إسلام ويب

سورة آل عمران - الآية [200]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله المؤمنين بالصبر والمصابرة على طاعته واجتناب نهيه، وأن يتقوه لعلهم يفلحون في الدنيا والآخرة. وأمرهم بحسن العشرة مع أزواجهم. وأرشدهم لحفظ أموالهم وأنفسهم.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    النداء الثامن عشر في آخر آية من سورة آل عمران: قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[آل عمران:200]، وقد نزلت بضع وخمسون آية في شأن غزوة أحد وما كان فيها من مصاب المسلمين في سبعين من خيارهم، وما كان من مصاب المسلمين في رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث جرح وشج رأسه صلوات ربي وسلامه عليه، حتى بلغ من شدة الضرب عليه أن البيضة قد تهشمت على رأسه، فختم ربنا السورة بهذه الآية، فكأنه يقول: يا مؤمنون! اصبروا على تكاليف الدين، واصبروا على تحليل الحلال وعلى تحريم الحرام، واصبروا على فعل المأمور واجتناب المحظور، واصبروا على قضاء الله وقدره، واصبروا على الصلوات الخمس وعلى غير ذلك من التكاليف.

    وَصَابِرُوا ))، المصابرة حقيقتها: أن يصبر الإنسان أمام الصابر، فالمصابرة مفاعلة، فأمامك عدو صابر، يصيبه القرح والجرح ويؤذى ويقتل ومع ذلك هو قادر عليك، صابر في مواجهتك وفي قتالك، فواجب عليك أن تصبر أمام هذا الصابر، وهذا معنى قول الله عز وجل: وَصَابِرُوا )).

    وقال زيد بن أسلم : معناه مصابرة الأعداء، وقال الحسن البصري رحمه الله: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإسلام فلا يدعوه لسراء ولا ضراء ولا لشدة ولا رخاء حتى يموتوا مسلمين، وأمروا أن يصابروا الأعداء الذين يكيدون لدينهم.

    فالأمر الأول بالصبر، والأمر الثاني بالمصابرة، والأمر الثالث قال الله عز وجل: وَرَابِطُوا ))، أي: أقيموا في الثغور مرابطين خيلكم، مستعدين للجهاد في سبيل الله، وهذا معنى المرابطة أو الرباط.

    وقيل: بل المراد الصبر على الصلوات الخمس مع جماعة المسلمين، واستدلوا لذلك بما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط).

    ولا تنافي بين التفسيرين، فتفسير المرابطة بأنها المرابطة على الصلوات الخمس، نوع من أنواع الرباط، وبأنها ربط الخيل استعداداً للجهاد في سبيل الله، هذا كذلك نوع من أنواع الرباط.

    قال الله عز وجل: اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ )) أي: اتقوا الله بفعل المأمور، واجتناب المحظور، والصبر على المقدور، فاتقوا الله بأن تعملوا بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله، وأن تصبروا عن معصية الله على نور من الله خوفاً من عقاب الله، واتقوا الله بأن تخافوا من الله عز وجل، وأن تعملوا بكتابه، وأن تقنعوا بما رزقكم، وأن تستعدوا للقائه جل جلاله.

    وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) لعل بمعنى اللام أي: لتفلحوا، بمعنى: اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لتفلحوا، أو المعنى على رجاء منكم أن يحصل لكم الفلاح، والفلاح البقاء مع المحبوب بعد الخلاص عن المكروه.

    قال الإمام النسفي رحمه الله في محاسن التأويل: قيل: معنى الآية: اصبروا في محبتي، وصابروا على نعمتي، ورابطوا أنفسكم في خدمتي؛ لعلكم تظفرون بقربي.

    ذكر هذا الوجه من أوجه التفسير.

    وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل الرباط والمرابطين، فروى البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها).

    وفي صحيح مسلم عن سلمان : (رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله، الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان).

    وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: (خطب عثمان بن عفان رضي الله عنه في الناس يوماً فقال: أيها الناس! إني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم وبصحابتكم، فليختر مختار لنفسه أو ليدع).

    يعني: أن عثمان يقول لهم هذا الحديث أنا كتمته؛ لأني أعلم أني لو حدثتكم به فكلكم ستعملون به وتتركونني وأنا حريص على صحبتكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة قيامها وصيامها).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (حرمت النار على عين دمعت من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله).

    وفي صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثٌ رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة أو كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع).

    وهذه الآية قد دلت على معانٍ سبقت في آيات مضت، فقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا )) قد مضى معنا نظيره في قول الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ[البقرة:45]، وقول الله عز وجل: وَصَابِرُوا )) دلت عليه آيات من القرآن كقوله سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[العنكبوت:69]، وقول الله عز وجل: إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[الأنفال:45]، وقال سبحانه: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ[الأنفال:65]، وكذلك الرباط، فكل الآيات التي أمرت بالجهاد فهي قد أمرت ضمناً بالرباط؛ لأن الرباط نوع من أنواع الجهاد.

    وأما قول الله عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ )) فقد مر معنا في آية الصيام والتي هي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[البقرة:183]، ومر معنا في آية القصاص: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى[البقرة:178]، إلى أن قال سبحانه: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[البقرة:179]، فكل التشريعات التي جاءت بها شريعة الإسلام إنما جاءت لتحصيل هذا الغرض العظيم، وهو تقوى الله عز وجل، وقد مر معنا قول ربنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ[آل عمران:102]، وذلك بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وعرفنا أن تقوى الله عز وجل سببٌ لكل خير في الدنيا والآخرة، نسأل الله أن يجعلنا من المتقين.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً...)

    النداء التاسع عشر في الآية التاسعة عشر من سورة النساء: قول ربنا تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا[النساء:19]، وهذه الآية المباركة هي النداء الأول بوصف الإيمان في سورة النساء، وقد جاءت لتعالج نوعاً من الظلم كانت المرأة تتعرض له في الجاهلية.

    روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فأنزل الله هذه الآية) يعني: المرأة في الجاهلية كانت تورث عن الرجل كما يورث المتاع، والأرض، والمال، فإذا مات الرجل فأولياؤه أي: أبناؤه أحق بها إن شاء بعضهم تزوجها، فيمكن في عهدهم أن يتزوج الولد امرأة أبيه، وإن شاءوا زوجوها وأكلوا صداقها، وإن شاءوا حبسوها إلى أن تموت فيرثوها.

    وكان من أشهر ما وقع من ذلك في الجاهلية أنه لما مات أمية بن عبد شمس وترك امرأته وكان له من تلك المرأة أولاد أربعة العاص و أبو العاص و العيص و أبو العيص ، وكان له أولاد من امرأة أخرى منهم أبو عمرو بن أمية ، فلما مات أمية بن عبد شمس تزوج أبو عمرو امرأة أبيه التي هي أم العاص و أبي العاص و العيص و أبي العيص ، فولدت له مسافر، أنجب منها ولداً أسماه بهذا الإسم، وولد آخر اسمه أبو معيط ، فكان مسافر و أبو معيط إخوة للعاص و أبي العاص و العيص و أبي العيص من أمهم، وفي الوقت نفسه هم أعمامه!

    انظروا إلى هذه اللخبطة والفوضى التي كان يعيش فيها أهل الجاهلية، فأنزل الله هذه الآية: لا يَحِلُّ لَكُمْ )) أي لا يجوز، ويحرم عليكم أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ))، وقرأ حمزة و الكسائي و خلف بضم الكاف: كُرْهًا[النساء:19]، فقوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ))، أو (كُرهاً) بمعنى الإجبار والمشقة، قال الله عز وجل: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا )) أي لا يجوز أن تجعلوا المرأة كالمتاع يتزوج الواحد منكم بالواحدة منهن من غير رضاها، أو يعضلها حتى تفدي نفسها.

    حرمة عضل المرأة وأنواعه

    قال الله: (( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ))، وحقيقة العضل في اللغة: الحبس والمنع. وكان هناك أيضاً صور من الظلم، فمن صور الظلم أن الرجل يتزوج بالمرأة ثم بعد ذلك يملها ويكره العيش معها، وبدلاً من أن يسرحها بإحسان، يبدأ يضايقها ويكدر صفوها ويسيء معاشرتها ويضارها من أجل أن تفتدي منه بالمال، فتقول له: طلقني، فيقول: لا أفعل حتى تردي إلي الصداق وما دفعت، وهذا حرام في الإسلام.

    وكذلك من أنواع العضل الداخل في هذا النهي أن يمنع الأب ابنته من الزواج بغير سبب شرعي، إما لأن عندها راتباً وهو يتأكل من وراء هذا الراتب، أو لأنها ذات مال وهو لا يريد للزوج أن يشاركه في هذا المال، أو لغير ذلك من الأسباب غير الشرعية.

    قال القرطبي رحمه الله: متى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها، والولي هو الأب أو الأخ إن لم يكن الأب موجوداً.

    قال الله عز وجل: (( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ )) أي: لا تضار المرأة ولا تسيء معاشرتها من أجل أن ترد إليك ما دفعته، قال الله عز وجل: (( إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ )) أي: ظاهرة، وفي قراءة: مُبَيَّنَةٍ أي: يبينها من يدعيها، والمعنى: أن المرأة والعياذ بالله لو وقعت في الزنا فللزوج أن يضيق عليها ويضارها من أجل أن ترد إليه ما دفع، وهذا قول ابن مسعود ، و ابن عباس ، و سعيد بن المسيب، فعندهم الفاحشة المبينة هي الزنا.

    وقال الضحاك و عكرمة : الفاحشة المبينة: النشوز والعصيان، يعني: إذا الرجل دفع صداقاً، ودفع مهراً وأثث بيتاً واشترى لها ذهباً وأنفق نفقات كثيرة ثم بعد ذلك اكتشف أنها ناشز، يقول لها: ائتني بالماء، فتقول له: لا، بل تقوم أنت تشرب! فهذا نشوز وعصيان وتمرد؛ لأن من السنة أن تخدم المرأة زوجها، وهذه قسمة الحياة، وقد كانت أمهات المؤمنين يخدمن الرسول عليه الصلاة والسلام، ففي هذه الحالة يجوز أن تضجرها وتضيق عليها حتى تستبرئ منك ببعض حقها أو كله وتفارقها؛ لأنها تسببت في بعثرة بيت الزوجية بسوء خلقها ونشوزها، وأحوجتك إلى تجديد زوجة أخرى، فمن العدل في هذه الحالة أن تطالب بكل ما دفعته، فتعيده إليك وتسرحها.

    حسن معاشرة الزوجة

    قال الله عز وجل: (( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ))، المعاشرة: مفاعلة من العشرة وهي المخالطة، ومشتقة من العشيرة أي: الأهل، والمعروف ضده المنكر، وسمي الأمر المكروه منكراً؛ لأن النفوس لا تأنس به، فقوله تعالى: (( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ))، معناه: أنصفوهن في المبيت والنفقة وأجملوا في القول، وطيبوا أقوالكم لهن.

    قال أهل العلم: تطييب القول يكون في النداء، فتنادي زوجتك بالاسم الطيب: يا فلانة! أو كما كان النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يقول: (يا عائش !) أو يقول: (يا حميراء!)، ونحو ذلك، كنوع من التدليل للزوجة، فهذا من السنة، ومن غلظت طباعهم لا يعرفون هذا الكلام، وليس من السنة ولا من الأدب أن تناديها: يا امرأة! فهذا لا يجوز، وهذا من سوء المعاشرة وعدم الطيب، بل الواجب أن تناديها بأحب الأسماء، كيا فلانة! أو يا أم فلان، أو تلقبها وتدللها ثم بعد ذلك تجمل في الطلب، أحضري لي كذا، فإذا أردت أن تأتي لك بما تريد تدعو لها، كجزاك الله خيراً، أو أحسن الله إليك، ونحو ذلك من الكلام.

    فطيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم معهن، وحسنوا هيئاتكم، يعني: كما تحب من زوجتك أن تتجمل لك فأنت أيضاً تجمل لها، فهذا من المعاشرة بالمعروف كما قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ[البقرة:228]، وقال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، وكان من أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه، وبعض الرجال يعتقد أن من الحزم أن يكون دائماً عبوساً! وهذا خطأ، بل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يضاحك أهله ويسابق عائشة رضي الله عنها، ويتودد إليها بذلك، كما قالت عائشة : (سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم) يعني: قبل أن تبدن، وتسمن، (ثم سابقته بعد أن حملت اللحم فسبقني وقال: هذه بتلك)، يعني: واحدة بواحدة.

    وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها، يعني إذا كان مبيته عند أم سلمة، فكل نسائه يجتمعن في بيت أم سلمة ويتناول معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار عليه الصلاة والسلام.

    وبعض الرجال بلغ به من سوء العشرة أنه لا ينام معها في سرير واحد قط، بل عندما ينزل في بعض الفنادق ويجد أن السريرين ملتصقان، ينادى العامل في الفندق ويقول له: أبعد السريرين عن بعضهما! فهذا من سوء المعاشرة ومن غلظة الطبع نعوذ بالله من ذلك.

    وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى العشاء يدخل منزله ويسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام ويؤانسهم بذلك، فهذا من عاداته صلى الله عليه وسلم مع أنه كان مشغولاً، فهو إمام المسجد، وهو القائد، وهو رئيس الدولة، وهو النبي الذي يوحى إليه، وهو القاضي، وهو المفتي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يقوم من الليل حتى تتورم قدماه، ومع ذلك عليه الصلاة والسلام كان يسمر مع أهله، وليس كما يصنع بعض الرجال الآن لا يأتي البيت إلا آخر الليل، فإذا أرادت أن تكلمه بشيء يقول: أنا تعبان أو أنا مشغول، أو أنا كذا، ثم يعطيها ظهره وينام، وقد يحصل بسبب هذا كراهية.

    الصبر على الزوجة

    قال الله عز وجل: (( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ )) أي: لعيب في أخلاقهن؛ لأنها غضوبة، أو لأن صوتها عالٍ، أو لدمامة في خلقهن؛ لأنها ما صارت جميلة في عينيك، أو لتقصير في العمل الواجب عليها، فقد لا تحسن المرأة العمل في البيت فلا تعرف طبخ الطعام، ولا ترتيب الأمور، أو ربما تميل إلى غيرها، فإذا حصلت الكراهية في تلك الحال فاصبروا (( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ))، فهذه التي كرهتها ربما يجعلها الله عز وجل سبباً لدخولك الجنة، فإن كرهتموهن فاصبروا ولا تعجلوا بمفارقتهن، (( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ))، قال ابن عباس : هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولداً ويكون في ذلك الولد خير كثير.

    ومن الخير الكثير في ذلك امتثال أمر الله وقبول وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)، فلذلك سيدنا عمر لما جاءه رجل قال له: إني أريد أن أطلق، قال: ولم؟ قال: لا أحبها، فضربه رضي الله عنه وقال: أكل البيوت تبنى على الحب، فأين الرعاية؟ إنما يتعايش الناس بالإسلام والإحسان، يعني: ليس بالضرورة أن يكون هناك حب، فالحب الذي نسمع به إنما هو في المسلسلات وغيرها، وكلها خيال، وأوهام، وإنما الناس يعيشون بأن يذكر بعضهم بعضاً.

    يقول سيد قطب رحمه الله: وما أعظم قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرجل أراد أن يطلق زوجه؛ لأنه لا يحبها: ويحك! ألا تبنى البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية؟ ثم قال: وما أتفه الكلام الرخيص الذي ينعق به المتحذلقون باسم الحب، وهم يعنون به نزوة العاطفة المتقلبة، ويبيحون باسمه انفصال الزوجين وتحطيم المؤسسة الزوجية بل خيانة الزوجة لزوجها؛ لأنها لا تحبه، وخيانة الزوج لزوجها لإنه لا يحبها، وما يهجس في هذه النفوس التافهة الصغيرة معنىً أكبر من نزوة العاطفة الصغيرة المتقلبة، ونزوة الميل الحيواني المسعور.

    فهؤلاء بعيدون عن الله عز وجل يقول تعالى: (( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا )).

    وقال الإمام أبو بكر بن العربي الإشبيلي المالكي صاحب أحكام القرآن : كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد القيرواني من العلم والدين في المنزلة والمعرفة بمكان، يعني: كان رجلاً عالماً كبيراً، وكانت له زوجة سيئة العشرة، تقصر في حقوقه، وتؤذيه بلسانها، فيقال له في أمرها ويعذل بالصبر عليها، يعني كان يقال له: ألا تتخلص منها؟ ألا تأدبها؟ فكان يقول: أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني، فلعلها بعثها الله إلي عقوبة على ذنبي، فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها، فانظروا كيف هذا التفسير!

    ويحكى أن امرأة جميلة ومليحة كان زوجها ذميماً، فنظرت في المرآة يوماً فقالت له: إني لأظن أني أنا وأنت من أهل الجنة إن شاء الله، قال لها: ولم؟ قالت له: لأنك رزقت بي فشكرت، وأنا ابتليت بك فصبرت!

    من فوائد الآية السابقة

    من فوائد الآية:

    أولاً: إبطال قانون الجاهلية القائم على أن ابن الزوج يرث امرأة أبيه.

    ثانياً: حرمة العضل من أجل الاستيلاء على المهر وغيره.

    ثالثاً: جواز العضل حال الوقوع في الفاحشة من قبل الزوجة.

    رابعاً: وجوب المعاشرة بالمعروف.

    خامساً: ترغيب الزوج في الصبر حال كراهية الزوجة.

    سادساً: الإرشاد إلى إعماق النظر، وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة.

    أسأل الله أن يصلحنا وأزواجنا.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل...)

    النداء العشرون في الآية التاسعة والعشرين من سورة النساء: قول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا[النساء:29].

    قرأ عاصم و حمزة و الكسائي و خلف العاشر (تجارةً)، بنصب التاء، على أن (كان) ناقصة، واسمها ضمير يعود على الأموال و(تجارة) خبرها، فالتقدير: إلا أن تكون الأموال تجارة.

    وقرأ الباقون (تجارةٌ) برفع التاء على أن (كان) تامة، تكتفي بمرفوعها، والتقدير: إلا أن تحدث تجارة أو تقع تجارة.

    قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أنزل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ )) قال المسلمون: إن الله نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فشق على الناس، فأنزل الله سبحانه، لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ[النور:61]، إلى آخر الآية التي في سورة النور.

    وهذه الآية المباركة فيها بيان لبعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر بيان تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة، ففي الآية إشارة إلى كمال العناية بالحكم المذكور.

    يقول الله عز وجل: لا تَأْكُلُوا )) الأكل مجاز في الانتفاع بالشيء انتفاعاً تاماً، ولا يعود معه إلى الغير، أكل الأموال والاستيلاء عليها عليها بنية عدم إرجاعها إلى أربابها، قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ[البقرة:188] أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في قالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا.

    ومن أكل الأموال بالباطل: أكل مال اليتيم كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا[النساء:10]، وكذلك الرشوة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش)رواه الترمذي و أبو داود و ابن ماجة والإمام أحمد في المسند.

    ومن أكل أموال الناس بالباطل: احتكار السلع الضروريات لإغلائها، وبيع ما ليس يباع كالعرض والذمة والخلق والدين والضمير.

    قال تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ))، وهذا استثناء منقطع، وكأنه سبحانه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في الأموال، لكن المتاجرة المشروعة كعقد المضاربة والمشاركة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال سبحانه وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ[الأنعام:151]، وكقوله: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى[الدخان:56].

    والتجارة في اللغة: المعاوضة، ومنه الأجل الذي يعطيه البارئ سبحانه للعبد عوضاً عن الأعمال الصالحة التي هي بعضاً من فعله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ[الصف:10]، وقال تعالى: يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ[فاطر:29]، ويقول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ )) أي: بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم بينكم بالباطل.

    قال ابن عطية رحمه الله تعالى: وأجمع المأولون أن المعنى: هو النهي عن أن يقتل بعض الناس بعضاً.

    وقال الزمخشري عن الحسن : إن المعنى لا تقتلوا إخوانكم، ففي الإجماع الذي نقله ابن عطية رحمه الله نظر.

    وقال أبو حيان : وعلى هذا المعنى أضاف القتل إلى أنفسهم؛ لأنها كنفس واحدة أو من جنس واحد.

    وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا )) أي فيما أمركم به، أو نهاكم عنه، فما نهاكم عما يضركم إلا رحمة بكم.

    وقيل: بل المعنى: أنه سبحانه أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم، وكان بكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً، حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة.

    وهذه الآية المباركة تضمنت النهي عن أمرين عظيمين، وأحدهما أعظم من الآخر وهما: النهي عن قتل النفس، والنهي عن أكل المال بالباطل، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته بيده يجؤ بها بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    وقال عليه الصلاة والسلام: (كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكيناً حز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة) رواه الشيخان من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.

    وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه الشيخان.

    ما يستفاد من الآية

    في الآية الكريمة فوائد:

    منها: الأسلوب الرفيع للقرآن وما فيه من الإيجاز في قوله تعالى: (( لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ))، وقوله: (( وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ )) بأن شمل أموالك وأموال غيرك، وقتل نفسك وقتل غيرك.

    ومن فوائدها: إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين، ففيه دلالة على أن المؤمنين كالجسد الواحد.

    ومن فوائدها: إباحة المكاسب والتجارات القائمة على تبادل المنافع بالتراضي.

    ومن فوائدها: أن إباحة التجارة دليل على أنه يجوز للإنسان أن يشتري بدرهم سلعة تساوي مائة، والمشهور إمضاء البيع، قاله ابن جزي المالكي رحمه الله.

    وقال الطبري في هذه الآية: إبانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات، والله تعالى يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ )) أي: اكتساباً، فقد أحل الله ذلك.

    ومن فوائد الآية: تحريم قتل النفس وقتل أنفس الآخرين.

    ومن فوائدها: إثبات الاسم المبارك الحسن وهو (الرحيم) لله عز وجل.