إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الحي يوسف
  3. فقه الصلاة أخطاء يقع فيها بعض المصلين [1]

فقه الصلاة أخطاء يقع فيها بعض المصلين [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة بالنسبة لبقية العبادات كالقلب من الجسد، فإذا أصلح العبد صلاته وأتمها أصلح الله بقية أعماله. فينبغي على المسلم أن يتعرف على تلك الأخطاء التي تقع من بعض المصلين؛ حتى يتجنبها، ولتكون صلاته تامة لا يعتريها أي مبطل لها.

    1.   

    أخطاء بعض المصلين أثناء الوضوء

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار .

    أما بعد.

    فقد انتهينا مما يتعلق بالمبطلات والمكروهات، وبأحكام الجمعة والجماعة، وأحكام صلاة السفر وصلاة العيدين.

    وسوف نذكر هنا بعض أخطاء المصلين، وليس معنى ذلك حصر جميع الأخطاء، وإنما هو التمثيل والتنبيه على بعضها. وأخطاء المصلين تبدأ من الطهارة، فهناك أخطاء في الطهارة يقع فيها الناس، فبعضهم لا يحسن الوضوء، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ويل للأعقاب من النار)، فبعض الناس إذا توضأ فإنه أول ما يبدأ يتلفظ بالنية، ويقول: نويت أن أتوضأ، ثم بعد ذلك يستغرق وضوءه من الزمان شيئاً كبيراً، فيدلك يديه دلكاً ويفركها فركاً، ويدعو عند غسل كل عضو بدعاء اخترعه من عنده، فإذا غسل وجهه قال: اللهم بيض وجهي يوم تبيض الوجوه، وإذا غسل يده قال: اللهم أعطني كتابي بيميني، وإذا مسح رأسه قال: اللهم حرم شعري على النار، وإذا غسل رجله قال: اللهم سدد قدمي على الصراط، وبعض الناس قد سئل لم لا تصلي؟ قال: لأني لست حافظاً لأدعية الوضوء.

    إن الوضوء ليس له أدعية، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بدأ بالوضوء سم الله عز وجل قائلاً: باسم الله، ولا يقول: نويت أن أتوضأ، وإذا اختتم رفع طرفه إلى السماء وقال: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، فهذه هي سنته عليه الصلاة والسلام، لكن قد فرعوا على ذلك تفريعات، فبعضهم إذا توضأ يصب الماء على جبهته حتى يتساقط إلى أسفل وجهه، وبعضهم إذا توضأ لطم وجهه، والبعض ربما استهلك من الماء دلوين أو ثلاثة، وبعضهم إذا توضأ زاد على الثلاث، إلى غير ذلك من الأخطاء العظيمة التي يقع فيها الناس.

    وداء العصر هو الوسواس، فأكثر الناس يشكوا منه، والسبب قلة العلم، فلو تعلم الإنسان وتفقه فإنه لن يعاني من الوسواس.

    1.   

    أخطاء بعض المصلين المتعلقة بالثياب وستر العورة

    أول هذه الأخطاء: الأخطاء التي تتعلق بالثياب وستر العورة.

    إن ستر العورة شرط في صحة الصلاة، والدليل على ذلك قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ[الأعراف:31] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار) ، هذا بالنسبة للنساء، أما الآية فإنها عامة للرجال والنساء، وفيها دلالة على أنه لا بد من ستر العورة في الصلاة.

    حكم الصلاة في الثياب الرقيقة الشفافة

    ومن أخطاء بعض الناس في هذا الباب ما يأتي:

    أولها: الصلاة في الثياب الرقيقة الشفافة التي تكشف لون البشرة، ومثاله من الواقع: ما يوجد كثيراً في القرى من أن بعض الناس يصلي لابساً ثوباً شفافاً وتحته السروال القصير، الذي يكشف عن شيء من الفخذ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الفخذ عورة) .

    وإن كان المالكية رحمة الله عليهم يقسمون العورة إلى: عورة مغلظة، وعورة مخففة. لكنها عند جمهور العلماء عورة يجب سترها. فتجد هذا السروال في الغالب نازلاً عن السرة ومرتفعاً عن الركبة، وفي بعض البلاد كبلاد الحرمين، تجد بعض الناس يصلي بهذا السروال القصير وثوبه رقيق شفاف. وقديماً كان سلفنا يقولون: إذا رقت ثياب المرء رق دينه، فإذا أراد الإنسان أن يصلي فإما أن يلبس تحت ثيابه سروالاً طويلاً، وإما أن يلبس ثياباً صفيقة لا يظهر من تحتها لون البشرة .

    حكم صلاة المرأة وجزء من بدنها مكشوف

    ثانيها: دخول المرأة في الصلاة وجزء من بدنها مكشوف، كشعرها، أو جزء من ساعدها، أو ساقها، فقد تخرج المرأة من بيتها إلى المسجد وتتعب في الذهاب والإياب، ولكن ليس لها أجر في ذلك؛ لأنها أخلت بشرط الصحة، وهو ستر العورة، فهي بمنزلة من صلت بغير طهارة، ولو أن إنساناً جاء إلى المسجد ليصلي ولم يتوضأ، فلا شك أن صلاته باطلة.

    كذلك من دخل في الصلاة وقد كشف عن عورته، مع القدرة على سترها فصلاته باطلة.

    إن كثيراً من النساء يسترن الجزء الأعلى من البدن، بينما الجزء الأسفل مكشوف، وبعضهن تلبس الفستان إلى نصف الساق وفوقه الثوب الشفاف، فيكون الساق والقدم مكشوفين، وبعض النساء تظن أن المطلوب منها في الصلاة ستر الشعر فقط، فتربط خمارها، وتترك العنق وجزء من الصدر مكشوفاً، وأحياناً شيء من الساعدين، كما تكشف أسافل الساقين والقدمين، وهذا خلل في فهم كثير من النساء اللاتي لا يعرفن حدود العورة التي أمرنا بسترها في الصلاة.

    إن المرأة إذا دخلت في الصلاة لا يجوز أن يبدو منها سوى وجهها وكفيها فقط، أما ما سوى ذلك فيجب ستره، وهذا الحكم يجب أن تعمله نساءنا، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ[الأحزاب:59].

    حكم صلاة المرأة وقدماها مكشوفتان

    ثالثها: صلاة المرأة وقدماها مكشوفتان، والواجب عليها ستر قدميها، والدليل على ذلك أن أم سلمة رضي الله عنها سئلت عن الثياب الذي تصلي فيه المرأة؟ فقالت: بالخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهوره قدميها. والسابغ هو: الساتر.

    ترجمة أم سلمة

    أم سلمة هي السيدة: هند بنت أبي أمية بن المغيرة، وكان أبوها يسمى زاد الركب ؛ لأنه كان كريماً، فإذا سافر معه أناس فلا يهتمون بنفقة ولا زاد؛ لأنه ينفق عليهم. وكان زوجها أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، هاجرت معه إلى الحبشة، ثم رجعا إلى مكة، ومن مكة هاجرا إلى المدينة، وقصة هجرتهم معروفة، وهي أنه لما خرج أبو سلمة ومعه أم سلمة وابنهما سلمة يريدون الهجرة إلى المدينة، خرج أهل أم سلمة فقالوا لـأبي سلمة : قد غلبتنا على نفسك لكنك لن تأخذ ابنتنا معك، وأخذوها منه، فغضب أهل أبي سلمة ، وقالوا: إن غلبتمونا على بنتكم فلا نترك لكم ولدنا سلمة ، فما زالوا يتجاذبونه حتى خلعت ذراعه، وبقي سلمة عند أهل أبي سلمة ، وذهب أبو سلمة المدينة و أم سلمة في مكة، ففقدت زوجها وولدها، فكانت تخرج رضي الله عنها كل يوم إلى الأبطح، وتبكي إلى أن تغرب الشمس، ثم تعود إلى بيتها.

    وبعد سنة كاملة رقوا لها وعطفوا عليها، وقالوا لها: إن شئت فالحقي بزوجك، فخرجت رضي الله عنها، فلقيها رجل كان كافراً في ذلك الوقت، وهو عثمان بن طلحة ، فقال لها: إلى أين يا ابنة أبي أمية ؟ قالت: أريد اللحاق بزوجي، قال لها: والله مالك مترك - أي: لا يمكن أن أتركك تمشي وحدك- فصحبها، تقول رضي الله عنها: والله ما صحبت رجلاً لا يصلي الخمس خيراً منه، -وهذا باستثناء المسلمين، وهنا تنبيه لبعض الناس الآن الذين يقولون: هؤلاء الخواجات طيبون، لكن ليسوا كالمسلمين- فقد كان يقود بعيري، فإذا أردنا أن ننزل فإنه ينيخ البعير، ثم يحول وجهه حتى أنزل، ثم يأخذ البعير فيعقله -أي: يربطه- ثم يضطجع بعيداً عني، فإذا أراد الرحيل أذن لي من مكانه، فتستوي على بعيرها، فيأتي ويقودها، وهكذا إلى أن رأى بيوت المدينة، فضرب وجه البعير وقال: هذه القرية التي فيها زوجك ورجع، فجزاه الله عز وجل بهذه الفعلة وأكرمه بالإسلام.

    ولما توفي زوجها هو أبو سلمة قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، فأخلف الله لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما خطبها قالت: يا رسول الله! وددت ولكنه يمنعني أني امرأة غيرى، وأني امرأة مصبية، وقد أصابتني السن- فذكرت ثلاثة أسباب: شديدة الغيرة، وكثيرة الأولاد، وكبيرة في السن- فقال صلى الله عليه وسلم: (أما السن فقد أصابني الذي أصابك - أي كلاهما في السن سواء- وأما الغيرة فسأدعو الله ليذهبها عنك، وأما صبيانك فأضمهم إلي فأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم). فتزوجها صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث أن ولد أم سلمة هو عمر بن أبي سلمة -ربيب النبي صلى الله عليه وسلم- كان يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت يده تطيش في الصحفة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك).

    الدليل على وجوب ستر المرأة لقدميها في الصلاة وخارجها

    جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة رضي الله عنها: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ -أي: إذا كان ما تحت الكعبين لا يجوز- قال صلى الله عليه وسلم: يرخين شبراً، فقالت أم سلمة : إذاً تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه).

    قال البيهقي : ففي هذا دليل على وجوب ستر المرأة قدميها.

    وموضع الشاهد هو قولها: إذاً تنكشف أقدامهن، ووجه الدلالة هو أنها أنكرت أن تنكشف أقدام النساء، والنبي صلى الله عليه وسلم أقرها على ذلك الإنكار، وجعل للنساء حكماً خاصاً.

    وقد أنكر عليها عندما جاءت أم سليم تسأله: (يا رسول الله! هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ فقالت أم سلمة : وهل تحتلم المرأة؟! أي: أنها أنكرت ذلك، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أم سلمة ، وقال: تربت يمينك فمم يكون الشبه)، أي: إذا لم تحتلم المرأة وليس عندها ماء، فلماذا الولد أحياناً يشبه أمه؟

    ففي الحديث السابق لو كان كلام أم سلمة في غير محلة، وأن المرأة يجوز لها أن تكشف قدميها لبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنكر عليها إنكارها.

    حكم تشمير الثياب في الصلاة

    رابعا: تشمير الثياب، وهو من مكروهات الصلاة، وهذا في الرجال كثير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أسجد على سبعة، ولا أكف شعراً ولا ثوباً)، وهذا قد سبق ذكره في المكروهات. قال النووي : اتفق العلماء على النهي عن صلاة الرجل وثوبه مشمر أو كمه أو نحوه. فينبغي على المسلم ألا يدخل في الصلاة وهو مشمر، كحال الجزارين. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كف الثوب والشعر، ويشمل ذلك الأزر والبناطيل والسراويل، ولو شمر المسلم فصلاته صحيحة، لكنه وقع في مكروه.

    وسواء دخل الإنسان في الصلاة وهو مشمر، أو شمر في أثناء الصلاة، فهو منهي عنه.

    حكم صلاة الرجل مكشوف العاتقين

    خامسها: صلاة الرجل مكشوف العاتقين، والعاتق: ما بين المنكب والعنق. ويكثر كشف العاتقين في مناسك الحج والعمرة، فبعض الناس يصلي وقد كشف عن كتفه اليمنى، وهذا جهل كثير منهم بالأحكام، وذلك أن سنة الاضطباع إنما -وهي أن يجعل الإنسان طرف ردائه الأيمن من تحت كتفه ويرمي به على كتفه الأيسر- تكون في طواف القدوم فقط، أما في السعي، أو في عرفة، أو في منى، فالإنسان يكون مستور العاتقين، بل حتى في طواف القدوم لو أقيمت الصلاة فالمطلوب ستر العاتقين؛ لأن صلاة الإنسان مكشوف العاتقين فيها كراهة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)، وهذا يصنعه كثير من الناس في فصل الصيف، حين يصلون بالفنيلة ذات الحبل الذي لا يغطي من العاتق إلا شيئاً قليلاً، والصلاة مع ذلك صحيحة؛ لأن العورة مستورة، ولكن وقع في الكراهة.

    ترك الزينة عند الخروج إلى المسجد

    سادسها: ترك أخذ الزينة عند الخروج إلى المسجد، فبعض الناس يأتي إلى المسجد بثياب العمل، أوبثياب النوم، كالعرابي والسروال، أو يأتي بهذه الجلابيب الجديدة المغربية الواسعة التي ينام فيها بعض الناس، وقد أمرنا الله بأن نتزين فقال خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ[الأعراف:31] وقال عبد الله بن عمر لـنافع عندما رآه يخرج إلى المسجد في هيئة رثة: لو دعاك أمير المؤمنين ماذا كنت صانعاً؟ قال آخذ حلتي وألبس عمامتي، قال: فالله أحق أن يتجمل له.

    ذكر مخالفات أخرى

    سابعها: ومن المخالفات في هذا الباب: صلاة البعض بثياب كثيرة الثقوب، وأشنع من ذلك أن يصلي في ثياب فيها صلبان.

    ثامنها: ومن المخالفات كذلك: الصلاة في الثياب الشفافة أو الضيفة، فإذا كانت صفيقة وواسعة فلا حرج فيها.

    وأما الصلاة بالبنطلون فجائز إذا كان واسعاً لا ترى من خلاله العورة.

    تاسعها: ومن المخالفات كذلك: الإسبال، وصلاة البعض لابساً فنيلة قصيرة، فتبدو منها السرة، فتكون الصلاة على تلك الحالة معرضه للبطلان، ومن صلى كاشفاً شيئاً من عورته فصلاته باطلة. وأما الصلاة بدون عمامة فليس فيها مخالفة، ولكن تغطية الرأس في الصلاة من كمال الزينة.

    1.   

    أخطاء بعض المصلين المتعلقة بأماكن الصلاة

    الصلاة إلى الأماكن التي فيها صور أو نقوش

    النوع الثاني وهو: أخطاؤهم في أماكن صلاتهم.

    الخطأ الأول: الصلاة إلى الأماكن التي فيها صور، أو على سجادة فيها صور ونقوش، فعن عائشة رضي الله عنه قالت: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في خميصة ذات أعلام، فلما قضى صلاته قال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية؛ فإنها ألهتني عن صلاتي آنفاً)، قال الصنعاني رحمه الله: وفي الحديث دليل على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش ونحوها مما يشغل القلب. فالإنسان مطلوب منه أن يخشع في صلاته، ومن الخشوع ألا يكون أمامه ما يشغله عنها، والنقوش والزخارف موجودة حتى في المساجد، بل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجدار المسجد من ناحية القبلة كله كتابات ونقوش، وآيات وأحاديث، وأسماء الرسول صلى الله عليه وسلم، كنبي الرحمة، ونبي الملحمة، والحاشر، والمقفى، وغير ذلك مهما حاول المصلي أن يغض بصره فإنه يتشاغل بهذه النقوش؛ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زخرفة المساجد فقال: (لتزخرفن المساجد كما زخرفتها اليهود والنصارى)، فزخرفة المساجد -أيها الإخوان- مكروهة، والآن في بعض المساجد يكتب على جدرانها آيات، وتجد نقوشاً وغير ذلك مما يشغل الناس عن صلاتهم، فإذا أراد المسلم أن يصلي فليحرص على أن يصلي في مكان ليس فيه ما يشغله ويلهيه.

    ومن القبح بمكان أن يصلي البعض والتلفاز مفتوح أمامه، يقول الله عز وجل:: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ[الأحزاب:4]، فلا يتأتى أن يخشع وهو يسمع التلفاز، وفي حديث أنس : (كان قرام لـعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أميطيه عني؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي)، قال الشوكاني : في الحديث دليل على كراهة الصلاة بمكان فيه تصاوير، وعلى وجوب إزالة ما يشغل بال المصلي. والحديث يدل أيضاً على أن الصلاة لا تفسد مع وجود الصور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما قطعها وما عابها وما أعادها.

    الصلاة على القبور أو إليها

    الخطأ الثاني: الصلاة على القبور وإليها، وهذه قد عمت بها البلوى؛ لأن كثيراً من المساجد قد ضمت قبراً أو أكثر، وليست هذه المصيبة عندنا فقط، بل حتى في بلاد الشام، وحتى في مصر قل أن تدخل مسجداً إلا وفيه قبر، بل بعض المساجد فيها وهو المسمى بجامع البنات، وسبب تسميته بهذا الاسم كما يذكر في تاريخه: أنه مدفون فيه الأمير فخر الدين عبد الغني وبناته السبع، وفي بعض المساجد تجد القبر بادياً وقد ستر بثياب خضر، وجعل على كل ركن عمامة، وترى الناس يطوفون به ونسأل الله العافية.

    ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام لعن من يتخذون القبور مساجد، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، ونهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على القبور وإلى القبور، ونهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في سبعة مواضع ومن بينها: المقبرة، ففي الحديث أنه نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق ومعاطن الإبل والحمام وفوق ظهر بيت الله.

    الرد على شبهة من يجوز إدخال القبر في المسجد محتجاً بوجود قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده

    ومن الناس من يعترض ويقول: لو كان ذلك ممنوعاً فلم جعل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده الشريف؟ والجواب: لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما توفاه الله ضحى يوم الإثنين لم يدفن إلا ليلة الأربعاء، يومين وليلة في مكانه لم يدفن؛ لأن الصحابة شغلوا بعدة أمور: أولاً: بالخلافة، ومن يكون الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن نصب الخليفة واجب.

    ثانياً: أنهم شغلوا بكيفية غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لما له من أحكام خاصة، فهل يجرد من ثيابه كما تجرد الأموات، أم يغسل من فوق الثياب؟

    ثالثاً: شغلوا في المكان المناسب الذي يدفن فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهم من قال: ندفنه في البقيع، ومن قائل: ندفنه في مكة، ومن قائل: نذهب به إلى الشام، حتى جاء أبو بكر بالقول الفصل فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما قبض الله نبياً إلا ودفن حيث قبض).

    وبعد ذلك، اختلفوا هل يلحدون له أم يشقون؟ وكان أبو طلحة الأنصاري يلحد، وكان أبو عبيدة بن الجراح يشق، والشق الذي نفعله الآن في وسط القبر يسمى: لحداً، وليس كذلك، وإنما هو شق، وأما اللحد فهو الذي يكون في جانب القبر، بحيث يدخل الميت في اللحد كما يدخل الدرج في المكتب، ثم ينصب اللبن نصباً.

    فلما اختلف الصحابة هل يلحدون أو يشقون؟ قالوا: نرسل إلى أبي طلحة الأنصاري و أبي عبيدة بن الجراح فأيهما جاء أولاً فقد اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فجاء الذي يلحد، فصنعوا للنبي صلى الله عليه وسلم لحداً ووضعوه فيه، ووضعوا تحت رأسه الشريفة قطيفة، ونصبوا عليه اللبن نصباً، ثم أهالوا عليه التراب، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كله كان في حجرة عائشة ، ولا يقول عاقل بأن حجرة عائشة كانت في المسجد، وإنما كانت بجوار المسجد من الناحية الشرقية، وبعد ذلك قام سيدنا عمر رضي الله عنه بتوسيع المسجد من الناحية الغربية، ثم جاء عثمان رضي الله عنه فوسعه من الناحية الشمالية، ثم استمر الحال هكذا إلى أن جاء عهد الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص ، وكان ذلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو من ثمانين سنة، جاء فأمر بأن يوسع المسجد من الناحية الشرقية، وكانت الحجرات ملاصقة للمسجد من الناحية الشرقية، وإذا وسع المسجد لابد أن يدخل فيه الحجرات، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أمير المدينة، فجمع العلماء واستشارهم في هذا الأمر؛ لأن ذلك سيفضي إلى دخول القبر في المسجد، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فبعث عمر بهذا الكلام إلى الوليد ، لكن الوليد أرسل إليه بأن ينفذ ما أمر به، فنفذ عمر بن عبد العزيز ما أمر به الوليد بن عبد الملك فخرج العلماء رحمة الله عليهم في ذلك اليوم من المدينة؛ مخافة أن يسخط الله عليهم بهذه الفعلة، فأدخل عمر الحجرات في المسجد، ولكنه احتياطاً -جعل حول القبر جداراً- حرف القبر عن القبلة بحيث لا يتأتى أن يستقبل الإنسان القبلة والقبر، فإما أن يستقبل القبلة أو القبر، ولا يستطيع الجمع بينهما، ولكن يبقى الذي فعله الوليد بن عبد الملك خطأ، غفر الله له، وهذا لا يقاس عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أحكامه خاصة، وقد دعا ربه فقال: اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد بعدي، ودعاؤه مستجاب، ولكن غيره صلى الله عليه وسلم لا يستطيع الجزم بأن قبره لن يكون وثناً يعبد بعده. فإذا مات ميت فلا يجوز دفنه في المسجد، أو في البيت كما يصنع في بعض البلاد، وإنما الواجب رده إلى مقابر المسلمين.

    ومن الناس من يقول: إن أبا بكر و عمر دفنا بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال لهما: (أنتما مني بمنزلة السمع والبصر)، وسمع الإنسان وبصره لا يفارقانه.

    فالصلاة في المساجد التي فيها قبور أقل أحوالها الكراهة، فإذا كان بجوار المسلم مسجد فيه قبر وآخر ليس فيه قبر، فلا يصل في المسجد الذي ضم قبراً ، ما دام و أنه في سور المسجد، وسواء كان في أمام المصلين، أو خلفهم، أو عن يمينهم، أو عن شمالهم، لكن لا شك بأن القبر إذا كان في اتجاه القبلة فالأمر أعظم، كما في مسجد في أم درمان فالقبر ملتصق بالمحراب.

    وفي مصر القبر المزعوم للحسين ، فـ الحسين -كما يزعمون- عنده أربعة قبور: قبر في عسقلان في فلسطين، وقبر في كربلاء في العراق، وقبر في مصر، وقبر في البقيع، وأصحها الذي في البقيع؛ لأنه رضي الله عنه باتفاق المؤرخين فقد جسده في كربلاء، وما بقي إلا الرأس، فغسل الرأس وحنط وطيب ودفع إلى زينب أخته، وأرسل معهم يزيد من يحرسهم هم وآل البيت إلى أن وصلوا إلى المدينة، فدفن رأس الحسين بجوار أمه فاطمة وأخيه الحسن رضوان الله عليهم أجمعين.

    وفي مصر في هذا القبر المسمى بقبر الحسين تجد الأزاهرة معممين مطربشين، ومع الناس طائفين، وما حالت دون ذلك العمائم البيض، ولا الطرابيش الحمر، فلا يصح الاحتجاج بأن العلماء في الشام أو في مصر أو في السودان يفعلون ذلك، فالعالم يزل، وزلته ليست بحجة، قال سيدنا عمر ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق، وأئمة مضلون.

    هؤلاء الثلاثة يهدمون الدين، ولكن الإسلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بدأ غريباً وسيعود غريباً)، فلذلك الأحكام الآن غريبة، وأكثر الناس إذا سمع هذا الكلام يقول لك: هل هؤلاء المسلمون كلهم على خطأ؟ نعم على خطأ، والحجة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)، فهذه كلها نصوص واضحة، ولا تحتمل تأويلاً.

    وبعض الناس يحتجون بأن الله لو أراد ألا يتم ذلك في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان، والجواب: أن هذا هو الصحيح، وكذلك لو أراد الله ألا يجرح رسوله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ما جرح، ولو أراد الله ألا يموت رسوله صلى الله عليه وسلم ما مات، لكن هذه حجة المفلسين، بأن يحتجوا على الشرع بالقدر، وانتبهوا كما قال المشركون الأولون عندما قال لهم: هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ[الزخرف:20]، لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ[الأنعام:148]، وعندما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم الميتة حرام، قالوا: الميتة قتلها الله، وما قتله الله أفضل مما قتلناه بأيدينا، وهذه من الحيل الشيطانية.

    فمسألة الاحتجاج بأن الله لو ما أراد كذا ما كان كذا من حجج المفلسين، ففي المدينة المنورة حول المسجد النبوي كثير من الأمور الخاطئة، فقد قد تجد من يدخن، أو يعصي الله بكلام لا يليق، فهل نقول: إن الله لو لم يرد ذلك لما كان؟ وقد تجد من يقف على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مستنداً إلى جدار القبر وقد رفع إحدى رجليه على جدار القبر، فهل نقول: إن الله سبحانه وتعالى لا يغضب لنبيه صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لا، ولكن لله عز وجل حكمة، وليس من لوازم الغضب تعجيل العقوبة.

    قبر إبراهيم ليس في المقام

    الذي يقول: إن مقام إبراهيم فيه قبر إبراهيم، يحب عليه أن يأتي بدليل، وهل شارك أو مشى في دفنه، أو خلف جنازتهحتى يقول ذلك؟ فليس هناك قبر نبي من الأنبياء معروفاً سوى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما سائر الأنبياء فلا يعرف أين قبورهم.

    الرد على القائلين بجواز جعل القبور في المساجد

    وقد يستدل بعض الناس بقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا[الكهف:21]، على جواز القبور في المساجد، ويجاب عليهم بالآتي: أولاً: أثبتوا أن القائلين مسلمون؛ لأن كلمة المسجد في اللغة ليس معناها البنيان الذي يتخذ لعبادة الله، وإنما هو مكان السجود، وسواء كان سجود لله أو لغيره.

    ثانياً: حتى لو كان القائل مسلماً فشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، إذا ورد شرعنا بخلافه، مثال ذلك ما جاء في شريعة موسى عليه السلام من أن الله عز وجل حرم عليهم شحوم الحيوان، قال تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ[الأنعام:146]، وهل هذا ليس حرام في شريعتنا؟ ولا يمكن أن يكون شحمه حراماً؛ لأنه حرم في شريعة موسى، وكذلك في قصة أصحاب الكهف، وحتى لو كان القائلون مسلمين فلا يجوز لنا أن نستدل بفعلهم؛ لأن ذلك في شريعتهم، وقد جاء في شريعتنا ما يخالفه.

    1.   

    الأسئلة

    معنى النهي عن نقر الغراب في الصلاة

    السؤال: ما معنى النهي عن نقر الغراب في الصلاة؟

    الجواب: النهي عن نقر الغراب في الصلاة معناه: النهي عن الإسراع في الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن التشبه بالحيوانات، فلا نتشبه بغراب ولا ثعلب ولا سبع ولا كلب.

    حكم إخراج الأشياء الموقوفة من المسجد

    السؤال: ما حكم إخراج الأشياء الموقوفة في المسجد؟

    الجواب: لا يجوز إخراج ما وقف على المسجد، والاستفادة منها إلا لمصلحة المسجد، أما إذا أخرج فراش المسجد مثلاً لحاجة الإنسان الخاصة، كمناسبة أو غيرها فهذا لا يجوز.

    حكم صلاة الجنازة في المقابر

    السؤال: ما حكم صلاةالجنازة في المقابر؟

    الجواب: صلاة الجنازة في المقابر جائزة؛ لأنها دعاء، وليس فيها سجود ولا ركوع، وقد ثبت في الحديث أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، فماتت في الليل، فكره الصحابة أن يؤجلوا دفنها، فقاموا عليها حتى دفنوها، ولما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم قال: دلوني على قبرها، فلما دلوه على قبرها صلى عليها بعدما دفنت رضي الله عنها.

    حكم قيام تارك الصلاة لليل في رمضان

    السؤال: بعض من يترك الصلاة يصلي التراويح في رمضان، فما الحكم؟

    الجواب: تارك الصلاة إذا تركها جحوداً لا يصح منه قيام؛ لأنه ليس من أهل الإسلام، أما إذا تركها تكاسلاً، فالله يقول: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه[الزلزلة:7] وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ[الزلزلة:8]، فله ثواب قيامه الليل، وعليه إثم ترك الصلاة والعلم عند الله.

    حكم الصلاة في المكان العالي

    السؤال: ما حكم صلاة الإمام في مكان عال؟

    الجواب: ليس هناك مانع من الصلاة في المكان العالي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل) ، أي: في أي مكان، إلا الأماكن التي نهي عنها، وكذلك الإمام فإنه منهي أن يصلي أعلى من المأموم، لكن المأموم يجوز أن يكون أعلى من الإمام، وهذا يوجد في المسجد الحرام مثلاً، فالإمام تحيطه الناس بثلاثة طوابق أعلى منه، فالممنوع هو أن يعلوا الإمام المأموم.

    ما يلزم المرأة من الثياب

    السؤال: هل يجب على المرأة لبس الثوب السوداني؟

    الجواب: إن الشريعة لم تلزم المرأة لا بالثوب السوداني، ولا بالثوب الأفغاني، وإنما ألزمت المرأة بأن تستر بدنها، سوى وجهها وكفيها، وإذا سترت الوجه والكفين فجزاها الله خيراً، وقد أتت بما هو أكمل وأفضل.

    حكم صلاة العصر بعد إمام يصلي الظهر

    السؤال: دخلت وقت صلاة العصر الاختياري، وأدركت جماعة تصلي بالمسجد، ولما فرغوا، علمت أنهم يصلون الظهر، فما حكم صلاتي معهم بنية العصر؟

    الجواب: هذه الصلاة على مذهب الجمهور صحيحة.

    حكم هدم المسجد الذي فيه قبر

    السؤال: إذا وجد قبر في المسجد، هل يخرج القبر أو يهدم المسجد؟

    الجواب: إذا وجد قبر في مسجد فإننا ننظر في السابق، فإذا كان المسجد سابقاً ينبش القبر، وإذا كان القبر سابقاً يهدم المسجد، لأن الحق اللاحق لا يرفع الحق السابق، فإذا دفن الميت أولاً، ثم بني المسجد، فالقبر أسبق ويهدم المسجد، أما إذا بني المسجد ثم أدخل القبر، فينبش القبر ويرد إلى مقابر المسلمين.

    حكم الطيب إذا كان فيه كحول

    السؤال: ما هو الطيب الشرعي الذي يتطيب به المسلم ولا يكون فيه حرمة أو كراهة؟

    الجواب: والله أنا ما أعرف طيباً شرعياً وطيباً غير شرعي؛ لكن لعل الأخ يقصد الكحول.

    فالذي عليه الأئمة الأربعة أن الخمر نجسة العين، أي: أن نجاسة الخمر كنجاسة الدم، فإذا سقطت على أحد قطرة، وجب عليه غسلها، وهذا الذي عليه الأئمة الأربعة، استدلالاً بقوله تعالى، إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ[المائدة:90].

    لكن الذي عليه جماعة من المحققين ومنهم: العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسيره (التحرير والتنوير) والعلامة الشيخ ابن عثيمين ومن المعاصرين أيضاً الشيخ سلمان العودة ، وغيرهم من السابقين كـربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بـربيعة الرأي ، و الليث بن سعد على أن الخمر نجاستها معنوية، وليست حسية، وأنها كنجاسة المشرك يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ[التوبة:28]، فلو أن مشركاً لمس ثيابك فليس المعنى أنك تغسلها.

    قالوا: ومما يدل على أن الخمر نجاستها معنوية: أنها قرنت بالميسر و الأنصاب والأزلام، وهذه نجاستها معنوية وليست حسية، فلا يجب على من لمسها أن يغسل يده، فكذلك الخمر الأقرب -والله تعالى أعلم- أن نجاستها معنوية، ولا حرج على من تعطر بهذه العطور الكحولية .

    أما العطر الزيتي والبخور فهما جائزان، اللهم إلا الصائم فإنه لا يتبخر.

    أما الخمرة بالنسبة للرجل فلا تنبغي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن طيب الرجال: ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء: ما خفي ريحه وظهر لونه، والرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى على بعض الصحابة أثر صفرة من طيب، قال: لو أمرتموه يغير هذا.

    ولأن بعض الرجال يأتي إلى المسجد في صلاة الصبح ورائحته غير طيبه؛ فالخمرة التي هي للنساء.

    حكم قطع الصلاة لمن لم يدرك منها إلا التشهد الأخير ليدخل مع جماعة أخرى

    السؤال: إذا كان إدراك فضل الجماعة بحضور ركعة مع الإمام، فهل لي أن أقطع الصلاة التي لم أدرك فيها إلا التشهد، وأدرك فضل الجماعة مع جماعة أخرى أم أستمر في صلاتي؟

    الجواب: تكلمنا على هذه المسألة، وقلنا: إن هناك فرقاً بين الحكم وبين الفضل، الفضل علمه عند ربي، فالله سبحانه وتعالى يعلم سبب التأخر، فقد يتأخر الإنسان لأنه كان يرى مباراة، وقد كان يتأخر لأنه كان مشغولاً بتغسيل جنازة، أو بتمريض والده، فحكمهما ليس سواء.

    حكم الإقعاء بين السجدتين

    السؤال: ما حكم الإقعاء بين السجدتين؟

    الجواب: الإقعاء عند الفقهاء: هو وضع الأليتين على العقبين، وثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن عباس أن ذلك من السنة.

    حكم الصلاة في الأوقات المنهي عنها

    السؤال: ما حكم الصلاة في الأوقات المنهي عنها؟

    الجواب: الصلاة في الأوقات المكروهة المنهي عنها، كالصلاة بعد العصر، غير جائزة، فإذا دخل الإنسان المسجد بعد صلاة العصر فلا يصلي تحية المسجد، وإذا دخل المسجد بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس فلا يصلي تحية المسجد، وهذا مذهب الحنفية والمالكية رحمة الله عليهم، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس في الصحيحين قال: حدثني رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس) .

    وأما القائلون بجواز الصلوات التي لها أسباب، فاستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) .

    ولكن القاعدة عند العلماء: أن النهي مقدم على الأمر، فإذا تعارض نهي وأمر، قدم النهي؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، خاصة وأن القائلين بجواز صلاة ذوات الأسباب قد نقضوا هذا القول بقول آخر، وهو: أن الصلاة تمنع عند بزوغ الشمس وعند غروبها .

    والجواب عليهم: أنه لا فرق بين النهي عن الصلاة عند البزوغ و الغروب، والنهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح؛ لأن السنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالواجب أن يطرد النهي في جميع الأوقات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها.

    ولكن طالما أن المسألة خلافية فلا ينبغي أن ننكر على من صلى ولا ننكر على من ترك. وقد روي أن الإمام ابن حزم جاء من جنازة فدخل المسجد قبل المغرب، ثم صلى تحية المسجد، فقام رجل ممن كان في المسجد وقال له: أقعد يا جاهل! فقعد، وفي اليوم التالي، جاء قبل العصر وجلس، فقام رجل وقال له: صل يا جاهل! فلما رأى أنه في كل يوم هو جاهل، طلب العلم، وصار يرد على مالك و الشافعي و أبي حنيفة ويغلظ في الرد عليهم.