إسلام ويب

فقه الصلاة مكروهات الصلاة [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتعلق بالصلاة جملة من الأحكام الشرعية، ومنها ما يكره فعله في الصلاة، فقد كره الشرع فعل أشياء في الصلاة كما كره ترك أشياء فيها، فمما كره الشرع فعله في الصلاة تشبيك الأصابع فيها وكذلك حال الذهاب إليها، وكره فرقعة الأصابع فيها، وكره الإقعاء فيها والتخصر وتغميض العينين ورفعهما إلى السماء، وكره التفكير فيها في أمر دنيوي، والاشتغال بما يلهي عن الصلاة، والتثاؤب وغير ذلك، ومما كره الشرع تركه ترك السنن المستحبة في الصلاة كدعاء الاستفتاح والاستعاذة والبسملة ورفع اليدين في مواطن لا يصح رفعهما فيها ونحو ذلك.

    1.   

    تابع مكروهات الصلاة

    تشبيك الأصابع

    السادس من الأمور المكروهة في الصلاة: تشبيك الأصابع؛ لحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامداً إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه؛ فإنه في صلاة).

    والمعنى أن الإنسان لا يشبك بين أصابعه في الصلاة، ولا هو في الطريق إلى الصلاة، ويلحق بذلك أيضاً ما يفعله بعض الناس من أنه يجعل يديه من وراء ظهره.

    وقد يقال: لم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التشبيك بين الأصابع؟

    قيل: لما فيه من العبث، وقيل: لما فيه من التشبه بالشيطان، وقيل: لأنه دال على تشبيك الأحوال، أي أنه دليل الهم والغم والضيق والكرب، لذلك فإن بعض إخواننا لو رأى إنساناً واضعاً يديه على رأسه ينهاه ويقول له: أرسل يديك؛ لأن ذلك دليل الهم.

    فرقعة الأصابع

    المكروه السابع: فرقعة الأصابع، أي: غمز مفاصلها حتى تحدث صوتاً، لحديث معاذ عند البيهقي : (الضاحك في الصلاة والملتفت والمفرقع أصابعه بمنزلة واحدة)، وهذا الحديث ليس صحيحاً؛ لأن في إسناده ابن لهيعة ، وهو ضعيف، ولا يخفى أن في المتن نكارة؛ لأن الضاحك في الصلاة صلاته باطلة، والملتفت صلاته ليست باطلة، وإنما فعله ذلك مكروه، فكيف نجمع بين الضاحك والملتفت والمفرقع أصابعه؟ فالمفرقع أصابعه فعله عبث، وأقل أحواله الكراهة.

    وقد يقال: لم نأتي بهذا الحديث مع كونه ضعيفاً؟

    والجواب: أن هذه المذكرة كتبت على مذهب مالك رحمه الله، فما هو مذكور هاهنا هو مذهب مالك رحمه الله، فنذكره وبعضه نرد عليه، ولذلك أتيت بالحديث نقلاً من مذهب مالك ، ثم عقبت عليه بأنه ضعيف.

    ولكن العلماء جميعاً ينصون على أن فرقعة الأصابع في الصلاة مكروهة؛ لأنها عبث، فإذا كنا نهينا عن الأفعال الكثيرة في الصلاة كحك البشرة وإصلاح الرداء فمن باب أولى ننهى عن الفرقعة؛ لأن الحك قد يحتاج إليه الإنسان، أما الفرقعة فلا يحتاج إليها.

    الإقعاء

    المكروه الثامن: الإقعاء.

    والإقعاء: أن يضع المصلي أليتيه على عقبيه بين السجدتين، والعقب هو مؤخر القدم، وهو الذي يسمى العرقوب، فبعض الناس في الصلاة يجلس فيضع أليتيه على عقبيه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عقبة الشيطان، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم فلا يقعين إقعاء الكلب).

    إلا أنه قد ثبت في الصحيح أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان يجلس على عقبيه بين السجدتين، فقال له طاوس : إنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال ابن عباس : هي سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، و طاوس بن كيسان رجل يماني فقيه من تلاميذ عبد الله بن عباس ، وكان ابن عباس يقول: والله إني لأظن طاوساً من أهل الجنة، فقد كان من الصالحين ومن العباد ومن العلماء الفضلاء.

    وثبت أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول: إنه من السنة.

    وعن طاوس قال: رأيت العبادلة يقعون.

    والعبادلة هم عبد الله بن عباس ، و عبد الله بن عمر ، و عبد الله بن عمرو بن العاص ، و عبد الله بن الزبير ، هؤلاء هم العبادلة، لكن هل أدرك طاوس ابن مسعود ؟ المهم أنَّ هؤلاء كلهم عبادلة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    يقول طاوس : رأيت العبادلة يقعون. قال الحافظ ابن حجر : وأسانيدها صحيحة.

    وعندنا هنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن عقبة الشيطان، وقال: (إذا صلى أحدكم فلا يقعين إقعاء الكلب)، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن التشبه بالحيوانات، ونهانا عن التشبه بالنساء، قال ابن القيم رحمه الله: نهى الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة عن التفات كالتفات الثعلب، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونهانا صلى الله عليه وسلم أن يرفع أحدنا يديه في الصلاة كأذناب الخيل الشمس، فبعض الناس في التشهد وهو قاعد والإمام في تشهده يحرك يديه كأنه يقول للإمام: أرحنا فيحرك يديه كهيئة الفرس إذا رفع ذيله.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن التشبه بالكلب، وعن التشبه بالثعلب، وعن التشبه بالذئب، وعن التشبه بالغراب، وعن التشبه بالسبع، ونهانا عن افتراش كافتراش السبع بأن يضع الإنسان ذراعيه على الأرض حال السجود، وذلك أن بعض الناس من كسله لا يسجد على كفيه، وإنما يمد ذراعيه على الأرض، فهذا -أيضاً- من المكروهات في الصلاة؛ لأن فيه تشبهاً بالحيوانات، فالإقعاء والافتراش والنقر والالتفات وتحريك الأيدي هذا كله فيه تشبه بالحيوانات.

    وهذا النهي ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت عن ابن عباس و ابن عمر وسائر العبادلة أنهم كانوا يقعون، بمعنى أن أحدهم كان يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، ومن هنا اختلف العلماء رحمهم الله، فقال الإمام أبو سليمان الخطابي صاحب شرح سنن أبي داود رحمه الله: الإقعاء منسوخ، ولعل ابن عباس لم يبلغه النهي. وأنكر هذا النووي و ابن الصلاح ، وقال البيهقي والقاضي عياض وجماعة من المحققين: إن الإقعاء المنهي عنه هو الذي يكون كإقعاء الكلب، وإقعاء الكلب هو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض.

    والإقعاء الذي صرح ابن عباس وغيره أنه من السنة هو وضع الأليتين على العقبين، وتكون الركبتان على الأرض، وهذا ليس فيه كراهة إن شاء الله.

    التخصر

    المكروه التاسع: التخصر، وهو أن يجعل يده على خاصرته؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل مختصراً)، وقد فسر ذلك بأقوال:

    فقيل: هو أن يمسك بيده مخصرة، أي: يتوكأ على عصا.

    وقيل: هو أن يختصر السورة فيقرأ آخرها، وهذا كثير جداً، فبعض الأئمة يقرأ: وَلا الضَّالِّينَ[الفاتحة:7] وبعد (آمين) يقرأ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى[الأعلى:18-19]، فما هو الذي في الصحف الأولى؟!

    وقيل: أن يختصر في صلاته، فلا يتم قيامها وركوعها وسجودها وحدودها، قال النووي : والصحيح هو أن يجعل يده على خاصرته. هذا هو معنى التخصر، والخاصرة معقد الإزار، وهو المكان الذي يربط الإنسان فيه إزاره، ويقال للجانب منه أيضاً: الحقو. فالاختصار أن يجعل الإنسان يده على خاصرته، وبعض الناس يفعل ذلك حتى على المنبر، فتجده يتكلم مع الناس ويفعل ذلك.

    وقد يقال: لماذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل مختصراً؟ قيل: لأنه فعل المتكبرين، فلا يليق بالصلاة، وقيل: لأنه فعل اليهود، وقيل: لأنه فعل الشيطان، وقيل: لأنه شكل من أشكال أهل المصائب، وقد سبق أن مما قيل في الحكمة من النهي عن التشبيك بين الأصابع أن النهي دال على تشبيك الأحوال، وكذلك هنا، فلو ذهبت إلى قوم بين أيديهم جنازة تجد أهل الميت واقفين في حال من الحيرة قد وضعوا أيديهم على خواصرهم.

    تغميض العينين

    المكروه العاشر: التغميض في الصلاة؛ لحديث ابن عباس : (إذا قام أحدكم إلى الصلاة أو في الصلاة فلا يغمض عينيه)، وهذا الحديث إسناده ليس بذاك؛ لأن فيه ليث بن أبي سليم ، وهو مدلس، لكن يمكن أن نقول: التغميض مكروه؛ لأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم النظر إلى موضع السجود، لكن إذا كان هناك شيء يلهي المصلي ويشغله فليس له حل إلا أن يغمض عينيه.

    رفع البصر إلى السماء

    المكروه الحادي عشر: رفع البصر إلى السماء، فكما أن الالتفات مكروه فكذلك رفع البصر إلى السماء، وقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟! لينتهن عن ذلك أو لتختطفن أبصارهم)، فقوله: (لينتهن عن ذلك) أي: عن رفع البصر إلى السماء.

    وقد أجمع العلماء على كراهية هذا الفعل، فمن كان في الصلاة ينظر في السقف ويتأمل في النقوش وفي القبة ونحو ذلك ففعله مكروه.

    رفع الرجل ووضع رجل على أخرى وإقرانهما حال القيام

    المكروه الثاني عشر: رفع رجل أو وضعها على أخرى وإقرانها؛ لأن هذا يتنافى مع هيئة الصلاة وهو من العبث الممقوت.

    فتجد بعض الناس يدخل في صلاة التراويح فيطيل الإمام فيبدأ يرفع رجلاً وينزلها ويرفع الثانية وينزلها، ثم يقرنهما على هيئة العساكر، وهذا مكروه لا ينبغي، ومثله ما يفعله بعض الناس ممن يريد تطبيق السنة، حيث يفرج بين رجليه فيكون واقفاً كالهرم، وقد كان السلف يستدلون بهذا الفعل على قلة فقه الرجل، فيا عبد الله! لا تقرن ولا تفرج، وإنما افتح رجليك على قدر منكبيك ليستقيم الصف، وكلا طرفي قصد الأمور ذميمُ.

    التفكر في أمر دنيوي

    المكروه الثالث عشر: التفكر بأمر دنيوي.

    وهذا لا يسلم منه كثير من الناس، ولكن بعض الناس يسترسل، وإذا كان التفكر في الأمر الدنيوي مكروهاً فضده -وهو تركه- فيه أجر عظيم، وقد توضأ النبي صلى الله عليه وسلم أمام الصحابة ثم قال: (ما من عبد يتوضأ نحو وضوئي هذا ثم يصلي ركعتين لا يحدث فيهما نفسه إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه).

    قال العلماء: إن حديث النفس على نوعين: إما أن يكون حديثاً دنيوياً، وهذا مكروه، ومثاله من يصلي العشاء فيفكر فيها بأنه سيتعشى ثم بعد ذلك سيذهب إلى فلان، ثم يبدأ يخطط في الصلاة ويبرمج، ثم ينتقل إلى اليوم الذي يليه، ولذلك ذكر عن بعض أهل البادية أنه اختلف أهل مسجد صلى فيه أصلى الإمام ثلاثاً أم أربعاً؟ فقال لهم: الإمام صلى ثلاثاً، فقيل له: من أين عرفت ذلك؟ فقال لهم: لأني سلخت البعير ولم أشوه بعد، ففي الركعة الأولى ينحر، وفي الركعة الثانية يسلخ، وفي الركعة الثالثة يغسل، وفي الركعة الرابعة يشوى، فيجعل صلاته كلها شواء ونحراً.

    وإما أن يكون التفكر في أمر أخروي، وحينئذٍ لا كراهة، فلو تفكر الإنسان في الآيات التي تتلى وهي تتحدث عن الجنة، فبدأ يتأمل في الجنة، أو كانت تتحدث عن النار فبدأ يتأمل في النار ويسأل الله العافية فهذا ليس مكروهاً، فقد ثبت أن سيدنا عمر كان يقول: إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة.

    النظر إلى ما يلهي عن الصلاة

    وهناك جملة أخرى من المكروهات في الصلاة هي على النحو الآتي:

    أولاً: النظر إلى ما يلهي.

    ومن ذلك تزيين المحراب بآيات تخط بخط جميل، وكذلك المفارش المزينة، فبعض الناس يبدأ يتأمل في هذه الزينة في صلاته، فهذا نظر إلى ما يلهي، وشر من هذا من يصلي والتلفزيون أمامه يبث، فهذا فعل مكروه في الصلاة، وهذا الصنف قد تبطل صلاته، نسأل الله العافية.

    ودليل ذلك حديث عائشة : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وعليه خميصة ذات أعلام، فلما فرغ قال: اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته) فالرسول صلى الله عليه وسلم كان عليه خميصة -وهي ثوب فيه نقوش- فقال: (اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته).

    والأنبجانية ثوب ليس فيه أعلام؛ لأن أبا جهم رضي الله عنه كان عنده قميص ليس فيه أعلام.

    كف الشعر والثوب

    ثانياً: أن يكف شعره وثوبه.

    لحديث ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً) والمقصود ربط الشعر، هذا ليس موجوداً عندنا، فما رزقنا الله شعوراً تحتاج إلى ربط، لكن بعض الناس يربط شعره في الصلاة، فـعبد الله بن عباس رأى عبد الله بن الحارث رضي الله عنه يصلي وقد عقص رأسه؛ فذهب يكف شعر الرجل وهو يصلي فاستقر له، أي: ما عارضه، وبعدما انتهى من صلاته قال له: يا ابن عباس : ما لك ولرأسي؟ فذكر له هذا الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً).

    وبعض الناس الآن لا يكف شعره، لكن إذا سجد يتدلى شعر فيكون مهموماً بتسويته وإعادته، بحيث يريد أن يسجد فينزل شعر، ومرة أخرى يقوم فيعيده، والذي ينبغي أن يضع شعره ويسجد معه.

    مسح الحصى عن الجبهة والثوب

    ثالثاً: مسح الحصى في الصلاة.

    لما رواه معيقيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمسح الحصى وأنت تصلي).

    فالإنسان قد يصلي على التراب، بحيث يأتي إلى المسجد فيجد المكان قد امتلأ والفرش قد شغلت بالمصلين، فيصلي على مكان ليس فيه فراش، فبعض الناس كلما سجد يمسح ما علق بجبهته، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، قيل: لأنه يخالف التواضع والخشوع.

    قال أهل العلم: إلا إذا كان يؤلمك، فإذا كان يسبب لك ألماً ففي هذه الحالة لك أن تمسحه لإزالة الضرر.

    وكذلك ما كان منه في الثوب، فإنه أيضاً يترك.

    التثاؤب

    رابعاً: التثاؤب.

    لحديث أبي هريرة : (إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة فليرده ما استطاع؛ فإن أحدكم إذا قال: ها ها ضحك الشيطان منه) رواه مسلم .

    وفي صلاة الفجر يتثاءب الناس بصورة مزعجة، ويحصل ذلك أحياناً في الدروس، فالتثاؤب في الصلاة مكروه.

    عد الآيات

    خامساً: عد الآي في الصلاة، وذلك لأنه يشغل عن الخشوع.

    ترك سنة من السنن

    سادساً: ترك سنة من السنن، وهذا -أيضاً- مكروه، وهذا يرد على المالكية؛ فإنهم يقولون بكراهة دعاء الاستفتاح، ويقولون بكراهة الاستعاذة والبسملة، كل هذا عندهم مكروه، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح صلاته قال: (سبحانك -اللهم- وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، وربما قال: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي)، ولربما قال في صلاة الليل عليه الصلاة والسلام: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت ربي وأنا عبدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك، أنا منك وإليك، تباركت ربي وتعاليت)، هذا كله كان يقوله في دعاء الاستفتاح، وهذا ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقالوا: الاستعاذة مكروهة، وقد ثبت (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح صلاته يقول: أعوذ بالله السمع العليم من الشيطان الرجيم)، وثبت عنه أنه في صلاة الليل كان يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه).

    والبسملة ثابتة أيضاً، فقد كان صلى الله عليه وسلم يبسمل، فالمالكية قالوا بكراهة هذا كله ولا كراهة إن شاء الله.

    ومن ذلك ترك سنة القبض، وعند بعض المالكية أنه مكروه، وبعضهم يقول: هو مكروه إذا قصد به الاتكاء.

    والقبض لا كراهة فيه إذا كان على الصفة المشروعة بأن تجعل باطن كفك اليمنى على ظاهر كفك اليسرى، أو أن تقبض باليمنى على كوع اليسرى، وتجعلهما فوق الصدر أو تحت الصدر فوق السرة.

    ونلحظ أن الناس يتركون كثيراً من السنن في الصلاة، ومنها رفع اليدين في أربعة مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام إلى الركعة الثالثة من صلاة ثلاثية أو رباعية، فهذا كله لو تركته فقد ارتكبت مكروهاً، وفوت على نفسك الأجر، ومثله -أيضاً- الإشارة بالأصبع عند التشهد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان يقبض على أصابعه كلها ويشير بسبابته، ولربما حلق بين الإبهام والوسطى وأشار بسبابته).

    وفي بعض المذاهب -كالحنفية- يقولون: هذا عبث لا يليق في الصلاة. والحق أنَّ هذا ليس فيه عبث، بل هو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ومن الأمور المكروهة أن تترك الدعاء الذي هو بعد التشهد، فقد كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال .

    بل إن طاوس بن كيسان قال لولده: أدعوت بها في صلاتك؟ قال: لا، فقال له: فأعد صلاتك. فكأنه -رحمه الله- كان يرى الوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا فرغ أحدكم من التشهد فليستعذ بالله من أربع) فكأن طاوساً رحمه الله أخذ بظاهر الحديث.

    فيكره لك -أيها الأخ الكريم- أن تترك شيئاً من هذه السنن، لقول الله عز وجل: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ[لقمان:4] وإقامة الصلاة: أن تؤديها في أوقاتها بكامل أركانها وشروطها وسننها وآدابها، هذه هي الإقامة، وهي الأداء على وجه التمام وبلوغ الغاية.

    1.   

    الأسئلة

    ثبوت جلسة الاستراحة في الصلاة

    السؤال: هل ثبتت جلسة الاستراحة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: جلسة الاستراحة قبل القيام ثابتة من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، ففيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية أو إلى الركعة الرابعة، لكن أكثر العلماء قالوا: فعل ذلك لما كبر سنه وثقل عليه اللحم عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أن صلاته كانت صلاة طويلة، أما اليوم فإن الإمام يقرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ويركع ويسجد، فأي شيءٍ ستستريح منه؟!

    ما يفعله المأموم بعد فراغه من التشهد قبل سلام الإمام

    السؤال: إذا فرغ المأموم من التشهد الأخير قبل سلام الإمام فماذا يصنع؟

    الجواب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا فرغ أحدكم من التشهد قبل إمامه فليتخير من الدعاء أطيبه) فإذا استعذت بالله من الفتن الأربع وفرغت من ذلك قبل سلام الإمام فإن لك أن تدعو بنحو ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقد قال أبو بكر : (يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ فقال له: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)، فإذا فرغت قبل سلام الإمام فادع بما شئت من خير الدنيا والآخرة.

    حكم استخلاف الإمام حال كثرة بكائه

    السؤال: كنا في صلاة الصبح فقرأ الإمام سورة (ق) فأكثر من البكاء وأشار إلى المأمومين فتقدم أحدهم وأتم الصلاة، فهل الصلاة صحيحة؟

    الجواب: الأظهر -والله أعلم- أن هناك باعثين لهذا الفعل:

    الباعث الأول: أن يكون قد خشي من أن يغشى عليه، وقد حصل هذا من بعض الصالحين، كـعلي بن الفضيل بن عياض ، فقد كان إذا تلا آية من كتاب الله عز وجل فيها وعيد وتخويف فإنه يغشى عليه وهو في الصلاة.

    الباعث الثاني: أن يكون هذا الإمام ممن يعتقد بطلان الصلاة بكثرة البكاء، ولكن الصحيح أن الصلاة لا تبطل بكثرة البكاء إذا كان من خشية الله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن وصدره يغلي كأزيز المرجل.

    نتيجة الإكثار من فعل المكروه

    السؤال: هل إذا كثر فعل المكروه يصير حراماً؟

    الجواب: المكروه لا يتحول إلى حرام، لكن العلماء قالوا: المكروه بريد الحرام، كما أن الاستكثار من المباح ذريعة للوقوع في المكروه.

    حكم من أدرك الإمام راكعاً فكبر تكبيرة وركع

    السؤال: رجل دخل في الصلاة والإمام راكع فأتى بتكبيرة ليدرك الركوع، فلم يظهر أللإحرام كانت أم للركوع، فما حكم صلاته؟

    الجواب: لو أن إنساناً جاء والإمام راكع فكبر ونوى بهذه تكبيرة الركوع فإن صلاته تبطل؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة وكبر واقرأ ما تيسر معك من القرآن)، فتكبيرة الإحرام ركن، وعند جمهور أهل العلم لا يجزئ فيها إلا لفظة (الله أكبر) فلو قال: (الله أعظم) أو قال: (الله أجل) لا تصح صلاته.

    فإذا وجدت الإمام راكعاً فكبر وانو بذلك تكبيرة الإحرام، ولا يضرك بعد ذلك لو ركعت دون تكبير؛ لأن تكبيرة الانتقال سنة.

    أثر ترك ركن في الصلاة

    السؤال: إذا كان الإمام في صلاة الفرض فترك ركناً من الأركان مثل الركوع فهل ذلك يبطل الصلاة كلها أم الركعة التي ترك فيها الركن؟!

    الجواب: يبطل الركعة التي ترك فيها الركن، وبقية صلاته صحيحة، والدليل على ذلك ما جاء في خبر ذي اليدين ، فالرسول صلى الله عليه وسلم ترك ركعتين كاملتين، لكنه بنى على ما مضى من صلاته، فيبقى الصحيح صحيحاً.

    وأما المؤتمون فإن عليهم أن يسبحوا له، فإذا لم ينتبه فإنهم يتمادون معه في الصلاة، ثم إذا سلم أخبروه بأن الركعة الثالثة أو الركعة الرابعة لم يأت فيها بالركوع، فيقوم الإمام ومعه المصلون فيأتون بركعة كاملة ويسجدون للسهو قبل السلام.

    ما جاء في الصف عن يمين الإمام

    السؤال: ما صحة الأثر الذي يحتج به من يبدأ بالصف عن يمين الإمام، وهو: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون عن ميامن الإمام أو عن يمين الإمام

    الجواب: هذا ليس أثراً، بل هو حديث صحيح؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في ميامن الصفوف، لكننا نقول: إن السنة أن يبدأ الصف من خلف الإمام، فيكون المأموم خلف الإمام إذا كان المأمومون اثنين فأكثر، أما إذا كان واحداً فإنه يقوم عن يمين الإمام كما ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: (بت عند خالتي ميمونة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل نام الغلام؟ فقالوا: لا بعد، فلما رأيت ذلك تناومت -يعني تظاهر بأنه نائم- فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، قال: فقمت عن يساره، قال: فأخذني برأسي من خلف ظهره حتى أقامني عن يمينه)، فعرفنا من ذلك أن الواحد يكون عن يمين الإمام، أما إذا كان المأمومون أكثر من واحد فموقفهم خلف الإمام، ولو كانوا خلف الإمام عن يمينه قليلاً لا يضر ذلك إن شاء الله.

    حكم الدعاء في الركوع

    السؤال: كيف نوفق بين حديث عائشة الذي فيه ذكر الدعاء في الركوع وبين جعل الدعاء في الركوع مكروهاً؟

    الجواب: الذكر الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الركوع، وهو (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) مستثنى، ووروده ليس معناه أن يتمادى الإنسان في الدعاء، بحيث يقول وهو راكع: اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، اللهم إنني أسألك الجنة، فهذا إنما محله السجود.

    حكم قول (بلى وأنا على ذلك من الشاهدين) بعد سماع قوله تعالى ( أليس الله بأحكم الحاكمين )

    السؤال: سمعت بعض الناس يقول بعد سماع قوله تعالى في سورة التين: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ[التين:8] بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، فهل يجوز ذلك؟

    الجواب: هذا وارد؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لما قرأ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى[القيامة:40] قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين)، ومن هنا اختلف أهل العلم:

    فالمالكية رحمهم الله يستحبون ذلك، والحنابلة رحمهم الله يمنعون، والأقرب -والعلم عند الله تعالى- أن ذلك يكون في صلاة النافلة لا في صلاة الفريضة، ففي صلاة النافلة إذا مررت بآية فيها رحمة فسل الله من فضله، وإذا مررت بآية فيها عذاب فاستعذ، وإذا مررت بآية فيها تسبيح فسبح، وإذا مررت بآية فيها سؤال فأجب، فلو قرأت في النافلة قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ[الملك:30] فيمكنك أن تقول: الله رب العالمين، أي: هو الذي يأتينا بماء معين، ولو قرأت: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى[الأعلى:1] في النافلة فلك أن تقول: سبحان ربي الأعلى. ولو قرأت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب:56] فلك أن تقف وتقول: اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد. أما في صلاة الفريضة فلا، خروجاً من الخلاف.

    سبب تقديم السجود على الركوع في قوله تعالى ( واسجدي واركعي مع الراكعين )

    السؤال: يقول تعالى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ[آل عمران:43] فما هو السبب في ذكر السجود قبل الركوع؟

    الجواب: أولاً: الواو في لغة العرب لا تفيد الترتيب، فإذا قيل: جاء زيد وعمرو فليس بالضرورة أن زيداً قد جاء أولاً.

    ثانياً: قالوا: قد يكون في شريعة من قبلنا أن السجود كان قبل الركوع، ومثله -أيضاً- قول الله عز وجل: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ[آل عمران:113]، وقد جاء في الحديث: (نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً) فمعنى ذلك أنه في شريعة من قبلنا كان لا مانع من القراءة حال السجود، لكن من المقرر في قواعد الأصول أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا إذا جاء شرعنا بخلافه، وشرعنا اقتضى الترتيب بين الأركان، فلابد أن يكون القيام قبل الركوع، وأن يكون الركوع قبل السجود، وأن يكون السجود قبل الجلوس.

    حكم الدعاء بعد الصلاة المكتوبة بشكل جماعي

    السؤال: ما حكم الدعاء بعد الصلوات المكتوبة بشكل جماعي؟

    الجواب: خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان عليه الصلاة والسلام يرشد الصحابة إلى الدعاء دبر الصلوات المكتوبات، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ ! والله إني لأحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، فلو كان الدعاء دبر الصلوات جماعة مسنوناً لكان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل إنسان منا يدعو في نفسه، قال أبو العباس رحمه الله: ولو فعل ذلك أحياناً فلا حرج، فلو أن واحداً من أهل المسجد مريض أو مات، أو ستجرى له عملية جراحية فقيل: إن فلاناً ذاهب اليوم ليعمل عملية جراحية فاسألوا الله عز وجل أن يعجل شفاءه، وأن يهيئ له من أمره يسراً ونحو ذلك فلا بأس، لكن لا نجعلها سنة راتبة بعد كل صلاة.

    حكم اختيار المستفتي لأي مفتٍ حال اختلاف فتوى المفتين

    السؤال: هل يجوز للمرء المستفتي أن يقدم إماماً على إمام عند اختلافهما في الحكم؟

    الجواب: قال أهل العلم: ليس للمكلف أن ينتقي من المذاهب أيسرها، وإنما إذا كان طالب علم يستطيع أن ينظر ويرجح فبها ونعمت، وإذا كان لا يستطيع ذلك فمذهبه مذهب من يثق به، فإذا كنت أثق بفلان العالم من الناس فذهبت إليه فقلت: حصل كذا وكذا فما الحكم؟ وهل هذا الفعل صحيح أم غير صحيح؟ فقال لي: هو صحيح فذلك كاف، وإن قال: غير صحيح فذاك كاف، ولا أسأل في شيء عالماً ثم أسأل الآخر، ثم أسأل الثالث كما يصنع بعض الناس، حيث يسأل في المسألة الواحدة عشرة أسئلة.

    حكم التحرك في الصلاة يمنة ويسرة

    السؤال: ما حكم التحرك في الصلاة يميناً أو يساراً أو إلى جهة أخرى؟

    الجواب: الحركة في الصلاة إذا كانت لحاجة لا حرج فيها، والإمام مالك رحمه الله استحب للمسبوق إذا سلم الإمام أن يتقدم إلى السترة إذا كانت قريبة، كذلك لو حصلت فرجة في الصف الذي أمامي فلا مانع أن أمشي خطوات لأسد تلك الفرجة.