إسلام ويب

أحكام الغسل أحكام التيممللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء دين الإسلام بطهارة المسلم ظاهراً وباطناً، ومن طهارة ظاهره أنه شرع له الغسل، والغسل قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً وقد يكون مباحاً. وجاءت الشريعة بالتيمم تسهيلاً وتيسيراً على من لم يجد الماء أو تعذر عليه استعماله، وهذا من خصائص ومميزات دين الإسلام.

    1.   

    تعريف الغسل

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    نتكلم في هذا الدرس على ما يتعلق بأحكام الغسل.

    الغسل في اللغة مصدر غسل يغسل غسلاً بالضم، لكن إذا كان تعميماً للبدن بالماء نسميه غُسلاً، ولذلك ما نقول: غَسل الميت وإنما نقول: غُسل الميت؛ لأن الميت لا نغسل منه أعضاءً مخصوصة، وإنما نعمم بدنه، أما بالنسبة لغسل اليد في الوضوء لا نقول: غُسل اليد، وإنما نقول: غَسل اليد.

    أما في الشرع فهو: تعميم البدن بالماء مع اقتران النية.

    1.   

    الأغسال الواجبة

    الغسل على نوعين: غسل واجب وغسلٌ مستحب، ويكون الغسل واجب في أربعة أحوال:

    أولها: الجنابة، فإذا أصابت الإنسان جنابة وجب عليه الغسل.

    ثانيها: غسل المسلم إذا مات.

    ثالثها: غسل الكافر إذا أسلم.

    رابعها: غسل المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض أو النفاس.

    هذه أربعة أحوال الغسل فيها فرض.

    فغسل الجنابة فرض، وكلمة الجنابة معناها: البعد، كما قال الله عز وجل: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ[النساء:36]، والجنب سمي جنباً لأنه بعيد من العبادة، هذه هي الحالة الأولى من موجبات الغسل.

    الحالة الثانية: غسل المسلم إذا مات؛ لأنه إذا مات يجب علينا معشر المسلمين أن نغسله، ولو أنا دفناه من غير غسل ومن غير عذر فإننا آثمون، لكن قد يكون في مكان ليس فيه ماء مثلاً أو قد يكون بدنه مهترئاً بحيث لو غسل تزايل، كما في حالة الغريق الذي لم نجد جثمانه إلا بعد ثلاثة أيام أو أكثر، ففي هذه الحالة يكون بدنه مهترئاً بحيث لو غسل سيتزايل، ففي هذه الحالة لا يجب غسله.

    الحالة الثالثة: غسل الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لما ثبت في حديث قيس بن عاصم أنه لما أسلم أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يغتسل.

    الحالة الرابعة: غسل المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض أو النفاس.

    1.   

    الأغسال المستحبة

    الأغسال المستحبة هي:

    1- غسل الجمعة.

    2- غسل العيدين.

    3- غسل الإحرام.

    4- الغسل من حمل الميت؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ).

    5- الغسل لدخول مكة.

    6- غسل يوم عرفة.

    أما غسل يوم الجمعة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، ويحمل على ذلك الغسل في العيدين؛ لأنه لما كانت الجمعة عيداً فيوم الفطر ويوم النحر من باب أولى؛ ولأن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ثبت عنه أنه كان يغتسل يوم الجمعة والعيدين.

    ثالثاً: غسل حمل الجنازة، فإنه يستحب لك بعدها أن تغتسل.

    رابعاً: غسل الإحرام، فإذا أردت أن تحرم بالنسك في الحج أو العمرة فيستحب لك أن تغتسل، كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام.

    خامساً: يستحب غسل دخول مكة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى ذي طوى بات بها، ولما أصبح اغتسل ودخل مكة، وهذا من باب التعظيم لحرم الله عز وجل.

    أما غسل الجنابة فيدل على وجوبه قول الله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا[المائدة:6]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) أي: وإن لم ينزل.

    1.   

    فرائض الغسل

    فرائض الغسل خمسة:

    أولها: النية، وفي الوضوء ذكرنا أن أول فرض النية، وفي الغسل أول فرض النية، وسيأتي في التيمم أن أول فرض هو النية، وفي الصلاة سيأتي أن أول فرض هو النية، وفي الصيام أول فرض هو النية، وفي الزكاة أول فرض هو النية، وهكذا في الحج، فكل عمل لابد فيه من نية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)، فالغسل لابد فيه من النية، والنية محلها القلب، فلا يصح أن تدخل الحمام وتقول: نويت أن أغتسل غسل الجمعة مثلاً.

    الفرض الثاني: تعميم جميع الجسم، كما قال الله عز وجل: حَتَّى تَغْتَسِلُوا[النساء:43]، والاغتسال هو غسل جميع الجسد، فلابد أن الماء يصل إلى كل جزء من أجزاء بدنك الظاهرة، ولذلك جاء: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدخل أصابعه في شئون رأسه حتى يروي بشرته) لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يحلق إلا في نسك في حج أو عمرة.

    الفرض الثالث: الدلك؛ لأنه لا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه، أما إنسان وقف تحت الدش فقط ولم يدلك فهذا يقال: أفاض على جسده الماء، ولا يقال: اغتسل، والعرب تفرق بين قولها: غسلت الثوب وقولها: أفضت عليه الماء، يعني: لو أني أدخلت الثوب تحت الماء فلا يقال: إني غسلته.

    والدلك هو: إمرار اليد على العضو إمراراً متوسطاً، هذا هو الدلك.

    والمكان الذي لا تصل إليه اليد لا شيء فيه؛ ولو أن إنساناً يستعمل بدل يده خرقة ونحوها أو ما يسمى الآن بالليف فإنه يجزي، وجعل الدلك من فرائض الغسل هو مذهب المالكية، وأما الحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم رحمة الله على الجميع فلا يجعلون الدلك من فرائض الغسل.

    الفرض الرابع: تخليل الشعر خفيفاً كان أو كثيفاً؛ لأن أمنا رضي الله عنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بهما أصول شعره)، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه كان دائماً يحلق شعره، فلما سئل قال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (في كل شعرة جنابة، فمن ترك موضع شعرة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا)، فمن ثم عاديت شعري، يعني صار شعري هو عدوي، فكان يحلق دائماً، كلما نبت شعره حلق، وهذا كان فيما مضى؛ لأن القضية كان فيها غرف ماء وكان فيها مشقة، أما الآن بفضل الله تفتح الدش فيصب عليك الماء صباً، وأنت تشتغل بالدلك بكلتا يديك، فلو كان شعرك كصوف خروف فلن يضر؛ لأنك تستطيع أن تخلله بكل سهولة.

    الفرض الخامس: الموالاة، وهي: الإتيان بأفعال الغسل في زمن واحد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يغتسل إلا غسلاً متوالياً، ولم نسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل فرجه ثم خرج ثم جاء فتوضأ ثم أكل ثم رجع فخلل شعره ثم ذهب ثم جاء، وإنما أفعال الغسل كلها تقع في وقت واحد متوالية.

    1.   

    سنن الغسل

    سنن الغسل خمسة:

    أولها: غسل اليدين إلى الكوعين قبل إدخالهما في الإناء، هذا فيما مضى لما كان الناس يستعملون الآنية، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى الجنب أن يدخل يده في الإناء إلا بعد أن يغسلهما ثلاثاً، وكذلك نهى صلى الله عليه وسلم من استيقظ من النوم أن يغمس يده في الإناء؛ لأن النوم أخو الموت.

    ثانيها: المضمضة، وهي: إدخال الماء في الفم وتحريكه، ومضمضة على وزن فعللة، مثل كلمة زلزلة، وفعللة تدل على حركة، كالقلقلة؛ فإن الإنسان يحرك فمه ولسانه عند حروف القلقلة.

    ثالثها: الاستنشاق، وهو: جذب الماء إلى داخل الأنف.

    رابعها: الاستنثار، وهو: طرح الماء بواسطة النفس.

    خامسها: مسح صماخ الأذنين. فهذه هي سنن الغسل الخمسة، غسل اليدين إلى الكوعين قبل إدخالها في الإناء ثم المضمضة والاستنشاق والاستنثار ومسح صماخ الأذنين.

    1.   

    فضائل الغسل

    الفرق بين السنة والفضيلة: أن السنة ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأظهره للناس وأمر به، والفضيلة ما كان دون ذلك.

    وفضائل الغسل هي:

    أولها: التسمية، وهنا سؤال: إذا كان الإنسان يتوضأ في الحمام هل يسمي الله؟ والجواب: لا يسمي، بل يذكر الله عز وجل بقلبه، لكن لا ينطق؛ فإن اسم الله عز وجل ينزه عن أن ينطق به في تلك الأماكن، وبعض الناس يقول: ما هو الدليل؟ ونقول: الدليل هو الأدب؛ فإنه يجب أن نتأدب مع الله عز وجل، وأن نتأدب مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن نتأدب مع القرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا هذا الأدب بأنه كان إذا أراد الخلاء طرح خاتمه صلى الله عليه وسلم؛ لأن فيه اسم الله جل جلاله، فإذا كنت في الحمام فلا تذكر الله، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء يقول: (غفرانك)، تنزيهاً لله من الذكر في ذلك الموطن.

    ثانيها: البدء بإزالة الأذى عن جسده وعورته وأعضائه بوضوئه، فقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا اغتسل من الجنابة يغرف من الماء فيغسل يديه ثلاثاً، ثم يصب بيديه فيغسل بقية أعضاء الوضوء، وأحياناً يؤخر غسل رجليه صلى الله عليه وسلم.

    ثالثها: تقديم الأعالي على الأسافل والميامن على المياسر، والإنسان إذا بدأ بالغسل يبدأ بغسل رأسه، وكذلك يبدأ بميامنه قبل مياسره.

    رابعها: تثليث غسل رأسه، ففي الوضوء يكون مسح الرأس مرة واحدة، أما في الغسل فلا بد من غسله ثلاثاً كما كان يصنع الرسول عليه الصلاة والسلام.

    خامسها: قلة الماء، وقد تقدم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ بالمد، والمد: ملء الكفين المعتدلتين، وكان عليه الصلاة والسلام يغتسل بالصاع، والصاع: حوالى اثنين كيلو وربع.

    وهذه الفضائل والسنن أخذناها من حديث عائشة و ميمونة رضي الله عنهما، فقد قالت ميمونة رضي الله عنها: (أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات كل حفنة ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثم أتيته بالمنديل فرده)، وفي رواية: (وجعل ينفض الماء بيديه)، وليس معنى هذا أن تنشيف الأعضاء مكروه، بل ممكن أن تغتسل وتتنشف، وممكن أن تغتسل ولا تتنشف، ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنديل إما لأنه كان في المنديل شيء كرهه عليه الصلاة والسلام، أو لأنه كان مستعجلاً، ليس عنده وقت للتنشيف، وإما ليخالف فعل المترفين، أو ليبين جواز التنشف وعدمه، فهذا جائز وهذا جائز.

    وميمونة رضي الله عنها ذكرت أنه صلى الله عليه وسلم غسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم غسل فرجه صلى الله عليه وسلم، ثم توضأ، ثم حثا على رأسه، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم غسل رجليه، وقد أجمع أهل العلم على أن المغتسل لو لم يتوضأ جاز له أن يصلي بهذا الغسل؛ لأنه غسل عبادة وليس غسل عادة، يعني: سواء كان غسلاً واجباً أو مستحباً يصح لك أن تصلي بهذا الغسل دون أن تتوضأ؛ لأنهم متفقون على أن الحدث الأصغر يندرج في الحدث الأكبر، وأن الطهارة الصغرى تندرج تحت الطهارة الكبرى، فإذا ارتفع الأكبر فمن باب أولى الأصغر.

    1.   

    حكم تعميم الجسد بالماء من غير وضوء

    إذا اقتصرت في غسلك على تعميم بدنك بالماء على قول الجمهور جاز لك أن تصلي به، وإذا كان الغسل مستحباً جاز لك أن تصلي به؛ لأنه غسل عبادة؛ لأنك لم تغتسل تبرداً ولا تنظفاً وإنما اغتسلت تعبداً، لذلك الواحد منا لو كان أطهر ما يكون في يوم الجمعة والجو بارد فيستحب له أن يغتسل.

    1.   

    حكم الكلام أثناء الوضوء والغسل

    من المكروهات في الوضوء والسغل الكلام إلا لمهم كرد سلام وطلب ماء ونحوه إذا طرق عليك الباب طارق مثلاً وقال لك: أنا أريد كذا، فترشده إلى مكان الشيء المطلوب.

    1.   

    الأمور التي تمنع منها الجنابة

    موانع الجنابة:

    الحدث الأصغر يمنع من أمور:

    أولاً: الصلاة.

    ثانياً: مس المصحف.

    ثالثاً: الطواف.

    رابعاً: مس المصحف وقراءة القرآن، فالإنسان إذا كان عليه جنابة لا يجوز له أن يقرأ القرآن؛ لأن نبينا عليه الصلاة والسلام ما كان يمنعه من القرآن شيء إلا الجنابة.

    خامساً: دخول المسجد، فالإنسان الذي عليه جنابة وكذلك أيضاً الحائض والنفساء لا يجوز لهم دخول المسجد؛ لأن الله عز وجل قال الله : (( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ )) قال أهل التفسير: يدخل في ذلك مواضعها، ومواضع الصلاة هي المساجد، قال الله: وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا[النساء:43]، فالجنب إذا اتخذ المسجد معبراً فلا حرج عليه، أما المكث في المسجد فممنوع.

    فإذا أقيمت الصلاة فاغتسل وصل في بيتك، ولا تأت المسجد وأنت جنب؛ لأن الطهارة شرط.

    1.   

    حكم صلاة الجماعة

    صلاة الجماعة على قول المالكية والحنفية سنة مؤكدة، وعلى قول الحنابلة واجبة، وعلى قول الشافعية فرض كفاية، ولم يقل أحد بأنها شرط في صحة الصلاة إلا الظاهرية فقط.

    1.   

    ذكر بعض أحكام التيمم

    إذا لم يجد الإنسان ماءً أو عجز عن استعمال الماء فإنه ينتقل إلى الأصل الثاني الذي منه خلق، ومعلوم أن الإنسان مخلوق من ماء وتراب، قال الله عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ[المؤمنون:12]، والطين أصله ماء وتراب، وفي آيات أخرى ذكر الله عز وجل الماء وحده، وفي آيات ذكر التراب وحده، كقول الله عز وجل: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ[الأنبياء:30]، وفي آية أخرى قال الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ[غافر:67]، ولا تعارض في هذا كله، فالمقصود أن الشريعة خففت على العباد، وشريعة الإسلام مبنية على اليسر، كما قال الله عز وجل: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[البقرة:185]، ومن يسر الشريعة أنها أباحت للإنسان إذا عدم الماء أو عجز عن استعماله أن يتيمم.

    تعريف التيمم

    التيمم في اللغة: القصد، ومنه قوله تعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ[البقرة:267] يعني: لا تقصدوا إلى المال الخبيث فتنفقوا منه، وإنما الإنسان ينفق من الطيب.

    وأما التيمم في الشرع فهو: القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها، والصعيد هو: ما صعد على الأرض من جنسها، أو ما كان على وجه الأرض من جنسها، ويدخل في ذلك التراب والرمل والحصباء والحجارة، يعني: بشرط ألا تكون دخلت فيه صنعة الآدمي، فلا يصح أن تتيمم بالإسمنت ولا بالجبس ولا بالطوب الأحمر ولا غير ذلك مما دخلت فيه صنعة الآدمي، أما ما كان باقياً على أصله فإنه يصح التيمم به، وهذا كالماء؛ فإنه لا يصح أن تتطهر إلا بالماء الباقي على أصل خلقته الذي هو الماء الطهور، وهنا أيضاً لا تتيمم إلا بما كان صعيداً باقياً على أصل خلقته.

    أدلة مشروعية التيمم

    التيمم مشروع، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ[المائدة:6]))[النساء:43]، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال لمن لم يجد الماء: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك)، وأجمع المسلمون على مشروعية التيمم متى وجد سببه.

    الحالات التي يباح فيها التيمم

    يباح التيمم في الأحوال الآتية:

    الحالة الأولى: عند فقد الماء، فإذا لم يجد الإنسان ماءً ليتطهر به سواء كان غسلاً أو وضوءاً، ففي هذه الحالة يتيمم؛ لحديث: (جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله! إني أكون في الرمل أربعة أشهر أو خمسة أشهر، فيكون فينا النفساء والحائض والجنب، فما ترى؟ قال: عليك بالتراب).

    والمقصود بالرمل: البادية، فالإنسان إذا كان في الصحراء وعنده ماء قليل فإنه يبقيه لشربه ولسقي ما معه من الإبل والماشية، والرسول عليه الصلاة والسلام أرشد هذا الأعرابي إلى التيمم ولو بقي أربعة أشهر أو خمسة أشهر، وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: (التيمم طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته).

    الحالة الثانية: إذا خاف باستعمال الماء حدوث مرض أو زيادته أو تأخر شفاء، كما هو الحال في الشتاء، فبعض الناس يكون عنده حساسية وهو على يقين أنه لو اغتسل في الفجر فإنه سيمرض أو أن مرضه سيزيد أو أن برأه سيتأخر، ففي هذه الحالة يتيمم، والدليل حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه في قصته في غزوة ذات السلاسل قال: (احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك -أي: أموت- فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو ! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قلت: نعم يا رسول الله! احتلمت في ليلة باردة فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وتذكرت قول الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا[النساء:29]، فتيممت، ثم صليت، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً).

    والنبي صلى الله عليه وسلم لا يسكت على منكر فلو كان عمل عمرو بن العاص باطلاً فلن يقره، وسيأمره صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة، وألا يعود لمثل ذلك، كما فعل ذلك مع الرجل الذي جاء والرسول صلى الله عليه وسلم يصلي وقد ركع بأصحابه، فالصحابي -وهو أبو بكرة - ركع عند باب المسجد ثم دب وهو راكع حتى دخل في الصف، فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة قال له: (زادك الله حرصاً ولا تعد)، فلو كان فعل عمرو خطأً لقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تعد.

    الحالة الثالثة: من كان عنده ماء ويخاف العطش على نفسه أو على محترم معه ولو كان ذمياً أو حيواناً فإنه يتيمم ويترك الماء لإنقاذ نفسه أو المحترم الذي معه، يعني: إذا كنت في مكان ليس فيه ماء، وليس معي إلا ماء قليل أستعمله للشرب، فأصابتني جنابة، وأخاف أني لو اغتسلت به ألا أجد ماءً أشرب، ووجدت يهودياً أو نصرانياً ذمياً يحتاج إلى ماء ليشربه، فأشربه أو أسقيه اليهودي أو النصراني وأتيمم، وهكذا إذا كان معي غنم أو بقر أو إبل أو أي شيء من دواب الأرض المحترمة فأسقيها وأتيمم.

    ولو كان معي خنزير فلا أسقيه وأتيمم، بل أتركه يموت.

    الحالة الرابعة: من كان بقربه ماء ويمنعه خوف لص أو سبع عنده، يعني: الماء موجود لكن بينك وبين الماء أسد أو سبع أو لص، ففي هذه الحالة تتيمم، وبعض الناس قد يقول: لا يصح أن تخاف، لا تخف إلا الله، فقل له: هذا كلام ليس بصحيح، هذا خوف طبيعي، فالإنسان يخاف من النار ويخاف من السبع، فليس عيباً أني أخاف من الأسد أو أخاف من الذئب أو أخاف من كذا، والله عز وجل ذكر عن موسى عليه السلام أنه خاف فقال: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ[القصص:21] أي: خرج خائفاً من فرعون، وهذا خوف طبيعي، لكن بعض الناس قد يبلغ درجة في القرب من الله حتى إنه لا يخاف من شيء، مثل سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فإنه كان يمشي وفي الطريق أسد واقف، فرأى الناس محجوزين بسبب الأسد، فجاء عبد الله بن عمر وأخذ بأذنه وقال له: تنح عن طريق الناس! فذهب الأسد، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ! أما تتقي الله؟! يعني: كيف تعمل هذه العملية؟ فقال: إني لأستحي أن أخاف غير الله، أنا أستحي من الله أن أخاف غيره، لكن هذه درجة خاصة يصل إليها من كان ولياً لله، نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يتوب علينا أجمعين.

    فإذا كان في قريباً من الماء لص أو سبع أو كان الماء بقربه ولا يقدر الإنسان على تناوله بنفسه كأن يكون مشلولاً وليس في البيت أحد يناوله ولا يستطيع أن يمشي إلى الماء؛ يتيمم؛ لقوله عز وجل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[البقرة:286].

    فمثل هذا يتيمم ويصلي، وهذا كله داخل في عموم قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً[النساء:43]؛ لأن عدم وجود الماء إما أن يكون حقيقياً أو حكمياً، فالماء قد يكون موجوداً لكن لا أقدر على الوصول إليه، أو لا أقدر على استعماله، أو لا أجد من يناولني إياه.

    ولو دخل وقت صلاة العصر فلا يتيمم الإنسان مباشرة إلا إذا خشي خروج الوقت، قال العلماء: الراجي ينتظر إلى آخر الوقت، والمتردد يصلي في وسطه، والآيس يصلي في أوله، مثال ذلك: لو أن هيئة مياه الخرطوم قطعت الماء وعملت إعلاناً: أن الماء لن يأتي إلا في التاسعة مساءً، ودخل وقت صلاة العصر فحكمي أني آيس، والماء لن يأتي إلا بعدما يخرج وقت العصر الاختياري والضروري، وبعدما يخرج وقت المغرب الاختياري، ففي هذه الحالة أتيمم وأصلي.

    فإذا كانت هيئة المياه قطعت الماء الساعة الثالثة وأعلنت أن الماء سيرجع في الخامسة والنصف فحكمي أني راجٍ وفي هذه الحالة أنتظر، فإذا لم يأت في الخامسة والنصف أنتظر إلى السادسة، فإذا ما جاء أنتظر إلى السادسة والربع، ثم أتيمم؛ لأن في الساعة السابعة يؤذن أذان المغرب، فالراجي يصلي في آخر الوقت، أي آخر الوقت الاختياري، أما إذا كنت متردداً فأتيمم وأصلي.

    كذلك لو أن إنساناً استيقظ لصلاة الصبح مثلاً، لكنه قام متأخراً، وهذه قد تحصل مرة في العمر لا كل يوم، فليس معنى هذا أن الواحد ينام ثم يستيقظ بعد طلوع الشمس، ويقول: النوم هذا سلطان كما يقولون، وهذا ليس بحديث ولا آية، بل إن بعض الناس يتعمد التأخر، نسأل الله العافية، ونعوذ بالله من الضلال، فتجده يضبط المنبه على ميعاد المدرسة أو الجامعة أو الشغل، فيضبط المنبه على الساعة السابعة والنصف؛ لأن الشغل يبدأ في الساعة الثامنة، وهو يعرف أن الشمس تطلع الساعة السابعة وعشر دقائق، فمثل هذا -والعياذ بالله!- يخشى عليه أن يخرج من الإسلام، أعني: الذي يتعمد أن يضيع الصلاة حتى يخرج وقتها، لكن أقول: ممكن أن تحصل مرة في العمر أن الإنسان يكون متعباً فينام ولا يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، وقد حصل ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم مرة، فالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في سفر يمشون ولما بقي ثلث الليل الآخر تعبوا، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من يحفظ لنا الفجر)، فقال بلال : أنا يا رسول الله! فناموا، ثم نام بلال ، فالصحابة قالوا: أين كنت يا بلال ؟! فقال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، شعرت بشيء يهدهدني كما تهدهد الأم وليدها، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ذلك الشيطان) أي: أن الشيطان جاء يمرجح بلالاً رضي الله عنه إلى أن نعسه ونومه، وهذه قد تحصل مرة.

    وهنا مسألة: لو أن إنساناً استيقظ قبل طلوع الشمس بقليل، وعليه جنابة، ويعلم يقيناً أنه لو اغتسل طلعت الشمس، ففي هذه الحالة نقول له: تيمم وصل؛ لأن فضيلة الوقت مقدمة على استعمال الماء.

    1.   

    فرائض التيمم

    فرائض التيمم:

    أول فرض: النية، والدليل قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[البينة:5]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) وأنا عندما أتيمم لا ينبغي أن أنوي رفع الحدث؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما أنوي استباحة الشيء الممنوع، فالصلاة ممنوعة في حال الحدث، فأنوي بالتيمم استباحة الصلاة، وغيرها، يعني: إذا كنت أريد أمس المصحف أنوي بالتيمم استباحة مس المصحف، ونحو ذلك.

    الفرض الثاني: قصد الصعيد الطاهر، وهو ما ظهر على وجه الأرض منها من تراب أو حصباء أو رمل أو حجارة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).

    الفرض الثالث: أن الضربة الأولى تكون على التراب، ومعرفة هذا الكلام مهم؛ لأنه قد يكون جدك مثلاً: في المستشفى مريضاً، ولا يصلي، فتسأله:لمَ لا تصلي يا جد ؟! فيقول لك: أنا لا أقدر أن أستعمل الماء، فقل له: تيمم، فيقول: لا يوجد تراب، ففي الحالة هذه يتيمم ولو بالجدار أو الفراش إذا كان فيه غبار، ولا ينبغي أن يترك الصلاة أبداً حتى لو لم يقدر على التيمم، فإذا لم يوجد حجر ولا شيء فيصلي من غير طهور، لكن لا ينبغي أن يترك الصلاة.

    فالضربة الأولى تضرب على التراب أو تضرب على الحجر ثم تمسح وجهك وكفيك؛ لأن الله عز وجل قال: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ[المائدة:6]، سواء كان من الحدث الأكبر أو الحدث الأصغر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمار : (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر وجهه وكفيه).

    الفرض الرابع: مسح الوجه واليدين إلى الكوعين.

    الفرض الخامس: الموالاة بين فرائضه، فلو فرق أعاد التيمم، وهذا مثل الموالاة في الوضوء والموالاة في الغسل.

    1.   

    سنن التيمم

    سنن التيمم هي:

    السنة الأولى: الضربة الثانية لليدين، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين)، رواه الدارقطني ولو أردنا التحقيق العلمي فإن هذا الحديث لا يصح، فالصحيح -والعلم عند الله تعالى- أن التيمم يكون ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الكوعين، هذا هو الراجح.

    السنة الثانية: مسح اليدين من الكوعين إلى المرفقين؛ استدلالاً بحديث: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين).

    السنة الثالثة: الترتيب؛ لأن حديث عمار قال فيه: (ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه)، فقدم ذكر الكفين على الوجه.

    السنة الرابعة: التسمية في أوله، ففي الحديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) وتقدم أن هذا الحديث متأول عند جماهير العلماء بأن التسمية مقصود بها النية، يعني: لا وضوء لمن لم ينو.

    السنة الخامسة: تقديم مسح اليد اليمنى، وهذا كما تقدم في الوضوء أنه تقدم الميامن، وفي الغسل أيضاً تقدم الميامن، فهنا أيضاً نقدم اليد اليمنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.

    1.   

    حكم تحريك الخاتم في التيمم

    الذي يتيمم إذا كان عنده خاتم يحركه، وفي الوضوء لا نحتاج لتحريك الخاتم؛ لأن الماء يتخلل، أما بالنسبة للتيمم فلابد من تحريك الخاتم.

    1.   

    شروط صحة التيمم

    شروط صحة التيمم:

    أولاً : دخول الوقت واتصاله بالصلاة التي تيمم لها؛ لقوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ[المائدة:6]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت).

    ثانياً: التجديد لكل وقت، وهذا بخلاف الوضوء، فلو أني توضأت للمغرب ولم يحصل مني حدث جاز لي أن أصلي بهذا الوضوء صلاة العشاء، فأكون قد صليت المغرب والعشاء بوضوء واحد، أما لو تيممت للمغرب ثم جاء وقت العشاء وما حصل حدث فلابد أن أتيمم مرة أخرى للعشاء؛ لأنه سبق معنا الكلام في أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما تستباح به الصلاة، فكل صلاة تحتاج إلى استباحة غير الأولى.

    1.   

    مبطلات التيمم

    مبطلات التيمم هي مبطلات الوضوء، ويزيد التيمم بوجود الماء قبل الصلاة لا فيها، يعني: لو تيممنا وذهبنا نصلي المغرب فسمعنا خرير الماء، أو قال لنا أحد الناس: جاء الماء، فلا نصلي بالتيمم، بل نذهب ونتوضأ أولاً.

    ولكن لو أننا كبرنا للصلاة، وبعد ذلك سمعنا خرير الماء فنواصل الصلاة؛ لأن الله عز وجل قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن:16]، وهذه الاستطاعة قد فعلناها.

    ومن فقد الماء والصعيد بأن لم يكن عنده ماء ولا تراب ولا حجارة ولا حصباء، كأن يكون في الطائرة أو في سجن والسجن بلاطه سراميك، أو كان في مكان فيه جليد، والجليد ماء، لكن ليس ماءً يسيل، وإنما هو ماء متجمد، فهذا يصلي بغير طهور، يعني: بدون وضوء وبدون تيمم؛ لعموم قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن:16]، فأنا لا أستطيع الوضوء ولا أستطيع التيمم؛ لأني لا أجد ماءً ولا صعيداً، ففي هذه الحالة أصلي بغير طهور؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم قبل أن تنزل آية التيمم كانوا في غزوة من الغزوات وفقدوا الماء قالت عائشة رضي الله عنها: فصلوا بغير وضوء ، فأنزل الله سبحانه وتعالى آية التيمم، وكانت رحمة للناس.

    1.   

    الأسئلة

    معنى الرجيع

    السؤال: ما هو رجيع بول الآدمي؟

    الجواب: لا يوجد شيء اسمه رجيع بول الآدمي، وإنما بول الآدمي شيء والرجيع شيء آخر، الرجيع هو: البراز أو العذرة.

    حكم غسل المذي من الثوب

    السؤال: في حالة الودي أو المذي هل يجب غسل المذاكير فقط أم المذاكير والملابس الداخلية؟

    الجواب: المذي نجس يجب غسل الثوب منه، لكن المذي ليس بشيء كثير بحيث يصل إلى الثياب كلها، وإنما هو في الغالب قطرات، وأما المني فيخرج دفقاً، كما قال عز وجل: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ[الطارق:5-6]، أما المذي فيكون شيئاً يسيراً يقطر قطراً.

    حكم الجماعة الثانية في المسجد الواحد

    السؤال: يرى البعض أنه لا يجوز للمسبوقين أن يصلوا جماعة ثانية بحجة أنه لا إمامين في مسجد واحد؟

    الجواب: أول شيء نفرق بين مساجد الأحياء ومساجد الأسواق، فمساجد الأسواق لا حرج في تعدد الجماعات فيها؛ لأن الإنسان يمر عليها ولا يدري متى يصلون، أما مساجد الأحياء فإن الإنسان يعرف أن صلاة الظهر -مثلاً- في الساعة الواحدة والنصف، والعصر في الساعة الرابعة والنصف، والعشاء في الساعة الثامنة والنصف، فكثير من العلماء كره إقامة جماعة أخرى سوى الجماعة الراتبة؛ لأن معنى الجماعة أنها تجمع الناس، وأما إذا كان كل واحد سيأتي في الوقت الذي يريد ويقيم جماعة فلم يبق للجماعة معنى.

    والمالكية رحمهم الله يرون أنه لا كراهة في الجماعة الثانية، لكن تكون في البرحة أو خارج المسجد، يعني: لا يقيمون الجماعة الثانية في داخل المسجد.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.