرة:217]، والنبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع قال: ( ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله منها: أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جماد وشعبان ).

    وجمهور العلماء: على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5]، ولم يستثن ربنا سبحانه شهراً حراماً من غيره.

    ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل الطائف في ذي القعدة.

    يقول الله عز وجل: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ[المائدة:2]، وأرجو أن ننتبه -أيها الإخوان- إلى أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن قتال الدفع ليس داخلاً في النهي عن القتال في الشهر الحرام، فالدفع فيه وغيره سواء، يعني: أن ما يقوم به إخواننا الآن في العراق أو في فلسطين أو في أفغانستان فهذا كله قتال دفع لا يشترط له أن يخرج الشهر الحرام؛ بل يجوز في الشهر الحرام كما يجوز في غيره.

    يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: وأما قتال الدفع إذا ابتدأ الكفار المسلمين بقتال فإنه يجوز للمسلمين القتال دفعاً عن أنفسهم في الشهر الحرام وغيره بإجماع العلماء.

    معاني مفردات الآية

    قوله: وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ[المائدة:2]أي: الأشهر الحرم.

    وَلا الْهَدْيَ[المائدة:2]، وهو ما يهدى إلى البيت من النسائك؛ من الإبل والبقر والغنم، هذا كله لا تتعرضوا له بسوء.

    وَلا الْقَلائِدَ[المائدة:2] القلائد: جمع قلادة، وهو ما يجعل في عنق البهيمة من نعل أو لحا شجر أو عروة مزادة أو غير ذلك، دلالة على أنها نسك يتقرب به إلى الله عز وجل، وقيل المراد: ذوات القلائد وهي البدن.

    قال سبحانه: وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ[المائدة:2]، (آمين) أي: قاصدين البيت الحرام، فلا تستحلوا قتال من قصد بيت الله الحرام؛ لأن من دخله كان آمناً، وهذا كله قبل نزول سورة التوبة التي قال الله فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]؛ ولذلك لما نزلت هذه السورة فإن أبا بكر رضي الله عنه وكان أمير الحج بعث منادياً ينادي: ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان. فحرم على المشركين دخول البيت الحرام.

    يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ[المائدة:2] أي: التجارة، وَرِضْوَانًا)) المشركون كانوا يأتون إلى الحج يبتغون بزعمهم رضوان الله عز وجل؛ فالله عز وجل خاطبهم على ما يعتقدون.

    قال سبحانه: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا[المائدة:2]، أي: إذا فرغتم من النسك، وحللتم من إحرامكم فقد أبحنا لكم ما كان محرماً عليكم في حال الإحرام من الصيد، قال الله عز وجل: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً [المائدة:96] .

    قال سبحانه: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ[المائدة:2] أي: لا يحملنكم، كما قال القائل:

    ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضب

    أي: حملت فزارة.

    شَنَآنُ)): مصدر على وزن طيران، وقرأ بعضهم: (شنْآن) على أنها صفة كعطشان، وسكران، وهي قراءة ابن عامر و شعبة و ابن وردان .

    شَنَآنُ قَوْمٍ[المائدة:2]، أي: بغض قوم.

    أَنْ صَدُّوكُمْ)) وفي قراءة ابن كثير و أبي عمرو : (إن صدوكم) على أنها شرطية.

    أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا[المائدة:2]، يعني: هؤلاء الذين صدوكم عن المسجد الحرام عام الحديبية، لا يحملنكم صدهم إياكم على أن تقابلوا الفعل الحرام بفعل حرام، فالمسلمون عندهم آداب، وعندهم أحكام وقواعد وتعاليم يقفون عندها.

    الفرق بين البر والتقوى

    قال الله عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى[المائدة:2]، على فعل الخيرات وكل ما فيه تقوى الله.

    قال بعض المفسرين: البر: فعل الخيرات، والتقوى: ترك المنكرات.

    وقال ابن جزي المالكي رحمه الله: الفرق بين البر والتقوى: أن البر عام في فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات وفي كل ما يقرب إلى الله، والتقوى: في الواجبات وترك المحرمات دون فعل المندوبات. والمراد بكلامه أن البر أعم من التقوى، وأن بينهما عموم وخصوص.

    الفرق بين الإثم والعدوان

    قال الله عز وجل: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ[المائدة:2]، والفرق بين الإثم والعدوان أن الإثم: ما كان ذنباً بين العبد وربه، والعدوان: ما كان فيه تعد على الناس؛ فالذنب الذي بين العبد وربه كالشرك والعياذ بالله إثم، شرب الخمر إثم؛ لكن ما كان فيه عدوان على الناس في أموالهم، أو أبدانهم، أو أعراضهم، فهذا يسمى عدواناً.

    قال سبحانه: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:2]، شديد العقاب لمن عصاه وما اتقاه.

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ...)

    أيها الإخوة الكرام! هذه الآية المباركة أفادت تحريم انتهاك شعائر الله عز وجل المكانية والزمانية، نحن مأمورون بتعظيمها، نعظم الأشهر الحرم، نعظم بيوت الله، نعظم أنبياء الله، نعظم أولياء الله، نعظم حرمات المسلمين، نعظم كتاب الله سبحانه وتعالى، نعظم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعظم أهل العلم، هذه كلها شعائر نحن مأمورون بتعظيمها، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، سواء كانت هذه الشعائر زمانية أو كانت مكانية.

    ثم أيضاً: الأشهر الحرم لا بد من تعظيمها ومن عصى الله فيها فإثمه عظيم.

    ثم: حرمة التعرض لما أهدي إلى البيت الحرام، وحرمة التعرض لمن سعى إلى البيت الحرام بنسك حاجاً كان أو معتمراً.

    وأفادت الآية: إباحة ابتغاء الرزق مع التلبس بالنسك، وهذا منصوص عليه في قوله سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198].

    وأفادت الآية: أن العدل واجب مع الموافق والمخالف، كما قال سبحانه: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا [المائدة:8]، حتى مع من تبغضونه، أو يخالفكم في الدين، هذه هي العدالة المطلقة، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].

    وأفادت الآية كذلك: أن الظلم لا يقابل بمثله مما فيه معصية لله عز وجل؛ لأن الله لا يمحوا الخبيث بالخبيث، ومثاله: لو أن إنساناً لا يتق الله سب أباك وأمك فلا تكن مكافأتك إياه بأن تسب أباه وأمه؛ لأن هذا تعد على من ليس له ذنب؛ فلا تسب أباه ولا تسب أمه.

    وكذلك أفادت الآية: وجوب التعاون على البر والتقوى، وحرمة التعاون على الإثم والعدوان، ووجوب تقوى الله عزو جل على كل حال.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.