إسلام ويب

فقه الصلاة أحكام صلاة المسافرللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد يسر الله سبحانه لهذه الأمة أمور دينها، وأعانها على التمسك بشريعتها، ويسر لها سبل الوصول إلى رضوانه، والفوز برحمته وجناته، ومن ذلك: تصدقه على هذه الأمة بالقصر في السفر؛ لما في الإتمام من المشقة على المسلم المسافر، والحقيقة أن هذه المسألة من المسائل الفقهية التي ينبغي للمسلم أن يفهمها، ويعرف معانيها؛ ليأخذ هذا الدين كما أمر الله ونبي الله، ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين.

    1.   

    أحكام قصر الصلاة في السفر

    حكم الإتمام في السفر

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فقد تقدمت معنا المسألة الأولى: وهي حكم القصر للمسافر، وذكرنا أن جمهور العلماء رحمهم الله: لا يبيحون القصر إلا لمن كان مسافراً سفراً مباحاً، وأولى منه السفر الواجب أو المندوب، فخرج من ذلك السفر المحرم والمكروه، فيسن للمسافر سفراً مباحاً قصر الصلاة الرباعية، وهي الظهر والعصر والعشاء، وكذلك له العمل ببقية الرخص من المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، والفطر في نهار رمضان، وترك السنن الرواتب سوى ركعتي الفجر، ولا يستفيد من هذه الرخص كلها إلا من كان مسافراً سفراً مباحاً.

    قال الشيخ رحمه الله: ويسن لمن سافر سفراً مباحاً أن يقصر الرباعية، ولو صلاها أربعاً صحت صلاته، والمسألة فيها خلاف، فقيل: الإتمام مكروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أتم في سفر، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهذا يشمل الكمية والكيفية، وقيل: القصر واجب ومن أتم فهو آثم؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر)، فنقول: إن الإنسان إذا كان مسافراً سفراً مباحاً أو واجباً أو مستحباً فمن السنة أن يصلي الرباعية ركعتين؛ لأن هذا فعل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، و أبا بكر و عمر و عثمان كذلك)، فليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في السفر أربعاً، فالسنة أيها الإنسان إذا كنت في السفر أن تصلي اثنتين.

    لكن بعض العلماء قالوا: ليس الأمر مجرد سنة، بل لو صلى أربعاً فقد أتى فعلاً مكروهاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، في الكمية والكيفية.

    وقال بعض العلماء: ليس مكروهاً فقط، بل من صلى في السفر أربعاً فهو آثم؛ لحديث عائشة : بأن الصلاة أصلاً كانت ركعتين فزيدت صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر، فبقيت كما هي، والصواب في هذه المسألة هو قول المالكية: بأن القصر في السفر سنة ومن أتم أربعاً فصلاته صحيحة، لكنه ترك الأفضل والأولى، ويشهد لهذا أصلان:

    الأصل الأول: أن المسافر إذا ائتم بالمقيم صلى أربعاً باتفاق أهل العلم.

    والأصل الثاني: أن عثمان رضي الله عنه صلى بالناس في منى أربعاً وصلى خلفه الصحابة رضي الله عنه الله عنهم. وقد سئل أنس رضي الله عنه فقيل له: ما بال المسافر إذا صلى صلى ركعتين وإذا ائتم بمقيم صلى أربعاً؟ فقال: هي السنة.

    وكذلك فعل عثمان رضي الله عنه حين صلى بالصحابة أربعاً في منى وصلوا خلفه، مع أن بعضهم كره هذا الفعل من عثمان ، حتى إن عبد الله بن مسعود استرجع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر و عمر صلوا في منى قصراً، وصلى عثمان في أول خلافته قصراً ثم أتم بعد ذلك.

    واختلفوا في سبب إتمامه فقيل: لأنه تأهل؛ أي: تزوج في مكة.

    وقيل: لأنه رأى أن الأعراب كثيرون فخشي عثمان رضي الله عنه أن يظن هؤلاء الأعراب أن الظهر والعصر والعشاء ركعتان، ففضل ترك هذه السنة خشية الالتباس على الناس، وهذا أصل مرعي.

    وقيل: لأنه كان سلطاناً، والسلطان حيث نزل فالمصر مصره، وهذا تعليل عليل؛ لأن السلطان قبله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أبا بكر ثم عمر ، فلو كان هذا مرعياً لكان أولئك أولى به.

    أسباب خروج البغاة على عثمان رضي الله عنه وبيان بطلانها

    وهذه من الأسباب التي خرج بها أولئك البغاة على عثمان لما أرادوا قتله، وقالوا أيضاً: لأنه لم يشهد بدراً، وفر يوم أحد، وحرق المصاحف، وضرب عماراً حتى فتق أمعاءه، ونفى أبا ذر إلى الربذة، ورد الحكم بن أبي العاص إلى المدينة بعدما نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقف في المنبر حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان منبره صلى الله عليه وسلم ثلاث درجات فجاء أبو بكر فنزل درجة، وجاء عمر فنزل درجة، وقالوا: أما عثمان فوقف حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أتم الصلاة في منى وقد قصرها صلى الله عليه وسلم و أبو بكر و عمر ، وقالوا أيضاً: إن عثمان حمى الحمى وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

    ولو تأملنا هذه التهم لوجدناها تهماً زائفة باطلة، فأما أنه لم يشهد بدراً فلأن رقية رضي الله عنها كانت مريضة وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبقى معها لكي يمرضها، وفرض له صلى الله عليه وسلم سهم رجل شهد بدراً.

    وأما أنه فر يوم أحد فما فر وحده وإنما فر كثيرون وقد غفر الله له، قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ[آل عمران:155]، وأما أنه لم يشهد بيعة الرضوان فالرسول صلى الله عليه وسلم بعثه إلى أهل مكة ليفاوضهم، وسبب بيعة الرضوان أصلاً:

    إشاعة مقتل عثمان ، فبايع الصحابة من أجل ذلك، وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بإحدى يديه على الأخرى وقال: اللهم هذه عن عثمان .

    وأما قولهم: إنه ضرب عماراً ونفى أبا ذر فهذا كله كذب، ولو ضرب عماراً حتى فتق أمعاءه لما عاش، ومعروف أن عماراً رضي الله عنه لم يقتل إلا يوم صفين.

    فالشاهد: أن الصحابة صلوا خلف عثمان أربعاً، ولو كانت باطلة لما صلوا، فمن صلى في السفر أربعاً فصلاته صحيحة، لكنه ترك الأفضل؛ لأن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم لم يتم في السفر.

    الدليل على مشروعية القصر في السفر

    والمسألة الثانية: الدليل على مشروعية القصر مأخوذة من الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا[النساء:101]، وأما من السنة فحديث يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: قلت لـعمر بن الخطاب : (ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) فقد أمن الناس؟ فقال عمر : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام بأن الآية هاهنا- كما يقول أهل الأصول- وصف كاشف وليس قيداً للاحتراز، وبالمثال يتضح المقال: قال الله عز وجل: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا[النور:33]، فإذا لم ترد الفتاة تحصناً فهل نشجعها على الزنا؟!

    لم يقل بهذا أحد، لكن قالوا: هو وصف كاشف أي: وصف للحال؛ لأن عبد الله ابن أبي بن سلول لعنة الله عليه كان عنده إماء وكان يكرههن على البغاء، أو أنه قيد خرج مخرج الغالب.

    ومثال ذلك أيضاً: قال الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ[النساء:23]، فلو أن عندك زوجة، والزوجة عندها بنت من زوج سابق، وأنت لم تر هذه البنت ولا تعرفها، وهي مع خالتها في الصين أفيحل لك نكاحها لأنها ليست في حجرك والله تعالى يقول: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ[النساء:23] ؟ الجواب: لا، بل هي محرمة عليك، والقيد هنا خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن ربيبتي تكون في حجري.

    فالقصر جائز لمن كان خائفاً ولمن كان آمناً إذا وجدت العلة وهي السفر.

    وأما من الإجماع فقد حكى ابن المنذر وغيره الإجماع على مشروعية القصر في سفر تقصر في مثله الصلاة، كسفر الحج وسفر الجهاد وسفر العمرة.

    المسافة التي يباح فيها القصر في السفر

    المسألة الثالثة: ما هي المسافة التي يباح في مثلها القصر؟

    قال المالكية رحمهم الله: لا تقصر الصلاة إلا في سفر يبلغ أربعة برد، والبريد: أربعة فراسخ إلى ستة عشر فرسخاً، والفرسخ: ثلاثة أميال فأصبحت ثمانية وأربعين ميلاً، والميل: كيلو وستين بالمائة من الكيلو، فالمسافة تزيد على السبعين كيلو، ثم بعد ذلك شرق الفقهاء وغربوا وأتهموا وأنجدوا وخرطموا ودرمنوا، فقال بعضهم: مسافة القصر اثنان وسبعون كيلو متراً، وقال آخرون: مسافة القصر ثمانون كيلو وأربعة وستون بالمائة، وهو تحديد الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي في كتابه: الفتح الرباني شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني .

    وحدد المسافة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام في كتابه (تيسير العلام شرح عمدة الأحكام) فقال: إنها مسافة اثنين وسبعين كيلو متراً.

    وجاء آخرون فقالوا: هي مسافة اثنين وسبعين كيلو متراً ومائتين وثمان وثلاثين من ألف.

    وقال بعضهم: إنها مسافة أربعة وثمانين كيلو متراً، والمالكية رحمهم الله ها هنا قالوا: هي مسافة أربعة برد.

    والبرد: جمع بريد، والبريد: مسافة نصف يوم، وسمي بريداً؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا المراسلات السريعة جعلوها في البريد، فيرتبون بين مسافة كل نصف يوم مستقراً ومستراحاً يكون فيه خيل، فإذا وصل صاحب الفرس الأول إلى هذا المكان نزل عن الفرس ليستريح الفرس وركب فرساً آخر إلى مسيرة نصف يوم، وقدروه بالزمن فقالوا: أربعة برد، وتساوي يومين قاطبين بالسير المعتدل.

    فالمالكية قالوا: هذه مسافة القصر، ومن سافر دونها فلا يقصر، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم)، قال الإمام أبو الوليد الباجي رحمه الله: إن مسيرة يوم وليلة ومسيرة أربعة برد واحد، واليوم والليلة في الغالب يسار فيه أربعة برد.

    واستدلوا أيضاً بحديث ابن عباس أنه كان يقصر في المسافة ما بين مكة والطائف، ومكة وعسفان، ومكة وجدة، قال مالك : وذلك أربعة برد، وذلك أحب ما تقصر إلي فيه الصلاة.

    واستدلوا أيضاً بحديث رواه ابن عباس بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا أهل مكة! لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان)، وهذا حديث رواه الدارقطني رحمه الله، وهو ضعيف.

    وقد اختلف المالكية والشافعية في تقدير هذه البرد. والراجح الذي استقر عليه قول أهل العلم أن كل ما يسمى سفراً عرفاً يجوز أن تقصر فيه الصلاة.

    قال ابن قدامة رحمه الله في المغني : التقدير بابه التوقيف؛ فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، والحجة مع من أباح الفطر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه.

    والمسافر في اللغة هو: من فارق محل إقامته، فيرجع في تعريفه إلى عرف الناس، فلا يعد الذهاب من جبرة مثلاً إلى المقرد سفراً.

    فما سمي سفراً عرفاً جاز فيه القصر دون أن نحدد ذلك بمسافة ولا بأيام خاصة؛ حيث يستطيع الإنسان الآن أن يخرج من الخرطوم إلى مكة المكرمة في خلال ساعتين أو تزيد قليلاً ويكون في داخل الحرم.

    وأيضاً في سفر المرأة بغير محرم نأخذ بعموم الرواية: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع محرم) وعلى هذا فكل ما يسمى سفراً عرفاً لا يجوز للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم، دون نظر إلى المسافة أو الوسيلة، فلا فرق في السفر بطيارة أو بسفينة فالحكم واحد.

    استواء وسائل السفر في الحكم

    المسألة الرابعة: هل تشترط وسيلة معينة للسفر؟

    الجواب: لا تشترط فمن سافر في البحر فهو في الحكم كمن سافر في البر، وقد سأل تميم الداري عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عن ركوب البحر، فأمره بقصر الصلاة فيه، و تميم بن أوس الداري الفلسطيني كان رجلاً نصرانياً فأسلم، وسبب إسلامه: حديث الجساسة، وهو في صحيح مسلم وفيه: أنه ركب البحر فاضطربت بهم السفينة، ثم أرفأت إلى جزيرة فوجدوا فيها دابة كثيرة الشعر لا يدرون قبلها من دبرها، قال: فخفنا أن تكون شيطانة، فسألناها ما أنت؟ فتكلمت بلسان عربي مبين وقالت: أنا الجساسة، واعمدوا إلى ذلك الدير فإن به رجلاً هو إلى خبركم بالأشواق، فدخلنا فإذا رجل عظيم الهامة كثير الشعر مجموعة يداه ورجلاه إلى عنقه، فقلنا: ما أنت؟ فبدأ يسألنا ويقول: هل أثمر نخل بيسان؟ فقلنا: نعم، فقال: يوشك ألا يثمر- وبيسان مدينة في فلسطين- وهل ما زال في طبرية ماء؟ -وطبرية بحيرة في فلسطين- قلنا: نعم، قال: يوشك ألا يكون بها ماء، ثم قال: هل خرج نبي الأميين؟ قلنا: نعم، قال: هل تابعته العرب؟ قلنا: لا، قال: إنه خير لهم لو تابعوه، قلنا له: ما أنت؟ قال: أنا الدجال ، ويوشك أن أخرج فلا أدع بلداً إلا وطئتها إلا مكة وطيبة، فلما كلم تميم الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام أمر بلالاً بجمع الناس ثم قال لـتميم : حدثهم، فضرب النبي على المنبر وقال: هذه طيبة وطابة، يعني: المدينة يريد بذلك أن يزيد المؤمنين إيماناً، مثل حكاية الرجل الذي كان يرعى الغنم فجاء ذئب وخطف واحدة منها وأقعى عليها، يعني: قارب على افتراسها، فلحق به الراعي وخلص الشاة، فقال له الذئب بلسان عربي مبين: أما تتقي الله وقد حلت بيني وبين رزق ساقه الله إلي؟ فقال الرجل: عجباً لذئب يتكلم بكلام الإنس! فقال له: ألا أدلك على أعجب من ذلك؟ قال وما ذاك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله في المدينة وأنت مشغول بغنمك، فقال له: إذاً آتيه، ولكن من لي بغنمي؟ فقال له الذئب: أنا أحرسها لك، فجاء الأعرابي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وحكى له، فجمع الرسول صلى الله عليه وسلم الناس، وقال للأعرابي: حدثهم، فلما تكلم الأعرابي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صدق. لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه)، يعني: طرف عصاه، والحديث صحيح في سنن الترمذي .

    و تميم الداري رضي الله عنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ركوب البحر؟ -وكان عظيم التجارة في البحر- فأمره عمر بقصر الصلاة، واستدل رضي الله عنه- وهو الفقيه- بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ[يونس:22]، وهذا يسمى عند الأصوليين: الإلحاق بنفي الفارق، فإذا كان ربنا جل جلاله أباح القصر في البر فكذلك في البحر، والعلة المشتركة هي السفر.

    وكذلك الجو، فإذا كنت في الطائرة وخشيت أن يخرج الوقت فصل في الطائرة، وقد كتب في ذلك العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله رسالة لطيفة في حكم الصلاة في الطائرة، ومما قاله فيها: وإذا دل الكتاب والسنة الإجماع على صحة الصلاة في سفينة البحر فاعلم أنه لا يوجد بينها وبين الطائرة فرق له أثر في الحكم؛ لأن كلاً منهما سفينة محرسة ماشية يصح عليها الإتيان بجميع أركان الصلاة من قيام وركوع وسجود واعتدال وغير ذلك، وكل منهما تمشي على جرم- بكسر الجيم- لأن الهواء جِرم بإجماع المحققين من نظار المسلمين والفلاسفة، وتتحقق صحة ذلك إذا نفخت قربةً -مثلاً- فإن الرائي يظنها مملوءةً بالماء ولو كان الهواء غير جرم لما ملأ الفراغ.

    والشيخ رحمه الله كان رجلاً فيلسوفاً بالإضافة إلى حفظه للقرآن والسنة والفقه وأقاويل العلماء وتبحره في العلوم والفنون، وقد جاءه فيلسوف فرنسي ذات مرة فقال له: ما الدابة؟ قال: الدابة كل ما يدب على الأرض، قال له: إذاً السيارة دابة، فقال له: لا؛ أنا قلت لك: كل ما يدب على الأرض، والسيارة لا تدب وإنما تدبب، يعني: لا تدب بنفسها بل لابد لها من قائد يحركها ويقودها فلا يصدق عليها اسم الدابة، ويجب التنبيه لهذا الأمر؛ لأن بعض الناس يقول: وركبنا الدابة ويقصد بها السيارة. أما الدابة فهي كل ما دب على الأرض كالإنسان والحيوان والطائر وغيره، قال تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا[هود:6].

    وبالنسبة للصلاة في الطائرة إذا كانت الرحلة طويلة بحيث يخشى فوات الصلاة، ففي هذه الحال يصح لك أن تصلي في الطائرة قصراً وجمعاً.

    بيان متى يقصر المسافر الصلاة

    المسألة الخامسة: متى يقصر المسافر؟

    الجواب: لا يقصر حتى يجاوز البساتين المتصلة بالبلد، وبعض العلماء يقولون: لا يقصر إلا إذا فارق عمران قريته، فإذا كان من أهل البادية فلا يقصر إلا إذا فارق الخيام.

    قال مالك رحمه الله: لا يقصر الذي يريد السفر الصلاة حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى يدخل أول بيوت القرية أو يقارب ذلك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج في سفر لا يقصر حتى يبلغ ذا الحليفة، وهي معروفة الآن باسم أبيار علي.

    مسألة مهمة

    وهنا مسألة مهمة: وهي أن الصلاة السفرية تقضى سفريةً والحضرية حضريةً، فمثلاً: إذا كنت مسافراً بالأمس في مدني ومع زحمة السفر نسيت صلاة العشاء ثم تذكرتها اليوم فإنني أقضيها في الخرطوم في محل إقامتي ركعتين كالسفر، وعلى العكس، فلو أنني كنت في مدني فتذكرت صلاة العشاء التي نسيتها في الخرطوم قبل أيام فإنني أقضيها أربعاً وهكذا.