إسلام ويب

سورة النساء - الآية [43]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من مراحل تحريم الخمر أن الله نهى المؤمنين عن الصلاة وهم سكارى، ثم نزل التحريم الصريح للخمر في كل وقت. وقد أمرنا الله بطاعته وطاعة رسوله، فإن في ذلك كل خير في الدنيا والآخرة، وأمر الله أيضاً بطاعة أولي الأمر فيما لا يخالف الحق، وفي ذلك مصالح عديدة وفوائد كثيرة.

    1.   

    قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون .... )

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    النداء الحادي والعشرون في الآية الثالثة والأربعين من سورة النساء: قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا[النساء:43].

    مناسبة هذه الآية لما قبلها أن الله تعالى ذكر في الآيات التي سبقتها قيام العبد بين يديه يوم القيامة فقال: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا[النساء:41-42]، وفي هذه الآية ذكر الله عز وجل قيام العبد في الصلاة، وقيام العبد في الصلاة بين يدي الله سبحانه وتعالى يذكره بقيامه بين يديه يوم القيامة؛ لذلك لا بد أن يكون حاضر القلب، خاشع الجوارح، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ[المؤمنون:1-2].

    سبب نزول هذه الآية

    أما سبب نزول هذه الآية فقد روى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً ودعانا فسقانا خمراً، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ[الكافرون:1] أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ )).

    قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: هذا حديث حسن صحيح.

    معاني مفردات هذه الآية

    ينادينا ربنا جل جلاله -معشر المؤمنين- ويقول لنا: (( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ )) أي: حال كونكم مسلوبي العقول بفعل السكر، وقول الله عز وجل: (( لا تَقْرَبُوا )) مبالغة في النهي، ونجد دائماً أن الله جل جلاله إذا نهى عن كبيرة من الكبائر فإنه لا ينهى عن فعلها فقط، وإنما ينهى عن قربانها، يقول الله عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ[الأنعام:151]، وقال: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[الأنعام:152]، وقال وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا[الإسراء:32]، وقال هنا أيضاً لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ )) أي: حال كونكم سكارى.

    قوله عز وجل: وَأَنْتُمْ سُكَارَى )) السكارى: جمع سكران، وهو مشتق من السكر، وهو السد، يقال: هذا باب مسكر إذا كان مغلقاً مشدوداً، وكأن السكران قد سُدَّت منافذ عقله فلا يعي شيئاً، والسكران هو الذي تناول شيئاً بفعل نفسه فأذهب معه عقله مع نشوة وطرب.

    قوله: حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ )) أي: حتى تعود إليكم عقولكم التي تميزون بها أقوالكم وأفعالكم، ويظهر من هذه الآية أن السكران لا يعلم ما يقول.

    يقول ابن جزي المالكي رحمه الله: ومن هذه الآية انتزع بعض العلماء: أن طلاق السكران لا يقع؛ لأنه لا يعلم ما يقول، وأيضاً قال بعض أهل العلم: ردة السكران لا تقع. أي: لو أن السكران حال ذهاب عقله تلفظ بكلمات فيها ردة فإنه لا يحكم عليه بأنه مرتد؛ لأنه لا يعي ما يقول.

    يقول الإمام النسفي رحمه الله تعالى: قراءة سورة الكافرون بطرح اللامات كفر. يعني: لو أن رجلاً قرأ سورة الكافرون وطرح اللامات، أي: أنه بدلاً من أن يقول: لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ[الكافرون:2] قال: أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، وأنتم عابدون ما أعبد، فطرح اللامات عمداً فإنه يكفر.

    قال: ومع ذلك لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بكفر الصحابي الذي قرأ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ[الكافرون:1] أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، ولا حكم بالتفريق بينه وبين امرأته، ولا بتجديد الإيمان.

    وكما نهانا ربنا عن الصلاة حال السكر فقد نهانا أيضاً عن الصلاة في حال الجنابة، فقال: وَلا جُنُبًا )) والجنابة إما أن تكون بجماع أو بإنزال، يقال: رجل جنب، وامرأة جنب، ورجلان جنب، وامرأتان جنب، ورجال جنب، ونساء جنب، فهذه الكلمة لا تثنى ولا تؤنث، وَلا جُنُبًا )) أي: ولا تقربوا الصلاة وأنتم على جنابة.

    وقال بعض أهل التفسير: بل المقصود مواضع الصلاة وهي المساجد، أي: لا تقربوا المساجد وأنتم جنب.

    قوله: وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ )) العبور هو الجواز والمرور، وإذا لم يكن ثمة طريق إلا من المسجد فللجنب أن يمر فيه.

    قوله: وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ )) أي: يا أيها الناس! من كان منكم مريضاً، والمرض: هو خروج الجسم عن حال الاعتدال والصحة إلى حال الاعتلال والعلة، والسفر: هو الخروج من الدار أو من محلة القوم إلى مكان تقصده، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ )) الغائط: هو المنخفض من الأرض، وكل مكان منخفض تسميه العرب غائطاً، وهو كناية عن الحدث الخارج من السبيلين، فالعرب كانت تأنف أن تتخذ الكُنُف في بيوتها، فإذا أراد أحدهم أن يحدث فإنه يرتاد مكاناً منخفضاً من أجل أن يستتر عن أعين الناس، والغائط حقيقة عرفية مستعملة في الحدث.

    قوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ )) الملامسة هنا هي الجماع، وقال بعضهم: بل المراد الجماع وما دونه من التقبيل ونحوه، وقال بعضهم: بل المراد مطلق اللمس، أي: مباشرة الجسم بالجسم، وفي هذه الأحوال كلها: لو كنتم جنباً، أو كنتم مرضى، أو كنتم على سفر، أو حصل منكم جماع للنساء فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ))، والتيمم: هو القصد، والصعيد: هو ما ظهر على وجه الأرض من جنسها، والطيب: هو الطاهر، فَتَيَمَّمُوا )) أي: اقصدوا إلى ما ظهر على سطح الأرض من تراب، أو رمل، أو حصباء، أو غير ذلك، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ )).

    ونلاحظ في الوضوء أن الإنسان يغسل وجهه ويديه، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه فرضاً، وفي الغسل فإنه يعمم بدنه بالماء، وأما بالنسبة للتيمم فقد اقتصر على مسح الوجه واليدين، والمراد باليدين: الكفان، والعلة في ذلك كما يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمة الله عليه: أن التيمم لا يقصد به التطهير الحسي، ولا يقصد به تجديد النشاط، ولكنه مجرد استكمال الحالة للصلاة، قال الله عز وجل: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا )) أي: بالترخيص والتيسير، غَفُورًا )) أي: عن الخطأ والتقصير.

    أدب القرآن في استخدام الألفاظ

    يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في (الظلال): ولا بد أن نقف أمام بعض التعبيرات الرائقة في هذه الآية المباركة التي تدل على أدب القرآن، يقول الله عز وجل: (( أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ))، ولم يقل سبحانه: أو ذهبتم فعملتم كذا وكذا، أي: بلتم وتغوطتم وخرجت منكم الفضلة والأذى، ولا قال سبحانه: أو جئتم من الغائط، وإنما قال: (( أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ))، وهذا يدل على أدب الخطاب، واستعمل الكناية هنا ليكون هذا الأدب نموذجاً للبشر حين يتخاطبون.

    وكذلك حين يعبر الله عما يكون بين الرجل والمرأة فإنه لا يعبر بتعبيرات مكشوفة أو ألفاظ فاضحة، وإنما يقول: (( أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ ))، ويقول في آية أخرى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ[النساء:21]، وفي آية ثالثة يقول: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ[البقرة:187]، ويقول في آية رابعة: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ[آل عمران:47]، هذا هو تعبير القرآن في الحديث عن مثل هذه الشئون.

    من فوائد الآية

    هذه الآية المباركة يستفاد منها عدة فوائد:

    الفائدة الأولى: اشتداد تحريم الخمر عند قرب وقت الصلاة، وهي حرام بالليل والنهار، وسواء قرب وقت الصلاة أو بَعُد، لكن ذلك التحريم يشتد إذا قرب وقت الصلاة؛ لأن فيه ذهاب الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها ومقصودها.

    الفائدة الثانية: إذا كان الله تعالى قد نهانا عن الصلاة في حال السكر فإنه يقاس على السكر ما كان مثله مما يذهب بالخشوع كالنعاس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا نعس أحدكم فليرقد؛ فلعله يذهب يستغفر ربه فيسب نفسه)، فالنعسان بمنزلة السكران لا يدري ما يقول.

    الفائدة الثالثة: أن الآية فيها إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) أي: إذا كان هناك طعام وأنت تشتهيه فكل ثم صل، وإذا كان الإنسان حاقناً يحتاج للتبول، أو حاقباً يحتاج للتغوط فإنه يذهب يقضي حاجته ثم يأتي إلى الصلاة، ولا يصلي وهو مشغول بطعام أو شراب أو غير ذلك.

    ومن فوائدها الحث على حضور القلب في الصلاة، وتحريم دخول المسجد على الجنب إلا مروراً.

    وفي الآية أيضاً دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن الله سمى المتيمم جنباً.

    وكذلك في الآية إشارة إلى القاعدة المتفق عليها وهي: أن المشقة تجلب التيسير، وأنه يجب طلب الماء قبل شروعه في التيمم، ويشترط لجواز التيمم عدم الماء أو التضرر باستعماله.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم.

    1.   

    قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ... )

    النداء الثاني والعشرون في الآية التاسعة والخمسين: قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[النساء:59].

    هذه الآية تعالج مشكلة قديمة جديدة، وهذه المشكلة ما انفكت البشرية تعاني منها، وهي: ما هي طبيعة العلاقة بين الراعي والرعية، أو بين الحاكم والمحكوم، أو بين الدولة وبين الشعب؟

    هذه القضية أريقت بسببها دماء، وأزهقت أرواح، وأتلفت ممتلكات، وصارت عداوات وبغضاء بين الناس، فهذه الآية تضع لها العلاج المناسب.

    سبب نزول هذه الآية

    سبب نزول هذه الآية كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وهذه رواية الشيخين البخاري و مسلم : نزلت في عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، فقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية فلما خرجوا وجد عليهم في شيء -يعني: غضب على أفراد السرية؛ لتقصير وقعوا فيه، أو ذنب اقترفوه-، فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطباً، فلما جمعوا الحطب دعا بنار فأضرمها فيه ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها -أي: ادخلوا في هذه النار-، فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فلا تعجلوا حتى تلقوه، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال لهم: (لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف) أي: لو دخلتم هذه النار التي أمركم عبد الله بن حذافة أن تدخلوها لدخلتموها ومنها إلى نار جهنم مباشرة، (إنما الطاعة في المعروف).

    طبيعة العلاقة بين الراعي والرعية

    هذه الآية تقرر طبيعة العلاقة بين الناس وبين ولي الأمر، وفي الآية التي سبقتها أمر الله عز وجل ولاة الأمر بأمرين اثنين: أمرهم بأداء الأمانات إلى أهلها، وأمرهم بالحكم بالعدل، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ[النساء:58]، ثم في هذه الآية بين حقوق ولاة الأمر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ )) أي: اتبعوا كتابه جل جلاله، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ )) أي: خذوا بسنته صلوات الله وسلامه عليه، وعظموا أمره ونهيه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[الأنفال:24]، وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام من أناس يقول الواحد منهم: أعمل بالقرآن ولا أعمل بالسنة فقال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه، ألا إنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله) أي: أن ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: هذا حرام فكأن الله تعالى قال فيه: هذا حرام؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[النجم:4]، فهو مؤيد بالوحي من ربه؛ ولذلك كرر الفعل في هذه الآية، فلم يقل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول؛ بل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ))، فكرر الفعل هنا للاهتمام بتحصيل طاعته صلوات ربي وسلامه عليه؛ لتكون أعلى من طاعة أولي الأمر، فنطيعه في كل شيء.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ))، الأمر هنا هو: الشأن وما يُهتم به من الأحوال والشئون، وأولي الأمر هم أصحاب الأمر الذين بيدهم التوجيه، وإصدار القرارات، وإملاء السياسات.

    وطريق ثبوت هذه الصفة لهم إما أن تكون بإسناد ذلك إليهم من الخليفة ونحوه، والآن لعدم وجود خليفة يضم شتات المسلمين قال أهل العلم: إن القائم على إقليم معين أو على قطر معين هو بمنزلة الخليفة أو تكون هذه الولاية ثابتة لهم عن طريق جماعة المسلمين، فالمسلمون هم الذين ولوا فلاناً من الناس عليهم، أو عن طريق صفات الكمال التي تجعلهم محل اقتداء الأمة بهم، وهي الإسلام والعلم والعدالة فالإنسان إذا كان حسن إسلامه، وكان عنده علم، وهو عدل في نفسه وليس بفاسق ولم يأت بشيء من خوارم المروءة فإن الناس يقتدون به.

    قوله: وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ )) قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء، ولا معارضة بينهما، فالأمراء بيدهم الحل والعقد، والعلماء أمرنا الله عز وجل بالرجوع إليهم والنزول على حكمهمض فقال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[النحل:43]، وقال: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[النساء:83]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الأمراء: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) وهو في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه.

    حقوق الوالي على الرعية

    إن لولي الأمر حقوقاً على الرعية، وهذه الحقوق تتمثل في الآتي:

    أولاً: السمع والطاعة لهم في العسر واليسر، والمنشط والمكره كما في حديث عبادة رضي الله عنه في الصحيحين: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، فقال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان).

    وفي الحديث الآخر قال عليه الصلاة والسلام: (سيليكم ولاة بعدي، فيليكم البر ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم)، فالرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا بطاعة ولاة الأمر في طاعة الله، ولو أمر ولي الأمر بما فيه معصية الله فلا قيمة لأمره؛ لأن قضاء الله أحق وشرط الله أسبق، (ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

    ثانياً: عدم منازعتهم فيما ولاهم الله من أمور المسلمين، فنفوس العباد مجبولة على التطلع إلى الجاه إلا من رحم الله، فكثير من الناس يطمعون أن يكونوا وزراء، أو رؤساء، أو قادة، أو ولاة وما أشبه ذلك، لكن المسلم العاقل يعتقد أن هذا الوزير أو هذا الوالي أو هذا الرئيس في بلاء ومصيبة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم ستحرصون على الإمارة، وإنها خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من أمير يتولى أمر عشرة من الناس إلا جاء يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه، فإما أن يفكه عدله، وإما يوبقه جوره)، فلا ننازعهم، وإنما نعتقد أنهم في بلاء، وقد جرت العادة بأن الوزير إذا استُوْزِر، والرئيس إذا رئس فالناس يهنئونه، ولو أنصفوا لعزوه وقالوا له: أحسن الله عزاءك، وجبر الله كسرك؛ لأنه لو مكث في ولايته أو وزارته يوماً ثم انصرف عنها أو مات فسيحاسبه الله عز وجل على الرعية كلهم.

    ثالثاً: الوفاء ببيعتهم وعدم إعانة الخارجين عليهم، قال الإمام القرطبي رحمه الله: لو خرج خارج على إمام معروف بالعدالة وجب على الناس جهاده، فإن كان الإمام فاسقاً والخارجي مظهِراً للعدل فلا ينبغي للناس أن يسارعوا إلى نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل، أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الإمام الأول، وذلك أن كل من طلب هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح.

    الحق الرابع لولي الأمر: أن تبذل له النصيحة في رفق ورحمة، فليس الغرض هو التشنيع عليه والتحريض على خلعه، وإنما نبذل له النصيحة في رفق ورحمة، وهذا من حق المسلم على المسلم.

    خامساً: عدم متابعتهم في الباطل، وعدم تزيين المنكر لهم، بل لا بد من الإنكار عليهم بالطرق المشروعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله! ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا) رواه الإمام مسلم .

    الحق السادس: أداء الصلاة معهم ما داموا مسلمين.

    سابعاً: أن هذه الطاعة ليست قاصرة على نوع معين من الحكام ذوي النسب الشريف، بل هي لكل من ولي أمر الأمة مسلماً براً كان أو فاجراً، شريفاً كان أو وضيعاً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)، وفي رواية: (وإن كان عبداً حبشياً مجدوع الأطراف)، هذه هي الحقوق التي تجب.

    أهمية وجود الوالي

    واعلموا أن وجود الحاكم خير من عدمه ولو كان فاجراً ظالماً، والعراق خير مثال على ذلك، فلما فقد الحاكم صارت الأمور فوضى لا يأمن الناس على أموالهم ولا دمائهم ولا أعراضهم، ولا يستطيعون أن ينتشروا في الطرقات آمنين، ولذلك قال علماؤنا رحمهم الله: لا بد للناس من إمام، ولا بد للناس من إمرة بارة كانت أو فاجرة، قال العضد الإيجي رحمه الله: إن في نصب الإمام دفع ضرر مظنون، وإنّ دفع الضرر واجب شرعاً، وبيان ذلك: أنّا نعلم علماً يقارب الضرورة أن مقصود الشارع فيما شرع من المعاملات والمناكحات والحدود والمقاصات وإظهار شعائر الشرع في الأعياد والجماعات، إنما هو مصالح عائدة إلى الخلق معاشاً ومعاداً، وذلك المقصود لا يتم إلا بإمام يكون من قبل الشارع يرجعون إليه فيما يعنّ لهم.

    وهذا الكلام من الوضوح بمكان.

    إنما الطاعة في المعروف

    قال الله عز وجل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ )) فالمتنازعان إما أن يكون الرعية مع الراعي، وإما أن يكون الرعية فيما بينهم، وإما أن يكون العلماء فيما بينهم اختلفوا في مسألة من المسائل أو قضية من القضايا أو نازلة من النوازل، أو الأمراء فيما بينهم، فقد يختلف الأمراء فيما بينهم كما هو حادث في كثير من بلاد الله عز وجل، وسواء كان الاختلاف في شأن من شئون الدين، أو شأن من شئون الدنيا، قال الله عز وجل: (( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ )) و(شيء) هنا نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، (( فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ )) أي: حال حصول النزاع بينكم يا مسلمون! سواء كنتم أمراء، أو علماء، أو عامة فهذا النزاع ردوه إلى الله والرسول، كما قال سبحانه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ[الشورى:10].

    قوله: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ )) أي: إلى الكتاب والسنة كما قال مجاهد وغير واحد من علماء السلف، ولذلك قال مروان بن الحكم الخليفة الأموي لـأبي حازم العبد الصالح: ألستم قد أمرتم بطاعتنا في قوله تعالى: وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ))؟ فقال أبو حازم : أليس قد نزعت الطاعة عنكم إذا خالفتم الحق بقوله سبحانه: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ))؟ أي: إلى القرآن وإلى الرسول في حياته، وإلى أحاديثه بعد وفاته.

    فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ )) أي: أن دليل إيمانكم بالله وباليوم الآخر أنه عند التنازع ترجعون إلى الكتاب والسنة، ذَلِكَ خَيْرٌ )) أي: في العاجل، وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )) أي: أحسن عاقبة ومآلاً.

    لقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتي أمراء فيهم شر وعدوان وعدم قيام بحقوق الرعية، فما العلاج؟ قال عليه الصلاة والسلام: (من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية) رواه الشيخان.

    وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل: (وإن هذه الأمة قد جعلت عافيتها في أولها)، وهذا صحيح ليس فيه شك، فأولها كان يحكمها أبو بكر ، و عمر ، و عثمان و علي خيار من خيار من خيار، ثم من جاء بعدهم من هو أقل خير منهم، ولكن الخير ما زال مستمراً، (وإن هذه الأمة جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضاً) يعني: كل ما جاءت فتنة ونظر الناس في المصيبة وحجم الفتنة فإنهم سيرون أن التي قبلها فتنة رقيقة، (وتجيء الفتنة فيقول المؤمن : هذه مهلكتي ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)، يقول عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة: الذي يروي هذا الحديث: دنوت من عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت له: أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقال له عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ..[النساء:29] الآية، قال: فسكت عبد الله بن عمرو بن العاص ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.

    حكم الخروج على الحاكم الظالم والكافر

    إن أهل السنة متفقون على أن الحاكم الفاسق الفاجر لا يجوز الخروج عليه؛ لأن مفسدة الخروج عليه أعظم من مفسدة فسقه وفجوره، وأنا دائماً أضرب للناس مثالاً حول هذا الأمر، وهو: أن رجل المرور يقوم بضبط الشئون، وينتصف للناس من بعضهم لبعض، ويمنع التعدي، ولا يسلم هو من ظلم أحياناً، فيظلم الناس أحياناً ببذاءة لسانه، وأحياناً يظلم الناس في أمور أخرى، لكن رجل المرور هذا لو غاب في يوم ما فالناس يترحمون عليه ويقولون: يا ليته كان موجوداً بظلمه وتعديه! لم؟ لأن مفسدة غيابه أعظم من مفسدة وجوده، فوجوده فيه مصلحة ومفسدة، ولكن وجوده أهم من غيابه، فنقول: وكذلك الحاكم أو الإمام، فكل إنسان يريد أن يعمل انقلاباً ويحدث بلبلة، ويريق الدماء، هذا شر يترتب عليه تضييع الكثير من المصالح، وارتكاب الكثير من المفاسد.

    وهنا مسألة وهي: لو كان الحاكم كافراً وليس فاسقاً، كما يوجد في بعض بلاد المسلمين حكام يحلون الحرام ويحرمون الحلال، فمثل هذا أجمع أهل العلم على أن خلعه واجب إذا توافرت القدرة على ذلك، وأما ما جرت عليه عادة بعض الصالحين من شباب المسلمين بأنهم إذا رأوا الحاكم قد ظهر منه الكفر البواح الذي عندهم من الله فيه برهان فإنهم يخرجون من مسجد من المساجد أو من مكان ما وهم مائة أو مائتان، أو ألف أو ألفان فيحملون الأسلحة، وهذه الأسلحة ليست دبابات ولا طائرات، فيريدون الخروج بها على الحاكم! فيقوم هذا الكافر أو الفاجر فيدكهم دكاً بطائراته ودباباته، ولربما تهدمت المساجد على رءوس أهلها، وبعد ذلك يحاصرون الدعوة ويحدثون في الأرض الفساد فنقول: إن مثل هذا الخروج مفسدته راجحة وغالبة، بل تكاد تكون مفسدته محضة ليس فيه مصلحة أصلاً، فيا حبذا لو أن الناس فهموا هذه القواعد من أجل أن يسلموا من كثير من الشرور، وفي هذه الآية سبع فوائد تأملوها تعرفوها. وصلى الله على سيدنا محمد.