إسلام ويب

فقه الصلاة أحكام صلاة الجماعةللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف العلماء في حكم صلاة الجماعة، واتفقوا على أن صلاة الجمعة فرض عين، وهناك أعذار مسقطة للجمعة أو الجماعة، كالمطر والوحل والأمراض المنفرة والمؤذية، والخوف من ضرب، أو حبس أو قتل، واللباس المزري والمخل بالمرءوة، ومدافعة الأخبثين، وحضور الطعام مع الحاجة إليه والقدرة على تناوله، وفوات الرفقة في السفر، والريح الباردة الشاقة، وغلبة النعاس، وغيرها من الأعذار. ويسن للمسافر قصر الصلاة الرباعية والجمع بين الصلاتين.

    1.   

    حكم الجماعة والجمعة والأعذار المسقطة للجمعة والجماعة

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً كما يشاء ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    أما بعد:

    فإن الجمعة آكد من الجماعة؛ لأن الجماعة قد مضى الخلاف في حكمها؛ فبعض أهل العلم يقول: بسنيتها، وبعضهم يقول: بوجوبها وجوباً كفائياً، وبعضهم يقول: بوجوبها وجوباً عينياً، أما الجمعة فلا خلاف بين أهل الإسلام أنها فرض عين، فإذا عذر الإنسان في ترك الجمعة، فمن باب أولى يعذر في ترك الجماعة.

    المطر

    والأعذار التي يترك لأجلها الجمعة والجماعة أولها: المطر: وهو الذي يحمل أوساط الناس، أي: من كانوا أوسط الناس عقولاً وحالاً على تغطية الرأس، أي: أناس معتدلون، فتسقط الأمطار فيغطون رءوسهم، فمثل هذا العذر يبيح ترك الجماعة، والأصل في ذلك: ما رواه الشيخان: أن ابن عباس رضي الله عنهما، قال لمؤذنه في يوم مطر: إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة، وإنما قل: صلوا في بيوتكم.

    فتعجب الناس من مؤذن يرفع الأذان، قال: أشهد أن لا إله الله، مرتين، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، مرتين، وبعدها بدلاً من أن يقول: حي على الصلاة، قال: صلوا في بيوتكم، واستنكر الناس ذلك، فقال رضي الله عنه: أتعجبون من هذا؟! قد فعل ذلك من هو خير مني، أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الجمعة عزمة، أي: فريضة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والدحض، والأرض الدحض هي: غير الثابتة.

    وكثير من الناس الآن إذا فعل سنة فاستنكر الناس، فإنه يغضب، ويقول: بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، ما أجهل الناس بالسنة، ما أجرأهم على الشرع، ويبدأ يقرع الناس، أقول: هذا في زمان ابن عباس ، وجهل الناس هذه السنة واستنكروها، كذلك أمنا عائشة رضي الله عنها لما مات سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أمرت أن يؤتى بجنازته إلى المسجد، فتصلي عليها وهي في الحجرة؛ لأنها لا تستطيع أن تذهب إلى المقابر، فصلت على جنازة سعد وهي في حجرتها والجنازة في المسجد، فأكثر الناس من الإنكار، فقالت أمنا رضي الله عنها: ما أسرع ما نسي الناس! والله ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء إلا في المسجد.

    فإذا كان في الصدر الأول وعلى أيام الصحابة منْ غابت عنهم بعض السنن، فمن باب أولى الآن لَّما بَعُد عهدنا بالنبوة، وعظم في المسلمين الجهل، فإننا نصبر على الناس ولا نعنفهم.

    إذاً: العذر الأول الذي تسقط به الجمعة والجماعة: المطر، فإذا كان مطراً خفيفاً فإنه لا يؤثر، ويجب عليك أن تخرج للجمعة وللجماعة.

    الوحل

    العذر الثاني: الوحل (بفتح الواو والحاء) وهو: الطين الذي يحمل أوساط الناس على خلع النعال، ومعنى أوساط الناس واضح، فإنك تجد الأطفال خفاف العقول مجرد ما ينزل المطر -لو كان هناك طريق جافة- فإنهم يخلعون نعالهم ويخوضون في الطين، فهؤلاء لا اعتبار بهم، وإنما المقصود: من كانوا أهل عقلٍ وفطنة واعتدال، فإذا كان بينك وبين المسجد طين ودحض فأنت معذور في أن تصلي في بيتك.

    الجذام الشديد

    العذر الثالث: الجذام الشديد، وكذلك كل مرض يؤذي براحته أو عدواه، عافانا الله وإياكم والمسلمين، فيتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، فهذا المريض نقول له: صل في بيتك ولك أجر الجماعة إن شاء الله، إن علم الله من حالك أنك تحب الصلاة في الجماعة، لأنك تؤذي الناس بالعدوى؛ لأن الجذام معدٍ، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فكل مرض معدٍ نقول لصاحبه: صل في بيتك، وكذا كل مرض يؤذي براحته، ومنه -عافاني الله وإياكم- البخر، أي: إنسان يكون في فمه رائحة تؤذي الناس، فهذا يصلي في بيته ولا تثريب عليه، ودليل ذلك قول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن:16]، وقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[البقرة:286]، وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ[النور:61]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض تخلف عن الجماعة، وكان ذلك في مرض موته، فهو قد تخلف عن خمس عشرة صلاة صلاها في بيته عليه الصلاة والسلام، فهذه الأدلة: ثلاثة من القرآن، وعندنا دليل من السنة القولية، ودليل من السنة العملية أو الفعلية، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما مرض تخلف عن الجماعة، وأمر أبا بكرٍ أن يصلي بالناس، وكذلك سيدنا عمر رضي الله عنه لما طعن وحمل إلى بيته وسقي حليباً، فخرج الحليب من موضع الجرح، وعلم أنه ميت؛ أمر صهيباً أن يصلي بالناس.

    المرض الذي يشق معه الوصول ماشياً أو راكباً

    العذر الرابع: المرض الذي يشق معه الوصول ماشياً أو راكباً، وهذا في مذهب المالكية رحمهم الله، يقولون: أنت مريض، وعذرك أنك لا تستطيع المشي، فعليك أن تركب إن كنت تستطيع الركوب أو عندك ما تركبه، فإن لم يكن عندك ما تركبه ولا تستطيع المشي، فأنت معذور في ترك الجمعة والجماعة.

    تمريض قريب خاص أو احتضاره أو موته، أو تمريض بعيد لا أحد يقوم به

    العذر الخامس: تمريض قريب خاص كولد ووالد وزوج أو احتضاره أو موته، وكذا تمريض بعيد لم يكن له من يقوم به، فعندك مثلاً ولدك في البيت أو زوجتك، وقد مرضت بداء عضال، وتحتاج إلى مرافق يلازمها ويداويها، ففي هذه الحالة أنت معذور في ترك الجمعة والجماعة، وكذلك لو أن المريض ليس من الأقارب، لكن ليس هناك من يقوم به، كحال أصحاب المهن الطبية كالأطباء والممرضين، فهؤلاء أيضاً يعذرون في ترك الجمعة والجماعة، والدليل قول الله عز وجل: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا[المائدة:32] والإحياء يكون بالمداواة، والإحياء كذلك بتلقين الشهادة، فإذا كان عندك إنسان محتضر، فلا تتركه وتذهب لأداء صلاة الجمعة، فلربما فاضت روحه ولم يجد من يلقنه، فعليك أن تبقى معه وتلقنه شهادة التوحيد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله).

    الخوف من الضرب أو الحبس أو القتل في غير حق شرعي

    العذر السادس: الخوف من الضرب أو الحبس، ومن باب أولى القتل في غير حق شرعي، فإذا كان إنسانٌ في بلد ما يطارده حاكم ظالم، أو أمير جائر، وهو معرض للقبض عليه، كالشاب الذي يحافظ على الجماعة، ويوضع في القائمة السوداء، فمثل هذا معذور، قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ[النحل:106]، فلربما يلقى في السجن من غير محاكمة؛ لأنه محافظ على الجماعة، فمن خاف من الضرب أو الحبس، ومن باب أولى القتل، فإنه يعذر في ترك الجمعة والجماعة، وكذلك الخوف على المال من النهب، كإنسان نزل بلداً وليس له فيها مكان يقيم به، فخشي أنه لو ترك متاعه (حقائبه وحاجياته) ودخل إلى المسجد أنه سيخرج فلن يجدها، فمثل هذا معذور، فنقول له: صل وحدك واحرس متاعك، ويمثل الفقهاء الأولون رحمهما الله: بإنسان شرد منه بعيره وهو داخل إلى المسجد، فقيل له: بعيرك في مكان كذا، فإذا دخل مع الجماعة يكون باله مع البعير، فنقول له: أدرك بعيرك، والله غفور رحيم، وقد ذكر الشيخ سعيد بن مسفر : أنه في مرة من المرات، أعطاه شخصٌ زكاة في رمضان مائة وخمسين ألف ريال في حقيبة، وقال له: وزعها، قال: فحملتها في السيارة ومعي أهلي، فذهبنا لزيارة بعض الأقارب؛ وخوفاً على الحقيبة من أن يعبث بها الأطفال وضعتها في الصندوق في الخلف، وذهبت وأوصلت أهلي، ثم ذهبت إلى صلاة العشاء، فرآني إمام المسجد، فقال: قد جاء الله بك اليوم تصلي بنا، قلت له: خير إن شاء الله، قال: وبعد الصلاة بارك الله فيك تذكرهم، فقلت له: خير إن شاء الله، فلما دخلت في صلاة العشاء، وقلت: الله أكبر، قال لي الشيطان: والحقيبة، فو الله ما أدري ما قرأت في الصلاة ولا ما فعلت، وبعد الصلاة اعتذرت للإمام، فقال لي: والله ما نتركك أبداً، لابد أن تعطينا كلمة، فأعطيتهم كلمة لا أدرى ما قلت فيها، ثم خرجت، فوجدت الحقيبة كما هي، فأخذتها ورجعت إلى المسجد فسجدت شكراً لله، ثم أعدت الصلاة مرة ثانية، إذاً: الإمام شدد عليه، وكان من الممكن أن الإمام يعذره، ويقول له: اخرج فأدرك مالك، ثم تلحق بالجماعة أو لا تلحق.

    من لا يجد من اللباس إلا ما يزري به أو يخل بمروءته

    العذر السابع: من لا يجد من اللباس إلا ما يزري به أو يخل بمروءته، كأن يكون شخصٌ ما وجد شيئاً من اللباس، أو أن ملابسه تلفت أو كان الباب مغلقاً، أو ما أشبه ذلك، ولم يجد إلا اللباس الداخلي الذي يسمى بالعلاقي والسروال، وليس هناك ما يستر به رأسه وهو صاحب هيئة حسنة، كأن يكون إمام مسجد ونحو ذلك، فلو خرج على هذه الحال لاستنكره الناس، وقالوا: إن فلاناً قد أصابته لوثة، أو إن فلاناً قد أصابته جنة، أو إن فلاناً حصل به كذا وكذا، فهذا له عذر يترك به الجمعة والجماعة، والأصل في ذلك كله: قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[البقرة:185]، قال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي الإشبيلي : كل عبادة تسقط بالعذر الذي يسلب القدرة أو يدخل في المشقة، مثالها: إنسان صائم، فسُلِب القدرة على الصيام، سقط عنه الصيام، كذلك لو أن إنساناً مسافراً يشق عليه الصيام يسقط عنه الصيام، وبعد ذلك يقضي، فالذي يسلب القدرة هو المرض، والذي يدخل في المشقة: الطين والمطر، أو البرد للعريان، أو لا يجد من الثياب ما يكفي، والجو شديد البرد، فإن الله يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[البقرة:286]، وعندنا في ذلك أصل في كتاب الطهارة: بأن عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل لما أجنب تيمم ولم يغتسل، وصلى بالناس إماماً ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    مدافعة الأخبثين

    العذر الثامن: مدافعة أحد الأخبثين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان) ولأن المدافعة تقتضي انشغال القلب عن الصلاة، وهذا خلل في نفس العبادة، وترك الجماعة خلل في أمر خارج عن العبادة، وهذا يحصل كثيراً، كأن يكون إنسان يريد أن يصلي الظهر مع الجماعة في مكان العمل مثلاً، وعنده وضوء، ولكنه حاقن أو حاقب، ولا يجد حماماً يقضي فيه حاجته، فينبغي له أن لا يصلي مع الجماعة على هذه الحال، بل يرجع إلى بيته، أو يصبر حتى يجد حماماً فيتخلص من الأخبث الذي في جوفه، ثم يصلي وحده؛ لأن الصلاة مع مدافعة الأخبثين فيها انشغال، فهذا خلل في نفس العبادة، بينما ترك الجماعة أمر خارج عن العبادة، كذلك نستدل بأن احتباس هذا الأخبث فيه ضرر على البدن، وقاعدة الإسلام: أنه لا ضرر ولا ضرار، فأنت حين تعاني من بعض الآلام وتذهب إلى طبيب المسالك البولية، فيبين لك أن السبب هو حبس البول زمناً طويلاً، فمدافعة أحد الأخبثين عذر في ترك الجمعة والجماعة.

    حضور الطعام مع الحاجة إليه والقدرة على تناوله

    العدد التاسع: من حضره طعام وهو محتاج إليه قادر على تناوله، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة طعام).

    وروى البخاري : أن عبد الله بن عمر كان يسمع قراءة الإمام وهو يتعشى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)، فإذا رجعت إلى بيتك وأنت جائع تعاني من مسغبة، وحضرت صلاة العصر، فإن أمكن أن تتناول ما يحصل به الشبع، أو يصل إلى حد الشبع، ثم تدرك الصلاة فذلك ما كنا نبغ، وإن تعارضا فابدأ بالطعام، لكن بشرطين:

    الشرط الأول: أن تكون قادراً على تناوله، كأن تكون جائعاً وتعاني من مسغبة، وكان ذلك في رمضان، وجاء وقت صلاة المغرب، فليس عليك حرج أن تذهب إلى الصلاة؛ لأن الطعام قد حضر، وأنت قادر على تناوله ومشغل بجوعك، وهذا معنى القدرة على تناول الطعام.

    الشرط الثاني: ألا يتخذ ذلك عادة، وألا يدخل في التفريط، كأن يجعل وقت طعامه دائماً مع وقت الصلاة، وهذا مذموم بغير شك، واعلم أن الطعام إذا لم ينضج، فإن النفس لا تقدر عليه، لكن سمعنا أن بعض الناس يأكل اللحم نيئاً، ويسمونها مرارة.

    ملازمة الدائن للمدين ولا شيء معه

    العذر العاشر: ملازمة الغريم ولا شيء معه، وصورته: أن يكون لك عندي مال دين، وكلما ذهبت إلى المسجد أمسكت بخناقي، وقلت: يا مماطل! يا كاذب! يا من تأكل حقوق الناس! وتبدأ تسمعني ما أكره في صلاة الظهر، وكذلك في صلاة العصر، وكذلك في صلاة المغرب، فعلى ذلك فإن هذا عذر في ترك الجمعة والجماعة، ونعوذ بالله من غلبة الدين وقهر الرجال، لكن من الممكن أن تصلي في جامع آخر، حسب الخوف الذي يتبعك أنت.

    أعذار أخرى تبيح ترك الجمعة والجماعة

    ومن الأعذار: فوات الرفقة إن كان في سفر، فإن صلى المسافر في جماعة فاتته رفقة أصحابه المسافرين، فهذا عذر يبيح ترك الجمعة أو الجماعة.

    ومن الأعذار: الريح الباردة الشديدة في الليلة الظلماء .

    ومن الأعذار: غلبة النعاس، مثال ذلك: إنسان يريد أن يصلي، لكن غلبه النعاس، بحيث لا يعقل ما يقول، فهذا يجوز له أن ينام نوماً يسيراً حتى يذهب ما به، ثم يصلي وحده، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليصل أحدكم نشاطه، فإذا نعس فليرقد، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه).

    العبرة بالمشقة في الريح الباردة الشديدة

    السؤال: ما هو المقياس في الريح الباردة الشديدة؟ الجواب: المشقة، وربما تكون ريحاً باردة، ولكن الإنسان عنده من الثياب ما يقيه ذلك البرد، فليس في ذلك مشقة، أو من الناس مَنْ عنده من الحرارة الداخلية ما لا تؤثر فيه تلك الريح، ومعروف أن النحيف غير السمين.

    يعذر الإنسان إن ترك الجمعة أو الجماعة لتطويل الإمام

    السؤال: بعض الأئمة قد يطول تطويلاً فاحشاً، فهل يعذر الإنسان في ترك الجمعة والجماعة لتطويل الإمام؟

    الجواب: نعم، إذا كان طولاً زائداً عن السنة؛ ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخ الرجل الذي انصرف من صلاته حين شرع معاذ في سورة البقرة، بل وبخ معاذاً وذلك أن معاذاً رضي الله عنه كان يصلي بالناس، وكان فقيهاً صالحاً رضي الله عنه وأرضاه، فافتتح سورة البقرة وبدأ يقرأ، وأطال كثيراً، فخرج أحد الناس من الصف ومشى إلى الخلف، وكبر وصلى وانتهى، وشكا معاذاً إلى رسول صلى الله عليه وسلم، ثم ذهب معاذ ولحقه رضي الله عنه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! إنه منافق، وكان الرجل يشكو للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن معاذاً نشكوه مما يطول بنا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (إن منكم منفرين، أفتان أنت يا معاذ ؟ إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة).

    يعذر الإنسان إن ترك الجمعة أو الجماعة لسرعة الإمام الزائدة حال الصلاة

    السؤال: هل يعذر الإنسان عن تركه الجمعة والجماعة لسرعة الإمام الزائدة؟

    الجواب: نعم، إذا كان يسرع إسراعاً لا يتمكن به الإنسان من فعل الواجب؛ كأن لا يتمكن من الطمأنينة في صلاته، وعليه أن يبحث عن مسجد آخر.

    لا عذر لمن ترك الجمعة والجماعة لكون الإمام فاسقاً

    السؤال: هل يعذر الإنسان عن تركه الجمعة والجماعة إذا كان الإمام فاسقاً، كأن يشرب الدخان أو يحلق لحيته أو بذئ اللسان ونحوها؟

    الجواب: لا يعذر، بل يصلي معهم، كما هو معروف في صلاتهم خلف الحجاج ، لكن الحجاج لم يكن يدخن، ولم يكن يحلق اللحية، وإن كان عندي القتل أقبح من هذا كله.

    وقد تقدم: أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، فليس في ذلك عذر، لكن إذا أمكن الناس خلع هذا الإمام دون إحداث فتنة، فهذا هو المطلوب، وإلا فلا.

    حكم من يترك صلاة الجمعة والجماعة لأكله البصل

    السؤال: الآكل للبصل هل يعذر إذا ترك الجمعة والجماعة؟

    الجواب: المسألة ترجع إلى النية، إن قصد بذلك ألا يصلي مع الجماعة فهذا حرام، أما إذا قصد التمتع به وأنه يشتهيه فليس بحرام، قياساً على المسافر في نهار رمضان، إن قصد بذلك الهروب من الصيام فهو آثم، قيل لأعرابي: دخل رمضان، قال: لأشتتن شمله بالأسفار، فمثل هذا آثم، أما إن كان طرأ عليه السفر، فهذا يفطر ولا إثم عليه اتفاقاً، كذلك من أكل الثوم أو البصل أو الفجل، أو غيره من ذوات الروائح الكريهة فإنه يصلي في بيته وهو معذور.

    يُمنع الذي يؤذي الناس من حضوره المسجد، لكن ليس معذوراً

    والذي يؤدي الناس في حضوره المسجد فإنه لا يحضر ولا يأتي؛ لا لأنه معذور، بل دفعاً لأذيته، والفرق بينه وبين أصحاب الأعذار: أن المعذور يكتب له أجر الجماعة إذا كان من عادته الصلاة في الجماعة، والدليل على ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثلما كان يعمل مقيماً صحيحاً)؛ لأن العذر ليس بيده، لكن صاحب البصل هذا مد يده وأكل البصل أو أكل الثوم.

    لا يعذر المجرم الهارب من الشرطة عن حضور الجمعة أو الجماعة

    السؤال: المجرم إذا خشي أنه إذا خرج إلى الجمعة أو الجماعة أمسكت به الشرطة، هل يعذر في الترك؟

    الجواب: لا يعذر؛ لأنه مطالب بحق من تعرض له بظلم، بخلاف الأول الذي هو الخوف من ضرب أو حبس، ومن باب أولى القتل إذا كان من سلطان ظالم ونحوه، فهذا معذور، لكن هذا الذي قتل، ولم يستطع أن يخرج إلى المسجد؛ لئلا يقبض عليه، فمثل هذا لا عذر له.

    1.   

    أحكام المسافر

    سبب تسمية السفر بالسفر ومعناه لغة

    السفر لغة: مفارقة محل الإقامة؛ وسمي السفر سفراً؛ لأن الإنسان يسفر به عن نفسه، يعني: هو في بيته مكنون مستور، لكن إذا سافر برز للناس، وعرفه من لم يكن يعرفه، وقيل: لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ومنه قوله تعالى: (( وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ))[المدثر:34]وهذا في الزمان الماضي، عندما كان السفر يستغرق زماناً طويلاً، حين كان الناس يستعملون الرواحل، لكنْ الآن إذا ذهب الإنسان إلى العمرة، فإن السفر لا يستغرق إلا ساعة أو تزيد قليلاً، فلا تستطيع أن تتعرف به على أخلاق الرجال، وتعرفون بأن القضاة من سلفنا الصالحين كانوا إذا زكى الرجل منهم رجلاً يسألونه: هل عاملته بالدينار والدرهم؟ هل سافرت معه؟ أما كونه أعرفه في المسجد وأسلم عليه ويسلم علي، فهذه ليست كافية.

    حكم القصر للمسافر

    لا يحق لغير المسافر أن يقصر، ونضرب مثلاً لذلك بالمريض، حيث إنك إن زرت مريضاً في المستشفى، فقال لك: أنا منذ عشرة أيام لشدة المرض أقصر الصلاة، نقول له: وجب عليك أمران: التوبة إلى الله، وإعادة الصلاة، بينما لو قال هذا المريض أنا أجمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، نقول له: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ[البقرة:185]، وفعلك صحيح، ولو قال مثلاً: أنا لشدة المرض أصلي الصلوات كلها في آخر الليل، نقول له: واجب عليك التوبة إلى الله، ولا إعادة عليك؛ لأنه ليس هناك فائدة، فهو من ناحية الكمية أوقعها صحيحة، لكن من ناحية الوقت قد أخل.

    إذاً: الأعذار ثلاثة: إما سفر، وإما مرض، وإما خوف، أما بالنسبة للسفر فهذا عذر يقتضي نقص الكمية والجمع في السفر، فالرباعية تصير اثنتين، ثم يحق لك الجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت، في الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في وقت أحدهما.

    وبالنسبة للمرض فإنه ليس هناك نقص في الكمية، وإنما هناك جمع إن احتاج إليه.

    وبالنسبة للخوف فإن هناك تغيير في الكيفية، ولو كان هناك سفر مع الخوف نقص أيضاً في الكمية، فمثلاً: لو دهمنا العدو لا قدر الله فالصلاة الرباعية تبقى رباعية، لكن الكيفية تختلف؛ كما قال الله عز وجل: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا[البقرة:239] أي: نحن في حال شدة القتال والخوف الشديد نصلي مستقبلين القبلة أو مستدبريها، نصلي ونحن ماشون، ونحن نجالد العدو، وسواء بطهارة أو بغير طهارة، فهنا اختلفت الكيفية، لكن تبقى الكمية كما هي.

    فالأعذار: إما سفر وإما مرض وإما خوف، وقال المالكية رحمهم الله: يسن لمن سافر سفراً مباحاً أن يقصر الرباعية، ولا قصر للمسافر في صلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار، ولا قصر في صلاة الصبح؛ لأن قصرها يجعلها وتراً، وهذا التعليل فقط، ويكفينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قصر في الرباعية فقط في السفر، ولم يقصر في صلاة المغرب ولا في صلاة الصبح.

    عدم جواز قصر الصلاة الرباعية لمن كان سفره محرماً

    القصر في الصلاة الرباعية لا يسنُّ إلا لمن سافر سفراً مباحاً، كالتجارة مثلاً، أو سافر سفراً مستحباً أو واجباً، كصلة الرحم، ومن سافر سفراً محرماً فلا يجوز له أن يقصر، وأوضح مثال للسفر المحرم في هذا الزمان: سفر المرأة بغير محرم، كسيدات نساء الأعمال، فمن نساء الأعمال من تذهب إلى ماليزيا لحضور مؤتمر كذا، وتذهب إلى دبي لحضور مهرجان كذا وهي وحدها، فهذه لا تقصر، فمن سافر سفراً محرماً فلا يحل له أن يقصر، كسفر المرأة بغير محرم، ومن سافر ليقتل معصوماً، أو سافر ليبرم عقداً ربوياً، أو سافر للفواحش أجاركم الله، كأن يسافر لممارسة الخنا ويشرب المسكر، فلو فرض أنه يصلي فليس من حقه أن يقصر.

    ومن سافر سفراً واجباً كمن سافر لحجة الفريضة، أو لطلب العلم الواجب، فمن حقه أن يقصر، ومن سافر سفراً مستحباً، كمن سافر للحجة الثانية، فمن حقه أن يقصر، ومن سافر سفراً مباحاً للنزهة، كما قال تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ[الروم:42] أو سافر للتجارة، أو سافر إلى الصين من أجل أن يستجلب بعض البضائع، فهذا من حقه أن يقصر.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.