إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الحي يوسف
  4. تفسير القرآن
  5. تفسير من سورة الإخلاص إلى سورة الناس

تفسير من سورة الإخلاص إلى سورة الناسللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن في الأجر والجزاء؛ لأنها اشتملت على صفة الله عز وجل؛ لذا على الإنسان أن يمعن النظر في تفسيرها، وأن يكثر من قراءتها؛ لما فيها من المعاني العظيمة، ومن الأجر العظيم والثواب الجزيل.

    1.   

    فضل سورة الإخلاص

    سورة الإخلاص يقال لها أيضاً: سورة (قل هو الله أحد)، وهذه السورة المباركة يحفظها المسلمون جميعاً صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، وقد جبلوا على حبها وقراءتها.

    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه السورة مع سورة: (قل يا أيها الكافرون) في الركعتين قبل صلاة الصبح، وفي الركعتين بعد صلاة المغرب، وفي ركعتي الطواف.

    وهذه السورة المباركة قد اشتملت على أربع آيات فيها خمس عشرة كلمة، وستة وستين حرفاً.

    1.   

    سبب نزول سورة الإخلاص

    روى الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه: (أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد! انسب لنا ربك؛ فأنزل الله عز وجل هذه السورة).

    وقال عكرمة رحمه الله: لما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وكل منهم قال: نحن نعبد إلهنا، فقالت اليهود: نحن نعبد عزيراً ، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح، وقال المشركون: نحن نعبد الأوثان، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر؛ أنزل الله هذه السورة.

    وقال الضحاك: بعثت قريش عامر بن الطفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول له عنهم: يا محمد! لقد شققت عصانا، وسفهت أحلامنا، وعبت دين آبائك، فانظر ماذا تريد؟ إن كنت فقيراً أغنيناك، وإن كنت مجنوناً داويناك، وإن كنت قد هويت امرأة زوجناك، فقال عليه الصلاة السلام: (لست بفقير، ولا مجنون، ولا هويت امرأة، وإنما أنا رسول الله إليكم أدعوكم لأن تعبدوه، وأن تخلعوا عبادة الأوثان) فرجع عامر بن الطفيل لما قال له النبي عليه الصلاة والسلام هذا فأرسله المشركون ثانية، وقالوا له: قل له: يا محمد! صف لنا إلهك، أمن ذهب هو؟ أم من فضة؟ أم من حديد؟ أم من خشب؟ أم من نحاس؟ فأنزل الله عز وجل هذه السورة.

    فالمشركون لخفة أحلامهم، وقلة عقولهم، ما خطر ببالهم إلا الآلهة الباطلة التي يصنعونها بأيديهم من حديد أو من نحاس أو من خشب أو من ذهب أو من فضة، هذا هو الإله في تصوراتهم الباطلة.

    فأنزل الله هذه السورة المباركة؛ ليثبت أنه الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي ليس له كفؤ، ولا شبيه ولا ند، ولا مثيل، لم يلد ولم يولد جل جلاله.

    1.   

    ذكر بعض الأحاديث الواردة في فضل سورة الإخلاص

    هذه السورة المباركة ورد في فضلها أحاديث كثيرة، وهي أحاديث صحاح ثابتة، منها:

    الحديث الأول: روى الشيخان البخاري و مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً أميراً على سرية، فكان إذا صلى بهم يقرأ بـ(قل هو الله أحد)، فلما ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سلوه لمَ يفعل ذلك؟ فلما سألوه قال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحبها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فإن الله يحبك كما أحببتها).

    الحديث الثاني: روى الإمام البخاري تعليقاً عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رجلاً كان يؤم الأنصار في مسجد قباء، وكان لا يصلي بهم صلاة إلا قرأ سورة وقرأ قبلها (قل هو الله أحد) -يعني: يقرأ (قل هو الله أحد)، ثم يقرأ بعدها بالسورة التي يريد- فقال له أصحابه: يا هذا! إنا نراك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترضى حتى تضم إليها أخرى، فإما أن تكتفي بها، وإما أن تقرأ سواها، فقال: والله! ما أنا بفاعل، فإن شئتم أممتكم، وإن شئتم تركتكم، فكرهوا أن يتركهم؛ لأنهم كانوا يرونه أفضلهم وأعلمهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يمنعك أن تطيع أصحابك فيما أرادوا؟! فقال: يا رسول الله! إني أحبها، فقال له صلى الله عليه وسلم: حبك إياها أدخلك الجنة).

    ففي الحديث الأول: أن حبها سبب لمحبة الله.

    وفي الحديث الثاني: أن حبها سبب لدخول الجنة.

    الحديث الثالث: روى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ (قل هو الله أحد)، ولم يزل يرددها حتى أصبح، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه يتقالها -يعني: أن هذا الرجل استغرب أن صاحبه ما قرأ من القرآن سوى (قل هو الله أحد)، من أول الليل إلى آخره يرددها- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآن).

    الحديث الرابع: روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احشدوا -يعني: اجتمعوا- فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، قال: فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: (قل هو الله أحد) ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني سأقرأ عليكم ثلث القرآن؛ إني لأرى هذا خبراً جاءه من السماء- يعني: ظنوا أنه سيخرج ويواصل- ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن).

    أيها الأخوة الكرام! (قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن، وللعلماء في ذلك تأويلات ثلاثة:

    التأويل الأول: أنها تعدل ثلث القرآن في حق من كان لا يحسن غيرها، كما هو حال بعض العجائز، وبعض الشيوخ الكبار.

    التأويل الثاني: أنها تعدل ثلث القرآن، لو أن إنساناً قرأ ثلث القرآن ليس فيه (قل هو الله أحد).

    التأويل الثالث: أنها تعدل ثلث القرآن باعتبار أجناس المعاني، فإن القرآن فيه ثلاثة معانٍ: التوحيد، والأحكام، والقصص والأخبار.

    ولما كانت (قل هو الله أحد) مشتملة على التوحيد: توحيد الله عز وجل في أسمائه وصفاته، ونفي الشبيه والمثيل عنه جل جلاله، كانت هذه السورة تعدل ثلث القرآن.

    قال الإمام ابن رشد رحمه الله في كتابه (البيان والتحصيل): وأجمع العلماء على أن من قرأ (قل هو الله أحد) لا يساوي أجره أجر من أحيا ليله بالقرآن كله.

    يعني: فلا يظن إنسان أنه لو قرأ (قل هو الله أحد) ثلاثاً أن ثوابه كثواب من قرأ القرآن كله.

    الحديث الخامس -وفيه بشارة عظيمة-: روى الإمام أحمد من حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ (قل هو الله أحد) عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! إذاً نكثر قصورنا، قال: الله أكثر وأطيب).

    وجاءت رواية أخرى رواها الإمام مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ (قل هو الله أحد) عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة، فقال له عمر بن الخطاب : إذاً تكثر قصورنا يا رسول الله! قال: الله أوسع وأطيب)، قال ابن كثير : وهذا مرسل جيد.

    فالموفق من عباد الله يكثر من قراءة هذه السورة ولا يبالي؛ لأنها صفة الرحمن.

    الحديث السادس: في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يأوي إلى فراشه ليلاً حتى ينفث في يديه بـ(قل هو الله أحد) والمعوذتين، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده).

    الحديث السابع: روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر الجهني قال: (لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته فأخذت بيده فقلت يا رسول الله! بمَ نجاة المؤمن؟ قال: يا عقبة ! أخرس لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك، قال: ثم لقيني مرة أخرى، فابتدأني فأخذ بيدي، فقال: يا عقبة بن عامر ! ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم؟ قال: قلت: بلى، جعلني الله فداك، قال: فأقرأني (قل هو الله أحد) و(قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس) ثم قال: يا عقبة ! لا تنساهن ولا تبيت ليلة حتى تقرأهن، قال: فما نسيتهن وما بت ليلة قط حتى أقرأهن، قال عقبة : ثم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: يا عقبة ! صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك).

    هذه جملة أحاديث صحاح في فضل هذه السورة المباركة، والموفق من عباد الله من أكثر من قراءة هذه السورة، فمن أراد أن تكثر قصوره في الجنة، ومن أراد أن يحبه الرحمن، ومن أراد أن يدخل الجنة، ومن أراد أن يعصمه الله من الشيطان، ومن أراد أن يزداد إيماناً وهدىً؛ فليكثر من قراءة هذه السورة التي تعدل ثلث القرآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل هو الله أحد)

    يقول الله عز وجل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[الإخلاص:1] (قل) مر نظيرها في قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ[الكافرون:1] وذكرنا أنها تعني: الاهتمام بما بعد فعل القول، والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الكفار: عامر بن الطفيل ومن كان معه ممن سألوك أن تنسب ربك، وأن تصف ربك: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أي: الله عز وجل واحد لا شريك له، قال أهل العلم: وكلمة (أحد) أبلغ من (واحد) وذلك من ثلاثة وجوه:

    الوجه الأول: أن الواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل في الواحد.

    الوجه الثاني: أن كلمة (أحد) تعني: النفي المطلق، فمثلاً: لو قلت: إن فلاناً لا يغلبه واحد، فمعنى ذلك: أنه يمكن أن يغلبه اثنان، لكن لو قلت: إن فلاناً لا يغلبه أحد، فقد نفيت الغلبة عنه تماماً.

    الوجه الثالث: أن كلمة (واحد) تستعمل في الإثبات، وكلمة (أحد) تستعمل في النفي، فتقول: رأيت رجلاً واحداً، وتقول: ما رأيت أحداً.

    وقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[الإخلاص:1] قال بعض أهل التفسير: تأملت الشرك فإذا هو من ثمانية وجوه: من ناحية الكثرة والعدد، ومن ناحية النقص والتقلب، ومن ناحية كونه علة أو معلولاً، ومن ناحية الشريك والضد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله الصمد)

    قوله: اللَّهُ الصَّمَدُ[الإخلاص:2] من أسمائه جل جلاله الحسنى الصمد، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: المصمود الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها وهو لا يحتاج إلى أحد.

    فمن أراد الغنى، ومن أراد العلم، ومن أراد الفهم، ومن أراد الحكم، ومن أراد النجاة، ومن أراد الأموال والأولاد فعليه أن يلجأ إلى الله عز وجل، ومن أصابه الضر فليلجأ إلى الله، كما قال سبحانه: ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ[النحل:53] أي: تلجأون إليه جل جلاله.

    وقوله: اللَّهُ الصَّمَدُ قال ابن عباس في معنى اسم الله الصمد: (هو السيد الذي كمل سؤدده).

    والشريف الذي كمل شرفه، والعظيم الذي كملت عظمته، والحليم الذي كمل حلمه، والحكيم الذي كملت حكمته، والعليم الذي كمل علمه، وهو سبحانه كما قال عن نفسه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11].

    وقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أحدية الله عز وجل دلت عليها كثير من نصوص القرآن، كقول الله عز وجل: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[البقرة:163].

    وقول الله عز وجل في سورة التوبة: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ[التوبة:31].

    وقوله في سورة إبراهيم: هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[إبراهيم:52].

    وقوله عز وجل في سورة الحشر: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[الحشر:22] وتكرر ذلك إلى آخر السورة.

    وقوله عز وجل في سورة ص: قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ[ص:65-66].

    وقوله عز وجل: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا[الأنبياء:22] وهو ما يسميه العلماء: برهان التمانع، أو دليل التمانع.

    وقوله عز وجل في سورة الإسراء: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا * تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا[الإسراء:42-44].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لم يلد ولم يولد)

    الإله الواحد جل جلاله يصف نفسه بأنه الصمد، ثم ينفي العلة والمعلول فيقول: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ[الإخلاص:3].

    والسؤال: هل الإنسان يولد أولاً أم يلد؟ وهذا لا يحتاج إلى تفكير، فالإنسان يولد أولاً.

    فلماذا قدم ربنا في الآية نفي كونه والداً على نفي كونه ولداً؟

    قال العلماء رحمهم الله: قدمه لاعتبارين:

    الاعتبار الأول: أن الآية نزلت في الرد على المشركين من اليهود والنصارى والعرب، فاليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، والعرب قالوا: الملائكة بنات الله، فالله عز وجل قال: لَمْ يَلِدْ )) من أجل أن يرد على هؤلاء.

    الاعتبار الثاني: أنه لم يوجد في الكون من نسب إلى الله عز وجل أنه مولود، لكن وجد من نسب إلى الله أنه والد، ولذلك قال سبحانه: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ[الإخلاص:3]، وهذا المعنى قد تكرر في القرآن مراراً، كقول ربنا سبحانه: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ[البقرة:116].

    وقوله سبحانه: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ[الأنبياء:26].

    وقوله سبحانه: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا[مريم:88-94].

    وقال سبحانه: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ[الصافات:158].

    وأكثر من فتن به البشر وألهوه هو المسيح ابن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، هذا العبد الصالح الطيب المبارك الذي دعا إلى عبادة الله وحده فتن الناس به؛ لكونه من أم بلا أب، والله عز وجل نفى ألوهية عيسى عليه السلام بقوله: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ[المائدة:75] فالمسيح بشر، يأكل الطعام، وتعتريه نوازع البشرية، فيحتاج إلى الخلاء للبول والغائط.

    والمسيح عليه السلام بشر، أوذي كما يؤذى البشر، والله عز وجل لا يستطيع أحد أن يضره.

    والمسيح عليه السلام شأنه كشأن آدم عليهما السلام، كما قال عز وجل: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ[آل عمران:59-60].

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) رواه الشيخان.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الرحمن ولداً، وأما تكذيبه إياي فقوله: ليس بقادر على أن يعيدني).

    قال صلى الله عليه وسلم: (لا أحد أصبر على أذى من الله؛ ينسبون إليه الصاحبة والولد وهو يرزقهم ويعافيهم) ما أحلمه سبحانه وبحمده على عباده! كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بالنعم ويتبغضون إلي بالمعاصي، فبي حلفت لأتيحنهم فتنة تدع الحليم فيهم حيراناً).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولم يكن له كفواً أحد)

    الله عز وجل يقول: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[الإخلاص:4] أي: مكافئاً ومماثلاً ونداً وشبيهاً ونظيراً، وهذا كما قال سبحانه: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا[مريم:65] فليس لله عز وجل مثيل، وليس له شبيه، وليس له نظير.

    وهذه السورة المباركة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواظب على تلاوتها في ركعتي الفجر، وفي الركعتين بعد صلاة المغرب، وفي ركعتي الطواف، وفي صلاة السفر، وفي صلاة الوتر، وفي غير ذلك من المواضع، وهذا يدل على أن لها شأناً وقدراً، نسأل الله أن يرزقنا الإيمان والعمل بها.

    1.   

    ذكر ما ورد في فضل المعوذتين

    نشرع الآن في تفسير سورة الفلق:

    سورة الفلق نزلت هي وسورة الناس معاً، واصطلح أهل التفسير وعلماء القرآن على تسميتهما بالمعوذتين، وقد وردت أحاديث في فضلهما معاً، ومن ذلك:

    ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط ؟ قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس).

    وروى الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: (بينا أنا أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم في نقب من تلك النقاب إذ قال لي: يا عقبة ! ألا تركب؟ قال: فأجللت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أركب مركبه، ثم قال: يا عقيب ! ألا تركب؟ قال: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبت هنية، ثم ركب، ثم قال: يا عقيب ! ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: فأقرأني (قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس)، ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ بهما، ثم مر بي، قال: كيف رأيت يا عقيب ؟! اقرأ بهما كلما نمت، وكلما قمت).

    وروى الإمام البخاري عن أمنا عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه، طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه) لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ به الوجع والمرض أنه لا يستطيع أن يحرك يديه، فكانت أمنا عائشة رضي الله عنها هي التي تقرأ، وهي التي تنفث، ولكن من أدبها أنها لم تكن تمسح بيديها، وإنما كانت تأخذ يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتمسح بهما؛ لأنها تعلم أنه لا أبرك ولا أفضل ولا أكرم منهما.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق)

    قال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ[الفلق:1]

    مقول القول محذوف، قدره بعض أهل العلم: قيل لي: قل.

    وقال ابن القيم رحمه الله: التقدير: قيل لي هذا اللفظ فقلت كما قيل لي، قال: والسر في ذلك: أن يعلم الناس يقيناً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله، ينقل اللفظ كما هو، ولا يتصرف فيه بزيادة ولا نقصان، قال الله له: (قل) فنقلها (قل).

    والخطاب في قوله تعالى: (قل) له ثم لسائر الأمة.

    وقوله: قُلْ أَعُوذُ )) أي: ألتجئ وأستجير.

    وقال بعض أهل العلم: من معاني الاستعاذة: اللصوق، ولذلك تقول العرب: أطيب اللحم أعوذه، أي: ما كان ملتصقاً بالعظم.

    وقوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ قال أبو حيان : الفلق فعل بمعنى مفعول، فلق: بمعنى مفلوق، ومن معاني الفلق: الصبح؛ لأنه ينفلق من الليل.

    ومن معاني الفلق كذلك: الجبال والصخور؛ لأنها تنفلق عن الماء، كما قال الله عز وجل: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ[البقرة:74].

    ومن معاني الفلق: الرحم؛ لأنه ينفلق عن الحيوان.

    قال بعض أهل التفسير: المقصود بقوله: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ[الفلق:1] جميع الخلق، والمعنى: أستعيذ برب الفلق جل جلاله من أربعة أشياء:

    مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ[الفلق:2] وهذا فيه عموم، أي: من شر كل ذي شر خلقه الله عز وجل، من أنسي، أو جني، أو طير، أو دابة، أو سبع.

    ثم بعد هذا العموم خصوص: وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ[الفلق:3-5].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من شر ما خلق)

    كلمة (من شر) تكررت أربعة مرات، قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: لأن المقام مقام ابتهال فناسب فيه التكرار، قصداً لإجابة الدعاء.

    وهذا كما قال الله عز وجل حاكياً عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ[إبراهيم:37]، إلى أن قال: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ[إبراهيم:41].

    فكلمة: (ربنا) جعل يكررها؛ لأن المقام مقام ابتهال، يرجو به إجابة الدعاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن شر غاسق إذا وقب..)

    قوله: وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ الغاسق هو: الليل في قول جمهور المفسرين، وقد استعيذ بالليل لأنه مظنة الشرور؛ ففي الليل ينشط أهل الباطل، ويكثر اللصوص، وتنتشر السباع، وذوات السموم، والهوام، ويتعذر السير، وتعثر النجدة، ولا يبقى مغيث إلا الله.

    وفي الليل كذلك ينتشر أهل الريبة وأهل الفساد، هذا كله يكون في الليل، ولذلك نستعيذ برب العالمين من شر الليل إذا وقب، أي: إذا دخل.

    وفي القرآن الكريم قال الله عز وجل: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ[الانشقاق:17-18] فالغاسق هو: الليل، وقيل: الغاسق هو: القمر إذا أظلم، فقد جاء في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة وأشار إلى القمر: (استعيذي بالله من شر الغاسق إذا وقب) أي: إذا أظلم.

    فأهل الريبة كذلك ينتظرون غياب القمر، وذهاب ضوئه، من أجل أن يمارسوا فسادهم، وغيهم، وظلالهم.

    قوله: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ النفاثات: جمع نفاثة، وهن: النساء السواحر اللائي يعقدن عقداً ثم ينفثن فيها، وقيل: ليس المقصود النساء، وإنما المقصود: النفوس النفاثات، سواء كانوا رجالاً أو نساءً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن شر النفاثات في العقد)

    قوله: وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ الغاسق هو: الليل في قول جمهور المفسرين، وقد استعيذ بالليل لأنه مظنة الشرور؛ ففي الليل ينشط أهل الباطل، ويكثر اللصوص، وتنتشر السباع، وذوات السموم، والهوام، ويتعذر السير، وتعثر النجدة، ولا يبقى مغيث إلا الله.

    وفي الليل كذلك ينتشر أهل الريبة وأهل الفساد، هذا كله يكون في الليل، ولذلك نستعيذ برب العالمين من شر الليل إذا وقب، أي: إذا دخل.

    وفي القرآن الكريم قال الله عز وجل: وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ[الانشقاق:17-18] فالغاسق هو: الليل، وقيل: الغاسق هو: القمر إذا أظلم، فقد جاء في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة وأشار إلى القمر: (استعيذي بالله من شر الغاسق إذا وقب) أي: إذا أظلم.

    فأهل الريبة كذلك ينتظرون غياب القمر، وذهاب ضوئه، من أجل أن يمارسوا فسادهم، وغيهم، وظلالهم.

    قوله: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ النفاثات: جمع نفاثة، وهن: النساء السواحر اللائي يعقدن عقداً ثم ينفثن فيها، وقيل: ليس المقصود النساء، وإنما المقصود: النفوس النفاثات، سواء كانوا رجالاً أو نساءً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد)

    قوله: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ[الفلق:5] الحسد اسم الفاعل منه: حاسد، والحسد هو: تمني زوال النعمة عن الغير، وهو على درجتين كما قال أهل العلم:

    الدرجة الأولى: أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، وانتقالها إليه.

    الدرجة الثانية -وهي شر منها-: أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، وإن لم تنتقل إليه، المهم أن تزول.

    1.   

    مسائل متفرقة تتعلق بسورة الناس

    قوله: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ[الفلق:5] الحسد اسم الفاعل منه: حاسد، والحسد هو: تمني زوال النعمة عن الغير، وهو على درجتين كما قال أهل العلم:

    الدرجة الأولى: أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، وانتقالها إليه.

    الدرجة الثانية -وهي شر منها-: أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، وإن لم تنتقل إليه، المهم أن تزول.

    أهمية تعليم الأبناء كيف يرقي أحدهم نفسه

    في هذه السورة مسائل:

    المسألة الأولى: ينبغي أن نعلم أولادنا كيف يرقي أحدهم نفسه بها، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه، ويحثهم على قراءة هذه السورة مع التي تليها إذا أصبحوا وإذا أمسوا، ودبر الصلوات المكتوبات، وعند النوم، هذا كله كان يفعله صلوات ربي وسلامه عليه.

    حكم الاستعاذة بغير الله

    المسألة الثانية: اعلموا أنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله، ولا يستعاذ إلا بالله رب العالمين، وقد عاب ربنا عز وجل على العرب استعاذتهم بغيره فقال: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا[الجن:6] كان الرجل من العرب إذا نزل وادياً يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهائه، فيستعيذ بالجن من الجن والعياذ بالله!

    أركان الاستعاذة

    المسألة الثالثة: الاستعاذة لها أركان ثلاثة:

    مستعيذ، ومستعاذ به، ومستعاذ منه.

    أما المستعيذ: فأنا وأنت.

    وأما المستعاذ به: فهو الله رب العالمين، الذي يعيذ من شاء من عباده، ويجيره، ويحميه، ويدفع عنه السوء.

    وأما المستعاذ منه: فجميع الشرور والآثام، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، ويستعيذ بالله من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال، وكان يستعيذ بالله من زوال نعمته، وفجأة نقمته، وتحول عافيته، وجميع سخطه.

    وكان يستعيذ بالله من الكفر والفقر، ومن عذاب القبر.

    وكان يستعيذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال، هذه كلها شرور نستعيذ بالله منها.

    ذكر قصة سحر لبيد بن الأعصم للنبي صلى الله عليه وسلم

    المسألة الرابعة: قول الله عز وجل: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ[الفلق:4] هذه السورة كما قال أهل التفسير: مدنية، وقد نزلت لما سحر لبيد بن الأعصم اليهودي من يهود بني زريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمكث عليه الصلاة والسلام مدة قيل: عشرين يوماً، وقيل: شهراً، وقيل: أربعين، مكث عليه الصلاة والسلام مطبوباً، لا يدري ما وجعه، فنزل عليه ملكان من السماء، جلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: (ما بال الرجل؟ قال: مطبوب -أي: مسحور- قال: من طبه؟ -والملكان يتحاوران والنبي عليه الصلاة والسلام يسمع- قال: لبيد بن الأعصم من يهود بني زريق في مشط ومشاطة في جف طلعة نخل ذكر في بئر ذروان) يعني: أن هذا الخبيث أخذ شيئاً من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشيئاً من أسنان مشطه الذي كان يرجل به شعره، ثم عقد في ذلك عقداً ونفث من طلاسمه، ورقاه، ثم بعد ذلك جعل هذا السحر في لفافة مع جف طلع نخل ذكر، ثم ألقاه في بئر من آبار المدينة، فالملكان كانا يتحاوران بهذا الكلام (فقرأا على رسول الله صلى الله عليه وسلم (قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس)، ومسحاه بهما، فقام عليه الصلاة والسلام وكأنما نشط من عقال، وقال لـعائشة : أشعرت أن الله قد أفتاني فيما استفتيه فيه، نزل عليَّ ملكان...) وقص عليها الخبر.

    ثم صحب جماعة من أصحابه وذهبوا إلى تلك البئر فنزحوها، فإذا ماؤها كنقاعة الحناء، وإذا طلعها كرءوس الشياطين، فأخرجوا تلك اللفافة، فوجدوا فيها إحدى عشرة عقدة، فطفق صلى الله عليه وسلم يقرأ: (قل أعوذ برب الفلق) فيها خمس آيات، و(قل أعوذ برب الفلق) فيها ست آيات، فمجوعها إحدى عشرة آية، وكان عليه الصلاة والسلام كلما قرأ آية يشعر بوخز في جسده، ثم تنحل عقدة فيشعر براحة، ثم يقرأ التي بعدها، فيشعر بوخز في جسده، ثم تنحل العقدة، فيشعر براحة، وهكذا حتى انحلت العقد جميعاً، فأمر بدفن ذلك السحر.

    حكم السحر

    السحر كفر، وممارسة السحر كفر؛ لأن الله عز وجل قال: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ[البقرة:102]، ولأن الله عز وجل قال: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى[طه:69].

    وقال سبحانه فيمن يتعاطاه: مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ[البقرة:102] أي: ما له نصيب، ولا ينفى الفلاح ولا ينفى الخلاق بالكلية إلا عمن كفر والعياذ بالله! فالساحر كافر.

    وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تعلم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً كان آخر عهده من الله).

    أهمية رقية الإنسان لنفسه

    السحر يدفع بالرقية قبل أن ينزل، فالإنسان الذي لا يريد أن يصيبه سحر ينبغي دائماً أن يرقي نفسه في الصباح إذا أصبح، وفي المساء إذا أمسى، فبعد صلاة الصبح يقرأ (قل هو الله أحد) والمعوذتين ثلاثاً، وبعد صلاة المغرب يقرأ (قل هو الله أحد) والمعوذتين ثلاثاً، ويقرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، فالإنسان إذا فعل هذا لا يصيبه سحر، ولا يؤثر فيه.

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ولو قيل: كيف أصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: أن ذلك كان من باب التشريع والتعليم لأمته. أي: من أجل أن يعلم أمته كيف يعالجون.

    حكم الذهاب إلى الساحر لفك السحر

    لا يجوز في معالجة السحر الذهاب إلى الساحر، بل قال أهل العلم: من أصيب بالسحر فذهب إلى الساحر ليعالج السحر بالسحر فهو بمنزلة من يطهر الدم بالبول، فالإنسان إذا أصابه دم وصب على الدم بولاً، فإنه لا يزيده إلا نجاسة، فلا يجوز معالجة السحر بالسحر، وإنما السحر يعالج بالقرآن، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

    حد الساحر

    يجب على إمام المسلمين أو الحاكم الذي له سلطة إذا ثبت على الإنسان أنه يمارس السحر أن يقتله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حد الساحر ضربة بالسيف).

    ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه).

    وقال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) وذكر منها: (التارك لدينه المفارق للجماعة)، وقد علم أن الساحر تارك لدينه، مفارق للجماعة، فاعل للفساد، يمشي في الأرض لأذية المسلمين والمسلمات.

    سبب ذكر النفاثات دون النفاثين

    قال أهل التفسير: إن الله عز وجل خص النساء بالذكر ههنا، كما خصهن بالذكر في القذف فقال سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً[النور:4] وقد أجمع أهل العلم على أن الذي يقذف رجلاً بالزنا، أو بالفاحشة، أن حكمه حكم من يرمي امرأة لا بد أن يجلد، لكن خص الله النساء بالذكر لأن القذف في حقهن أضر؛ لأن الرجل إذا قذف ليس الضرر العائد عليه كما لو قذفت المرأة.

    وههنا أيضاً الله عز وجل خص النساء بالذكر فقال: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ[الفلق:4] قال المفسرون: لأن السحر في النساء أغلب، وممارسته بينهن أكثر، وهو من الكيد الذي ذكره الله في القرآن حين قال: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ[يوسف:28].

    بيان أن الحسد أول ذنب عصي الله به

    قال الله عز وجل: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ[الفلق:5].

    قال أهل العلم: الحسد أول ذنب عصي الله به في الأرض، وأول ذنب عصي الله به في السماء، أما في السماء فلما حسد إبليس آدم وقال: أنا خير منه، وأما في الأرض فحين حسد قابيل هابيل فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله، فأصبح من الخاسرين.

    الحسد يسبب الكبائر

    الحسد -والعياذ بالله- قد يحمل الإنسان على الكفر بالله، وقد يحمل الإنسان على قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقد يحمل الإنسان على أذية من لا يجوز له أذيته، وهذا ظاهر أيها الأخوان! فاليهود ما كفروا إلا حسداً، كما قال الله عز وجل: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ[النساء:54] يعني: يحسدون محمداً صلى الله عليه وسلم، فهذا عموم أريد به الخصوص.

    وكذلك قال الله عز وجل: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ[البقرة:109]، فالحسد يحمل على الكفر، والحسد يحمل على قتل النفس، والحسد يحمل على سائر الشرور والآثام.

    عظم ذنب الحسد

    الحسد من كبائر الذنوب والعياذ بالله! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا -عباد الله- إخواناً).

    وقال: (إياكم والحسد! فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب).

    وقال: (دب إليكم داء الأمم من قبلكم: البغضاء والحسد، هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) أي: أن حسد المسلم المسلم، وبغض المسلم المسلم هذه هي الحالقة التي تحلق الدين، فإنك لو حسدت إنساناً على نعمة آتاه الله إياها، فإن حسدك هذا قد يحملك على أن تتكلم فيه بالباطل، وعلى أن تسلط عليه من يؤذيه، وعلى أن تتقول عليه ما ليس فيه، وهذا كله من الشر العظيم، والداء المستطير.

    قال الإمام القرطبي رحمه الله: قال علماؤنا: الحاسد بارز الله عز وجل من خمسة أوجه:

    أحدها: أنه كاره لقسمة الله، كأنه يقول له: يا رب! لمَ قسمت هذا؟ لمَ أعطيت فلاناً ومنعتني؟ هذا حال الحاسد والعياذ بالله!

    ثانياً: أنه ضاد فعل الله، فإن الله عز وجل قد أعطى فلاناً من فضله، وهذا كاره لفضل الله عز وجل على الناس.

    ثالثاً: أنه خذل أولياء الله، أو هو يريد خذلانهم.

    رابعاً: أنه أعان عدوه إبليس، والعياذ بالله!

    خامساً: هذا الحاسد قد اتصف بمساوئ الأخلاق، وتعرض لغضب الله عز وجل.

    قالوا: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا في الخلوة إلا جزعاً وهماً، ولا من الملائكة إلا بغضاً ولعنة، ولا من الله إلا مقتاً وبعداً، ولا في الآخرة إلا ناراً واحتراقاً.

    قال الحسن البصري رحمه الله: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وعبرة لا تنقطع.

    فالحاسد الحزن ملازم له، ودائماً كأنه يريد أن يبكي، وكلما رأى على إنسان نعمة كأن هذه النعمة قد قطعت من جلده، وكأنها قد سلبت منه، وأعطيت لفلان هذا، ولذلك تجده دائماً في غم وهم.

    قل للحسود إذا تنفس صعدة

    يا ظالماً وكأنه مظلوم

    فهو ظالم وفي الوقت نفسه يظهر وكأنه مظلوم.

    الفرق بين الحسد والعين

    يوجد فرق بين الحسد العين، قال العلامة الشيخ: عطية محمد سالم رحمه الله: ولم أجد من فرق بينهما مع وجود الفارق.

    والفرق بين العين والحسد من وجوه:

    الوجه الأول: أن الحاسد -والعياذ بالله- قد يحسد شيئاً لم يره, وقد يحسد نعمة لم تحصل، فيحسد نعمة متوقعة، كما قال الله عز وجل: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا[الفتح:15]، والغنائم لم تأت بعد، بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا[الفتح:15].

    أما العين فإنها لا تكون إلا لشيء موجود يراه الإنسان.

    الوجه الثاني: أن الحسد -والعياذ بالله- لا يصدر إلا من نفس رديئة، وروح خبيثة، أما العين فقد تصدر من الصالح، وقد تصيب هذه العين من تحب، يعني: أحياناً الإنسان قد يصيب زوجته، أو يصيب ولده، أو يصيب ماله.

    مثلاً: يرى سيارته وهي بهية جميلة، وقد غسلت، ونظفت، وجملت، فينظر إليها نظرة إعجاب ولا يذكر الله عز وجل فيخرج في الطريق، فلا يمشي إلا قليلاً حتى يصيبها العطب، أو يحصل لها حادث، أو غير ذلك.

    أو يرى ولده يتكلم بلسان فصيح، أو أنه ذكي، أو أنه يحسن التصرف، أو أنه بار ونحو ذلك، فينظر إليه بإعجاب ولا يذكر الله، فيصيبه بالعين.

    فالإنسان قد يصيب ولده، وقد يصيب ماله، وقد يصيب زوجه، ولذلك ذكر الله عز وجل هو العاصم، وقد حصلت العين حتى من بعض الصحابة، فقد روي الإمام مالك في الموطأ عن أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله عنه عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بأن يتبعه إلى مكان إلى مهمة، فدخل رضي الله عنه يتوضأ، وكان رجلاً حسناً مليحاً، أي: أن سهلاً رضي الله عنه رزقه الله ملاحة وجمالاً وحسناً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فلما دخل يتوضأ رضي الله عنه وكشف عن جلده قال أحد الصحابة -وهو: عامر بن ربيعة وكان من المهاجرين- ما رأيت كاليوم جلداً قط ولا كأنه جلد مخبأة، والمخبأة: الفتاة العذراء التي دائماً تبقى في البيت لا تخرج، فجلدها يكون ناعماً؛ لأنها ما عانت حراً ولا قراً، فـعامر بن ربيعة قال: ما رأيت كاليوم جلد قط كأنه جلد مخبأة، قال: فلبط سهل في مكانه، أي: لم يقم، فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه، ولما نظر إليه عرف، قال له: (من تتهم؟ قال: أتهم عامر بن ربيعة ، فإنه قال كذا، وكذا، فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب إلى عامر ، فقال له: هلا بركت؟) يعني: هلا قلت: ما شاء الله، تبارك الله، أو ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، (علامَ يقتل أحدكم أخاه؟! اغتسل له).

    فإذا عرف أن فلاناً هو الذي أصاب بالعين فإنه يؤمر بأن يغسل يديه، ووجهه، ورجليه، وركبتيه، وداخلة إزاره، ثم يؤتى بهذا الماء، فيصب على المعين؛ فإنه يبرأ بإذن الله.

    الرد على من ينكر وقوع العين

    بعض الفلاسفة أنكر وقوع العين، فقالوا: هذا غير معقول! كيف أن إنساناً يعاين الثاني فيقع؟!

    قال ابن القيم رحمه الله: وهؤلاء من أخف الناس عقولاً، وأكسفهم طباعاً، وأقلهم علوماً. أي: أن الذي ينكر العين إنسان ليس عنده عقل.

    قال الشيخ عطية رحمه الله: وهم محجوجون بكل موجود في الكون غير محسوس، يعني: أن عقولنا موجودة لكن أين هي؟! وأرواحنا موجودة لكن أين هي؟! وهذه الأشعة التي تستخدم في التقاط الصور الباطنة في باطن جسد الإنسان كيف هي؟ فلو أن الإنسان أصابه كسر أو أصيب بشيء في باطنه، فإنهم يوقفونه أمام جهاز ثم في لمح البصر هذا الجهاز ينقل ما في الداخل بصورة، وهذا كله الآن اخترعه البشر، وهو غير محسوس.

    فالعين حق كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين)، وقال: (وإن العين لتدخل الرجل القبر)، وقال: (أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله بالعين) فالعين حق، يقول بعض أهل العلم: إن الإنسان العائن إذا رأى الشيء وأعجبه تخرج من عينه قوة سنية تخترق الشيء المعين، يعني: مثل أشعة إكس الآن، فالعائن تخرج من عينه هذه الأشعة، لكنها سنية، فتخترق الشيء المعين، فيحدث الأثر بإذن الله، فقد يمرض، وقد يموت، وقد يحصل له خلل في تفكيره، وفي ذهنه، وهذا موجود الآن، فكثير من الطلاب يقول: أنا كنت جيد الفهم، مقبلاً على الدرس، وأجد راحة في المذاكرة، وفجأة صرت كلما أفتح الكتاب أغلقه ولا أستطيع أن أفهم، وربما لا أرى السطور، وهذا غالباً يكون من العين؛ لأن هذا الطالب لم يعتن بالأذكار الشرعية، ولم يعتن بأداء الصلوات في أوقاتها، ولذلك أصابه ما أصابه، وإذا أراد الله أمراً هيأ له الأسباب.

    أسباب الحسد

    أسباب الحسد سببان:

    السبب الأول: إعجاب الحاسد بنفسه.

    ثانيها: ازدراء المحسود.

    يعني: أن الحاسد يرى نفسه أهلاً لكل نعمة، وأنه كان حقيقاً بهذا الفضل الذي أوتيه فلان، فيرى أنه هو أولى به منه، فيعجب بنفسه، وفي الوقت نفسه يزدري المحسود، فيقول: من هذا حتى يؤتيه الله مالاً؟! ومن هذا حتى يؤتيه الله علماً؟! ما قيمته؟ ما وزنه؟ ما أصله؟ ما فصله؟ من أبوه؟ كما قال إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ[الأعراف:12] باعتبار الأفضل، خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ[الأعراف:12] وهذا إعجاب بالنفس وازدراء للمحسود، كما قيل:

    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه

    فالناس أعداء له وخصوم

    فالإنسان إذا رأى إنساناً في نعمة فكره هذه النعمة، فهذا حاسد والعياذ بالله!

    علاج الحسد

    علاج الحسد في أمرين اثنين:

    الأمر الأول: العلم.

    الأمر الثاني: العمل.

    أما العلم فبأن تعلم أن أقدار الله سلفت، وأن الأرزاق قد قسمت، وأن الله عز وجل قسمها بحكمته وعلمه جل جلاله، كما قال في القرآن: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ[الزخرف:32]، والكفار الأولون لما جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم جحدوها حسداً، كما قال عز وجل عنهم: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ[الزخرف:31] أي: أن محمداً فقير مسكين، فكيف يكون نبياً ونحن أغنياء، وعندنا الأموال، وعندنا البساتين، ولا يكون الواحد منا نبياً؟

    وبعضهم حسده لأنه صغير في السن، كـأبي بن خلف قال: أنا شيخ كبير، وإني أستحي من أن أتبع هذا الغلام القرشي! قال هذا ازدراءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    ألا قل من كان لي حاسداً

    أتدري على من أسأت الأدب

    أسأت على الله في ملكه

    حيث لم ترض لي ما وهب

    ثانياً: العمل، بمعنى: أنك تحاول أن تكسر من حدة نفسك، فلو أنها حدثتك بازدراء إنسان فارفع من قدره، وأنزله منزلته، ولو أن نفسك حدثتك بتمني زوال النعمة عن الغير، فسل الله من فضله أن يعطيك مثلما أعطاه؛ فإنه سبحانه فضله عظيم، وخيره عميم.

    ثم أيضاً لو أن نفسك حدثتك بأن تسوق إليه أذى، فكف هذه النفس وداوها.

    والحسد جائز إذا كان حسداً على أمر ديني، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس).

    يعني: لو رأيت إنساناً صلاته حسنة وتمنيت أن أفعل مثلما يفعل، فلا بأس، ولو أني رأيت إنساناً يقرأ القرآن بصوت ندي، فتمنيت أن يعطيني الله مثلما أعطاه، فلا بأس، ولو وجدت إنساناً غنياً ذا مال، وهو ينفق ذات اليمين وذات الشمال في مرضات الله، فتمنيت أن أعطى مثلما أعطي فلا بأس، أسأل الله سبحانه أن يداوي أمراض قلوبنا.

    1.   

    فضل سورة الناس

    نشرع في تفسير سورة الناس، هذه السورة مدنية، اشتملت على ست آيات، في عشرين كلمة، وتسعة وسبعين حرفاً، فمن وفقه الله عز وجل لقراءة هذه السورة، فله من الحسنات سبعمائة وتسعون حسنة.

    1.   

    حكم تكرار سورة واحدة في ركعتين

    قبل أن ندخل في تفسير هذه السورة المباركة، أنبه على مسألة وهي: أنه في صلاة المغرب قرأ الإمام بسورة الناس في الركعة الأولى، وقرأ بسورة الناس في الركعة الثانية، وقد ظن بعض الإخوان أن هذا سهو وقع من الإمام، ولكن حقيقة الأمر أنه فعل ذلك عمداً، من أجل أن ينتبه الناس إلى سنة، وهي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بسورة الزلزلة في ركعتين) يعني: قرأ في الركعة الأولى: (إذا زلزلت)، وقرأ في الركعة الثانية: (إذا زلزلت).

    وكذلك مر معنا في تفسير سورة الإخلاص الحديث المروي في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رجلاً كان يؤم الأنصار في مسجد قباء، فكان إذا صلى افتتح بـ(قل هو الله أحد)، ثم يضم إليها سورة أخرى، فقال له القوم: إنا نراك تفتح بهذه السورة ثم لا ترضى حتى تضم إليها أخرى، فإما أن تقرأها وحدها، وإما أن تقرأ غيرها، فقال: والله! ما أنا بفاعل، إن شئتم أممتكم، وإن شئتم تركتكم، فكرهوا أن يتركهم؛ لأنهم كانوا يرونه من أفضلهم، فشكوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله النبي عليه الصلاة والسلام: ما يمنعك أن تفعل كما يأمرك أصحابك؟ فقال: يا رسول الله! إني أحبها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حبك إياها أدخلك الجنة).

    فالشاهد: أن هذا الرجل كان يقرأ (قل هو الله أحد) في كل ركعة، ولم ينكر عليه ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

    والإمام البخاري رحمه الله في كتاب الصلاة بوب باباً بعنوان: باب قراءة سورة في ركعتين، وأورد في ذلك أحاديث، ثم قال: وسئل قتادة عمن قرأ في ركعة بسورتين، وعمن ردد سورة في ركعتين، فقال قتادة : كلٌ كتاب الله يعني: أن ذلك داخل في عموم قوله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ[المزمل:20].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أعوذ برب الناس)

    يقول ربنا جل جلاله: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ[الناس:1] الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمفعول محذوف تقديره: قيل لي: (قل)، أو تقديره: قيل لي هذا اللفظ، فقلت كما قيل لي.

    وأعوذ أي: أعتصم وأستجير.

    وقوله: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ[الناس:1] رب الناس: مدبرهم وخالقهم، ورازقهم جل جلاله.

    وكلمة الناس هي من أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، وسمي الناس ناساً إما من النسيان، وإما من الأنس، وإما من النوس، وهو: التحرك والتردد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ملك الناس)

    قال تعالى: مَلِكِ النَّاسِ[الناس:2] أي: حاكمهم، والمتصرف فيهم.

    قال العلامة الشيخ عطية رحمة الله عليه: ملك ملوك الدنيا ملك سياسة ورعاية لا ملك تملك وتصرف، أما ملك الله عز وجل فهو ملك خلق وإيجاد وتصرف، كما قال سبحانه: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ[الشورى:49].

    وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[آل عمران:189].

    وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ[الجاثية:27]، فهو سبحانه مالك كل شيء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إله الناس)

    قال تعالى: إِلَهِ النَّاسِ[الناس:3] أي: معبودهم جل جلاله، وإله بمعنى: مألوه، أي: أنه المعبود المطاع سبحانه وتعالى.

    قال ابن كثير رحمه الله: وهذه الصفات الثلاث فيها تدرج، فإن الله عز وجل قال: (رب الناس) وهذا يقر به الجميع، حتى مشركو العرب كانوا يقرون بأن الله ربهم وخالقهم ورازقهم.

    ثم ترقى إلى أنه ملك الناس جل جلاله، المتصرف فيهم، ثم نتيجة الربوبية والملك أنه سبحانه ينبغي أن يكون هو المألوه، المعبود وحده، فلا يعبد معه غيره.

    ويقول صاحب أضواء البيان رحمه الله: بين هذه السورة وسورة الفاتحة رباط بديع؛ فإن في سورة الفاتحة هذه الصفات الثلاثة، ففي مقابل قوله سبحانه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ[الناس:1] قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الفاتحة:2].

    وفي مقابل قوله سبحانه: مَلِكِ النَّاسِ[الناس:2] قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:4] وهو مالك الأيام كلها.

    وفي مقابل قوله سبحانه: إِلَهِ النَّاسِ[الناس:3] قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الفاتحة:2].

    قال: فتكون الخاتمة كالبداية من باب عود على بدء، وكأن أول المصحف وآخره موضوعهما واحد، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا[النساء:82].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من شر الوسواس الخناس)

    قال تعالى: مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ[الناس:4] الوسواس من الوسوسة، وهي: الحديث الخفي، والوسواس هو: الشيطان، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن، قالوا: حتى أنت يا رسول الله! قال: حتى أنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم).

    وقوله: مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ[الناس:4] الخناس: من خنس إذا اختفى، فالخناس أي: المختفي، وفي الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، فإذا غفل وسوس) فالشيطان نهاز فرص، ينتظر غفلة من الآدمي، فيوسوس له بكل شر، ولذلك سماه الله عز وجل: (الوسواس الخناس).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي يوسوس في صدور الناس)

    قال تعالى: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ[الناس:5] الله عز وجل ذكر الصدور؛ لأنها سياج القلوب، والشيطان جاثم عليها.

    والصدور -كما يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله-: هي التي يعبر بها عن حالة النفس، كما قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[غافر:56].

    وقال: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[الحج:46].

    وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإثم ما حاك في الصدر، وتردد في القلب، وكرهت أن يطلع عليه الناس).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من الجنة والناس)

    قال تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ[الناس:6] الموسوس على نوعين:

    نوع موسوس من الجِنة، وهم: الجن، وسموا جناً لاجتنانهم؛ لأنهم مستورون لا يرون، والموسوس الثاني من الناس، ويدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فجلست، فقال: يا أبا ذر ! هل صليت؟ قلت: لا يا رسول الله! قال: قم فصل، فصليت ثم أتيته، فقال: يا أبا ذر ! تعوذ بالله من شياطين الإنس، قلت: يا رسول الله! أو للإنس شياطين؟ قال: بلى، قلت: يا رسول الله! فما الصلاة؟ قال: خير موضوع، من شاء أقل ومن شاء أكثر، قلت: يا رسول الله! فالصوم؟ قال: فرض مجزئ وعند الله مزيد، قلت: يا رسول الله! فالزكاة؟ قال: أضعاف مضاعفة، قلت: فما أفضلها، قال: جهد من مقل أو سر إلى فقير، قلت: يا رسول الله! فأي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم، قلت: ونبي كان؟ قال: نعم، نبي مكلم، قلت: يا رسول الله! فأي كتاب الله أعظم؟ قال: آية الكرسي: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ))).

    فهناك من يوسوس من الجنة، وهناك من يوسوس من الناس.

    1.   

    مقارنة بين سورتي: الفلق والناس

    هذه السورة والسورة التي قبلها نزلتا معاً، وهناك ذكر ربنا صفة واحدة لنفسه، وهي: أنه رب الفلق، وذكر الاستعاذة من أربعة أشياء:

    من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد.

    وهنا ذكر ربنا لذاته ثلاث صفات:

    رب الناس، ملك الناس، إله الناس، والمستعاذ منه شيء واحد: الوسواس الخناس، قالوا: لأن في السورة السابقة تلك كلها مضرتها في الدنيا، فالحاسد، والساحر، والليل أو القمر إذا غاب، أو شرور المخلوقات عموماً كلها ضررها في الدنيا، أما هذا فضرره يتعدى إلى الآخرة. هذا أمر.

    الأمر الثاني: أن تلك ظاهرة يستطيع الإنسان أن يتقيها، وأن يحترز منها، أما هذا الوسواس الخناس فإنه خفي غير ظاهر، كما قال الله عز وجل: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ[الأعراف:27]؛ ولذلك كانت الاستعاذة منه أعظم.

    1.   

    سبب تقديم الجن على الناس في سورة الناس

    في هذه السورة قدم الله عز وجل الجنة على الناس، وفي سورة الأنعام قال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ[الأنعام:112] فقدم الإنس على الجن، لماذا؟ قالوا: لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من أن يتسلط عليهم الشياطين، لكن مخالطة خبثاء البشر لهم أكثر، يعني: شياطين الإنس أمثال: أبي جهل ، و عقبة بن أبي معيط و الوليد بن المغيرة المخزومي وأمثالهم؛ فإن هؤلاء كان ضررهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الشيطان الرجيم.

    1.   

    ذكر بعض شرور الشياطين

    كل شر في هذا الكون إنما هو من الشيطان قاتله الله، ومن شروره -عليه لعنة الله- أنه قد جعل الله له مدخلاً في جوف ابن آدم، ونفوذاً إلى عروقه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأيام معتكفاً في المسجد، فجاءت زوجه صفية رضي الله عنها، فجلست معه تؤنسه، فلما أرادت أن تنقلب إلى بيتها قام يشيعها، وهذا من مكارم أخلاقه صلوات ربي وسلامه عليه، فجاء رجلان من الأنصار الكرام عليهما من الله الرضوان، فلما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه سواد امرأة أسرعا، فقال عليه الصلاة والسلام: (على رسلكما؛ إنها صفية زوجتي، فقالوا: سبحان الله! يا رسول الله!) يعني: لا يحتاج أن تبرئ ساحتك، أنت النبي، أنت الرسول، أنت المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلبيكما شراً فتهلكا) أي: يقذف في قلوبكم شك سوء نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون الكفر والعياذ بالله! يعني: أنه فعل ذلك حرصاً عليهما لا على نفسه صلوات الله وسلامه عليه.

    ومن شر الشيطان أنه ملازم لك يا ابن آدم من المحيا إلى الممات، لا يفارقك، يعني: لا يكون عندك أمل بأن الشيطان سيموت ويريحك، جاء في بعض الآثار: (أن الشيطان لما طرد من الجنة قال: يا رب! أخرجتني من الجنة بسبب آدم وذريته، فأعطني، قال الله عز وجل: لا يولد لآدم ولد إلا ولد لك عشرة، قال: يا رب! زدني، قال الله عز وجل: جعلت صدورهم مساكن لك ولذريتك، قال: يا رب! زدني، قال الله عز وجل: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا[الإسراء:64]).

    ومن شره قاتله الله: أنه يفسد على العبد عبادته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله ضراط، فإذا قضى أقبل) أي: إذا انتهى المؤذن يرجع الشيطان، (فإذا ثوب بالصلاة -أي: أقيمت الصلاة- أدبر، فإذا قضي رجع، حتى يخطر بين أحدكم وبين قلبه؛ يقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، اذكر كذا، حتى ما يدري أصلى ثلاثاً أم أربعاً)، وهذا حاصل نكاد نراه.

    ومن شر الشيطان قاتله الله: أن ابن آدم إذا نام عقد على قافيته ثلاث عقد، يقول له: عليك ليل طويل فنم، يعني: لا يريد له أن يقوم لصلاة ولا لذكر.

    ومن شر الشيطان: أنه يبول في أذن ابن آدم حتى يصبح، لا يصلي بالليل ولا يذكر الله عز وجل، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل نام حتى أصبح فقال: (ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه).

    ومن شر الشيطان: أنه يحاول أن يصرف ابن آدم عن العبادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها: قعد له بطريق الإسلام قبل أن يسلم، قال: تسلم، وتذر دينك ودين آبائك، ودين أجدادك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، قال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟ فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، قال: تجاهد، وإنما الجهاد ذهاب المال والنفس؟ فعصاه فجاهد، فمن فعل ذلك كان حقاً على الله إن قتل أن يدخله الجنة، وإن مات أن يدخله الجنة، وإن وقصته دابته أن يدخله الجنة).

    والشيطان رضي لنفسه أن يكون قواداً لبني آدم، كما قال عز وجل عنه: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ[ص:82]، وقال عز وجل: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ[الأعراف:16-17].

    1.   

    مداخل الشيطان على ابن آدم

    حصر ابن القيم شرور الشيطان في أمور ستة يتدرج بها لابن آدم، فإنه يحاول أن يوقعه في الشرك، والكفر بالله، وتلك غاية أمله، فإذا أشرك العبد أو كفر فإن الشيطان قد سكت أنينه، وخف حنينه، وقنعت نفسه ورضيت، فإنه يريد للناس جميعاً أن يكونوا مشركين، وأن يكونوا كفاراً بالله عز وجل.

    فإذا لم يقدر على هذه انتقل إلى الثاني، فيوقع الإنسان في البدعة، التي هي بريد الكفر، فيوقعه في أن يشرع في الدين ما لم يأذن به الله، ويخترع من عنده.

    فإذا لم يستطع أوقعه في كبائر الذنوب، كقتل النفس، والسرقة، والزنا، وقذف المحصنات الغافلات، وممارسة السحر، وما إلى ذلك.

    فإن عجز عن هذه أوقعه في الذنوب الصغيرة، التي مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بجماعة خرجوا في سفر، ثم طلبوا حطباً ليوقدوا ناراً ينضجوا طعامهم، فجعل هذا يأتي بواحدة، وهذا يأتي بواحدة، حتى أنضجوا طعامهم، ثم قال: (إياكم! ومحقرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على العبد حتى يهلكنه).

    فإن عجز عن هذه انتقل إلى الخامسة، وهي: أن يشغل الإنسان بالعمل المباح عن العمل الواجب، كملاعبة الزوجة والعيال مثلاً، فيشغله بهذا عن صلاة الفريضة في بيت الله عز وجل.

    فإن عجز عن هذه الخامسة ينتقل إلى السادسة، وهي: أن يشغله بالعمل المفضول عن العمل الفاضل، كما يفعل ببعض طلبة العلم، حيث يشغلهم بتحقيق بعض المسائل التي قد تكون من الفضول عن تبليغ الدعوة، والقيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو يشغل بعض الناس بقيام الليل، ثم ينيمهم عن صلاة الصبح، والفريضة أفضل من النافلة بغير شك.

    1.   

    كيفية الوقاية من شر الشيطان

    كيف نتقي شر الشيطان؟

    الشيطان عدونا، فالنسيان الذي نقع فيه من الشيطان، كما قال الله عز وجل: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ[الكهف:63]، وقال: وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[الأنعام:68].

    والشيطان سبب لسائر الشرور، كما قال عز وجل: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ[فاطر:6]، وقال: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[يس:60]، وقال: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ[الأعراف:19]، وقال سبحانه: فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى[طه:117].

    فالشيطان عدو لأبينا وعدو لنا، فكيف نتقي شره؟

    نتقي شره بعشر وسائل هي:

    الوسيلة الأولى: الإكثار من الاستعاذة منه، قال الله عز وجل: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ[الأعراف:200-202]، فالاستعاذة بالله من الشيطان مطلوبة.

    الوسيلة الثانية: قراءة هاتين السورتين العظيمتين: (قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تعوذ متعوذ بمثلهن قط).

    الوسيلة الثالثة: قراءة سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة، سورة البقرة من قرأها في بيته نهاراً لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام، ومن قرأها في بيته ليلاً لم يدخل الشيطان بيته ثلاث ليال.

    الوسيلة الرابعة: قراءة آية الكرسي، وحديث أبي هريرة معروف لما وكله رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفظ صدقة الفطر، فجاء الشيطان يحثو، وعلَّم أبا هريرة أن يقرأ آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه، وقال: إنه لا يزال عليك من الله حافظ حتى تصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صدقك وإنه لكذوب).

    الوسيلة الخامسة: قراءة خواتيم البقرة: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ...[البقرة:285] لما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأهما في ليلة كفتاه).

    وفي الحديث الذي رواه أبو داود و الحاكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب كتاباً وهو عنده فوق العرش قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين هما: خواتيم سورة البقرة).

    الوسيلة السادسة: قراءة أول سورة غافر: حم[غافر:1] إلى قوله تعالى: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ[غافر:3] مع آية الكرسي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ (حم) إلى قوله: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ مع آية الكرسي حين يصبح حفظ بها حتى يمسي، ومن قرأها حين يمسي حفظ بها حتى يصبح).

    الوسيلة السابعة: ذكر الله عز وجل، فإن الذي لا يذكر الله يتمكن الشيطان منه، قال ربنا سبحانه: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ[الزخرف:36].

    الوسيلة الثامنة: المحافظة على الوضوء والصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم تتقد، ألا ترون إلى احمرار عينيه، وانتفاخ أوداجه؟ فأطفئوه بالماء) فالإنسان إذا غضب، وإذا ثارت قوته الغضبية أو قوته الشهوانية، فعليه أن يستعين بالله عز وجل على هذا الشيطان بالوضوء، فسواء ثار غضبك، أو ثارت شهوتك لما حرم الله عز وجل، فأطفئ ذلك بالماء.

    الوسيلة التاسعة: ترك المعاصي، فعلى الإنسان أن يجتنب المعاصي كلها؛ لأن الشيطان لا سبيل له على عباد الله الصالحين.

    الوسيلة العاشرة: ترك فضول النظر، وفضول الكلام، وفضول المخالطة، فعلى الإنسان أن يترك فضول النظر، فلا ينظر إلى كل شيء، بل يغض بصره، ويترك فضول الكلام، فلا يتكلم في كل شيء، فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ويترك فضول المخالطة، فلا يخالط إلا من ينتفع به في دينه، أو دنياه، أو فيهما معاً.